الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٧٢
الحديث رقم ٣٣٧٢ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ﷿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾
٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ، وَأَبُو بَكْرٍ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ هُوَ الصِّدِّيقُ، وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ فِي التَّفْسِيرِ وَلَفْظُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الْوَاقِعُ، وَكَأَنَّهُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْرَ هَذَا التَّعْلِيقِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ أَيْضًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِرِ تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَهِمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَعَزَا رِوَايَةَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ، وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقَّنِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا أَحَالَ بِشَرْحِهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ: تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ شَيْخَهُ مُغْلَطَايْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ صَنَعَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَصْلًا، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّعْوِيذِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ فَرَّقَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ (عَنِ الْمِنْهَالِ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَالْإِسْنَادُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كُوفِيُّونَ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ فَقَالَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بَدَلَ سَعِيدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصٍ الْأَبَّارِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ فَحَمَلَ رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْ رِوَايَةَ الْأَبَّارِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَاكُمَا) يُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَسَمَّاهُ أَبًا لِكَوْنِهِ جَدًّا عَلَا.
قَوْلُهُ: (بِكَلِمَاتِ اللَّهِ) قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا كَلَامُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ أَقْضِيَتُهُ، وَقِيلَ مَا وَعَدَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَالْمُرَادُ بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ الْمُرَادُ بِالتَّامَّةِ: الْكَامِلَةُ، وَقِيلَ النَّافِعَةُ، وَقِيلَ الشَّافِيَةُ، وَقِيلَ الْمُبَارَكَةُ، وَقِيلَ الْقَاضِيَةُ الَّتِي تَمْضِي وَتَسْتَمِرُّ وَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ وَلَا يَدْخُلهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْتَعِيذُ بِمَخْلُوقٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) يَدْخُلُ تَحْتَهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
قَوْلُهُ: (وَهَامَّةٍ) بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَةُ الْهَوَامِّ ذَوَاتِ السَّمُومِ، وَقِيلَ كُلُّ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُلُ فَأَمَّا مَا لَا يَقْتُلُ سُمُّهُ فَيُقَالُ لَهُ السَّوَامُّ، وَقِيلَ الْمُرَادُ كُلُّ نَسَمَةٍ تَهُمُّ بِسُوءٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ دَاءٍ وَآفَةٍ تُلِمُّ بِالْإِنْسَانِ مِنْ جُنُونٍ وَخَبَلٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُهُ مِنْ أَلْمَمْتُ إِلْمَامًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَامَّةٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا ذَاتُ لَمَمٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَعْنِي أَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتٍ بَعْدَ وَقْتٍ، وَقَالَ لَامَّةٌ لِيُؤَاخِيَ لَفْظَ هَامَّةٍ لِكَوْنِهِ أَخَفَّ عَلَى اللِّسَانِ.
١١ - بَاب قَوْل الله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ
٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ.
[الحديث ٣٣٧٢ - أطرافه في: ٣٣٧٥، ٣٣٨٧، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤، ٦٩٩٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الْآيَةَ. لَا تَوْجَلْ: لَا تَخَفْ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: سَاقَ الْآيَتَيْنِ بِلَا حَدِيثٍ انْتَهَى. وَالتَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عَقِبَ هَذَا فِي الْأَصْلِ بَيَاضٌ فَحُذِفَ. وَقِصَّةُ أَضْيَافِ إِبْرَاهِيمَ أَوْرَدَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُبَيَّنَةً، وَفِيهَا أَنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ قَالُوا: إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ لَهُ ثَمَنًا، قَالُوا: وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ، قَالَ: فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مُحْصَنٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَرَفَايِيلُ وَمِنْ طَرِيقِ نُوحِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَ بِجَنَاحَيْهِ الْعِجْلَ فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فِي الدَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. كَذَا وَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مُتَّصِلًا بِالْبَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَدَلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بَابُ قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، إِلَخْ وَسَقَطَ كُلُّ ذَلِكَ لِلنَّسَفِيِّ فَصَارَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَكْمِلَةَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَكَمُلَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عِشْرِينَ حَدِيثًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدٌ كَذَا قَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، الزُّهْرِيِّ فَقَالَ إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا، وَتَابَعَ مَالِكًا، أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَرَجَحَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى تَصْحِيحِ الطَّرِيقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا مَعًا، وَهُوَ نَظَرٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ صَاحِبُ حَدِيثٍ، وَهُوَ المَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ هَؤُلَاءِ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ هُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّأ وَاشْتُهِرَ أَنَّ جُوَيْرِيَةَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ، وَلَكِنْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبَ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) سَقَطَ لَفْظُ الشَّكِّ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالشَّكِّ هُنَا، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَحَمَلَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَعَلَ سَبَبَهُ حُصُولَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرَّ وَلَا زَلْزَلَتِ الْإِيمَانَ الثَّابِتَ، وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا لِمَا يَعْرِضُ فِي الصُّدُورِ وَيسوسُ بِهِ الشَّيْطَانُ، فَرَضِيَ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِأَنْ قَالَ: بَلَى.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ عَطَاءٌ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: دَخَلَ قَلْبَ إِبْرَاهِيمَ
