«قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٢٥

الحديث رقم ٢٦٢٥ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما قيل في العمرى والرقبى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٢٥ في صحيح البخاري

«قَضَى النَّبِيُّ بِالْعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.»

إسناد حديث رقم ٢٦٢٥ من صحيح البخاري

٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦٢٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَةً حَقِيقَةً لَاحْتَاجَ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ. وَدَعْوَى ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَيَمِينِهِمْ؛ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِقَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ كَشُرَيْحٍ: إِنَّهُ يَكْفِي الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَتَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ بَابُ إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَسَاقَ قِصَّةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِخُزَيْمَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْوَانُ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ الْعَطَاءَ مِنْ مَالِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ أَعْطَاهُ كَانَ تَنْفِيذًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ هُوَ الْمُنْشِئَ لِلْعَطَاءِ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْفَيْءِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَضَى لَهُ بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ السَّلَبُ.

قَوْلُهُ: (بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ بَيْتَ صُهَيْبٍ كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ فَوَهَبَتْهُ لِصُهَيْبٍ فَلَعَلَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلنَّبِيِّ فَأَعْطَاهُ لِصُهَيْبٍ، أَوْ هُوَ بَيْتٌ آخَرُ غَيْرُ مَا وَقَعَتْ بِهِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةُ.

٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى

أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى، جَعَلْتُهَا لَهُ، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا

٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.

٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) أَيْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، ثَبَتَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَسْمَلَةٌ قَبْلَ الْبَابِ، وَالْعُمْرَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْمِيمِ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ، وَحُكِيَ فَتْحُ أَوَّلِهِ مَعَ السُّكُونِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَمْرِ، وَالرُّقْبَى بِوَزْنِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُعْطِي الرَّجُلَ الدَّارَ وَيَقُولُ لَهُ: أَعْمَرْتُكَ إِيَّاهَا، أَيْ أَبَحْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمُرِكَ فَقِيلَ لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ، وَكَذَا قِيلَ لَهَا رُقْبَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَتَى يَمُوتُ الْآخَرُ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَكَذَا وَرَثَتُهُ فَيَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، هَذَا أَصْلُهَا لُغَةً.

أَمَّا شَرْعًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَى إِذَا وَقَعَتْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْآخِذِ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ الْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ دَاوُدَ وَطَائِفَةٍ، لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ شَيْخُ الظَّاهِرِيَّةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِلَى مَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ؟ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُعَمَّرُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ نَفَذَ بِخِلَافِ الْوَاهِبِ، وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَهَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَقْفِ؟ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ التَّمْلِيكُ فِي الْعُمْرَى يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ وَفِي الرُّقْبَى إِلَى

الْمَنْفَعَةِ، وَعَنْهُمْ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَعَمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِهَا، وَأَطْلَقَ الْجُعْلَ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَرَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْهِبَةِ. وَقَوْلُهُ: اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جَعَلَكُمْ عُمَّارًا هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ كَثِيرًا وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْتَعْمَرَكُمْ أَطَالَ أَعْمَارَكُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي عِمَارَتِهَا وَاسْتِخْرَاجِ قُوتِكُمْ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (قَضَى النَّبِيُّ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) هُوَ بِفَتْحِ أَنَّهَا أَيْ قَضَى بِأَنَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ هَذَا لَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ: فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ الَّذِي فِي آخِرِهِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا الَّذِي قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ أَيْضًا، وَبَيَّنَ مَنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ الْمُدْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ، فَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي أَعْطَى، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَلغِيَ، وَسَأَذْكُرُ الِاحْتِجَاجَ لِذَلِكَ آخِرَ الْبَابِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَهَا وَيُطْلِقُ، فَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ. وَعَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَقِيلَ الْقَدِيمُ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْجَدِيدِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ قَتَادَةَ حَكَى أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي صُورَةَ الْإِطْلَاقِ فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا الْعُمْرَى أَيِ الْجَائِزَةُ إِذَا أُعْمِرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَاحْتَجَّ الزُّهْرِيُّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ لَا يَقْضُونَ بِهَا فَقَالَ عَطَاءٌ: قَضَى بِهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنْ النَّبِيِّ … مثله.

قَوْلُهُ: (عَنْ بَشِيرٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَزْنُ عَظِيمٍ (ابْنُ نَهِيكٍ) بِالنُّونِ وَزْنَ وَلَدِهِ.

قَوْلُهُ: (الْعُمْرَى جَائِزَةٌ) فَهِمَ قَتَادَةُ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَاضِي، وَإِطْلَاقُ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْحِلِّ أَوِ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الْمَاضِي لِلَّذِي يُعَاطَاهَا وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَتَادَةُ فَيَحْتَاجُ إِلَى قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا عُمْرَى، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ لِمَا فَهِمَهُ قَتَادَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ:، حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ .. مِثْلَهُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ بَدَلَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لَهُ) مِلْكًا مدَّة عمره (١)، وتكون هبةً، ولو زاد: فإن متُّ فهي لورثته، فهبة أيضًا، طوَّل فيها العبارة (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]) أي: (جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) هذا تفسير أبي عُبَيدة في «المجاز»، وقال غيره: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾: أطال أعماركم، أو أذن لكم في عمارتها، واستخرج قوتكم منها.

٢٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ جَابِرٍ ) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ بِالعُمْرَى (٢) أَنَّهَا) أي: حَكَم في العُمْرى بأنَّها (لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، زاد مسلم في رواية الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «لا ترجع إلى الَّذي أعطاها» لأنَّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وله من طريق اللَّيث عن الزُّهريِّ: «فقد قطع قوله حقَّه فيها، وهي لمن أُعْمِرَ ولعَقِبه»، فلو قال: إن متَّ عاد إليَّ، أو إلى ورثتي إن متُّ، صحَّت الهبة، ولغا الشَّرط، لأنَّه فاسد، ولإطلاق الحديث.

وحديث الباب أخرجه مسلم في «الفرائض»، وأبو داود في «البيوع»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «العُمْرى».

٢٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ) الأنصاريُّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة، «ونَهِيك» بفتح النُّون وكسر الهاء، السَّلوليُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العُمْرَى جَائِزَةٌ) أي: للمُعْمَر -بفتح الميم- ولورثته من بعده، لا حقَّ للمُعْمِر فيها.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح، بالإسناد السَّابق الموصول إلى قتادة: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) أي: نحو حديث أبي هريرة ، ورواه مسلم عن قتادة عن عطاء بلفظ: «العُمْرى ميراثٌ لأهلها»، ولعلَّه المراد بقوله: «نحوه»، لكن في رواية أبي ذرٍّ بلفظ: «مثلَه» بدل «نحوَه».

قال النَّوويُّ: قال أصحابنا: للعُمْرى ثلاثة أحوال:

أحدُها: أن يقول: أعمرتك هذه الدَّار، فإذا متَّ فهي لورثتك أولعَقِبك، فتصحُّ بلا خلاف، ويملك رقبة الدَّار، وهي هبة، فإذا مات فالدار لورثته، وإلَّا فلبَيْت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال.

ثانيها: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عُمْرى، ولا يتعرَّض لِمَا سواه، ففي صحَّته قولان للشَّافعيِّ، أصحُّهما -وهو الجديد- صحَّتُه.

ثالثها: أن يزيد عليه بأن يقول: فإن متَّ عادت إليَّ، ولورثتي إن متُّ صحَّ ولغا الشَّرط. وقال أحمد: تصحُّ العُمْرى المطلقة دون المؤقَّتة، وقال مالك: العُمْرى في جميع الأحوال تمليكٌ لمنافع الدَّار مثلًا، ولا تُملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كالشَّافعية، ولم يذكر المؤلِّف في الرُّقبى -المذكورة في جملة التَّرجمة- شيئًا، فلعلَّه يرى اتِّحادهما في المعنى كالجمهور، وقد روى النَّسائيُّ بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس موقوفًا: «العُمْرى والرُّقبى سواء»، وقد منعها مالك وأبو حنيفة ومحمَّد خلافًا للجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وللنَّسائيِّ من طريق إسرائيلَ عن عبد الكريم عن عطاء قال: «نهى رسول الله عن العُمْرى والرُّقبى». قلت: وما الرُّقبى؟ قال: «يقول الرَّجل للرَّجل: هي لك حياتَك، فإن فعلتم فهو جائز» أخرجه مرسلًا. وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «لا عُمْرى ولا رُقْبى، فمن أُعْمر شيئًا أو أُرْقِبه فهو له حياتَه ومماتَه» ورجاله ثقاتٌ، لكن اختُلِف في سماع حبيب له من ابن عمر، فصرَّح به النَّسائيُّ في طريقٍ، ونفاه في طريقٍ أخرى، وأُجِيبَ: بأنَّ معناه: لا عُمْرى (١) بالشُّروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الرُّجوع، أي: فليس لهم العُمْرى المعروفة عندهم المقتضية للرُّجوع، فأحاديث النَّهي محمولةٌ على الإرشاد.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَتْ شَهَادَةً حَقِيقَةً لَاحْتَاجَ إِلَى شَاهِدٍ آخَرَ. وَدَعْوَى ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَتِهِ وَيَمِينِهِمْ؛ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِقَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ كَشُرَيْحٍ: إِنَّهُ يَكْفِي الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ إِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَتَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ بَابُ إِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَسَاقَ قِصَّةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِخُزَيْمَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْوَانُ أَعْطَى ذَلِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ الْعَطَاءَ مِنْ مَالِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ أَعْطَاهُ كَانَ تَنْفِيذًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ هُوَ الْمُنْشِئَ لِلْعَطَاءِ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ خَاصًّا بِالْفَيْءِ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ قَضَى لَهُ بِدَعْوَاهُ وَشَهَادَةِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ السَّلَبُ.

قَوْلُهُ: (بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ أَنَّ بَيْتَ صُهَيْبٍ كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ فَوَهَبَتْهُ لِصُهَيْبٍ فَلَعَلَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلنَّبِيِّ فَأَعْطَاهُ لِصُهَيْبٍ، أَوْ هُوَ بَيْتٌ آخَرُ غَيْرُ مَا وَقَعَتْ بِهِ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةُ.

٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى

أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى، جَعَلْتُهَا لَهُ، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا

٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.

٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) أَيْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، ثَبَتَ لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ بَسْمَلَةٌ قَبْلَ الْبَابِ، وَالْعُمْرَى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْمِيمِ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ، وَحُكِيَ فَتْحُ أَوَّلِهِ مَعَ السُّكُونِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَمْرِ، وَالرُّقْبَى بِوَزْنِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُعْطِي الرَّجُلَ الدَّارَ وَيَقُولُ لَهُ: أَعْمَرْتُكَ إِيَّاهَا، أَيْ أَبَحْتُهَا لَكَ مُدَّةَ عُمُرِكَ فَقِيلَ لَهَا عُمْرَى لِذَلِكَ، وَكَذَا قِيلَ لَهَا رُقْبَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَتَى يَمُوتُ الْآخَرُ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِ، وَكَذَا وَرَثَتُهُ فَيَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، هَذَا أَصْلُهَا لُغَةً.

أَمَّا شَرْعًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَى إِذَا وَقَعَتْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْآخِذِ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى صِحَّةِ الْعُمْرَى إِلَّا مَا حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، عَنْ دَاوُدَ وَطَائِفَةٍ، لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ بِصِحَّتِهَا وَهُوَ شَيْخُ الظَّاهِرِيَّةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِلَى مَا يَتَوَجَّهُ التَّمْلِيكُ؟ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ كَسَائِرِ الْهِبَاتِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُعَمَّرُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ نَفَذَ بِخِلَافِ الْوَاهِبِ، وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَهَلْ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْعَارِيَّةِ أَوِ الْوَقْفِ؟ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ التَّمْلِيكُ فِي الْعُمْرَى يَتَوَجَّهُ إِلَى الرَّقَبَةِ وَفِي الرُّقْبَى إِلَى

الْمَنْفَعَةِ، وَعَنْهُمْ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَعَمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِهَا، وَأَطْلَقَ الْجُعْلَ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَرَى أَنَّهَا عَارِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي تَصْرِيحُهُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْهِبَةِ. وَقَوْلُهُ: اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا جَعَلَكُمْ عُمَّارًا هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ كَثِيرًا وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْتَعْمَرَكُمْ أَطَالَ أَعْمَارَكُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَذِنَ لَكُمْ فِي عِمَارَتِهَا وَاسْتِخْرَاجِ قُوتِكُمْ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (قَضَى النَّبِيُّ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) هُوَ بِفَتْحِ أَنَّهَا أَيْ قَضَى بِأَنَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ هَذَا لَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ: فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أُعْمِرَ وَلِعَقِبِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ الَّذِي فِي آخِرِهِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْهُ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا الَّذِي قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفْتِي بِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّعْلِيلَ أَيْضًا، وَبَيَّنَ مَنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ التَّعْلِيلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ الْمُدْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ الْأَنْصَارُ يُعْمِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ، فَيَجْتَمِعُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ.

ثَانِيهَا: أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ فَإِذَا مِتَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي أَعْطَى، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَلغِيَ، وَسَأَذْكُرُ الِاحْتِجَاجَ لِذَلِكَ آخِرَ الْبَابِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَهَا وَيُطْلِقُ، فَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاهِبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ. وَعَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَقِيلَ الْقَدِيمُ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْجَدِيدِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّ قَتَادَةَ حَكَى أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي صُورَةَ الْإِطْلَاقِ فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا الْعُمْرَى أَيِ الْجَائِزَةُ إِذَا أُعْمِرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَاحْتَجَّ الزُّهْرِيُّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ لَا يَقْضُونَ بِهَا فَقَالَ عَطَاءٌ: قَضَى بِهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.

وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنْ النَّبِيِّ … مثله.

قَوْلُهُ: (عَنْ بَشِيرٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَزْنُ عَظِيمٍ (ابْنُ نَهِيكٍ) بِالنُّونِ وَزْنَ وَلَدِهِ.

قَوْلُهُ: (الْعُمْرَى جَائِزَةٌ) فَهِمَ قَتَادَةُ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَاضِي، وَإِطْلَاقُ الْجَوَازِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْحِلِّ أَوِ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الْمَاضِي لِلَّذِي يُعَاطَاهَا وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَتَادَةُ فَيَحْتَاجُ إِلَى قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا عُمْرَى، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ لِمَا فَهِمَهُ قَتَادَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ:، حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ .. مِثْلَهُ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ بَدَلَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لَهُ) مِلْكًا مدَّة عمره (١)، وتكون هبةً، ولو زاد: فإن متُّ فهي لورثته، فهبة أيضًا، طوَّل فيها العبارة (﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]) أي: (جَعَلَكُمْ عُمَّارًا) هذا تفسير أبي عُبَيدة في «المجاز»، وقال غيره: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾: أطال أعماركم، أو أذن لكم في عمارتها، واستخرج قوتكم منها.

٢٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ جَابِرٍ ) أنَّه (قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ بِالعُمْرَى (٢) أَنَّهَا) أي: حَكَم في العُمْرى بأنَّها (لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ) بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، زاد مسلم في رواية الزُّهريِّ عن أبي سلمة: «لا ترجع إلى الَّذي أعطاها» لأنَّه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وله من طريق اللَّيث عن الزُّهريِّ: «فقد قطع قوله حقَّه فيها، وهي لمن أُعْمِرَ ولعَقِبه»، فلو قال: إن متَّ عاد إليَّ، أو إلى ورثتي إن متُّ، صحَّت الهبة، ولغا الشَّرط، لأنَّه فاسد، ولإطلاق الحديث.

وحديث الباب أخرجه مسلم في «الفرائض»، وأبو داود في «البيوع»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «العُمْرى».

٢٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن يحيى الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ) الأنصاريُّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة، «ونَهِيك» بفتح النُّون وكسر الهاء، السَّلوليُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: العُمْرَى جَائِزَةٌ) أي: للمُعْمَر -بفتح الميم- ولورثته من بعده، لا حقَّ للمُعْمِر فيها.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح، بالإسناد السَّابق الموصول إلى قتادة: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) أي: نحو حديث أبي هريرة ، ورواه مسلم عن قتادة عن عطاء بلفظ: «العُمْرى ميراثٌ لأهلها»، ولعلَّه المراد بقوله: «نحوه»، لكن في رواية أبي ذرٍّ بلفظ: «مثلَه» بدل «نحوَه».

قال النَّوويُّ: قال أصحابنا: للعُمْرى ثلاثة أحوال:

أحدُها: أن يقول: أعمرتك هذه الدَّار، فإذا متَّ فهي لورثتك أولعَقِبك، فتصحُّ بلا خلاف، ويملك رقبة الدَّار، وهي هبة، فإذا مات فالدار لورثته، وإلَّا فلبَيْت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال.

ثانيها: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عُمْرى، ولا يتعرَّض لِمَا سواه، ففي صحَّته قولان للشَّافعيِّ، أصحُّهما -وهو الجديد- صحَّتُه.

ثالثها: أن يزيد عليه بأن يقول: فإن متَّ عادت إليَّ، ولورثتي إن متُّ صحَّ ولغا الشَّرط. وقال أحمد: تصحُّ العُمْرى المطلقة دون المؤقَّتة، وقال مالك: العُمْرى في جميع الأحوال تمليكٌ لمنافع الدَّار مثلًا، ولا تُملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كالشَّافعية، ولم يذكر المؤلِّف في الرُّقبى -المذكورة في جملة التَّرجمة- شيئًا، فلعلَّه يرى اتِّحادهما في المعنى كالجمهور، وقد روى النَّسائيُّ بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس موقوفًا: «العُمْرى والرُّقبى سواء»، وقد منعها مالك وأبو حنيفة ومحمَّد خلافًا للجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وللنَّسائيِّ من طريق إسرائيلَ عن عبد الكريم عن عطاء قال: «نهى رسول الله عن العُمْرى والرُّقبى». قلت: وما الرُّقبى؟ قال: «يقول الرَّجل للرَّجل: هي لك حياتَك، فإن فعلتم فهو جائز» أخرجه مرسلًا. وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيبٍ بن أبي ثابتٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «لا عُمْرى ولا رُقْبى، فمن أُعْمر شيئًا أو أُرْقِبه فهو له حياتَه ومماتَه» ورجاله ثقاتٌ، لكن اختُلِف في سماع حبيب له من ابن عمر، فصرَّح به النَّسائيُّ في طريقٍ، ونفاه في طريقٍ أخرى، وأُجِيبَ: بأنَّ معناه: لا عُمْرى (١) بالشُّروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الرُّجوع، أي: فليس لهم العُمْرى المعروفة عندهم المقتضية للرُّجوع، فأحاديث النَّهي محمولةٌ على الإرشاد.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر