«أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٤٣

الحديث رقم ٢٣٤٣ من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما كان من أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٤٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ.

٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ، وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ».

إسناد حديث البخاري رقم ٢٣٤٣

٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ"

[الحديث ٢٣٤٣ - طرفه في: ٢٣٤٥]

٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ "أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّبْنِ"

٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: "كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرِ) الْمُرَادُ بِالْمُوَاسَاةِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَالِ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ اسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ، وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، فَكَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِسَنَدِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ سِتَّ سِنِينَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعٍ حَدَّثَنِي عَمَّايَ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ نَهَانَا) قَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ صِيغَةَ النَّهْيِ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا تَفْعَلُوا وَبِهَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الرَّافِقِ، وَقَوْلُهُ: رَافِقًا أَيْ ذَا رِفْقٍ.

قَوْلُهُ: (بِمَحَاقِلِكُمْ) أَيْ بِمَزَارِعِكُمْ، وَالْحَقْلُ الزَّرْعُ وَقِيلَ: مَا دَامَ أَخْضَرَ، وَالْمُحَاقَلَةُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ، وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الرَّبِيعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَإِنَّ الْأَرْبِعَاءَ جَمْعُ رَبِيعٍ وَهُوَ النَّهَرُ الصَّغِيرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الرُّبَيْعُ بِالتَّصْغِيرِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى الرُّبُعِ بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ بَعْدُ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ الْأَوَّلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ وَيَشْتَرِطُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَنْهَارِ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَوْسُقِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.

قَوْلُهُ: (ازْرَعُوهَا أَوْ أَزْرِعُوهَا) الْأَوَّلُ بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَهِيَ أَلِفُ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَفْتُوحَةٌ، وَالثَّانِي بِأَلِفِ قَطْعٍ وَالرَّاءُ مَكْسُورَةٌ، وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ، وَالْمُرَادُ ازْرَعُوهَا أَنْتُمْ أَوْ أَعْطُوهَا لِغَيْرِكُمْ يَزْرَعُهَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَوْ لِيَمْنَحْهَا. (أَوْ أَمْسِكُوهَا) أَيِ اتْرُكُوهَا مُعَطَّلَةً. وَقَوْلُهُ: (سَمْعًا وَطَاعَةً) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَقَوْلُهُ: (أَوِ اتْرُكُوهَا) أَيْ بِغَيْرِ زَرْعٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ جَابِرٍ إِيرَادُ حَدِيثِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ

فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ اعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا.

قَوْلُهُ: (كَانُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ

قَوْلُهُ: (بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ) الْوَاوُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى أَوْ، أَشَارَ إِلَيْهِ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَمْنَحْهَا) أَيْ يَجْعَلْهَا مَنِيحَةً أَيْ عَطِيَّةً، وَالنُّونُ فِي يَمْنَحْهَا مَفْتُوحَةٌ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَطَرٍ بِلَفْظِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُؤَاجِرْهَا. وَرِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ لِذِكْرِهَا لِلسَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) أَيْ فَلَا يَمْنَحُهَا وَلَا يُكْرِيهَا، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ فِي إِمْسَاكِهَا بِغَيْرِ زِرَاعَةٍ تَضْيِيعًا لِمَنْفَعَتِهَا فَيَكُونُ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا، وَأُجِيبَ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ عَيْنِ الْمَالِ أَوْ مَنْفَعَةٍ لَا تُخْلِفُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ زَرْعٍ لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَتُهَا فَإِنَّهَا قَدْ تُنْبِتُ مِنَ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مَا يَنْفَعُ فِي الرَّعْيِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ تَأْخِيرُ الزَّرْعِ عَنِ الْأَرْضِ إِصْلَاحًا لَهَا فَتُخَلِّفُ فِي السَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا مَا لَعَلَّهُ فَاتَ فِي سَنَةِ التَّرْكِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ حُمِلَ النَّهْيُ عَنِ الْكِرَاءِ عَلَى عُمُومِهِ فَأَمَّا لَوْ حُمِلَ الْكِرَاءُ عَلَى مَا كَانَ مَأْلُوفًا لَهُمْ مِنَ الْكِرَاءِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَعْطِيلَ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الزِّرَاعَةِ بَلْ يُكْرِيهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ الْحَلَبِيُّ، ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الطَّلَاقِ. وَقَدْ وَصَلَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ. وَشَيْخُهُ مُعَاوِيةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ وَكَذَا عَلَى شَيْخِهِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي جَمْعِ طُرُقِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرْتُهُ) أَيْ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ (لِطَاوُسٍ) أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أَيْ لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَبِهَا صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (إِنْ يَمْنَحْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إِنْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ يُقَالُ أَكْرَى أَرْضَهُ يُكْرِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ) أَيْ خِلَافَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُمَرَ خِلَافَةَ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ، وَكَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يُبَايِعُ لِمَنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَايِعْ أَيْضًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي حَالِ اخْتِلَافِهِمَا، وَبَايَعَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَعَلَّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ - أَعْنِي مُدَّةَ خِلَافَةِ عَلِيٍّ - لَمْ يُؤَاجِرْ أَرْضَهُ فَلَمْ يَذْكُرْهَا لِذَلِكَ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ آخِرُ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوُ هَذَا السِّيَاقِ وَزَادَ فِيهِ: فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ لَا يُكْرِيهَا، فَإِذَا سُئِلَ يَقُولُ: زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَذَكَرَهُ.

وَقَوْلُهُ (ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَحَذْفِ عَنْ. وَلِابْنِ مَاجَهْ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَافِعٍ فَذَكَرَهُ وَزَادَ. وَقَدِ اسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ لِحَدِيثِ رَافِعٍ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ رَافِعٍ فَرْدٌ وَأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَأَشَارَ إِلَى صِحَّةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في كراء الأرض، حتَّى أفضى بهم إلى التَّقاتل بسبب كون الخراج واجبًا لأحدهما على صاحبه، فرأى أنَّ المنحة خيرٌ لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك، وفي «الطَّحاويِّ»: التَّصريح بعلَّة النَّهي، ولفظه: عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال: يغفر الله لرافع بن خديجٍ، أنا -والله- كنت أعلم منه بالحديث: إنَّما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم فلا تُكروا المزارع»، فسمع قوله: «لا تكروا المزارع»، قال الطَّحاويُّ: فهذا زيد بن ثابتٍ يخبر أنَّ قول النَّبيِّ : «لا تكروا المزارع» النَّهيُ الذي قد (١) سمعه رافعٌ لم يكن من النَّبيِّ على وجه التَّحريم، وإنَّما كان لكراهية وقوع الشَّرِّ بينهم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا لم يشترط السِّنين في المزارعة» [خ¦٢٣٣٠].

٢٣٤٣ - ٢٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، بمُعجَمةٍ فمُهملةٍ، قال: (حَدَّثَنَا (٢) حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي) بضمِّ أوَّله، من: أكرى أرضه يكريها (مَزَارِعَهُ) بفتح الميم (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ) أيَّام خلافتهم (وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة، ولم يقل: «خلافته» لأنَّه -أي: ابن عمر- (٣) كان لا يبايع لمن لم يجتمع عليه النَّاس، ومعاوية لم يجتمع عليه النَّاس؛ ولذا لم يبايع لابن الزُّبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما (٤)، ولم يذكر عليَّ بن أبي طالبٍ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ "أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ"

[الحديث ٢٣٤٣ - طرفه في: ٢٣٤٥]

٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ "أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّبْنِ"

٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: "كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرِ) الْمُرَادُ بِالْمُوَاسَاةِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَالِ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ: تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ اسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ، وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، فَكَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِسَنَدِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، وَقَوْلُهُ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ سِتَّ سِنِينَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعٍ حَدَّثَنِي عَمَّايَ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ نَهَانَا) قَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ صِيغَةَ النَّهْيِ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا تَفْعَلُوا وَبِهَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الرَّافِقِ، وَقَوْلُهُ: رَافِقًا أَيْ ذَا رِفْقٍ.

قَوْلُهُ: (بِمَحَاقِلِكُمْ) أَيْ بِمَزَارِعِكُمْ، وَالْحَقْلُ الزَّرْعُ وَقِيلَ: مَا دَامَ أَخْضَرَ، وَالْمُحَاقَلَةُ الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ، وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الرَّبِيعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ، فَإِنَّ الْأَرْبِعَاءَ جَمْعُ رَبِيعٍ وَهُوَ النَّهَرُ الصَّغِيرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الرُّبَيْعُ بِالتَّصْغِيرِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى الرُّبُعِ بِضَمَّتَيْنِ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ بَعْدُ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ فِي حَدِيثِ رَافِعٍ الْأَوَّلُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ وَيَشْتَرِطُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا يَنْبُتُ عَلَى الْأَنْهَارِ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَوْسُقِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.

قَوْلُهُ: (ازْرَعُوهَا أَوْ أَزْرِعُوهَا) الْأَوَّلُ بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَهِيَ أَلِفُ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَفْتُوحَةٌ، وَالثَّانِي بِأَلِفِ قَطْعٍ وَالرَّاءُ مَكْسُورَةٌ، وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ، وَالْمُرَادُ ازْرَعُوهَا أَنْتُمْ أَوْ أَعْطُوهَا لِغَيْرِكُمْ يَزْرَعُهَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَوْ لِيَمْنَحْهَا. (أَوْ أَمْسِكُوهَا) أَيِ اتْرُكُوهَا مُعَطَّلَةً. وَقَوْلُهُ: (سَمْعًا وَطَاعَةً) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَقَوْلُهُ: (أَوِ اتْرُكُوهَا) أَيْ بِغَيْرِ زَرْعٍ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ جَابِرٍ إِيرَادُ حَدِيثِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ

فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ اعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا.

قَوْلُهُ: (كَانُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ

قَوْلُهُ: (بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ) الْوَاوُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى أَوْ، أَشَارَ إِلَيْهِ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيهٌ آخَرُ فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ.

قَوْلُهُ: (وَلْيَمْنَحْهَا) أَيْ يَجْعَلْهَا مَنِيحَةً أَيْ عَطِيَّةً، وَالنُّونُ فِي يَمْنَحْهَا مَفْتُوحَةٌ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَطَرٍ بِلَفْظِ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُؤَاجِرْهَا. وَرِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ لِذِكْرِهَا لِلسَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَى النَّهْيِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ) أَيْ فَلَا يَمْنَحُهَا وَلَا يُكْرِيهَا، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ بِأَنَّ فِي إِمْسَاكِهَا بِغَيْرِ زِرَاعَةٍ تَضْيِيعًا لِمَنْفَعَتِهَا فَيَكُونُ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا، وَأُجِيبَ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَنْ إِضَاعَةِ عَيْنِ الْمَالِ أَوْ مَنْفَعَةٍ لَا تُخْلِفُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا تُرِكَتْ بِغَيْرِ زَرْعٍ لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَتُهَا فَإِنَّهَا قَدْ تُنْبِتُ مِنَ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مَا يَنْفَعُ فِي الرَّعْيِ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ تَأْخِيرُ الزَّرْعِ عَنِ الْأَرْضِ إِصْلَاحًا لَهَا فَتُخَلِّفُ فِي السَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا مَا لَعَلَّهُ فَاتَ فِي سَنَةِ التَّرْكِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ حُمِلَ النَّهْيُ عَنِ الْكِرَاءِ عَلَى عُمُومِهِ فَأَمَّا لَوْ حُمِلَ الْكِرَاءُ عَلَى مَا كَانَ مَأْلُوفًا لَهُمْ مِنَ الْكِرَاءِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَعْطِيلَ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الزِّرَاعَةِ بَلْ يُكْرِيهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هُوَ الْحَلَبِيُّ، ثِقَةٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الطَّلَاقِ. وَقَدْ وَصَلَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْبَابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ. وَشَيْخُهُ مُعَاوِيةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ وَكَذَا عَلَى شَيْخِهِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي جَمْعِ طُرُقِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرْتُهُ) أَيْ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ (لِطَاوُسٍ) أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَنْهَ عَنْهُ) أَيْ لَمْ يُحَرِّمْهُ، وَبِهَا صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ. وَقَوْلُهُ: (إِنْ يَمْنَحْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إِنْ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ يُقَالُ أَكْرَى أَرْضَهُ يُكْرِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ) أَيْ خِلَافَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُمَرَ خِلَافَةَ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ، وَكَانَ رَأَى أَنَّهُ لَا يُبَايِعُ لِمَنْ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَايِعْ أَيْضًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي حَالِ اخْتِلَافِهِمَا، وَبَايَعَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَعَلَّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ - أَعْنِي مُدَّةَ خِلَافَةِ عَلِيٍّ - لَمْ يُؤَاجِرْ أَرْضَهُ فَلَمْ يَذْكُرْهَا لِذَلِكَ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ آخِرُ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوُ هَذَا السِّيَاقِ وَزَادَ فِيهِ: فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ لَا يُكْرِيهَا، فَإِذَا سُئِلَ يَقُولُ: زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَذَكَرَهُ.

وَقَوْلُهُ (ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَحَذْفِ عَنْ. وَلِابْنِ مَاجَهْ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي أَرْضَهُ فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَافِعٍ فَذَكَرَهُ وَزَادَ. وَقَدِ اسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ لِحَدِيثِ رَافِعٍ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ رَافِعٍ فَرْدٌ وَأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَأَشَارَ إِلَى صِحَّةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في كراء الأرض، حتَّى أفضى بهم إلى التَّقاتل بسبب كون الخراج واجبًا لأحدهما على صاحبه، فرأى أنَّ المنحة خيرٌ لهم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك، وفي «الطَّحاويِّ»: التَّصريح بعلَّة النَّهي، ولفظه: عن زيد بن ثابتٍ أنَّه قال: يغفر الله لرافع بن خديجٍ، أنا -والله- كنت أعلم منه بالحديث: إنَّما جاء رجلان من الأنصار إلى رسول الله قد اقتتلا، فقال: «إن كان هذا شأنكم فلا تُكروا المزارع»، فسمع قوله: «لا تكروا المزارع»، قال الطَّحاويُّ: فهذا زيد بن ثابتٍ يخبر أنَّ قول النَّبيِّ : «لا تكروا المزارع» النَّهيُ الذي قد (١) سمعه رافعٌ لم يكن من النَّبيِّ على وجه التَّحريم، وإنَّما كان لكراهية وقوع الشَّرِّ بينهم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب إذا لم يشترط السِّنين في المزارعة» [خ¦٢٣٣٠].

٢٣٤٣ - ٢٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، بمُعجَمةٍ فمُهملةٍ، قال: (حَدَّثَنَا (٢) حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي) بضمِّ أوَّله، من: أكرى أرضه يكريها (مَزَارِعَهُ) بفتح الميم (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ) أيَّام خلافتهم (وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة، ولم يقل: «خلافته» لأنَّه -أي: ابن عمر- (٣) كان لا يبايع لمن لم يجتمع عليه النَّاس، ومعاوية لم يجتمع عليه النَّاس؛ ولذا لم يبايع لابن الزُّبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما (٤)، ولم يذكر عليَّ بن أبي طالبٍ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده