«إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٣٣

الحديث رقم ٢٥٣٣ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أم الولد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٣٣ في صحيح البخاري

«إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الْفَتْحِ، أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ :

⦗١٤٧⦘

هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ

بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ

إسناد حديث رقم ٢٥٣٣ من صحيح البخاري

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٣٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْإِسْلَامَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ) أَيْ ضَاعَ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ حِينَ يَقُولُ) أَيِ الْوَقْتُ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنِ الشِّعْرَ مِنْ نَظْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى غُلَامِهِ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ حَجَّاجٍ السُّوَانيِّ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ فِي قِصَّةٍ لَهُ، فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ تَمَثَّلَ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ (يَا لَيْلَةً) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ فَاءٍ أَوْ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ لِيَصِيرَ مَوْزُونًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى فِي الْعَرُوضِ الْخَرْمَ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْجُزْءِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، وَمَا جَازَ حَذْفُهُ لَا يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ أَيْ تَعَبهَا، وَ (دَارَةِ الْكُفْرِ) الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَةِ جُلْجُلِ.

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ.

قَوْلُهُ في الطريق الثانية (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَأَبُو سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مُكَبَّرٌ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَخَلَفٌ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعُبَيْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ مِمَّنْ يَرْوِي فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَقَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّاعِ كَسْرَهَا.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقَهُ) أَيْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْفَاءُ هِيَ التَّفْسِيرِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حُرٌّ) وَصَلَهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهُوَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتِقْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ حُرٌّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ أَثْبَتَ قَوْلَهُ حُرٌّ فِي أَحَدِهِمَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِتَصْرِيحِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ في الطريق الأخيرة (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَصْلُهُ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَضَلَّ مُعَدَّاةً بِالْهَمْزِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْعِتْقِ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَرَضِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ وَالتَّمَثُّلِ بِهِ وَالتَّأَلُّمِ مِنَ النَّصَبِ وَالسَّهَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

٨ - بَاب أُمِّ الْوَلَدِ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا.

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كان عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ

اللَّهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمِّ الْوَلَدِ) أَيْ هَلْ يُحْكَمُ بِعِتْقِهَا أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُفْصِحُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ السَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْخَلَفِ عَلَى الْمَنْعِ حَتَّى وَافَقَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شُذُوذٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبِّ السَّيِّدُ أَوِ الْمَالِكُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا عَدَمِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ إِمَامَانِ جَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْآخَرُ عَلَى مَنْعِهِ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ فَقَالَ: ظَاهِرُ قَوْلُهُ: رَبَّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيِّدُهَا لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْ سَيِّدِهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَيِّدِهَا لِمَصِيرِ مَآلِ الْإِنْسَانِ إِلَى وَلَدِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْلَادَ مِنَ الْإِمَاءِ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا، وَالْحَدِيثُ مَسُوقٌ لِلْعَلَامَاتِ الَّتِي قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى حُدُوثِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسَرِّي.

قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَهْلَ يَغْلِبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَيَكْثُرَ تَرْدَادُ الْأَمَةِ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي وَحُكْمُهُ لِابْنِ زَمْعَةَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِنَّ فِيهِ ثُبُوتَ أُمِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُرِّيَّتِهَا وَلَا لِإِرْقَاقِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنِيرِ أَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِرَاشًا فَسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا نَصُّهُ فَسَمَّى النَّبِيُّ أُمَّ وَلَدِ زَمْعَةَ أَمَةً وَوَلِيدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً اهـ. فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَ التَّأولَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ مَنْ يَحْتَجُّ بِعِتْقِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ حُجَّةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَةُ أَبِي يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِمَّا قَالَ أنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَزَمْعَةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَمِينٍ فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْأَحْرَارِ. قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُ: إِنَّ الْوَلَدَ فِي الْأَمَةِ لِلْفِرَاشِ، فَلَا يُلْحِقُونَهُ بِالسَّيِّدِ، إِلَّا إِنْ أَقَرَّ بِهِ، وَيَخُصُّونَ الْفِرَاشَ بِالْحُرَّةِ، فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ قَالُوا: مَا كَانَتْ أَمَةً بَلْ كَانَتْ حُرَّةً، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رَدِّ حُجَّتِهِمْ هَذِهِ بِمَا ذَكَرَهُ.

وَتَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَحَادِيثَ أَصَحُّهَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] فليُراجَع، وقال ابن المنيِّر: استدلَّ البخاريُّ بقوله: «تلد الأَمَةُ ربَّها» على إثبات حريَّة أمِّ الولد، وأنَّها لا تُباع من جهة كونه من أشراط السَّاعة، أي: يعتق الرَّجلُ والمرأةُ أمَّهما الأَمَةَ ويعاملانها معاملة السَّيِّد تقبيحًا لذلك، وعدَّه من الفتن، ومن أشراط السَّاعة، فدلَّ على أنَّها مُحتَرمةٌ شرعًا.

٢٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كان عتبة (٢) ابن أبي وقَّاصٍ» (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، نعم ذكر مصعبٌ الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ» أنَّها كانت أَمَةً يمانيةً، واسمُ ولدها عبدُ الرَّحمن (قَالَ عُتْبَةُ) بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ) أي: عبد الرَّحمن (ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) مكَّة (زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ) بالتَّنوين (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن بنصب «ابنَ» (٣) على المفعوليَّة، ويُكتَب بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ) أخي سودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ سَعْدٌ) بالتَّنوين، وفي «اليونينيَّة» برفعه من غير تنوينٍ (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي: عبد الرَّحمن (ابْنُ أَخِي)

عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي (١): عبد الرَّحمن (أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ) أبي (زَمْعَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «هذا أخي ابن زمعة» (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من جاريته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن (فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي: بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ، إمَّا بالاستلحاق (٣) وإمَّا من (٤) القضاء بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ، فألحق ولده به لمَّا علمه من فراشه (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل، ونصب «ابن» (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ) زمعة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَُ بِنْتَ زَمْعَةَ) بضمِّ «سودة» ونصبها على الوجهين

المشهورين في مثل: يا زيدَُ بن عمرٍو، وذلك أنَّ توابع المبنيِّ المفرد من التَّأكيد والصِّفة وعطف البيان تُرفَع على لفظه وتُنصَب على محلِّه، بيانه: أنَّ لفظ «سودة» في «يا سودة»، و «عبد» في «يا عبد» منادىً مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإذا أُكِّد أو اتَّصف أو عُطِف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا «بنت زمعة» فالنَّصب لا غير؛ لأنَّه مضافٌ إضافةً معنويَّةً، وما كان كذلك من توابع المنادى وجب نصبه، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: يجوز رفع «بنت» فقال في «المصابيح»: هو خطأٌ منه، أو من النَّاسخ، والأمر هنا للنَّدب والاحتياط عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، قيل: يحتمل أن يكون قوله: «هو لك» أي: ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يُقِرَّ به، فلم يبق إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا (١) لأمِّه؛ ولذا (٢) أمرها بالاحتجاب منه، وهذا يردُّه قوله في رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: هو لك فهو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنَّه أخو عبدٍ لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، وإنَّما أمرها بالاحتجاب (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ) قال إمامنا الشَّافعيُّ : رؤيةُ ابن زمعة لسودة مباحةٌ، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتَّنزُّه عنه اختيارًا. انتهى. وقد (٣) استُشكِل الحديث من جهة خروجه عن الأصول المُجمَع عليها، وذلك أنَّ الاتِّفاق على (٤) أنَّه لا يدَّعي أحدٌ عن أحدٍ إلَّا بتوكلٍ من المدَّعى له، فكيف ادَّعى سعدٌ وليس وكيلًا عن أخيه عتبة، وادَّعى عبد بن زمعة على أبيه (٥) ولدًا بقوله: «أخي ابن وليدة أبي»، ولم يأتِ ببيِّنةٍ تشهد على إقرار أبيه زمعة بذلك، ولا تجوز دعواه على أمةٍ؟ وأُجيب: باحتمال أن يكون حكمًا مستوفيًا الشُّروطَ (٦)، ولم تستوعب الرُّواة القصَّة، وقد سبق [خ¦٢٠٥٣]: أنَّ عتبةَ عَهِدَ إلى أخيه سعدٍ: أنَّ ابن وليدةِ زمعةَ منِّي فاقبضه إليك، وإذا كان وصيَّ أخيه فهو أحقُّ بكفالة ابن

أخيه وحفظ نسبه، فتصحُّ دعواه بذلك، وكذا دعوى عبد بن زمعة المُخاصَمة في أخيه، فإنَّه كافله وعاصبه إن كان حرًّا، ومالكه إن كان عبدًا (١)، فلا يحتاج إلى إثبات وكالةٍ ولا وصيَّةٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب الحضانة، وهي حقُّه، إذ أحدهما في دعواه عمٌّ والآخر أخٌ، وغرض المؤلِّف من هذا (٢) الحديث قول عبد بن زمعة: «أخي ابن وليدة زمعة وُلِد على فراشه»، وحكمه لابن زمعة بأنَّه أخوه: فإنَّ فيه ثبوت أمِّيَّة الأَمَة لكن ليس فيه تعريضٌ لحرِّيَّتها ولا لإرقاقها، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ في آخر الباب ما نصُّه: فسمَّى النَّبيُّ أمَّ ولد (٣) زمعة أمةً ووليدةً، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقةً. انتهى. وحينئذٍ فهو ميلٌ من المؤلِّف إلى أنَّها لا تُعتَق بموت السَّيِّد؟ وأُجيب: بأنَّ عتق أمِّ الولد بموت السَّيِّد ثبت بأدلَّةٍ أخرى، وقيل: غرض البخاريِّ بإيراده أنَّ بعض الحنفيَّة لمَّا التزم أنَّ أمَّ الولد المُتنازَع فيه كانت حرَّةً، ردَّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنَّه قال: قد ورد في بعض طرقه [خ¦٢٧٤٥]: أنَّها أمةٌ، فمن ادَّعى أنَّها عتقت فعليه البيان، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ استدلَّ بقوله [خ¦٢٠٥٣]: «الولد للفراش» على أنَّ أمَّ الولد فراشٌ كالحرَّة بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينها وبين الزَّوجة في هذا اللَّفظ العامِّ. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] وقد اختلف السَّلف والخَلَف في عتق أمِّ الولد وفي جواز بيعها، فالثَّابت عن عمر عدم جواز بيعها، وهو مرويٌّ عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقول أكثر التَّابعين وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أكثر كتبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ وزفر وأحمد وإسحاق، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق جواز بيعها، وهو (٤) كذا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وجابرٍ، وفي حديثه: كنَّا نبيع سراريَّنا أمَّهاتِ أولادنا والنَّبيُّ حيٌّ، لا يرى (٥) بذلك بأسًا، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي لفظٍ: بِعْنا أمَّهات الأولاد على عهد النَّبيِّ وأبي بكرٍ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْإِسْلَامَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ) أَيْ ضَاعَ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ حِينَ يَقُولُ) أَيِ الْوَقْتُ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنِ الشِّعْرَ مِنْ نَظْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى غُلَامِهِ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ حَجَّاجٍ السُّوَانيِّ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ فِي قِصَّةٍ لَهُ، فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ تَمَثَّلَ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ (يَا لَيْلَةً) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ فَاءٍ أَوْ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ لِيَصِيرَ مَوْزُونًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى فِي الْعَرُوضِ الْخَرْمَ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْجُزْءِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، وَمَا جَازَ حَذْفُهُ لَا يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ أَيْ تَعَبهَا، وَ (دَارَةِ الْكُفْرِ) الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَةِ جُلْجُلِ.

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ.

قَوْلُهُ في الطريق الثانية (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَأَبُو سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مُكَبَّرٌ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَخَلَفٌ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعُبَيْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ مِمَّنْ يَرْوِي فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَقَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّاعِ كَسْرَهَا.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقَهُ) أَيْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْفَاءُ هِيَ التَّفْسِيرِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حُرٌّ) وَصَلَهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهُوَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتِقْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ حُرٌّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ أَثْبَتَ قَوْلَهُ حُرٌّ فِي أَحَدِهِمَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِتَصْرِيحِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ في الطريق الأخيرة (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَصْلُهُ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَضَلَّ مُعَدَّاةً بِالْهَمْزِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْعِتْقِ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَرَضِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ وَالتَّمَثُّلِ بِهِ وَالتَّأَلُّمِ مِنَ النَّصَبِ وَالسَّهَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

٨ - بَاب أُمِّ الْوَلَدِ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا.

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كان عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ

اللَّهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمِّ الْوَلَدِ) أَيْ هَلْ يُحْكَمُ بِعِتْقِهَا أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُفْصِحُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ السَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْخَلَفِ عَلَى الْمَنْعِ حَتَّى وَافَقَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شُذُوذٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبِّ السَّيِّدُ أَوِ الْمَالِكُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا عَدَمِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ إِمَامَانِ جَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْآخَرُ عَلَى مَنْعِهِ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ فَقَالَ: ظَاهِرُ قَوْلُهُ: رَبَّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيِّدُهَا لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْ سَيِّدِهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَيِّدِهَا لِمَصِيرِ مَآلِ الْإِنْسَانِ إِلَى وَلَدِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْلَادَ مِنَ الْإِمَاءِ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا، وَالْحَدِيثُ مَسُوقٌ لِلْعَلَامَاتِ الَّتِي قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى حُدُوثِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسَرِّي.

قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَهْلَ يَغْلِبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَيَكْثُرَ تَرْدَادُ الْأَمَةِ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي وَحُكْمُهُ لِابْنِ زَمْعَةَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِنَّ فِيهِ ثُبُوتَ أُمِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُرِّيَّتِهَا وَلَا لِإِرْقَاقِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنِيرِ أَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِرَاشًا فَسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا نَصُّهُ فَسَمَّى النَّبِيُّ أُمَّ وَلَدِ زَمْعَةَ أَمَةً وَوَلِيدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً اهـ. فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَ التَّأولَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ مَنْ يَحْتَجُّ بِعِتْقِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ حُجَّةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَةُ أَبِي يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِمَّا قَالَ أنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَزَمْعَةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَمِينٍ فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْأَحْرَارِ. قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُ: إِنَّ الْوَلَدَ فِي الْأَمَةِ لِلْفِرَاشِ، فَلَا يُلْحِقُونَهُ بِالسَّيِّدِ، إِلَّا إِنْ أَقَرَّ بِهِ، وَيَخُصُّونَ الْفِرَاشَ بِالْحُرَّةِ، فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ قَالُوا: مَا كَانَتْ أَمَةً بَلْ كَانَتْ حُرَّةً، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رَدِّ حُجَّتِهِمْ هَذِهِ بِمَا ذَكَرَهُ.

وَتَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَحَادِيثَ أَصَحُّهَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] فليُراجَع، وقال ابن المنيِّر: استدلَّ البخاريُّ بقوله: «تلد الأَمَةُ ربَّها» على إثبات حريَّة أمِّ الولد، وأنَّها لا تُباع من جهة كونه من أشراط السَّاعة، أي: يعتق الرَّجلُ والمرأةُ أمَّهما الأَمَةَ ويعاملانها معاملة السَّيِّد تقبيحًا لذلك، وعدَّه من الفتن، ومن أشراط السَّاعة، فدلَّ على أنَّها مُحتَرمةٌ شرعًا.

٢٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كان عتبة (٢) ابن أبي وقَّاصٍ» (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، نعم ذكر مصعبٌ الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ» أنَّها كانت أَمَةً يمانيةً، واسمُ ولدها عبدُ الرَّحمن (قَالَ عُتْبَةُ) بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ) أي: عبد الرَّحمن (ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) مكَّة (زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ) بالتَّنوين (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن بنصب «ابنَ» (٣) على المفعوليَّة، ويُكتَب بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ) أخي سودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ سَعْدٌ) بالتَّنوين، وفي «اليونينيَّة» برفعه من غير تنوينٍ (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي: عبد الرَّحمن (ابْنُ أَخِي)

عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي (١): عبد الرَّحمن (أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ) أبي (زَمْعَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «هذا أخي ابن زمعة» (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من جاريته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن (فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي: بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ، إمَّا بالاستلحاق (٣) وإمَّا من (٤) القضاء بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ، فألحق ولده به لمَّا علمه من فراشه (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل، ونصب «ابن» (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ) زمعة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَُ بِنْتَ زَمْعَةَ) بضمِّ «سودة» ونصبها على الوجهين

المشهورين في مثل: يا زيدَُ بن عمرٍو، وذلك أنَّ توابع المبنيِّ المفرد من التَّأكيد والصِّفة وعطف البيان تُرفَع على لفظه وتُنصَب على محلِّه، بيانه: أنَّ لفظ «سودة» في «يا سودة»، و «عبد» في «يا عبد» منادىً مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإذا أُكِّد أو اتَّصف أو عُطِف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا «بنت زمعة» فالنَّصب لا غير؛ لأنَّه مضافٌ إضافةً معنويَّةً، وما كان كذلك من توابع المنادى وجب نصبه، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: يجوز رفع «بنت» فقال في «المصابيح»: هو خطأٌ منه، أو من النَّاسخ، والأمر هنا للنَّدب والاحتياط عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، قيل: يحتمل أن يكون قوله: «هو لك» أي: ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يُقِرَّ به، فلم يبق إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا (١) لأمِّه؛ ولذا (٢) أمرها بالاحتجاب منه، وهذا يردُّه قوله في رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: هو لك فهو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنَّه أخو عبدٍ لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، وإنَّما أمرها بالاحتجاب (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ) قال إمامنا الشَّافعيُّ : رؤيةُ ابن زمعة لسودة مباحةٌ، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتَّنزُّه عنه اختيارًا. انتهى. وقد (٣) استُشكِل الحديث من جهة خروجه عن الأصول المُجمَع عليها، وذلك أنَّ الاتِّفاق على (٤) أنَّه لا يدَّعي أحدٌ عن أحدٍ إلَّا بتوكلٍ من المدَّعى له، فكيف ادَّعى سعدٌ وليس وكيلًا عن أخيه عتبة، وادَّعى عبد بن زمعة على أبيه (٥) ولدًا بقوله: «أخي ابن وليدة أبي»، ولم يأتِ ببيِّنةٍ تشهد على إقرار أبيه زمعة بذلك، ولا تجوز دعواه على أمةٍ؟ وأُجيب: باحتمال أن يكون حكمًا مستوفيًا الشُّروطَ (٦)، ولم تستوعب الرُّواة القصَّة، وقد سبق [خ¦٢٠٥٣]: أنَّ عتبةَ عَهِدَ إلى أخيه سعدٍ: أنَّ ابن وليدةِ زمعةَ منِّي فاقبضه إليك، وإذا كان وصيَّ أخيه فهو أحقُّ بكفالة ابن

أخيه وحفظ نسبه، فتصحُّ دعواه بذلك، وكذا دعوى عبد بن زمعة المُخاصَمة في أخيه، فإنَّه كافله وعاصبه إن كان حرًّا، ومالكه إن كان عبدًا (١)، فلا يحتاج إلى إثبات وكالةٍ ولا وصيَّةٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب الحضانة، وهي حقُّه، إذ أحدهما في دعواه عمٌّ والآخر أخٌ، وغرض المؤلِّف من هذا (٢) الحديث قول عبد بن زمعة: «أخي ابن وليدة زمعة وُلِد على فراشه»، وحكمه لابن زمعة بأنَّه أخوه: فإنَّ فيه ثبوت أمِّيَّة الأَمَة لكن ليس فيه تعريضٌ لحرِّيَّتها ولا لإرقاقها، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ في آخر الباب ما نصُّه: فسمَّى النَّبيُّ أمَّ ولد (٣) زمعة أمةً ووليدةً، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقةً. انتهى. وحينئذٍ فهو ميلٌ من المؤلِّف إلى أنَّها لا تُعتَق بموت السَّيِّد؟ وأُجيب: بأنَّ عتق أمِّ الولد بموت السَّيِّد ثبت بأدلَّةٍ أخرى، وقيل: غرض البخاريِّ بإيراده أنَّ بعض الحنفيَّة لمَّا التزم أنَّ أمَّ الولد المُتنازَع فيه كانت حرَّةً، ردَّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنَّه قال: قد ورد في بعض طرقه [خ¦٢٧٤٥]: أنَّها أمةٌ، فمن ادَّعى أنَّها عتقت فعليه البيان، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ استدلَّ بقوله [خ¦٢٠٥٣]: «الولد للفراش» على أنَّ أمَّ الولد فراشٌ كالحرَّة بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينها وبين الزَّوجة في هذا اللَّفظ العامِّ. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] وقد اختلف السَّلف والخَلَف في عتق أمِّ الولد وفي جواز بيعها، فالثَّابت عن عمر عدم جواز بيعها، وهو مرويٌّ عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقول أكثر التَّابعين وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أكثر كتبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ وزفر وأحمد وإسحاق، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق جواز بيعها، وهو (٤) كذا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وجابرٍ، وفي حديثه: كنَّا نبيع سراريَّنا أمَّهاتِ أولادنا والنَّبيُّ حيٌّ، لا يرى (٥) بذلك بأسًا، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي لفظٍ: بِعْنا أمَّهات الأولاد على عهد النَّبيِّ وأبي بكرٍ،

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل