«مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ.» بَاب�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨٨

الحديث رقم ٢٢٨٨ من كتاب «كتاب الحولات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا أحال على ملي فليس له رد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٨٨ في صحيح البخاري

«مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ.»

بَابٌ: إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٢٨٨

٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ كَالتَّوْطِئَةِ وَالْعِلَّةِ لِقَبُولِ الْحَوَالَةِ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْمَطْلُ ظُلْمًا فَلْيَقْبَلْ مَنْ يَحْتَالُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الظُّلْمِ فَلَا يَمْطُلَ. نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْوَاوِ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَكِنْ قَالَ: وَمَنْ أُتْبِعَ وَمُنَاسَبَةُ الْجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عَقَّبَهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيءِ لِمَا فِي قَبُولِهَا مِنْ دَفْعِ الظُّلْمِ الْحَاصِلِ بِالْمَطْلِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ مُطَالَبَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ سَهْلَةً عَلَى الْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحِيلِ، فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ إِعَانَةٌ عَلَى كَفِّهِ عَنِ الظُّلْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَطْلِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعَدُّ فِعْلُهُ عَمْدًا كَبِيرَةً أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ يَفْسُقُ، لَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ فِسْقُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا عَدَمُهُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ وَابْتِغَاءِ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَالْكَبِيرَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ. نَعَمْ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ عُذْرِهِ، انْتَهَى.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُقُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمْ لَا؟ فَالَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ الْبَابِ التَّوَقُّفُ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلَ يُشْعِرُ بِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلِ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ كَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَالْحَاكِمِ لِرَعِيَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنِ الذَّاتِ عِنْدَ انْتِفَاءِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَاجِزَ لَا يُسَمَّى مَاطِلًا، وَعَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي مَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ، وَهَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ الْغَنِيِّ أَوْ لَيْسَ هُوَ فِي الْحُكْمِ بِغَنِيٍّ؟ الْأَظْهَرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْمِ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يُحْبَسُ وَلَا يُطَالَبُ حَتَّى يُوسِرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَتُهُ لَكَانَ ظَالِمًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِعَجْزِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِذَا صَحَّتْ ثُمَّ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ بِحُدُوثِ حَادِثٍ كَمَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَةٌ، فَلَمَّا شُرِطَتْ عُلِمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ عَوَّضَهُ عَنْ دَيْنِهِ بِعِوَضٍ ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَرْجِعُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَشَبَّهُوهُ بِالضَّمَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمُمَاطِلِ وَإِلْزَامِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَأَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَى الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يُشْتَرَطُ أَيْضًا، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة، وَفِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْقَاطِعَةِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ عَنِ الْمُمَاطَلَةِ، وَهِيَ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ.

عع

٢ - بَاب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ

٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ.

٣ - بَاب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ

٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ،

قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.

[الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في ٢٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ، وَإِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيءٍ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ). كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ. وَالتَّرْجَمَةُ الثَّانِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْبَابِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحَةٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ ذَلِكَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ النَّعَيْمِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ عِنْدَ الْحَمَوِيِّ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ. قُلْتُ: وَثَبَتَتْ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَرَوَاهَا أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ النَّسَفِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ. وَيُؤَيِّدُ صَنِيعَ النَّسَفِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ تَرْجَمَ بَعْدَ أَبْوَابٍ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بَابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَلَوْ كَانَ مَا صَنَعَهُ أَبُو ذَرٍّ مَحْفُوظًا لَكَانَ قَدْ كَرَّرَ التَّرْجَمَةَ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ.

(تَنْبِيهَانِ):

الْأَوَّلُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ بْنِ وَاقِدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفِرْيَابِيُّ صَاحِبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التِّنِّيسِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَلَمْ يَلْقَ الْفِرْيَابِيُّ، مَالِكًا وَلَا التِّنِّيسِيُّ، سُفْيَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِي: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا تَرْجَمَ بِالْحَوَالَةِ، فَقَالَ: إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ ثُمَّ أَدْخَلَ حَدِيثَ سَلَمَةَ وَهُوَ فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالضَّمَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُتَقَارِبَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَنْتَظِمَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقَلَ ذِمَّةَ رَجُلٍ إِلَى ذِمَّةِ رَجُلٍ آخَرَ، وَالضَّمَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَقْلُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ إِلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَصَارَ كَالْحَوَالَةِ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَفَالَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَتَى بِجِنَازَةٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ صَاحِبِ هَذِهِ الْجِنَازَةِ وَلَا عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: مَاتَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَفِظْنَاهُ وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ آذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. الْحَدِيثَ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى)، ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ وَتُرِكَ حَالٌ رَابِعٌ، الْأَوَّلُ: لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَفَاءٌ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ، وَالرَّابِعُ: مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَهُ مَالٌ، وَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ بَلْ لِكَوْنِهِ كَانَ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ: دِينَارَانِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ

بِنْتِ يَزِيدَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا كَانَا دِينَارَيْنِ وَشَطْرًا، فَمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ جَبَرَ الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: دِينَارَانِ أَلْغَاهُ، أَوْ كَانَ أَصْلُهُمَا ثَلَاثَةً فَوَفَى قَبْلَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَبَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، فَمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، فَبِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ: دِينَارَانِ، فَبِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَهَذَا دُونَ دِينَارَيْنِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: دِرْهَمَيْنِ، وَيُجْمَعُ إِنْ ثَبَتَ بِالتَّعَدُّدِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ نَفْسِهِ: فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَنَا أَتَكَفَّلُ بِهِ. زَادَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ: هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟ حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الْآنَ حِينَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مَرَّةً أُخْرَى; فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الرَّجُلِ، وَيَسْأَلُ عَنْ دَيْنِهِ، فَإِنْ قِيلَ: عَلَيْهِ دَيْنٌ كَفّ، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى. فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّرَ سَأَلَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: دِينَارَانِ، فَعَدَلَ عَنْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَفَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ. الْحَدِيثَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْكَفَالَةِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَعَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِنْ قَالَ: إِنَّمَا ضَمِنْتُ لِأَرْجِعَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَعَلِمَ الضَّامِنُ بِذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ وَفَاءً جَازَ الضَّمَانُ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِصُعُوبَةِ أَمْرِ الدَّيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَحَمُّلُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي تَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد التَّاء، كما في «الفرع»، وقال النَّوويُّ: المشهور في الرِّواية واللُّغة التَّخفيف، وقال الخطَّابيُّ: أكثر المحدِّثين يقولونه بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف، والمعنى: جُعِل تابعًا له بدَينه، وهو معنى «أُحيل» في الرِّواية الأخرى في «مُسند» الإمام أحمد بلفظ: «وإذا أُحيل أحدكم على مليء فَلْيَحْتَلْ» (١) ولهذا عدَّى أتبع بـ «على» لأنَّه ضُمِّن معنى «أُحيل»، وعند ابن ماجه من حديث ابن عمر: «فإذا أُحِلْتَ على مليء فاتَّبعه» بتشديد التَّاء بلا خلافٍ، وجمهور العلماء على أنَّ هذا الأمر للنَّدب، وقال أهل الظَّاهر وجماعةٌ من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على المليِّ كما حكيناه في الباب السَّابق عن «الرِّعاية» من كتبهم، وإليه مال البخاريُّ حيث قال: فليس له ردٌّ، وهو ظاهر الحديث، وعلى الأوَّل فالصَّارف للأمر عن حقيقته، وهي الوجوب إلى النَّدب أنَّه راجعٌ لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، فيكون أمر إرشادٍ، أشار إليه ابن دقيق العيد بقوله: لِمَا فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحقِّ عنه، وترك تكليفه التَّحصيل بالطَّلِبة (٢). انتهى. وقد يُقال: الإحسان قد يكون واجبًا كإنظار المعسر، والدُّنيويُّ إنَّما هو في جانب المحيل، أمَّا قبول المحتال الحوالة فلأمرٍ أخرويٍّ، وقيل: الصَّارف كونه أمرًا بعد حظرٍ، وهو بيع الكالئ بالكالئ، فيكون للإباحة أو النَّدب (٣) على المُرجَّح في الأصول، «ومن أُتبِع» بالواو، وحينئذٍ فلا تعلُّق للجملة الثَّانية بالأولى بخلاف الحديث السَّابق حيث عبَّر بالفاء بقوله: «فإذا أُتبِع»، وقد مرَّ ما في ذلك، وهذا الباب ثابتٌ في نسخة الفَِربريِّ، ساقطٌ من نسخ الباقين.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ كَالتَّوْطِئَةِ وَالْعِلَّةِ لِقَبُولِ الْحَوَالَةِ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْمَطْلُ ظُلْمًا فَلْيَقْبَلْ مَنْ يَحْتَالُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الظُّلْمِ فَلَا يَمْطُلَ. نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِالْوَاوِ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَكِنْ قَالَ: وَمَنْ أُتْبِعَ وَمُنَاسَبَةُ الْجُمْلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَطْلَ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عَقَّبَهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُولُ الْحَوَالَةِ عَلَى الْمَلِيءِ لِمَا فِي قَبُولِهَا مِنْ دَفْعِ الظُّلْمِ الْحَاصِلِ بِالْمَطْلِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَكُونُ مُطَالَبَةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ سَهْلَةً عَلَى الْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحِيلِ، فَفِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ إِعَانَةٌ عَلَى كَفِّهِ عَنِ الظُّلْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَطْلِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعَدُّ فِعْلُهُ عَمْدًا كَبِيرَةً أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهُ يَفْسُقُ، لَكِنْ هَلْ يَثْبُتُ فِسْقُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ لَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا عَدَمُهُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ بَعْدَ طَلَبِهِ وَابْتِغَاءِ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَالْكَبِيرَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ. نَعَمْ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ عُذْرِهِ، انْتَهَى.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَفْسُقُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمْ لَا؟ فَالَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ الْبَابِ التَّوَقُّفُ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلَ يُشْعِرُ بِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلِ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ كَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَالْحَاكِمِ لِرَعِيَّتِهِ وَبِالْعَكْسِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنِ الذَّاتِ عِنْدَ انْتِفَاءِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَاجِزَ لَا يُسَمَّى مَاطِلًا، وَعَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي مَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَا يَدْخُلُ فِي الظُّلْمِ، وَهَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ الْغَنِيِّ أَوْ لَيْسَ هُوَ فِي الْحُكْمِ بِغَنِيٍّ؟ الْأَظْهَرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْمِ غَنِيًّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يُحْبَسُ وَلَا يُطَالَبُ حَتَّى يُوسِرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَتُهُ لَكَانَ ظَالِمًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِعَجْزِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إِذَا صَحَّتْ ثُمَّ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ بِحُدُوثِ حَادِثٍ كَمَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْغِنَى فَائِدَةٌ، فَلَمَّا شُرِطَتْ عُلِمَ أَنَّهُ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ عَوَّضَهُ عَنْ دَيْنِهِ بِعِوَضٍ ثُمَّ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَرْجِعُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، وَشَبَّهُوهُ بِالضَّمَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمُمَاطِلِ وَإِلْزَامِهِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَأَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَى الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ دُونَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ يُشْتَرَطُ أَيْضًا، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة، وَفِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْقَاطِعَةِ لِاجْتِمَاعِ الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ عَنِ الْمُمَاطَلَةِ، وَهِيَ تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ.

عع

٢ - بَاب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ

٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ.

٣ - بَاب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ

٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ،

قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.

[الحديث ٢٢٨٩ - طرفه في ٢٧٩٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ، وَإِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيءٍ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ). كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ. وَالتَّرْجَمَةُ الثَّانِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى الْبَابِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ وَاضِحَةٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ ذَلِكَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ النَّعَيْمِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ عِنْدَ الْحَمَوِيِّ. قَالَ: وَقَدْ رَوَاهَا حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنِ الْبُخَارِيِّ. قُلْتُ: وَثَبَتَتْ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَرَوَاهَا أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ النَّسَفِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ. وَيُؤَيِّدُ صَنِيعَ النَّسَفِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ تَرْجَمَ بَعْدَ أَبْوَابٍ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بَابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَلَوْ كَانَ مَا صَنَعَهُ أَبُو ذَرٍّ مَحْفُوظًا لَكَانَ قَدْ كَرَّرَ التَّرْجَمَةَ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ.

(تَنْبِيهَانِ):

الْأَوَّلُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ بْنِ وَاقِدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفِرْيَابِيُّ صَاحِبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التِّنِّيسِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ، وَلَمْ يَلْقَ الْفِرْيَابِيُّ، مَالِكًا وَلَا التِّنِّيسِيُّ، سُفْيَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّانِي: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا تَرْجَمَ بِالْحَوَالَةِ، فَقَالَ: إِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ ثُمَّ أَدْخَلَ حَدِيثَ سَلَمَةَ وَهُوَ فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالضَّمَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُتَقَارِبَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَنْتَظِمَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقَلَ ذِمَّةَ رَجُلٍ إِلَى ذِمَّةِ رَجُلٍ آخَرَ، وَالضَّمَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَقْلُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ إِلَى ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَصَارَ كَالْحَوَالَةِ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَفَالَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَتَى بِجِنَازَةٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ صَاحِبِ هَذِهِ الْجِنَازَةِ وَلَا عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: مَاتَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَفِظْنَاهُ وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، ثُمَّ آذَنَّا رَسُولَ اللَّهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ فَإِنْ حَدَثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. الْحَدِيثَ، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى)، ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ وَتُرِكَ حَالٌ رَابِعٌ، الْأَوَّلُ: لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَفَاءٌ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ، وَالرَّابِعُ: مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَهُ مَالٌ، وَهَذَا حُكْمُهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْضًا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ بَلْ لِكَوْنِهِ كَانَ كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ: دِينَارَانِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ

بِنْتِ يَزِيدَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمَا كَانَا دِينَارَيْنِ وَشَطْرًا، فَمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ جَبَرَ الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: دِينَارَانِ أَلْغَاهُ، أَوْ كَانَ أَصْلُهُمَا ثَلَاثَةً فَوَفَى قَبْلَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَبَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، فَمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ، فَبِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ: دِينَارَانِ، فَبِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَهَذَا دُونَ دِينَارَيْنِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: دِرْهَمَيْنِ، وَيُجْمَعُ إِنْ ثَبَتَ بِالتَّعَدُّدِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ نَفْسِهِ: فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَنَا أَتَكَفَّلُ بِهِ. زَادَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالَ: هُمَا عَلَيْكَ وَفِي مَالِكَ وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: مَا صَنَعَتِ الدِّينَارَانِ؟ حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الْآنَ حِينَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مَرَّةً أُخْرَى; فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الرَّجُلِ، وَيَسْأَلُ عَنْ دَيْنِهِ، فَإِنْ قِيلَ: عَلَيْهِ دَيْنٌ كَفّ، وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى. فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّرَ سَأَلَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: دِينَارَانِ، فَعَدَلَ عَنْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَفَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ. الْحَدِيثَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْكَفَالَةِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ. وَعَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِنْ قَالَ: إِنَّمَا ضَمِنْتُ لِأَرْجِعَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَعَلِمَ الضَّامِنُ بِذَلِكَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ وَفَاءً جَازَ الضَّمَانُ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِصُعُوبَةِ أَمْرِ الدَّيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَحَمُّلُهُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي تَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الْحَدِيثِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ) عبد الله (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد التَّاء، كما في «الفرع»، وقال النَّوويُّ: المشهور في الرِّواية واللُّغة التَّخفيف، وقال الخطَّابيُّ: أكثر المحدِّثين يقولونه بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف، والمعنى: جُعِل تابعًا له بدَينه، وهو معنى «أُحيل» في الرِّواية الأخرى في «مُسند» الإمام أحمد بلفظ: «وإذا أُحيل أحدكم على مليء فَلْيَحْتَلْ» (١) ولهذا عدَّى أتبع بـ «على» لأنَّه ضُمِّن معنى «أُحيل»، وعند ابن ماجه من حديث ابن عمر: «فإذا أُحِلْتَ على مليء فاتَّبعه» بتشديد التَّاء بلا خلافٍ، وجمهور العلماء على أنَّ هذا الأمر للنَّدب، وقال أهل الظَّاهر وجماعةٌ من الحنابلة بالوجوب، فأوجبوا قبولها على المليِّ كما حكيناه في الباب السَّابق عن «الرِّعاية» من كتبهم، وإليه مال البخاريُّ حيث قال: فليس له ردٌّ، وهو ظاهر الحديث، وعلى الأوَّل فالصَّارف للأمر عن حقيقته، وهي الوجوب إلى النَّدب أنَّه راجعٌ لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، فيكون أمر إرشادٍ، أشار إليه ابن دقيق العيد بقوله: لِمَا فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحقِّ عنه، وترك تكليفه التَّحصيل بالطَّلِبة (٢). انتهى. وقد يُقال: الإحسان قد يكون واجبًا كإنظار المعسر، والدُّنيويُّ إنَّما هو في جانب المحيل، أمَّا قبول المحتال الحوالة فلأمرٍ أخرويٍّ، وقيل: الصَّارف كونه أمرًا بعد حظرٍ، وهو بيع الكالئ بالكالئ، فيكون للإباحة أو النَّدب (٣) على المُرجَّح في الأصول، «ومن أُتبِع» بالواو، وحينئذٍ فلا تعلُّق للجملة الثَّانية بالأولى بخلاف الحديث السَّابق حيث عبَّر بالفاء بقوله: «فإذا أُتبِع»، وقد مرَّ ما في ذلك، وهذا الباب ثابتٌ في نسخة الفَِربريِّ، ساقطٌ من نسخ الباقين.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل