الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٥٣
الحديث رقم ٢٠٥٣ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تفسير المشبهات.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ.
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ النبي ﷺ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ احْتَجِبِي مِنْهُ يا سودة، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.
[الحديث ٢٠٥٣ - أطرافه في: ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢]
٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رسول الله ﷺ عَنْ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ: لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِضَمَّتَيْنِ مُخَفَّفًا بِغَيْرِ مِيمٍ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ تَاءٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ إِنَّ الشُّبُهَاتِ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْلَمُهَا، أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُعَرِّفَ الطَّرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا لِتُجْتَنَبَ، فَذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَضْبِطُهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ أَحَادِيثَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مَرَاتِبُ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْهَا، ثُمَّ ثَنَّى بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُكْرَهُ. وَشَرْحُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلَهُ التَّحْرِيمُ أَوِ الْإِبَاحَةُ أَوْ يُشَكُّ فِيهِ، فَالْأَوَّلُ كَالصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ قَبْلَ ذَكَاتِهِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا لَمْ يَزُلْ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
وَالثَّانِي كَالطَّهَارَةِ إِذَا حَصَلَتْ لَا تُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينِ الْحَدَثِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَعَبْدٌ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ، وَهُمَا عَلَى مِلْكِهِ. وَالثَّالِثُ مَا لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلُهُ وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ فِي الْبَابِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) هُوَ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْعُبَّادِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَاتْرُكْهُ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ اجْتَمَعَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَحَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ فَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو الذي كسر ثنيَّة النَّبيِّ ﷺ في وقعة أُحُدٍ ومات على شِرْكه، وقد ذكر ابن الأثير في «أُسْد الغابة» ما يقتضي أنَّه أسلم، فالله أعلم، قاله الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقال في «الإصابة»: لم أرَ من ذكره في الصحابة إلَّا ابن منده، وقد اشتدَّ إنكار أبي نُعيمٍ عليه في ذلك وقال: هو الَّذي كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ وما علمت له إسلامًا، بل روى عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، وعن عثمان الجزريِّ عن مقسمٍ: أنَّ عتبة لمَّا كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ دعا عليه ألَّا يحولَ عليه الحولُ حتَّى يموتَ كافرًا، فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا إلى النَّار، وحينئذٍ فلا معنى لإيراده في الصَّحابة، واستند ابن منده في قوله بما لا يدلُّ على إسلامه، وهو قوله في هذا الحديث: كان عتبة بن أبي وقاص (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة، وهو (١) أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وأَحَدُ مَنْ فداه رسول الله ﷺ بأبيه وأمِّه (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريِّ، أي: جاريته، ولم تسمَّ، واسم ولدها صاحب القصَّة: عبد الرَّحمن، وزَمْعَة: بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: «زَمَعَة» (٢) بفتحهما (٣)، قال الوقَّشِيُّ: وهو الصَّواب (مِنِّي فَاقْبِضْهُ) بهمزة وصلٍ وكسر الموحَّدة، وأصل هذه القصَّة: أنَّه
كانت (١) لهم (٢) في الجاهليَّة إماءٌ يزنين، وكانت السَّادة تأتيهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهنَّ بولدٍ، فربَّما يدَّعيه السَّيِّد، وربَّما يدَّعيه الزَّاني، فإذا مات السَّيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره، فادَّعاه (٣) ورثته لحق به، إلَّا أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلَّا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السَّيِّد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة أمِّ المؤمنين أمةٌ على ما وُصِف، وعليها ضريبةٌ، وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حملٌ كان سيِّدها يظنُّ أنَّه من عتبة أخي سعدٍ، فعهد عتبة إلى أخيه سعدٍ قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ) أي: الولد (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وسقط قوله (٤) «أنَّ ابن وليدة … » إلى هنا من رواية ابن عساكر، وقال في نسخته: إنَّه لم يكن في الأصل، وهو من رواية الحَمُّويي والنُّعيميِّ، كذا نقل عن «اليونينيَّة» (وَقَالَ) أي: سعد: هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به، وسقط لابن عساكر لفظ (٥) «قد» (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة، ابن قيس بن عبد شمس القرشيُّ العامريُّ، أسلم يوم الفتح، وهو أخو سَودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) أي: فتدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (ﷺ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (كَانَ قَدْ عَهِدَ) ولابن عساكر: «كان عهد» (إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقال (٦) النبيُّ» (ﷺ: هُوَ) أي:
الولد (لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل ونصب نون «ابن»، ولأبي ذرٍّ: «يا عَبْدَ» بفتحها، وسقط في رواية النَّسائيِّ أداة النِّداء، واختُلِف في قوله: «لك» على قولين: أحدهما: معناه: هو أخوك إمَّا بالاستلحاق وإمَّا بالقضاء (١) بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ﵊ والد زوجته، ويؤيِّده ما في «المغازي» عند المؤلِّف [خ¦٤٣٠٣]: «هو لك، فهو أخوك يا عبد»، وأمَّا ما عند أحمد في «مسنده» والنَّسائيِّ في «سُننه» من زيادة: «ليس لك بأخٍ» فأعلَّها البيهقيُّ، وقال المنذريُّ: إنَّها زيادةٌ غير ثابتة. والثَّاني: أنَّ معناه: هو لك مِلْكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يقرَّ به ولا شهد عليه، فلم يبقَ إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، وهذا قاله ابن جريرٍ. (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) وهو على حذف مضافٍ، أي: لصاحب الفراش، زوجًا أو سيِّدًا، وفي «كتاب الفرائض» عند المؤلف [خ¦٦٧٥٠] من حديث أبي هريرة: «الولد لصاحب الفراش»، وترجم عليه وعلى حديث عائشة [خ¦٦٧٤٩]: «الولد للفراش، حرَّة كانت أو أمةً» وهو لفظٌ عامٌّ ورد على سببٍ خاصٍّ، وهو مُعتَبرُ العموم عند الأكثر نظرًا لظاهر اللَّفظ، وقيل: هو مقصورٌعلى السَّبب لوروده فيه، ومثاله حديث التِّرمذيِّ وغيره عن أبي سعيد الخدريِّ قيل: يا رسول الله، أنتوضَّأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ تلقى فيها (٢) الحِيَض (٣) ولحوم الكلاب والنَّتن؟
فقال: «إنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء» أي: ممَّا ذُكِر وغيره، وقيل: ممَّا ذُكِر، وهو ساكتٌ عن غيره، ثمَّ إنَّ صورة السَّبب التي ورد عليها العامُّ قطعيَّةَ الدُّخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها، فلا يخصُّ منه بالاجتهاد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلَّت قرائنُ حاليَّة أو مقاليَّة على ذلك أو على أنَّ اللَّفظ العامَّ يشمله بطريقٍ [الوضع] (١) لا محالة وإلَّا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعًا (٢) تحت اللَّفظ العامِّ، ويدَّعي أنَّه قد يقصد المتكلِّمُ بالعام إخراجَ السَّبب وبيان أنَّه ليس داخلًا في الحكم، فإنَّ للحنفيَّة (٣) -القائلين: إنَّ ولدَ الأمةِ المستفرشة لا يَلْحَق سيِّدها ما لم يقرَّ به؛ نظرًا إلى أنَّ الأصل في اللَّحاق الإقرار- أن يقولوا في قوله ﵊: «الولد للفراش»: وإن كان واردًا في أمةٍ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إمَّا بالثُّبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أنَّ الفراش هي الزَّوجة؛ لأنَّها هي التي يُتَّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: «الولد للفراش» كان فيه حصرُ أنَّ الولد للحرَّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا: نفي السَّبب عن المسبَّب (٤) وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع ههنا، وذلك من جهة اللَّفظ، وهذا في الحقيقة نزاعٌ في أنَّ اسم الفراش هل هو موضوع للحرَّة والأمة الموطوءة أو للحرَّة فقط؟ فالحنفيَّة يدَّعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأمة، فتخرج المسألة حينئذٍ من باب أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ أو بخصوص السَّبب، نعم قوله ﷺ في هذا الحديث: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» بهذا التَّركيب يقتضي أنَّه ألحقه به على حكم السَّبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: «للفراش» فليُتَنَبَّه لهذا البحث فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وبالجملة فهذا الحديث أصلٌ في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطءٌ محرَّمٌ. (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخَيبة، ولا حقَّ له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشَّخص: له الحَجَر وله التُّراب، وقيل: هو على ظاهره، أي: الرَّجم بالحجارة، وضُعِّفَ بأنَّه ليس كل زانٍ يُرْجَم، بل المحصن، وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ.
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رسول الله ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ النبي ﷺ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ. ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ احْتَجِبِي مِنْهُ يا سودة، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ.
[الحديث ٢٠٥٣ - أطرافه في: ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢]
٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رسول الله ﷺ عَنْ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ: لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِضَمَّتَيْنِ مُخَفَّفًا بِغَيْرِ مِيمٍ، وَلِابْنِ عَسَاكِرَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ تَاءٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ إِنَّ الشُّبُهَاتِ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْلَمُهَا، أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُعَرِّفَ الطَّرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا لِتُجْتَنَبَ، فَذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَضْبِطُهَا، ثُمَّ أَوْرَدَ أَحَادِيثَ يُؤْخَذُ مِنْهَا مَرَاتِبُ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْهَا، ثُمَّ ثَنَّى بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِبَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يُكْرَهُ. وَشَرْحُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلَهُ التَّحْرِيمُ أَوِ الْإِبَاحَةُ أَوْ يُشَكُّ فِيهِ، فَالْأَوَّلُ كَالصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ قَبْلَ ذَكَاتِهِ فَإِذَا شَكَّ فِيهَا لَمْ يَزُلْ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
وَالثَّانِي كَالطَّهَارَةِ إِذَا حَصَلَتْ لَا تُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينِ الْحَدَثِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَعَبْدٌ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ، وَهُمَا عَلَى مِلْكِهِ. وَالثَّالِثُ مَا لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلُهُ وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ التَّمْرَةِ السَّاقِطَةِ فِي الْبَابِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) هُوَ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْعُبَّادِ فِي زَمَنِ التَّابِعِينَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ فَاتْرُكْهُ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ اجْتَمَعَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَحَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ فَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو الذي كسر ثنيَّة النَّبيِّ ﷺ في وقعة أُحُدٍ ومات على شِرْكه، وقد ذكر ابن الأثير في «أُسْد الغابة» ما يقتضي أنَّه أسلم، فالله أعلم، قاله الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقال في «الإصابة»: لم أرَ من ذكره في الصحابة إلَّا ابن منده، وقد اشتدَّ إنكار أبي نُعيمٍ عليه في ذلك وقال: هو الَّذي كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ وما علمت له إسلامًا، بل روى عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، وعن عثمان الجزريِّ عن مقسمٍ: أنَّ عتبة لمَّا كسر رباعيَّة النَّبيِّ ﷺ دعا عليه ألَّا يحولَ عليه الحولُ حتَّى يموتَ كافرًا، فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا إلى النَّار، وحينئذٍ فلا معنى لإيراده في الصَّحابة، واستند ابن منده في قوله بما لا يدلُّ على إسلامه، وهو قوله في هذا الحديث: كان عتبة بن أبي وقاص (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة، وهو (١) أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وأَحَدُ مَنْ فداه رسول الله ﷺ بأبيه وأمِّه (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريِّ، أي: جاريته، ولم تسمَّ، واسم ولدها صاحب القصَّة: عبد الرَّحمن، وزَمْعَة: بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: «زَمَعَة» (٢) بفتحهما (٣)، قال الوقَّشِيُّ: وهو الصَّواب (مِنِّي فَاقْبِضْهُ) بهمزة وصلٍ وكسر الموحَّدة، وأصل هذه القصَّة: أنَّه
كانت (١) لهم (٢) في الجاهليَّة إماءٌ يزنين، وكانت السَّادة تأتيهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهنَّ بولدٍ، فربَّما يدَّعيه السَّيِّد، وربَّما يدَّعيه الزَّاني، فإذا مات السَّيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره، فادَّعاه (٣) ورثته لحق به، إلَّا أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلَّا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السَّيِّد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة أمِّ المؤمنين أمةٌ على ما وُصِف، وعليها ضريبةٌ، وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حملٌ كان سيِّدها يظنُّ أنَّه من عتبة أخي سعدٍ، فعهد عتبة إلى أخيه سعدٍ قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ) أي: الولد (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وسقط قوله (٤) «أنَّ ابن وليدة … » إلى هنا من رواية ابن عساكر، وقال في نسخته: إنَّه لم يكن في الأصل، وهو من رواية الحَمُّويي والنُّعيميِّ، كذا نقل عن «اليونينيَّة» (وَقَالَ) أي: سعد: هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به، وسقط لابن عساكر لفظ (٥) «قد» (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة، ابن قيس بن عبد شمس القرشيُّ العامريُّ، أسلم يوم الفتح، وهو أخو سَودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) أي: فتدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رسول الله» (ﷺ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (كَانَ قَدْ عَهِدَ) ولابن عساكر: «كان عهد» (إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقال (٦) النبيُّ» (ﷺ: هُوَ) أي:
الولد (لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل ونصب نون «ابن»، ولأبي ذرٍّ: «يا عَبْدَ» بفتحها، وسقط في رواية النَّسائيِّ أداة النِّداء، واختُلِف في قوله: «لك» على قولين: أحدهما: معناه: هو أخوك إمَّا بالاستلحاق وإمَّا بالقضاء (١) بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ﵊ والد زوجته، ويؤيِّده ما في «المغازي» عند المؤلِّف [خ¦٤٣٠٣]: «هو لك، فهو أخوك يا عبد»، وأمَّا ما عند أحمد في «مسنده» والنَّسائيِّ في «سُننه» من زيادة: «ليس لك بأخٍ» فأعلَّها البيهقيُّ، وقال المنذريُّ: إنَّها زيادةٌ غير ثابتة. والثَّاني: أنَّ معناه: هو لك مِلْكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يقرَّ به ولا شهد عليه، فلم يبقَ إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، وهذا قاله ابن جريرٍ. (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) وهو على حذف مضافٍ، أي: لصاحب الفراش، زوجًا أو سيِّدًا، وفي «كتاب الفرائض» عند المؤلف [خ¦٦٧٥٠] من حديث أبي هريرة: «الولد لصاحب الفراش»، وترجم عليه وعلى حديث عائشة [خ¦٦٧٤٩]: «الولد للفراش، حرَّة كانت أو أمةً» وهو لفظٌ عامٌّ ورد على سببٍ خاصٍّ، وهو مُعتَبرُ العموم عند الأكثر نظرًا لظاهر اللَّفظ، وقيل: هو مقصورٌعلى السَّبب لوروده فيه، ومثاله حديث التِّرمذيِّ وغيره عن أبي سعيد الخدريِّ قيل: يا رسول الله، أنتوضَّأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ تلقى فيها (٢) الحِيَض (٣) ولحوم الكلاب والنَّتن؟
فقال: «إنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء» أي: ممَّا ذُكِر وغيره، وقيل: ممَّا ذُكِر، وهو ساكتٌ عن غيره، ثمَّ إنَّ صورة السَّبب التي ورد عليها العامُّ قطعيَّةَ الدُّخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها، فلا يخصُّ منه بالاجتهاد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلَّت قرائنُ حاليَّة أو مقاليَّة على ذلك أو على أنَّ اللَّفظ العامَّ يشمله بطريقٍ [الوضع] (١) لا محالة وإلَّا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعًا (٢) تحت اللَّفظ العامِّ، ويدَّعي أنَّه قد يقصد المتكلِّمُ بالعام إخراجَ السَّبب وبيان أنَّه ليس داخلًا في الحكم، فإنَّ للحنفيَّة (٣) -القائلين: إنَّ ولدَ الأمةِ المستفرشة لا يَلْحَق سيِّدها ما لم يقرَّ به؛ نظرًا إلى أنَّ الأصل في اللَّحاق الإقرار- أن يقولوا في قوله ﵊: «الولد للفراش»: وإن كان واردًا في أمةٍ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إمَّا بالثُّبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أنَّ الفراش هي الزَّوجة؛ لأنَّها هي التي يُتَّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: «الولد للفراش» كان فيه حصرُ أنَّ الولد للحرَّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا: نفي السَّبب عن المسبَّب (٤) وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع ههنا، وذلك من جهة اللَّفظ، وهذا في الحقيقة نزاعٌ في أنَّ اسم الفراش هل هو موضوع للحرَّة والأمة الموطوءة أو للحرَّة فقط؟ فالحنفيَّة يدَّعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأمة، فتخرج المسألة حينئذٍ من باب أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ أو بخصوص السَّبب، نعم قوله ﷺ في هذا الحديث: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» بهذا التَّركيب يقتضي أنَّه ألحقه به على حكم السَّبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: «للفراش» فليُتَنَبَّه لهذا البحث فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وبالجملة فهذا الحديث أصلٌ في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطءٌ محرَّمٌ. (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخَيبة، ولا حقَّ له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشَّخص: له الحَجَر وله التُّراب، وقيل: هو على ظاهره، أي: الرَّجم بالحجارة، وضُعِّفَ بأنَّه ليس كل زانٍ يُرْجَم، بل المحصن، وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي