الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨
الحديث رقم ٢٨ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إفشاء السلام من الإسلام.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ بَعْدَ كُفْرٍ.
فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسَمَّى مُسْلِمًا إِذَا تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ - أَيْ: كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ - وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ الْكَامِلُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ شُعَيْبٌ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ مَوْصُولٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَاقَ فِيهِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَلَى الْوِلَاءِ هُوَ وَعَمُّهُ وَعَامِرٌ وَأَبُوهُ.
٢٠ - بَاب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ: (السَّلَامُ مِنَ الْإِسْلَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِفْشَاءَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِإِفْشَائِهِ نَشْرُهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْمَرْفُوعِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. وَبَيَانُ كَوْنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ مَعَ بَقِيَّةَ فَوَائِدِهِ. وَغَايَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ شَيْخَيْهِ اللَّذَيْنِ حَدَّثَاهُ عَنِ اللَّيْثِ مُرَاعَاةً لِلْإِتْيَانِ بِالْفَائِدَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَهِيَ تَكْثِيرُ الطُّرُقِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ الْحُكْمَيْنِ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُخَرِّجَ الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْهِ مَعًا، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ غَيْرِ الْمَعْرِضِ الْآخَرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِ تَصْنِيفٍ مُبَوَّبٍ لِكُلٍّ مِنْ شَيْخَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ; وَلِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِتَرْجَمَةِ كُلٍّ مِنْ قُتَيْبَةَ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْنِيفًا عَلَى الْأَبْوَابِ ; وَلِأَنَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يُقَلِّدُ فِي التَّرَاجِمِ، وَالْمَعْرُوفُ الشَّائِعُ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ فِي الْأَحَادِيثِ وَيُتَرْجِمُ لَهَا وَيَتَفَنَّنُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; وَلِأَنَّهُ يَبْقَى السُّؤَالُ بِحَالِهِ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ كَانَ سَمِعَهُمَا مُفْتَرِقَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يَقْصِدُ تَعْدِيدَ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَخَصَّ كُلَّ شُعْبَةٍ بِبَابٍ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا، وَقَصْدُ التَّنْوِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمَّارٌ) هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَثَرُهُ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمَا، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، وَلَفْظُ شُعْبَةَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَهُوَ بِالْمَعْنَى، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي جَامِعِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأُخْرَةٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ كَعْبٍ الْوَاسِطِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَرْفُوعًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الأثر أخرجه أحمد في «كتاب الإيمان»، والبزَّار في «مُسنَدِه»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»، والطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير».
٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) تصغير قِتْبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، قال الصَّغانيُّ: وبها سُمِّيَ الرَّجلُ: قُتيبةَ، وكنيته أبو رجاء، واسمه -فيما قاله ابن منده-: عليُّ بن سعيد (١) بن جميلٍ البَغْلانيُّ؛ نسبةً إلى بَغلان -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجمَة- قرية من قرى بَلْخٍ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بفتح الميم والمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ ﵄: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو ذَرٍّ فيما قِيلَ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ) خصالِ (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) ﵊: (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين.
وهذا الحديث تقدَّم في «باب إطعام الطَّعام» [خ¦١٢] وأعاده المؤلِّف هنا -كعادته في غيره-
لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَيُسَمَّى مُسْلِمًا إِذَا تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ - أَيْ: كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ - وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ الْكَامِلُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ شُعَيْبٌ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ مَوْصُولٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَاقَ فِيهِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَلَى الْوِلَاءِ هُوَ وَعَمُّهُ وَعَامِرٌ وَأَبُوهُ.
٢٠ - بَاب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ: (السَّلَامُ مِنَ الْإِسْلَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِفْشَاءَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِإِفْشَائِهِ نَشْرُهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْمَرْفُوعِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. وَبَيَانُ كَوْنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ مَعَ بَقِيَّةَ فَوَائِدِهِ. وَغَايَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ شَيْخَيْهِ اللَّذَيْنِ حَدَّثَاهُ عَنِ اللَّيْثِ مُرَاعَاةً لِلْإِتْيَانِ بِالْفَائِدَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَهِيَ تَكْثِيرُ الطُّرُقِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ الْحُكْمَيْنِ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُخَرِّجَ الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْهِ مَعًا، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ غَيْرِ الْمَعْرِضِ الْآخَرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِ تَصْنِيفٍ مُبَوَّبٍ لِكُلٍّ مِنْ شَيْخَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ; وَلِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِتَرْجَمَةِ كُلٍّ مِنْ قُتَيْبَةَ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْنِيفًا عَلَى الْأَبْوَابِ ; وَلِأَنَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يُقَلِّدُ فِي التَّرَاجِمِ، وَالْمَعْرُوفُ الشَّائِعُ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ فِي الْأَحَادِيثِ وَيُتَرْجِمُ لَهَا وَيَتَفَنَّنُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; وَلِأَنَّهُ يَبْقَى السُّؤَالُ بِحَالِهِ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ كَانَ سَمِعَهُمَا مُفْتَرِقَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يَقْصِدُ تَعْدِيدَ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَخَصَّ كُلَّ شُعْبَةٍ بِبَابٍ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا، وَقَصْدُ التَّنْوِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمَّارٌ) هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَثَرُهُ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمَا، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، وَلَفْظُ شُعْبَةَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَهُوَ بِالْمَعْنَى، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي جَامِعِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأُخْرَةٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ كَعْبٍ الْوَاسِطِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَرْفُوعًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الأثر أخرجه أحمد في «كتاب الإيمان»، والبزَّار في «مُسنَدِه»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»، والطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير».
٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) تصغير قِتْبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، قال الصَّغانيُّ: وبها سُمِّيَ الرَّجلُ: قُتيبةَ، وكنيته أبو رجاء، واسمه -فيما قاله ابن منده-: عليُّ بن سعيد (١) بن جميلٍ البَغْلانيُّ؛ نسبةً إلى بَغلان -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجمَة- قرية من قرى بَلْخٍ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بفتح الميم والمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ ﵄: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو ذَرٍّ فيما قِيلَ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ) خصالِ (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) ﵊: (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين.
وهذا الحديث تقدَّم في «باب إطعام الطَّعام» [خ¦١٢] وأعاده المؤلِّف هنا -كعادته في غيره-
لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
(٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على