الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٢
الحديث رقم ٢٤٢ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ.
٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
[الحديث ٢٤٢ - طرفاه في: ٥٥٨٦، ٥٥٨٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ قَالَ: لَا تَوَضُّؤَ بِنَبِيذٍ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَعَلَى هَذَا فَكَرَاهَتُهُ عِنْدَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَبُو الْعَالِيَةِ) رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَيَغْتَسِلُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: فَكَرِهَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ وَقَالَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْأَنْبِذَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ وَأَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوِ الْقَرْيَةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، قِيلَ إِيجَابًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بِحَالٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَذَكَرَ قَاضِيخَانَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَكِنْ فِي الْمُقَيَّدِ مِنْ كُتُبِهِمْ إِذَا أَلْقَى فِي الْمَاءِ تَمَرَاتٍ فَحَلَا وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، يَعْنِي عِنْدَهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ: مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ قَالَ: نَبِيذٌ.
قَالَ: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ، وَقِيلَ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ -: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَنُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَاءٍ أَلْقَيْتَ فِيهِ تَمَرَاتٍ يَابِسَةً لَمْ تُغَيِّرْ لَهُ وَصْفًا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَالِبَ مِيَاهِهِمْ لَمْ تَكُنْ حُلْوَةً.
قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) أَيْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ سَوَاءٌ حَصَلَ بِشُرْبِهِ السُّكْرُ أَمْ لَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمُسْكِرِ وَكَثِيرَهُ حَرَامٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ; لِأَنَّهَا صِيغَةُ عُمُومٍ أُشِيرَ بِهَا إِلَى جِنْسِ الشَّرَابِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ السُّكْرُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ طَعَامٍ أَشْبَعَ فَهُوَ حَلَالٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى حِلِّ كُلِّ طَعَامٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِشْبَاعُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الشِّبَعُ بِهِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَوَجْهُ احْتِجَاجِ الْبُخَارِيِّ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَمَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ شُرْبِ النَّبِيذِ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧٢ - بَاب غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ
٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَهُ النَّاسُ - وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ -: بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالمدينة بلا خلافٍ عند فَقْدِ عائشة رضي الله تعالى عنها العقد، وأُجيب بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم» ولم تقل: «آية الوضوء» لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قَبْلُ، غير أنَّه لم يكن قرآنًا يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجَهْم أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة. انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءً فيجوز عند الحنفيَّة.
٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، بكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، وللأَصيليِّ (١): «عن الزُّهريِّ» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) كثيره (فَهُوَ حَرَامٌ) قليله وكثيره، وحُدَّ شاربه المُكلَّف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنبٍ أو تمرٍ أو حنطةٍ أو لبنٍ أو غيرها نِيْئًا كان أو مطبوخًا، وقال أبو حنيفة: نقيع التَّمر والزَّبيب إذا اشتدَّ كان حرامًا قليله وكثيره، ويُسمَّى: نقيعًا لا خمرًا (٢)، فإن أسكر ففي شربه الحدُّ وهو نجسٌ، فإن طُبِخا أدنى
طبخٍ حلَّ منهما ما غلب على ظنِّ الشَّارب منه أنَّه لا يسكر من غير لهوٍ ولا طربٍ، فإن اشتدَّ حَرُم الشُّرب منهما، ولم يُعتَبر في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأمَّا نبيذ الحنطة والذُّرة والشَّعير والأرزِّ والعسل فإنَّه حلالٌ عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنَّما يحرم المسكر ويُحَدُّ فيه، واستدلَّ له بحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا وموقوفًا (١): «وإنَّما (٢) حرِّمت الخمر لعينها، والمسكر من كلِّ شرابٍ»، فهذا يدلُّ على أنَّ الخمر -قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا- حرامٌ، وعلى أنَّ غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوَّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أُجيب بأنَّ المسكر حرامٌ شربه، وما لا يحلُّ شربه لا يجوز (٣) التَّوضُّؤ به اتِّفاقًا، وبأنَّ النَّبيذ خرج عن اسم الماء لغةً وشرعًا، وحينئذٍ فلا يتوضَّأ به.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ ومدينيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٥٨٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٧٢) (بابُ غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ) المنصوب الأوَّل وهو «أباها» مفعولٌ بالمصدر المُضاف لفاعله،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا (إِنَّمَا حرمت الْخمْرَة بِعَينهَا والمسكر من كل شراب) فَهَذَا يدل على أَن الْخمر حرَام قليلها وكثيرها أسكرت أَو لَا، وعَلى أَن غَيرهَا من الْأَشْرِبَة إِنَّمَا يحرم عِنْد الْإِسْكَار وَهَذَا ظَاهر. قلت: ورد عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام) قلت: طعن فِيهِ يحيى بن معِين وَلَئِن سلم فَالْأَصَحّ أَنه مَوْقُوف على ابْن عمر، وَلِهَذَا رَوَاهُ مُسلم بِالظَّنِّ، فَقَالَ: لَا أعلمهُ إلاّ مَرْفُوعا وَلَئِن سلم فَمَعْنَاه كل مَا أسكر كَثِيره فَحكمه حكم الْخمر.
٧٢ - (بابُ غَسْلِ المَرّأةِ أَبَاهَا الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْمَرْأَة الدَّم عَن وَجهه فَقَوله: (أَبَاهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر أَعنِي: غسل المرإة، والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله. قَوْله: (الدَّم) مَنْصُوب بدل من أَبَاهَا الاشتمال، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بالاختصاص، تَقْدِيره: أَعنِي الدَّم، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: بَاب غسل الْمَرْأَة عَن وَجه أَبِيهَا، وَهَذَا هُوَ الأجو،. قَوْله: (عَن وَجهه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من وَجهه) وَالْمعْنَى فِي رِوَايَة. عَن إِمَّا أَن يكون بِمَعْنى من وَإِمَّا أَن يتَضَمَّن الْغسْل معنى الْإِزَالَة ومحيء، عَن، بِمَعْنى من، وَقع فِي كَلَام الله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات} (سُورَة الشورى: ٢٥) وَهَاهُنَا سؤالان: الأول: فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ وَالثَّانِي: فِي وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْوضُوء. قلت: أما الأول فَيمكن أَن يُقَال إِن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على حكم شَرْعِي. أما الأول: فَفِيهِ أَن اسْتِعْمَال النَّبِيذ لَا يجوز. وأماالثاني: فَلِأَن ترك النَّجَاسَة على الْبدن لَا يجوز، فهما متساويات فِي عدم الْجَوَاز، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي فَهُوَ أَن النُّسْخَة إِن كَانَت كتاب الطَّهَارَة بدل كتاب الْوضُوء فَلَا خَفَاء فِيهِ، وَأَن كَانَ كتاب الْوضُوء فَالْمُرَاد مِنْهُ إِمَّا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذ من الْوَضَاءَة وَهِي: الْحسن والنظافة، فَيتَنَاوَل حِينَئِذٍ رفع الْخبث، أَيْضا. وَأما مَعْنَاهُ الاصطلاحي فَيكون ذكر الطَّهَارَة عَن الْخبث فِي هَذَا الْكتاب بالتبعية لطهارة الْحَدث والمناسبة بَينهمَا كَونهمَا من شَرَائِط الصَّلَاة، وَمن بَاب النَّظَافَة وَغير ذَلِك فَهَذَا حَاصِل مَا ذكره الْكرْمَانِي وَلَكِن أحسن فِيهِ، وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن بعض التعسف.
وَقَالَ أبُو العَالِيةِ امْسَحُوا عَلى رِجْلِي فَإِنَّها مَرِيضَةٌ
مطاقة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا متضمنة جَوَاز الإستغاثة فِي الْوضُوء وَإِزَالَة النَّجَاسَة.
وَأَبُو الْعَالِيَة هُوَ رفيع بن مهْرَان الرباحي.
وَقد تقدم عَن قريب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان قَالَ: (دَخَلنَا على أبي الْعَالِيَة وَهُوَ وجع فوضؤه، فَلَمَّا بقيت غسل إِحْدَى رجلَيْهِ قَالَ: إمسحوا على هَذِه فَإِنَّهَا مَرِيضَة. وَكَانَت بهَا جَمْرَة) وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقَالَ بَعضهم وَزَاد بن أبي شيبَة أَنَّهَا كَانَت معصوبة قلت: لَيْسَ رِوَايَة ابْن أبي شيبَة هَكَذَا وَإِنَّمَا الْمَذْكُور فِي مضنفه: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم وَدَاوُد عَن أبي الْعَالِيَة أَنه اشْتَكَى رجله فعصبها وَتَوَضَّأ وَمسح عَلَيْهَا وَقَالَ: إِنَّهَا مَرِيضَة. وَهَذَا غير الَّذِي ذكره البُخَارِيّ، على مَا لَا يخفي، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ قَالَ أخْبَرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيُنَةَ عَن أبي حازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَهُ النَّاسُ مَا بَيْني وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيَّ شَيْء دُووِىَ جُرْحُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَليٌ يَجِىءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ ماءٌ وفاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْههِ الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأَحْرَقَ فَحُسِيَ بِهِ جُرْحُهُ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، وَكَذَا جَاءَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم ينْسبهُ أحد من الروَاة وَهُوَ عِنْدِي ابْن سَلام، وَبِذَلِك جزم أَبُو ت نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا مُحَمَّد، يَعْنِي ابْن سَلام، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَهِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بِهِ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمَكْسُورَة، سَلمَة بن دِينَار الْمَدِينِيّ الْأَعْرَج الزَّاهِد المَخْزُومِي، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: سهل ابْن سعد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
[الحديث ٢٤٢ - طرفاه في: ٥٥٨٦، ٥٥٨٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ قَالَ: لَا تَوَضُّؤَ بِنَبِيذٍ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَعَلَى هَذَا فَكَرَاهَتُهُ عِنْدَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَبُو الْعَالِيَةِ) رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَيَغْتَسِلُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: فَكَرِهَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ وَقَالَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْأَنْبِذَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ وَأَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوِ الْقَرْيَةِ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، قِيلَ إِيجَابًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بِحَالٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَذَكَرَ قَاضِيخَانَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَكِنْ فِي الْمُقَيَّدِ مِنْ كُتُبِهِمْ إِذَا أَلْقَى فِي الْمَاءِ تَمَرَاتٍ فَحَلَا وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، يَعْنِي عِنْدَهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ: مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ قَالَ: نَبِيذٌ.
قَالَ: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ، وَقِيلَ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ -: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَنُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَاءٍ أَلْقَيْتَ فِيهِ تَمَرَاتٍ يَابِسَةً لَمْ تُغَيِّرْ لَهُ وَصْفًا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ غَالِبَ مِيَاهِهِمْ لَمْ تَكُنْ حُلْوَةً.
قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) أَيْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ سَوَاءٌ حَصَلَ بِشُرْبِهِ السُّكْرُ أَمْ لَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الْمُسْكِرِ وَكَثِيرَهُ حَرَامٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ ; لِأَنَّهَا صِيغَةُ عُمُومٍ أُشِيرَ بِهَا إِلَى جِنْسِ الشَّرَابِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ السُّكْرُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ طَعَامٍ أَشْبَعَ فَهُوَ حَلَالٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى حِلِّ كُلِّ طَعَامٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِشْبَاعُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الشِّبَعُ بِهِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَوَجْهُ احْتِجَاجِ الْبُخَارِيِّ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ، وَمَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ شُرْبِ النَّبِيذِ فِي الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٧٢ - بَاب غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ
٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَهُ النَّاسُ - وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ -: بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالمدينة بلا خلافٍ عند فَقْدِ عائشة رضي الله تعالى عنها العقد، وأُجيب بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم» ولم تقل: «آية الوضوء» لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قَبْلُ، غير أنَّه لم يكن قرآنًا يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجَهْم أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة. انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءً فيجوز عند الحنفيَّة.
٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، بكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، وللأَصيليِّ (١): «عن الزُّهريِّ» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) كثيره (فَهُوَ حَرَامٌ) قليله وكثيره، وحُدَّ شاربه المُكلَّف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنبٍ أو تمرٍ أو حنطةٍ أو لبنٍ أو غيرها نِيْئًا كان أو مطبوخًا، وقال أبو حنيفة: نقيع التَّمر والزَّبيب إذا اشتدَّ كان حرامًا قليله وكثيره، ويُسمَّى: نقيعًا لا خمرًا (٢)، فإن أسكر ففي شربه الحدُّ وهو نجسٌ، فإن طُبِخا أدنى
طبخٍ حلَّ منهما ما غلب على ظنِّ الشَّارب منه أنَّه لا يسكر من غير لهوٍ ولا طربٍ، فإن اشتدَّ حَرُم الشُّرب منهما، ولم يُعتَبر في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأمَّا نبيذ الحنطة والذُّرة والشَّعير والأرزِّ والعسل فإنَّه حلالٌ عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنَّما يحرم المسكر ويُحَدُّ فيه، واستدلَّ له بحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا وموقوفًا (١): «وإنَّما (٢) حرِّمت الخمر لعينها، والمسكر من كلِّ شرابٍ»، فهذا يدلُّ على أنَّ الخمر -قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا- حرامٌ، وعلى أنَّ غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوَّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أُجيب بأنَّ المسكر حرامٌ شربه، وما لا يحلُّ شربه لا يجوز (٣) التَّوضُّؤ به اتِّفاقًا، وبأنَّ النَّبيذ خرج عن اسم الماء لغةً وشرعًا، وحينئذٍ فلا يتوضَّأ به.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ ومدينيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٥٨٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٧٢) (بابُ غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ) المنصوب الأوَّل وهو «أباها» مفعولٌ بالمصدر المُضاف لفاعله،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا (إِنَّمَا حرمت الْخمْرَة بِعَينهَا والمسكر من كل شراب) فَهَذَا يدل على أَن الْخمر حرَام قليلها وكثيرها أسكرت أَو لَا، وعَلى أَن غَيرهَا من الْأَشْرِبَة إِنَّمَا يحرم عِنْد الْإِسْكَار وَهَذَا ظَاهر. قلت: ورد عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام) قلت: طعن فِيهِ يحيى بن معِين وَلَئِن سلم فَالْأَصَحّ أَنه مَوْقُوف على ابْن عمر، وَلِهَذَا رَوَاهُ مُسلم بِالظَّنِّ، فَقَالَ: لَا أعلمهُ إلاّ مَرْفُوعا وَلَئِن سلم فَمَعْنَاه كل مَا أسكر كَثِيره فَحكمه حكم الْخمر.
٧٢ - (بابُ غَسْلِ المَرّأةِ أَبَاهَا الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْمَرْأَة الدَّم عَن وَجهه فَقَوله: (أَبَاهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر أَعنِي: غسل المرإة، والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله. قَوْله: (الدَّم) مَنْصُوب بدل من أَبَاهَا الاشتمال، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بالاختصاص، تَقْدِيره: أَعنِي الدَّم، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: بَاب غسل الْمَرْأَة عَن وَجه أَبِيهَا، وَهَذَا هُوَ الأجو،. قَوْله: (عَن وَجهه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من وَجهه) وَالْمعْنَى فِي رِوَايَة. عَن إِمَّا أَن يكون بِمَعْنى من وَإِمَّا أَن يتَضَمَّن الْغسْل معنى الْإِزَالَة ومحيء، عَن، بِمَعْنى من، وَقع فِي كَلَام الله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات} (سُورَة الشورى: ٢٥) وَهَاهُنَا سؤالان: الأول: فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ وَالثَّانِي: فِي وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْوضُوء. قلت: أما الأول فَيمكن أَن يُقَال إِن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على حكم شَرْعِي. أما الأول: فَفِيهِ أَن اسْتِعْمَال النَّبِيذ لَا يجوز. وأماالثاني: فَلِأَن ترك النَّجَاسَة على الْبدن لَا يجوز، فهما متساويات فِي عدم الْجَوَاز، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي فَهُوَ أَن النُّسْخَة إِن كَانَت كتاب الطَّهَارَة بدل كتاب الْوضُوء فَلَا خَفَاء فِيهِ، وَأَن كَانَ كتاب الْوضُوء فَالْمُرَاد مِنْهُ إِمَّا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذ من الْوَضَاءَة وَهِي: الْحسن والنظافة، فَيتَنَاوَل حِينَئِذٍ رفع الْخبث، أَيْضا. وَأما مَعْنَاهُ الاصطلاحي فَيكون ذكر الطَّهَارَة عَن الْخبث فِي هَذَا الْكتاب بالتبعية لطهارة الْحَدث والمناسبة بَينهمَا كَونهمَا من شَرَائِط الصَّلَاة، وَمن بَاب النَّظَافَة وَغير ذَلِك فَهَذَا حَاصِل مَا ذكره الْكرْمَانِي وَلَكِن أحسن فِيهِ، وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن بعض التعسف.
وَقَالَ أبُو العَالِيةِ امْسَحُوا عَلى رِجْلِي فَإِنَّها مَرِيضَةٌ
مطاقة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا متضمنة جَوَاز الإستغاثة فِي الْوضُوء وَإِزَالَة النَّجَاسَة.
وَأَبُو الْعَالِيَة هُوَ رفيع بن مهْرَان الرباحي.
وَقد تقدم عَن قريب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان قَالَ: (دَخَلنَا على أبي الْعَالِيَة وَهُوَ وجع فوضؤه، فَلَمَّا بقيت غسل إِحْدَى رجلَيْهِ قَالَ: إمسحوا على هَذِه فَإِنَّهَا مَرِيضَة. وَكَانَت بهَا جَمْرَة) وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقَالَ بَعضهم وَزَاد بن أبي شيبَة أَنَّهَا كَانَت معصوبة قلت: لَيْسَ رِوَايَة ابْن أبي شيبَة هَكَذَا وَإِنَّمَا الْمَذْكُور فِي مضنفه: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم وَدَاوُد عَن أبي الْعَالِيَة أَنه اشْتَكَى رجله فعصبها وَتَوَضَّأ وَمسح عَلَيْهَا وَقَالَ: إِنَّهَا مَرِيضَة. وَهَذَا غير الَّذِي ذكره البُخَارِيّ، على مَا لَا يخفي، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ قَالَ أخْبَرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيُنَةَ عَن أبي حازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَهُ النَّاسُ مَا بَيْني وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيَّ شَيْء دُووِىَ جُرْحُ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَليٌ يَجِىءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ ماءٌ وفاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْههِ الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأَحْرَقَ فَحُسِيَ بِهِ جُرْحُهُ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، وَكَذَا جَاءَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم ينْسبهُ أحد من الروَاة وَهُوَ عِنْدِي ابْن سَلام، وَبِذَلِك جزم أَبُو ت نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا مُحَمَّد، يَعْنِي ابْن سَلام، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَهِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بِهِ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمَكْسُورَة، سَلمَة بن دِينَار الْمَدِينِيّ الْأَعْرَج الزَّاهِد المَخْزُومِي، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: سهل ابْن سعد