بَعْضُ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ النَّاسِ فَقَالَ ذَلِكَ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ تَوَزَّعَتْهَا الدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَتَى عَلَى جِيفَةِ حِمَارٍ عَلَيْهِ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ فَعَجِبَ وَقَالَ: رَبِّ لَقَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّهَا، وَلَكِنْ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا اسْتَأْذَنَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَنْ يُبَشِّرَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَذَكَرَ قِصَّةً مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ، قَالَ فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ يَدْعُو رَبَّهُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي خَلِيلُكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَوَّامِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالْخُلَّةِ وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنِّي خَلِيلُكَ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَعْلَمَ أَنَّكَ أَجَبْتَ دُعَائِي. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ لِأَعْلَمَ أَنَّكَ تُجِيبُنِي إِذَا دَعَوْتُكَ.
وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ جَنَحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ قَالَ: طَلَبَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ لِتَذْهَبَ عَنْهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ ; وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُمْرُودَ لَمَّا قَالَ لَهُ مَا رَبُّكَ؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَذَكَرَ مَا قَصَّ اللَّهُ مِمَّا جَرَى بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْهُ فِي الْقُدْرَةِ، وَلَكِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِحُصُولِ مَا أَرَادَهُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْمُرَادُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَقْدِرْنِي عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَتَأَدَّبَ فِي السُّؤَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْحِصَارِ: إِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ الْمَوْتَى عَلَى يَدَيْهِ فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ فِي الْجَوَابِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلْبِي﴾ رَجُلًا صَالِحًا كَانَ يَصْحَبُهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ سَأَلَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَقِيلَ: أَرَادَ طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ، وَقِيلَ: مَحَبَّةُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ نَحْنُ أَشَدُّ اشْتِيَاقًا إِلَى رُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ نَشُكَّ نَحْنُ فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَشُكَّ، أَيْ لَوْ كَانَ الشَّكُّ مُتَطَرِّقًا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ لَكُنْتُ أَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكَّ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ، أَوْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، قَالَ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمُخَاطَبَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ آخَرَ شَيْئًا قَالَ: مَهْمَا أَرَدْتَ أَنْ تَقُولَهُ لِفُلَانٍ فَقُلْهُ لِي، وَمَقْصُودُهُ لَا تَقُلْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمَّتُهُ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الشَّكُّ وَإخْرَاجُهُ هُوَ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْعِصْمَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ شَكَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ إِنَّمَا هُوَ طَلَبٌ لِمَزِيدِ الْبَيَانِ.
وَحَكَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أَفْعَلَ رُبَّمَا جَاءَتْ لِنَفْيِ الْمَعْنَى عَنِ الشَّيْئَيْنِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أَيْ لَا خَيْرَ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَنَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ: الشَّيْطَانُ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ، أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمَا، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، لَا شَكَّ عِنْدَنَا جَمِيعًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَرْجَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي الْقُدْرَةِ. وَذَكَرَ أَثَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَحْمَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدِي أَنَّهَا أَرْجَى آيَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِدْلَالِ عَلَى اللَّهِ وَسُؤَالِ الْإحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَكْفِي فِيهِ الْإِجْمَالُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ، وَأَبُو بَكْرٍ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ هُوَ الصِّدِّيقُ، وَقَدْ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ فِي التَّفْسِيرِ وَلَفْظُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الْوَاقِعُ، وَكَأَنَّهُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ ذِكْرَ هَذَا التَّعْلِيقِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ. وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدَّعَوَاتِ أَيْضًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي أَوَاخِرِ تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ، وَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَهِمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَعَزَا رِوَايَةَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ هَذِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ، وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَاغْتَرَّ بِذَلِكَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقَّنِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا أَحَالَ بِشَرْحِهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ: تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ شَيْخَهُ مُغْلَطَايْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ صَنَعَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَصْلًا، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّعْوِيذِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ فَرَّقَهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ (عَنِ الْمِنْهَالِ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَالْإِسْنَادُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كُوفِيُّونَ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ فَقَالَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بَدَلَ سَعِيدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَفْصٍ الْأَبَّارِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ فَحَمَلَ رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُخَرِّجْ رِوَايَةَ الْأَبَّارِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَاكُمَا) يُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَسَمَّاهُ أَبًا لِكَوْنِهِ جَدًّا عَلَا.
قَوْلُهُ: (بِكَلِمَاتِ اللَّهِ) قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا كَلَامُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ أَقْضِيَتُهُ، وَقِيلَ مَا وَعَدَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وَالْمُرَادُ بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ الْمُرَادُ بِالتَّامَّةِ: الْكَامِلَةُ، وَقِيلَ النَّافِعَةُ، وَقِيلَ الشَّافِيَةُ، وَقِيلَ الْمُبَارَكَةُ، وَقِيلَ الْقَاضِيَةُ الَّتِي تَمْضِي وَتَسْتَمِرُّ وَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ وَلَا يَدْخُلهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَسْتَعِيذُ بِمَخْلُوقٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) يَدْخُلُ تَحْتَهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
قَوْلُهُ: (وَهَامَّةٍ) بِالتَّشْدِيدِ وَاحِدَةُ الْهَوَامِّ ذَوَاتِ السَّمُومِ، وَقِيلَ كُلُّ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُلُ فَأَمَّا مَا لَا يَقْتُلُ سُمُّهُ فَيُقَالُ لَهُ السَّوَامُّ، وَقِيلَ الْمُرَادُ كُلُّ نَسَمَةٍ تَهُمُّ بِسُوءٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ دَاءٍ وَآفَةٍ تُلِمُّ بِالْإِنْسَانِ مِنْ جُنُونٍ وَخَبَلٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُهُ مِنْ أَلْمَمْتُ إِلْمَامًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَامَّةٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا ذَاتُ لَمَمٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَعْنِي أَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتٍ بَعْدَ وَقْتٍ، وَقَالَ لَامَّةٌ لِيُؤَاخِيَ لَفْظَ هَامَّةٍ لِكَوْنِهِ أَخَفَّ عَلَى اللِّسَانِ.
١١ - بَاب قَوْل الله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ
٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ.
[الحديث ٣٣٧٢ - أطرافه في: ٣٣٧٥، ٣٣٨٧، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤، ٦٩٩٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الْآيَةَ. لَا تَوْجَلْ: لَا تَخَفْ) كَذَا اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَقَالَ: سَاقَ الْآيَتَيْنِ بِلَا حَدِيثٍ انْتَهَى. وَالتَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عَقِبَ هَذَا فِي الْأَصْلِ بَيَاضٌ فَحُذِفَ. وَقِصَّةُ أَضْيَافِ إِبْرَاهِيمَ أَوْرَدَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُبَيَّنَةً، وَفِيهَا أَنَّهُ لَمَّا قَرَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِجْلَ قَالُوا: إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ لَهُ ثَمَنًا، قَالُوا: وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ: تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ، قَالَ: فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَقَالَ: حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ فَزِعَ مِنْهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ مُحْصَنٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةً: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَرَفَايِيلُ وَمِنْ طَرِيقِ نُوحِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ أَنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَ بِجَنَاحَيْهِ الْعِجْلَ فَقَامَ يَدْرُجُ حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ فِي الدَّارِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. كَذَا وَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مُتَّصِلًا بِالْبَابِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بَدَلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بَابُ قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، إِلَخْ وَسَقَطَ كُلُّ ذَلِكَ لِلنَّسَفِيِّ فَصَارَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَكْمِلَةَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَكَمُلَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ عِشْرِينَ حَدِيثًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، وَسَعِيدٌ كَذَا قَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، الزُّهْرِيِّ فَقَالَ إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا، وَتَابَعَ مَالِكًا، أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَرَجَحَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَنَحَ إِلَى تَصْحِيحِ الطَّرِيقَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا مَعًا، وَهُوَ نَظَرٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ صَاحِبُ حَدِيثٍ، وَهُوَ المَعْرُوف بِالرِّوَايَةِ عَنْ هَؤُلَاءِ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمْ جَمِيعًا، ثُمَّ هُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّأ وَاشْتُهِرَ أَنَّ جُوَيْرِيَةَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ، وَلَكِنْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبَ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) سَقَطَ لَفْظُ الشَّكِّ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالشَّكِّ هُنَا، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَحَمَلَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَعَلَ سَبَبَهُ حُصُولَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرَّ وَلَا زَلْزَلَتِ الْإِيمَانَ الثَّابِتَ، وَاسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا لِمَا يَعْرِضُ فِي الصُّدُورِ وَيسوسُ بِهِ الشَّيْطَانُ، فَرَضِيَ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِأَنْ قَالَ: بَلَى.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ عَطَاءٌ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: دَخَلَ قَلْبَ إِبْرَاهِيمَ
بَعْضُ مَا يَدْخُلُ قُلُوبَ النَّاسِ فَقَالَ ذَلِكَ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ تَوَزَّعَتْهَا الدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَتَى عَلَى جِيفَةِ حِمَارٍ عَلَيْهِ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ فَعَجِبَ وَقَالَ: رَبِّ لَقَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّهَا، وَلَكِنْ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا اسْتَأْذَنَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَنْ يُبَشِّرَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَذَكَرَ قِصَّةً مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ رُوحِ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ، قَالَ فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ يَدْعُو رَبَّهُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي خَلِيلُكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَوَّامِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالْخُلَّةِ وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنِّي خَلِيلُكَ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَعْلَمَ أَنَّكَ أَجَبْتَ دُعَائِي. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ لِأَعْلَمَ أَنَّكَ تُجِيبُنِي إِذَا دَعَوْتُكَ.
وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ جَنَحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ قَالَ: طَلَبَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ لِتَذْهَبَ عَنْهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ ; وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُمْرُودَ لَمَّا قَالَ لَهُ مَا رَبُّكَ؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَذَكَرَ مَا قَصَّ اللَّهُ مِمَّا جَرَى بَيْنَهُمَا، فَسَأَلَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى مِنْ غَيْرِ شَكٍّ مِنْهُ فِي الْقُدْرَةِ، وَلَكِنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَاشْتَاقَ إِلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِحُصُولِ مَا أَرَادَهُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْمُرَادُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَقْدِرْنِي عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَتَأَدَّبَ فِي السُّؤَالِ. وَقَالَ ابْنُ الْحِصَارِ: إِنَّمَا سَأَلَ أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ الْمَوْتَى عَلَى يَدَيْهِ فَلِهَذَا قِيلَ لَهُ فِي الْجَوَابِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلْبِي﴾ رَجُلًا صَالِحًا كَانَ يَصْحَبُهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ عَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ سَأَلَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَقِيلَ: أَرَادَ طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ، وَقِيلَ: مَحَبَّةُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ نَحْنُ أَشَدُّ اشْتِيَاقًا إِلَى رُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِذَا لَمْ نَشُكَّ نَحْنُ فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَشُكَّ، أَيْ لَوْ كَانَ الشَّكُّ مُتَطَرِّقًا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ لَكُنْتُ أَنَا أَحَقُّ بِهِ مِنْهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكَّ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ، أَوْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، قَالَ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمُخَاطَبَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ آخَرَ شَيْئًا قَالَ: مَهْمَا أَرَدْتَ أَنْ تَقُولَهُ لِفُلَانٍ فَقُلْهُ لِي، وَمَقْصُودُهُ لَا تَقُلْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمَّتُهُ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الشَّكُّ وَإخْرَاجُهُ هُوَ مِنْهُ بِدَلَالَةِ الْعِصْمَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ شَكَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ إِنَّمَا هُوَ طَلَبٌ لِمَزِيدِ الْبَيَانِ.
وَحَكَى بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أَفْعَلَ رُبَّمَا جَاءَتْ لِنَفْيِ الْمَعْنَى عَنِ الشَّيْئَيْنِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ أَيْ لَا خَيْرَ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَنَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ: الشَّيْطَانُ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ، أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمَا، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، لَا شَكَّ عِنْدَنَا جَمِيعًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَرْجَمَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي الْقُدْرَةِ. وَذَكَرَ أَثَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَحْمَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدِي أَنَّهَا أَرْجَى آيَةٍ لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِدْلَالِ عَلَى اللَّهِ وَسُؤَالِ الْإحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَكْفِي فِيهِ الْإِجْمَالُ