الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٠١
الحديث رقم ٤١٠١ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة الخندق وهي الأحزاب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤١٠١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا ﵁ فَقَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا إِلَخْ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا قَالُوا وَيَقُولُونَ إِذَا قَالَ، وَفِيهِ أَنَّ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ تَنْشِيطًا فِي الْعَمَلِ، وَبِذَلِكَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْحَرْبِ، وَأَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي ذَلِكَ الرَّجَزُ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا) هُوَ صِفَةُ الَّذِينَ لَا صِفَةَ نَحْنُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْإِسْلَامِ بَدَلَ الْجِهَادِ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ.
(تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ طَرِيقُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ سِوَى قَوْلِهِ: قَالَ يُؤْتَوْنَ إِلَخْ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَحَادِيثَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُؤْتَوْنَ) قَائِلُ ذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِمِلْءِ كَفِّي) رُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ (فَيُصْنَعُ لَهُمُ الشَّعِيرُ) أَيْ يُطْبَخُ، وَقَوْلُهُ: بِإِهَالَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ: الدُّهْنُ الَّذِي يُؤْتَدَمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ زَيْتًا أَوْ سَمْنًا أَوْ شَحْمًا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الْإِهَالَةُ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ فِيهِ سَمْنٌ. وَقَوْلُهُ سَنِخَةٌ أَيْ تَغَيَّرَ طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا مِنْ قِدَمِهَا، وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا بَشِعَةً. وَقَوْلُهُ: بَشِعَةٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَالنَّشْغُ الْغَثَى أَيْ أَنَّهُمْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ عِنْدَ ازْدِرَادِهَا شَبِيهٌ بِالْغَثَى، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. وَقَوْلُهُ: فِي الْحَلْقِ هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَتِيقَةٌ جِدًّا حَتَّى عَفَّنَتْ وَأَنْتَنَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَهَا رِيحٌ مُنْكَرٌ قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ لِأَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ، قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُؤَنَّثِ غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ. وَمُنْتِنٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا.
٤١٠١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا ﵁ فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كيدة شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ. ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ في الكدية، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ. فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ بالْبُرْمَةِ. ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَالَ: كَمْ هُوَ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ، فقَالَ: كَثِيرٌ طَيِّبٌ. قَالَ: قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ، فَقَالَ: قُومُوا. فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ. قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا.
فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ.
٤١٠٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقال رسول الله ﷺ: "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ"
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ جَابِرًا فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمَحَارِبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْوِيهِ عَنْكَ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
قَوْلُهُ: (فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، قِيلَ: هِيَ الْقِطْعَةُ الشَّدِيدَةُ الصُّلْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجئوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ وَهَهُنَا كُدْيَةٌ مِنَ الْجَبَلِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ وَهِيَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَةُ الصَّمَّاءُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ كِنْدَةٌ بِنُونٍ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ كَتِدَةٌ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ قَالَ عِيَاضٌ: لَا أَعْرِفُ لَهُمَا مَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَا نَازِلٌ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ) زَادَ يُونُسُ مِنَ الْجُوعِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ، وَلِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا) هِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي رَبْطِهِ ﷺ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيِ
الْمِسْحَاةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (فَضَرَبَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ وَعِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ:
بِسْمِ اللَّهِ وَبِهِ بَدَيْنَا … وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا … فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَب دِينَا
قَوْلُهُ: (فَعَادَ كَثِيبًا) أَيْ رَمْلًا.
قَوْلُهُ: (هيَلَ أَوْ أَهْيَمَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَهْيَلَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَثِيبًا يُهَالُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ أَيْ: رَمْلًا سَائِلًا، وَأَمَّا أَهْيَمُ فَقَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَلَ، وَقَدْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الْمُرَادُ الرِّمَالُ الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَةٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ حِينُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا نأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا: حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَةً صَدَعَ الصَّخْرَةَ وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِكَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِرِهِ - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَذِنَ لِي، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ زِيَادَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: احْتَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُلٍ يُطْعِمُنَا أَكْلَةً؟ قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ. الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ جَابِرٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي قَوْلِهِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي) اسْمُهَا سُهَيْلَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدِي شَعِيرٌ) بَيَّنَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاعٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَنَاقٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ أَيْ سَمِينَةٌ، وَالدَّاجِنُ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الْبَيْتِ وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ سَمِينَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَذَبَحْتُ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ، وَقَوْلُهُ: (طَحَنَتْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ، فَالَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِرٌ، وَامْرَأَتُهُ الَّتِي طَحَنَتْ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ)
أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيِ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى جَعَلْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى جَعَلَتْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبُرْمَةِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (طُعَيِّمٌ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ، قَالُوا: مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَرَجُلَانِ بِالْجَزْمِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بَعْدَ هَذِهِ فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: قُومُوا، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا: قُومُوا وَهِيَ أَوْضَحُ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ، وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: ادْخُلُوا) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ قَالَ: فَلَقِيتُ مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ﷿ وَقُلْتُ: جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ، فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي أَقُولُ: افْتَضَحْتُ، جَاءَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ. فَقَالَتْ: هَلْ كَانَ سَأَلَكَ كَمْ طَعَامُكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا، فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا. وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ. وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُ فَسَارَرْتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ، فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ التَّمْرِ أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي. فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ. فَعَاتَبَهَا جَابِرٌ، فَقَالَتْ لَهُ: أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ.
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ: فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنَ التَّنُّورِ وَلَا مِنَ الْقِدْرِ حَتَّى آتِيَهَا، وَاسْتَعِرْ صِحَافًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَضَاغَطُوا) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَالَةٍ، أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ) أَيْ يُغَطِّيهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْزِعُ) أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَقَالَ: ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ أَيْ تُسَاعِدْكَ، وَقَوْلُهُ: وَاقْدَاحِي مِنْ بُرْمَتِكِ أَيِ اغْرِفِي، وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا.
قَوْلُهُ: (وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ، وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا.
قَوْلُهُ: (كُلِي هَذَا وَأَهْدِي) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْهَدِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ كُلِي وَأَهْدِي، فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنُهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٤٠٩٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنَا مالِك عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ دعَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى الَّذِينَ قتَلُوا يَعْنِي أصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ ثَلاثِينَ صَبَاحاً حِينَ يَدْعُو علَى رِعْلٍ ولِحْيَانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أنَسٌ فأنْزَلَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِينَ قُتِلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآناً قَرَأنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا فَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا ورَضِينَا عَنْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب فضل قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا} (آل عمرَان: ١٦٩) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ حِين يَدْعُو يرْوى حَتَّى يَدْعُو.
٤٠٩٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا عاصِمٌ الأحْوَلُ قَالَ سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ القُنُوتِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ نعَمْ فقُلْتُ كانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قُلْتُ فإنَّ فُلَانَاً أخبرَنِي عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ قَالَ كذَبَ إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَاً أنَّهُ بَعَثَ نَاسا يُقالُ لَهُمُ القُرَّاءُ وهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً إلَى نَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَهْدٌ قِبَلَهُمْ فظَهَرَ هَؤلَاءِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَهْدٌ فقَنَتَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَاً يَدْعُو علَيْهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، والْحَدِيث مضى فِي الْوتر فِي: بَاب الْقُنُوت قبل الرُّكُوع وَبعده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (كذب) أَي: أَخطَأ. قَوْله: (عهد) عهد وميثاق، والعهد يَجِيء لمعان كَثِيرَة بِمَعْنى: الْيَمين والأمان والذمة وَالْحِفْظ ورعاية الْحُرْمَة وَالْوَصِيَّة، وَيسْتَعْمل كل معنى فِي مَحل يَقْتَضِي ذَلِك الْمَعْنى، قيل: كَيفَ جَازَ بعث الْجَيْش إِلَى المعاهدين؟ وَأجِيب: بِأَن قَوْله: (بَينهم وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عهد) جملَة ظرفية حَالية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بعث إِلَى نَاس من الْمُشْركين غير المعاهدين، وَالْحَال أَن بَين نَاس مِنْهُم هم مُقَابل الْمَبْعُوث عَلَيْهِم وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عهد، فغلب المعاهدون وغدروا فَقتلُوا الْقُرَّاء المبعوثين لإمدادهم على عدوهم، وَذكر مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب أَسمَاء الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَن أَصْحَاب الْعَهْد هم بَنو عَامر ورأسهم أَبُو برَاء عَامر بن مَالك بن جَعْفَر، وَقد مر ذكره عَن قريب، وَأَن الطَّائِفَة الْأُخْرَى من بني سليم وهم رعل وذكوان وَعصيَّة. قَوْله: (قبلهم) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: قبل الْمَبْعُوث عَلَيْهِم كَمَا ذكرنَا أَي: من جهتهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: قبلهم ضد بعدهمْ، وَلم يذكر غَيره هَذَا إلَاّ ابْن التِّين. قَوْله: (فَظهر) ، أَي: غلب.
٣٠ - (بابُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وهْيَ الأحْزَابُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة الخَنْدَق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة الخَنْدَق، وَالْخَنْدَق مُعرب: كِنْدَة، أَي: جورة محفورة، وَكَانَ سَبَب حفر الخَنْدَق مَا قَالَه ابْن سعد، رَحمَه الله: لما أجلى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني النَّضِير سَارُوا إِلَى خَيْبَر فَخرج نفر من أَشْرَافهم إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فألبوا قُريْشًا ودعوهم إِلَى الْخُرُوج على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعاهدوهم على قِتَاله، ثمَّ أَتَوا غطفان وسليماً فوافقوهم على مثل ذَلِك، فتجمعت قُرَيْش بِمن تَبِعَهُمْ فَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف يقودهم أَبُو سُفْيَان، وَوَافَقَهُمْ بَنو سليم بمر الظهْرَان فِي سَبْعمِائة يقودهم سُفْيَان بن عبد شمس، وَمَعَهُمْ بَنو أَسد يقودهم طَلْحَة بن خويلد، وَخرجت فَزَارَة يَقُودهَا عُيَيْنَة على ألف بعير،
وَخرجت أَشْجَع فِي أَرْبَعمِائَة يَقُودهَا مَسْعُود بن رجيلة، وَخرجت بَنو مرّة فِي أَرْبَعمِائَة يَقُودهَا الْحَارِث بن عَوْف، فَكَانَ جَمِيع الْقَوْم الَّذين وافوا الخَنْدَق عشرَة آلَاف، وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر، وعناج الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان، يَعْنِي: أَنه كَانَ صَاحبهمْ ومدبر أَمرهم والقائم بشؤونهم، وَقَالَ قَتَادَة فِيمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ: كَانَ الْمُشْركُونَ أَرْبَعَة آلَاف أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك، وَالصَّحَابَة فِيمَا بلغنَا ألف، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: فَلَمَّا سمع بهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن هِشَام: يُقَال: إِن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي: أول من حفر الخَنْدَق بَنو جهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فَعمل فِيهِ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ترغيباً للْمُسلمين فِي الْأجر وَعمل مَعَه الْمُسلمُونَ. قَوْله: (وَهِي الْأَحْزَاب) أَي: غَزْوَة الخَنْدَق هِيَ الْأَحْزَاب، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لَهَا اسْمَيْنِ، والأحزاب جمع حزب، سميت بذلك لِاجْتِمَاع طوائف من الْمُشْركين على حَرْب الْمُسلمين، وَقد أنزل الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقِصَّة صدر سُورَة الْأَحْزَاب.
قَالَ مُوساى بنُ عُقْبَةَ كانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أرْبَعٍ
مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ، صَاحب الْمَغَازِي، مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. قَوْله: كَانَت، أَي: غَزْوَة الخَنْدَق فِي شهر شَوَّال سنة أَربع من الْهِجْرَة، وَتَابعه على ذَلِك مَالك، أخرجه أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: سنة خمس، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَت فِي ذِي الْقعدَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان لَيَال مضين مِنْهَا سنة خمس، وَاعْلَم أَنه كَانَ بعد أحد: حَمْرَاء الْأسد، ثمَّ سَرِيَّة أبي سَلمَة، ثمَّ سَرِيَّة عبد الله بن أنيس، وَبعث الرجيع، وقصة بِئْر مَعُونَة، ثمَّ غَزْوَة بني النَّضِير، ثمَّ غَزْوَة ذَات الرّقاع، ثمَّ غَزْوَة بدة الْآخِرَة، ثمَّ غَزْوَة دومة الجندل، ثمَّ الخَنْدَق. وَأقَام الْمُشْركُونَ على الخَنْدَق سبعا وَعشْرين لَيْلَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَرْبعا وَعشْرين يَوْمًا، وَقَالَ الغنوي: بضع عشرَة لَيْلَة، وَقَالَ مُوسَى: قَرِيبا من عشْرين لَيْلَة، وَلم يكن فِيهِ قتال إلَاّ سَاعَة كَانَ بَينهم مراماة بالنبال فأصيب أكحل سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا سَيَجِيءُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٠٩٧ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخْبَرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يَجِزْهُ وعرَضَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ وهْوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجَازَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح وَفِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن أبي قدامَة.
قَوْله: (عرضه) مِنْ: عرض الْجَيْش إِذا اختبر أَحْوَالهم قبل مُبَاشرَة الْقِتَال للنَّظَر فِي هيئتهم وترتيب مَنَازِلهمْ وَغير ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عرضني يَوْم أحد فِي الْقِتَال وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة. قَوْله: (فَلم يجزه) أَي: فَلم يمضه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْقِتَال، وَمعنى: أجَازه: أَمْضَاهُ وَأذن لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْكرْمَانِي: أجَازه من الْإِجَازَة وَهِي الْأَنْفَال، أَي: أسْهم لَهُ، وَيرد ذَلِك أَنه لم يكن فِي غَزْوَة الخَنْدَق غنيمَة يحصل مِنْهَا نفل. قلت: رَأَيْت فِي شرح (الْكرْمَانِي) : وَلم يجزه من الْإِجَازَة وَهِي الإنفاذ، وَكَانَ الْمُعْتَرض ظن أَن قَوْله: الإنفاد الْأَنْفَال، بِاللَّامِ فِي آخِره، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ الإنفاذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
٤٠٩٨ - حدَّثني قُتَيْبَةُ حدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ علَى أكْتَادِنَا فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم، واسْمه سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار فِي دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أصلح الْأَنْصَار والمهاجره. قَوْله: (على أكتادنا) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع الكتد، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، ويروى: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: وهم ينقلون التُّرَاب على متونهم، ثمَّ قَالَ: الْمَتْن مكتنف الصلب من العصب وَاللَّحم، وَوهم فِي ذَلِك، وَهَذِه اللَّفْظَة سلفت فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، لَكِن من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٠٩٨ - حدَّثني قُتَيْبَةُ حدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ علَى أكْتَادِنَا فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم، واسْمه سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار فِي دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أصلح الْأَنْصَار والمهاجره. قَوْله: (على أكتادنا) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع الكتد، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، ويروى: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: وهم ينقلون التُّرَاب على متونهم، ثمَّ قَالَ: الْمَتْن مكتنف الصلب من العصب وَاللَّحم، وَوهم فِي ذَلِك، وَهَذِه اللَّفْظَة سلفت فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، لَكِن من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٠٩٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وحدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ خَرَجَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الخَنْدَقِ فإذَا المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بارِدَةٍ فلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذالِكَ لَهُمْ فلَمَّا رَأي مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ والجُوعِ قَالَ:
(اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ)
فقَالُوا مُجِيِبينَ لَهُ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً ... علَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدَاً) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، أَصله من الْكُوفَة روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْجُمُعَة، وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْفَزارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب التحريض على الْقِتَال بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مجيبين لَهُ) أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ومجيبين نصب على الْحَال. قَوْله: (بَايعُوا) أصلة: الَّذين فباعتباره ذكر بِصِيغَة الْمَاضِي للْجمع الغائبين، وَلَو كَانَ بِاعْتِبَار لفظ: نَحن، لقيل: بَايعنَا، وَقَالَ بَعضهم: الَّذين بَايعُوا، هُوَ صفة: الَّذين، لَا صفة: نَحن. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قُلْنَاهُ، وَفِيه: إنشاد الشّعْر تنشيطاً فِي الْعَمَل، وَبِذَلِك جرت عَادَتهم فِي الحروب، وَأكْثر مَا يستعملون فِي ذَلِك الرجز.
٤١٠٠ - حدَّثنا أبُو مَعْمَر حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جعَلَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفُرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ ويَنْقُلُونَ التُّرَابَ على مُتُونِهِمْ وهُمْ يَقُولُونَ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَاً ... عَلَى الإسْلَامِ مَا بَقِينَا أبَدَاً)
قَالَ يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يُجِيبُهُمْ:
(أللَّهُمَّ إنَّهُ لَا خَيْرَ إلَاّ خَيْرُ الآخِرَهْفَبَارِكْ فِي الأنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ)
قالَ يُؤْتُونَ بِمِلْءِ كَفَّي منَ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بإهَالَةٍ سَنِخَة تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ والْقَوْمُ جِيَاعٌ وهْيَ بَشِعَةٌ فِي الحَلْقِ ولَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَفِيه زِيَادَة وَهِي قَوْله: (يُؤْتونَ) إِلَى آخِره، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَوْله: (كفى) أَصله: بملء كفين لي، فَلَمَّا أضيف الْكَفَّيْنِ إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَسَقَطت النُّون أبقيت الْفَاء على الفتحة، ويروى: كفي، بإفراد الْكَفّ الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَكسر الْفَاء، ويروى: بملء كفٍ، بِالْإِفْرَادِ بِدُونِ الْإِضَافَة. قَوْله: (فيصنع) أَي: يطْبخ. قَوْله: (إهالة) بِكَسْر الْهمزَة وَهِي: الودك. قَوْله: (سنخة) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: أَي متغيرة الرّيح فَاسِدَة الطّعْم. قَوْله: (وَالْقَوْم جِيَاع) جملَة حَالية، والجياع جمع جَائِع. قَوْله:
(بشعة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة: أَي كريهة الطّعْم تَأْخُذ الْحلق، كَذَا ضَبطه الدمياطي بِخَطِّهِ، وَعَلِيهِ مَشى ابْن التِّين وَضَبطه بَعضهم بالنُّون والشين والغين المعجمتين بِمَعْنى: أَنهم يحصل لَهُم مِنْهَا شبه الغشي عِنْد إزدرادها، لِأَن النشغ فِي الأَصْل الشهيق حَتَّى يكَاد يبلغ بِهِ الغشي. قَوْله: (منتن) قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صَوَابه مُنْتِنَة، لِأَن الرّيح مُؤَنّثَة. قلت: الرّيح تذكر وتؤنث فَلَا يُقَال الصَّوَاب: تأنيثه.
٤١٠١ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى حدَّثنَا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ عنْ أبِيهِ قَالَ أتَيْتُ جابِرَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقَالَ إنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ فعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فجَاؤُا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا هاذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ فَقال أنَا نَازِلٌ ثُمَّ قامَ وبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ولَبِثْنَا ثلَاثَةَ أيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقَاً فأخذَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المِعْوَلَ فَضربَ فَعادَ كَئِيبَاً أهْيَلَ أوْ أهْيَمَ فقُلْتُ يَا رسُولَ الله إئْذَنْ لِي إِلَى البَيْتِ فقُلْتُ لاِمْرَأتِي رأيْتُ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئَاً مَا كانَ فِي ذالِكَ صَبْرٌ فعِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ عِنْدِي شَعِيرٌ وعَناقٌ فذَبَحْتُ العَناقَ وطَحَنْتِ الشَّعِيرَ حتَّى جعَلْنَا اللَّحْمَ فِي البُرْمَةِ ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعَجِينُ قدِ انْكسَرَ والْبُرْمَةُ بَيْنَ الأثَافِيِّ قَدْ كادَتْ أنْ تَنْضَجَ فقُلْتُ طُعَيِّمٌ لي فَقُمْ أنْتَ يَا رَسُولَ الله ورَجُلٌ أوْ رَجُلَانِ قَالَ كَمْ هُوَ فذَكَرْتُ لَهُ قَالَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ قَالَ قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعُ البُرْمَةَ وَلَا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حتَّى آتِيَ فَقَالَ قُومُوا فَقامَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ فلَمَّا دَخَلَ علَى امْرَأتِهِ قَالَ ويْحَكِ جاءَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ ومَنْ مَعَهُمْ قالَتْ هَلْ سألَكَ قُلْتُ نَعَمْ فَقالَ ادْخُلُوا ولَا تَضَاغَطُوا فجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ ويَجْعَلُ عليْهِ اللَّحْمَ ويُخَمِّرُ البُرْمَةَ والتَّنُّورَ إذَا أخَذَ مِنْهُ ويُقَرِّبُ إلَى أصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ ويَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وبَقِيَ بِقِيَّةٌ قَالَ كُلِي هاذَا وأهْدِي فإنَّ النَّاسَ أصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) . وخلاد، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، مَاتَ بِمَكَّة قَرِيبا من سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الْوَاحِد بن أَيمن الْأَيْسَر يروي عَن أَبِيه أَيمن الحبشي مولى ابْن أبي عمر المَخْزُومِي الْقرشِي الْمَكِّيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. والْحَدِيث أَيْضا من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) نصب على الظّرْف. قَوْله: (يحْفر) خبر: إِن. قَوْله: (كدية) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالياء آخر الْحُرُوف: وَهِي الْقطعَة الصلبة من الأَرْض لَا يُؤثر فِيهَا الْمعول، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: كبدة، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة قبل الدَّال، وَقَالَ عِيَاض: كَانَ المُرَاد أَنَّهَا وَاحِدَة الكبد وَهُوَ الْجَبَل، وَقَالَ الْخطابِيّ: كبدة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة إِن كَانَت مَحْفُوظَة فَهِيَ الْقطعَة من الأَرْض الصلبة، وَأَرْض كبداء وقوس كبداء أَي: شَدِيدَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الاصيلي عَن الْجِرْجَانِيّ: كِنْدَة، بنُون، وَعند ابْن السكن: كتدة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ عِيَاض: لَا أعرف لَهَا معنى، وَفِي رِوَايَة: كذانة بذال مُعْجمَة وَنون، وَهِي الْقطعَة من الْجَبَل، وَعند ابْن إِسْحَاق: صَخْرَة، وَفِي رِوَايَة عبلة: وَهِي الصَّخْرَة الصماء وَجَمعهَا: عبلات، وَيُقَال لَهَا: العبلاء، والأعبل وَكلهَا الصَّخْرَة. قَوْله: (وبطنه معصوب بِحجر) ، زَاد يُونُس فِي رِوَايَته: من الْجُوع، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: أَصَابَهُم جهد شَدِيد حَتَّى ربط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بَطْنه حجرا من الْجُوع. فَإِن قلت: مَا كَانَ فَائِدَة ربط الْحجر؟ فَهَل ذَلِك يدْفع الْجُوع أم لَا؟ قلت: قيل: إِن الْبَطن يضمر من الْجُوع فيربط الْحجر على الْبَطن ليدفع انحناء الصلب، لِأَن الجائع ينحني صلبه إِذا اشْتَدَّ بِهِ الْجُوع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَائِدَته تسكين حرارة الْجُوع ببرودة الْحجر، أَو ليعتدل قَائِما، أَو لِأَنَّهَا حِجَارَة رقاق
تشد الْعُرُوق والأمعاء فَلَا ينْحل مِمَّا فِي الْبَطن فَلَا يحصل ضعف زَائِد بِسَبَب التَّحَلُّل. وَقَالَ ابْن حبَان: الصَّوَاب الحجز، بالزاي إِذْ لَا معنى لشد الْحجر على الْبَطن من الْجُوع، ورد عَلَيْهِ بِمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خمصاً شَدِيدا، والخمص: الْجُوع. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (ذواقاً) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الذواق الْمَأْكُول والمشروب، فعَّال بِمَعْنى مفعول من الذَّوْق، وَيَقَع على الْمصدر وَالِاسْم، يُقَال: ذقت الشَّيْء أذوقه ذوقاً وذواقاً، وَمَا ذقت ذواقاً أَي: شَيْئا. قَوْله: (الْمعول) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره لَام: وَهُوَ الفأس الَّذِي يكسر بِهِ الْحجر. وَقَالَ بَعضهم: الْمعول المسحاة. قلت: هَذَا التَّفْسِير غير صَحِيح، والمعول الفأس كَمَا ذكرنَا، وَالْمِيم فِيهِ زَائِدَة، والمسحاة المجرفة من الْحَدِيد، وَالْمِيم فِيهَا أَيْضا زَائِدَة لِأَنَّهَا من السحو وَهُوَ الْكَشْف والإزالة، وَمن الدَّلِيل على الْمُغَايرَة رِوَايَة أَحْمد، رَحمَه الله: فَأخذ الْمعول أَو المسحاة، بِالشَّكِّ. قَوْله: (فَضرب) ، أَي: الكدية، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: ثمَّ سمى ثَلَاثًا ثمَّ ضرب، وَعند الْحَارِث ابْن أبي أُسَامَة من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي عُثْمَان، قَالَ: ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الخَنْدَق ثمَّ قَالَ:
(بِسم الله وَبِه بدينا ... وَلَو عَبدنَا غَيره شقينا)
حبذا رَبًّا وحبذا دينا
قَوْله: (كثيباً) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: هُوَ الرمل، قَالَ الله تَعَالَى: {كثيباً مهيلاً} (المزمل: ١٤) . أَي: تفتت حَتَّى صَار كالرمل يسيل وَلَا يتماسك. قَوْله: (أهيل) ، الأهيل هُوَ أَن ينهال فيسيل من لينه ويتساقط من جوانبه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: كثيباً يهال. قَوْله: (أَو أهيم) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: أَو عَاد كثيباً أهيم، وَهُوَ بِمَعْنى الأهيل، والهيام من الرمل مَا كَانَ دقاقاً يَابسا، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أهيل، بِغَيْر شكّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس، وَقَالَ عِيَاض: ضَبطهَا بَعضهم: أهثم، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَبَعْضهمْ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وفسرها بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَالْمَعْرُوف بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، قَوْله: (إئذن لي إِلَى الْبَيْت) أَي: إئذن لي حَتَّى آتِي بَيْتِي. قَوْله: (فَقلت لامرأتي) وَفِيمَا قبله حذف تَقْدِيره: فَأذن لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَن يَأْتِي إِلَى بَيته، فَقَالَ مَا ذكرنَا هُنَا، وَهُوَ قَوْله: (فَقلت لامرأتي: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شَيْئا) يَعْنِي: من الْجُوع، وَاسم الْمَرْأَة، سهيلة بنت مَسْعُود بن أَوْس الظفرية الْأَنْصَارِيَّة بَايَعت. قَوْله: (عِنْدِي شعير) ، بَين يُونُس ابْن بكير فِي رِوَايَته أَنه صَاع. قَوْله: (عنَاق) ، بِفَتْح الْعين: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْمعز. قَوْله: (فذبحت) ، الذَّابِح هُوَ جَابر يخبر عَن نَفسه بذلك. قَوْله: (وطحنت) أَي: امْرَأَته، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن سعيد، فَأمرت امْرَأَتي فَطحنت وصنعت لنا خبْزًا. قَوْله: (حَتَّى جعلنَا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى جعلت. قَوْله: (فِي البرمة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: وَهِي الْقدر مُطلقًا، وَهِي فِي الأَصْل المتخذة من الْحجر الْمَعْرُوف بالحجاز واليمن. قَوْله: (والعجين قد انْكَسَرَ) يَعْنِي: لَان وَتمكن فِيهِ الخمير. قَوْله: (الأثافي) بِفَتْح الْهمزَة جمع الأثفية بِضَم الْهمزَة وَقد تخفف الْيَاء فِي الْجمع: وَهِي الْحِجَارَة الَّتِي تنصب وتوضع الْقدر عَلَيْهَا، يُقَال: أثفيت الْقدر، إِذا جعلت لَهَا الأثافي، وثفيتها إِذا وَضَعتهَا عَلَيْهَا، والهمزة فِيهِ زَائِدَة. قَوْله: (طعيم) مصغر طَعَام صغره لأجل قلَّته، وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بتَخْفِيف الْيَاء وَهُوَ غلط. قلت: لِأَن: طعيم، بتَخْفِيف الْيَاء تَصْغِير طعم لَا تَصْغِير الطَّعَام. قَوْله: (لي صفة طعيم) أَي: مَصْنُوع لأجلي. قَوْله: (فَقُمْ أَنْت يَا رَسُول الله وَرجل) قَوْله: (أَو رجلَانِ) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَة يُونُس: ورجلان، بِلَا شكّ. قَوْله: (فَقَالَ: كم هُوَ؟) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كم طَعَامك؟ قَوْله: (فَذكرت لَهُ) ، أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وبينت لَهُ الطَّعَام. قَوْله: (فَقَالَ: كثير طيب) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طَعَام كثير طيب. قَوْله: (لَا تنْزع البرمة) أَي: من فَوق الأثافي. قَوْله: (وَلَا الْخبز) وَلَا تنْزع الْخبز من التَّنور. قَوْله: (حَتَّى آتِي) أَي: إِلَى أَن آتِي بَيتكُمْ. أَي: أجيء. قَوْله: (فَقَالَ: قومُوا) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن كَانَ عِنْده من الصَّحَابَة: قومُوا إِلَى أكل جَابر. قَوْله: (قَالَت: هَل سَأَلَك) أَي: قَالَت امْرَأَة جَابر لَهُ: هَل سَأَلَك رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن حَال الطَّعَام؟ وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَقَالَت: الله وَرَسُوله أعلم، نَحن قد أخبرنَا بِمَا عندنَا، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر: أَنَّهَا قَالَت لجَابِر، فَارْجِع إِلَيْهِ فَبين لَهُ، فَأَتَيْته فَقلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا هُوَ عنَاق وَصَاع من شعير، قَالَ: فَارْجِع وَلَا تحركن شَيْئا من التَّنور وَلَا من الْقدر حَتَّى آتيها واستعر صحافاً. قَوْله: (فَقَالَ: ادخُلُوا) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار: ادخُلُوا الدَّار. قَوْله: (لَا تضاغطوا) أَي: وَلَا تزدحموا، ومادته ضاد وغين معجمتان وطاء مُهْملَة: من الضغطة. قَوْله: (فَجعل) أَي: رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَأهْدى) بِهَمْزَة قطع من الإهداء لَا من الْهَدِيَّة، كَمَا قَالَ بَعضهم. قَوْله: (فَإِن النَّاس) إِلَى آخِره، بَيَان سَبَب
الإهداء، وَفِي رِوَايَة يُونُس: كلي واهدي، فَلم نزل نَأْكُل ونهدي يَوْمنَا أجمع، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر: فأكلنا وأهدينا لجيراننا، وَهَذَا كُله من عَلَامَات النُّبُوَّة.
٤١٠٢ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا أبُو عاصِمٍ أخبرَنا حَنْظَلَةُ بنُ أبِي سُفْيَانَ أخْبرَنَا سَعِيدُ ابنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رأيْتُ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمَصَاً شَدِيدَاً افانْكَفَأتُ إِلَى امْرَأتِي فقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فإنِّي رأيْتُ بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمَصَاً شَدِيدَاً فأخْرَجتُ إلَيَّ جِرَابَاً فِيهِ صاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ولَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فذَبَحْتُهَا وطَحَنَتِ الشَّعِيرَ ففَرَغَتْ إلَى فَرَاغِي وقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبِمَنْ معَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رسُولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وطَحنَّا صَاعا مِنْ شَعِيرٍ كانَ عِنْدَنَا فتَعَالَ أنْتَ ونفَرٌ مَعَكَ فَصاحَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا أهل الخَنْدَق إِن جَابر قد صنع سورا فحيَّ هلا بكم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُنْزِلُنَّ بِرُمَتَكُمْ ولَا تُخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِىءَ فَجِئْتُ وجَاءَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأتِي فقالَتْ بِكَ وبِكَ فقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قلْتِ فأخْرَجَتْ لَهُ عَجِينَاً فبَصَقَ فِيهِ وبارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إلَى بُرْمَتَيْنَا فبَصَقَ وبارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وهُمْ ألْفٌ فأُقُسِمُ بِاللَّه لَقَدْ أكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانْحَرَفُوا وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كمَا هِيَ وإنَّ عَجِينَنَا لَيُخبَزُ كَما هُوَ. .
حَتَّى ص ١٨١
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور أخرجه عَن عَمْرو بن عَليّ بن بَحر الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون مَقْصُورا وممدوداً.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ والرطانة.
قَوْله: (خمصاً) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَقد تسكن وبالصاد الْمُهْملَة: وَهُوَ الْجُوع. قَوْله: (فَانْكَفَأت) أَي: انقلبت وَأَصله بِالْهَمْزَةِ وَفِي بعض النّسخ، فانكفيت، بِدُونِ الْهمزَة. قَوْله: (بَهِيمَة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة تَصْغِير بهمة وَهِي الصَّغِيرَة من أَوْلَاد الْغنم. قَوْله: (دَاجِن) بِكَسْر الْجِيم: وَهُوَ من أَوْلَاد الْغنم يربى فِي الْبيُوت وَلَا يخرج إِلَى المرعى، واشتقاقه من الدجن وَهُوَ الْإِقَامَة بِالْمَكَانِ، وَلم تدخل التَّاء فِيهِ لِأَنَّهُ صَار إسماً للشاة. قَوْله: (وطحنت) أَي: امْرَأَة جَابر. قَوْله: (ففرغت إِلَى فراغي) أَي: فرغت امْرَأَتي من طحن الشّعير مَعَ فراغي من ذبح الْبَهِيمَة، والفراغ بِفَتْح الْفَاء مصدر فرغت من الشّغل فروغاً وفراغاً، قَوْله: (ثمَّ وليت) أَي: رجعت. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عقيب رجوعي إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت امْرَأَتي: لَا تفضحني. قَوْله: (فساررته) أَي: قلت لَهُ سرا. قَوْله: (فتعال) بِفَتْح اللَّام: أَمر من تَعَالَى يتعالى تعالياً، وَهُوَ الِارْتفَاع. قَوْله: (سوراً) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بِغَيْر همز وَمَعْنَاهُ: الصَّنِيع، بالحبشية، وَقيل: مَعْنَاهُ الْعرس بِالْفَارِسِيَّةِ، وَيُطلق أَيْضا على الْبناء الَّذِي يُحِيط بِالْمَدِينَةِ، وَأما السؤر بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَقِيَّة وَالَّذِي يحفظ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِمَّا تكلم بِهِ الأعجمية هَذِه اللَّفْظَة. وَقَوله لِلْحسنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كخ، ولعَبْد الرَّحْمَن: مَهيم، أَي: مَا هَذَا ولأم خَالِد: سنا سنا، يَعْنِي: حسنه، وَذكر ابْن فَارس أَن معنى: معِين. مَا حالك وَمَا شَأْنك؟ وَلم يذكر أَنَّهَا أَعْجَمِيَّة، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّهَا كلمة يَمَانِية. قَوْله: (فحي هلا بكم) هِيَ كلمة استدعاء فِيهَا حث. أَي: هلموا مُسْرِعين، وَمِنْه: حَيّ على الصَّلَاة، بِمَعْنى: هلموا، وفيهَا لُغَات. يُقَال: حيهل بفلان، وحيهلا بِزِيَادَة الْألف، وحيهلا
بِالتَّنْوِينِ للتنكير، وحيهلا بتَخْفِيف الْيَاء وروى: حيهل بِالتَّشْدِيدِ وَسُكُون الْهَاء. قَوْله: (يقدم النَّاس) بِضَم الدَّال. قَوْله: (فَقَالَت: بك وَبِك) الْبَاء فِيهِ تتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فعل الله بك كَذَا وَكَذَا حَيْثُ أتيت بناس كثير وَالطَّعَام قَلِيل. وَذَلِكَ مُوجب للخجلة. قَوْله: (فبصق) وَجَاء فِيهِ: بزق وبسق بِالسِّين وَالزَّاي. قَوْله: (ثمَّ عمد) بِكَسْر الْمِيم أَي: قصد. قَوْله: (وَبَارك) أَي: دَعَا بِالْبركَةِ. قَوْله: (واقدحي) أَي: اغرفي، يُقَال: قدح الْقدر إِذا غرف مَا فِيهَا، والقدحة الغرفة. قَوْله: (وهم ألف) أَي: وَالْحَال أَن الْقَوْم ألف، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : إِنَّهُم كَانُوا سَبْعمِائة أَو ثَمَانمِائَة، وَالْحكم للزائد لزِيَادَة عمله. قَوْله: (وانحرفوا) أَي: مالوا عَن الطَّعَام. قَوْله: (لتغط) بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة أَي: تغلي وتفور من الامتلاء فَيسمع غطيطها، وَهُوَ من معجزات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
١٣٩ - (حَدثنِي عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا {إِذْ جاؤكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر} قَالَت ذَاك يَوْم الخَنْدَق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا قَالَت ذَاك يَوْم الخَنْدَق وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي الْكُوفِي وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن ولقبه عَبدة فغلب عَلَيْهِ يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هرون بن إِسْحَق وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَتَمَامه {وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا هُنَالك ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا} قَوْله {إِذْ جاؤكم} بدل من قَوْله إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا الْآيَة وَأَرَادَ بالجنود الْأَحْزَاب قُرَيْش وغَطَفَان ويهود قُرَيْظَة وَالنضير وَأَرَادَ بِالرِّيحِ الصِّبَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نصرت بالصبا قَوْله {من فَوْقكُم} أَي من فَوق الْوَادي من قبل الْمشرق عَلَيْهِم مَالك بن عَوْف النضري وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ فِي ألف من غطفان وَمَعَهُمْ طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي وحيي بن أَخطب فِي يهود بني قُرَيْظَة قَوْله {وَمن أَسْفَل مِنْكُم} يَعْنِي من الْوَادي من قبل الْمغرب وَهُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فِي قُرَيْش وَمن مَعَه وَأَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ من قبل الخَنْدَق وَكَانَ سَبَب غَزْوَة الخَنْدَق فِيمَا قيل إجلاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بني النَّضر عَن دِيَارهمْ وَقَالَ ابْن إِسْحَق نزلت قُرَيْش بمجتمع السُّيُول فِي عشرَة آلَاف من أحابيشهم وَمن تَبِعَهُمْ من بني كنَانَة وتهامة وَنزل عُيَيْنَة فِي غطفان وَمن مَعَهم من أهل نجد إِلَى جَانب أحد بِبَاب نعْمَان وَخرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمون حَتَّى جعلُوا ظُهُورهمْ إِلَى سلع فِي ثَلَاثَة ألف وَالْخَنْدَق بَينه وَبَين الْقَوْم وَجعل النِّسَاء والذراري فِي الأطام وَقَالَ ابْن إِسْحَق وَلم يَقع بَينهم حَرْب إِلَّا مرماة بِالنَّبلِ لَكِن كَانَ عَمْرو بن عبدود العامري اقتحم هُوَ وَنَفر مَعَه خيولهم من نَاحيَة ضيقَة من الخَنْدَق حَتَّى صَارُوا بالسبخة فبارزه عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقتله وبرز نَوْفَل بن عبد الله بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فبارزه الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقتله وَيُقَال قَتله عَليّ وَرجعت بَقِيَّة الْخُيُول منهزمة وَأقَام الْمُشْركُونَ فِيهِ بضعا وَعشْرين لَيْلَة قَرِيبا من شهر والقصة طَوِيلَة وَآخر الْأَمر بعث الله الرّيح فِي ليَالِي شَاتِيَة شَدِيدَة الْبرد حَتَّى انصرفوا قَوْله {وَإِذ زاغت الْأَبْصَار} عطف على قَوْله {إِذْ جاؤكم} من فَوْقكُم وَالتَّقْدِير وَاذْكُر حِين زاغت الْأَبْصَار أَي حَالَتْ عَن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا وَقيل عدلت عَن كل شَيْء فَلم تلْتَفت إِلَّا إِلَى عدوها لشدَّة الروع قَوْله {وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر} هَذَا مَوْجُود فِي بعض النّسخ أَي زَالَت عَن أماكنها حَتَّى بلغت الحلوق قَالُوا إِذا انتفخت الرئة من شدَّة الْفَزع أَو الْغَضَب أَو الْغم الشَّديد ربت وارتفع الْقلب بارتفاعها إِلَى رَأس الحنجرة وَمن ثمَّة قيل للجبان انتفخ منحره قَوْله {وتظنون بِاللَّه الظنونا} قَالَ الْحسن ظنونا مُخْتَلفَة ظن المُنَافِقُونَ أَن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يستأصلون وَظن الْمُؤْمِنُونَ أَنهم يبتلون قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم الظنونا بِالْألف فِي الْوَصْل وَالْوَقْف لِأَن ألفها ثَابِتَة فِي مصحف عُثْمَان وَسَائِر مصاحف أهل الْبلدَانِ وَعَلِيهِ تَعْدِيل رُؤْس الْآي وَقَرَأَ حَمْزَة بِغَيْر ألف فِي الْحَالين الْوَصْل وَالْوَقْف
وَالْبَاقُونَ بِالْألف فِي الْوَقْف دون الْوَصْل لِأَن الْعَرَب تفعل ذَلِك فِي قوافي أشعارهم ومصاريعها فتلحق الْألف فِي مَوضِع الْفَتْح عِنْد الْوَقْف وَلَا تفعل ذَلِك فِي حَشْو الأبيات فَحسن إِثْبَات الْألف فِي هَذَا الْحَرْف لِأَنَّهَا رَأس الْآيَة تمثيلا لَهَا بالبواقي وَكَذَلِكَ الرسولا والسبيلا قَوْله " قَالَت ذَاك " أَي قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ذَاك إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من مَجِيء الْكفَّار من فَوق وَمن أَسْفَل وزيغ الْأَبْصَار وبلوغ الْقُلُوب الْحَنَاجِر ويروى ذَلِك بِزِيَادَة اللَّام -
٤١٠٤ - حدَّثنا مُسْلمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتَّى غَمَّرَ بَطْنَهُ أوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ:
(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا ... ولَا تصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا)
(فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا)
(إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا علَيْنَا ... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا)
ورَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أبَيْنَا أبَيْنَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي، والبراء بن عَازِب.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق مُخْتَصرا وَعَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَلَفظه: (ينْقل التُّرَاب وَقد وارى التُّرَاب بَيَاض بَطْنه وَهُوَ يَقُول:
لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا
إِلَى قَوْله: فتْنَة أَبينَا فَقَط، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى غمر بَطْنه أَو أغبر بَطْنه) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ، أما لفظ: غمر، فبالغين الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، قَالَ الْخطابِيّ: إِن كَانَت هَذِه اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فَالْمَعْنى: وارى التُّرَاب جلد بَطْنه، وَمِنْه اغمر النَّاس وَهُوَ جمعهم إِذا تكاثف وَدخل بَعضهم فِي بعض، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: غمر، من الإغمار، وَأما: أغبر، فَكَذَلِك بالغين الْمُعْجَمَة وَلكنه بِالْبَاء الْمُوَحدَة: من الْغُبَار، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ: حَتَّى اعفر، بِعَين مُهْملَة وَفَاء من العفر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ التُّرَاب، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للْأَكْثَر بِمُهْملَة وَفَاء ومعجمة وموحدة، فَمنهمْ من ضَبطه بِنصب بَطْنه، وَمِنْهُم من ضَبطه بِرَفْعِهِ، وَعند النَّسَفِيّ: حَتَّى غبر بَطْنه أَو أغبر، بِمُعْجَمَة فيهمَا وموحدة، وَلأبي ذَر وَأبي زيد: حَتَّى أغمر، قَالَ: وَلَا وَجه لَهَا إلَاّ أَن يكون بمعني: ستر، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى وارى التُّرَاب بَطْنه، قَالَ: وأوجه الرِّوَايَات: أغبر، بِمُعْجَمَة وموحدة، وَرفع: بَطْنه. قَوْله:
إِن الالى قد بغوا علينا
قد وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات:
أَن الأولى بغوا علينا
بِدُونِ لَفْظَة: قد، وَهُوَ غير مَوْزُون، فَلذَلِك قدر فِيهِ لَفْظَة: قد. وَقَالَ ابْن التِّين: إِن الْمَحْذُوف لفظ: قدوهم وَالْأَصْل:
إِن الأولى هم قد بغوا علينا، وَذكر فِي بعض الرِّوَايَات فِي مُسلم: أَبَوا، بدل: بغوا، وَمَعْنَاهُ صَحِيح أَي: أَبَوا أَن يدخلُوا فِي ديننَا. قَوْله: (أَبينَا أَبينَا) من الإباء، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت وكريمة: أَتَيْنَا، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل الْمُوَحدَة، وَقَالَ عِيَاض: كِلَاهُمَا صَحِيح، فَمَعْنَى الأول: أَبينَا الْفِرَار عِنْد فزع أَو حَادث، وَمعنى الثَّانِي: أَتَيْنَا وَقدمنَا على عدونا.
٤١٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني الحَكَم عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نُصِرْتُ بالصَّبَا وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدُّبُّورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى نصر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة الخَنْدَق بالصبا حَيْثُ ضرب وُجُوههم بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمْ، قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنوداً لم تَرَوْهَا} (الْأَحْزَاب: ٩) . وَقَالَ مُجَاهِد: سلط الله عَلَيْهِم الرّيح فكفأت قدورهم ونزعت خيامهم حَتَّى أظعنتهم، وَالصبَا مَقْصُورا: الرّيح الشرقية، وَالدبور، بِفَتْح الدَّال: الغربية، وَقيل: الصِّبَا الَّتِي تَجِيء من ظهرك إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة، وَالدبور عكسها، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الصباريح مهبها للمستوى مَوضِع مطلع الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار
وَالدبور مَا يقابلها، والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نصرت بالصبا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم عَن شُعْبَة عَن الحكم ... إِلَى آخِره نَحوه، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة تَصْغِير عتبَة الْبَاب.
٤١٠٦ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ حدَّثنَا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثَنِي أبِي عنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ يُحَدِّثُ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمُ الأحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ وكانَ كَثِيرَ الشعَرِ فسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابنِ رَوَاحَةَ وهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:
(أللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولَا تَصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا)
(فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا)
(إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا علَيْنَا ... وإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا)
قَالَ ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن عُثْمَان بن حَكِيم أَبُو عبد الله الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَشُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: ابْن مسلمة، بِفَتْح الميمين: الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي السبيعِي، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق، وَأَبُو إِسْحَاق يُصَرح بِسَمَاعِهِ عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَحَدِيث الْبَراء هَذَا قد تقدم قبل الحَدِيث الَّذِي قبله، وَلَكِن بَينهمَا بعض اخْتِلَاف، وَهُوَ أَن فِي ذَلِك الحَدِيث: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ينْقل التُّرَاب يَوْم الخَنْدَق حَتَّى غمر بَطْنه، وَهَهُنَا (رَأَيْته ينْقل. .) إِلَى قَوْله: (وَكَانَ كثير الشّعْر) وَظَاهر هَذَا يدل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كثير شعر الصَّدْر، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن فِي صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ دَقِيق المسربة، أَي: الشّعْر الَّذِي فِي الصَّدْر إِلَى الْبَطن، قيل: يُمكن أَن يجمع بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دقته كثيرا أَي: لم يكن منتشراً بل كَانَ مستطيلاً. وَفِي هَذَا الحَدِيث نسب الْبَراء الرجز الْمَذْكُور إِلَى ابْن رَوَاحَة، وَهُوَ عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَفِي ذَلِك الحَدِيث نسبه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤١٠٧ - حدَّثني عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ أبِيهِ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ هُوَ يَوْمُ الخَنْدَقِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن عَبدة أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الصم هُوَ ابْن عبد الْوَارِث بن سعيد. قَوْله: (أول يَوْم) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) وَالْمعْنَى: أول يَوْم باشرت فِيهِ الْقِتَال يَوْم غَزْوَة الخَنْدَق، وَتقدم أَنه لم يشْهد أحدا وَعرض فِيهَا وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَلم يجزه، وَكَذَلِكَ فِي غَزْوَة بدر.
٤١٠٨ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى أخبرَنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمرَ. قَالَ وأخبَرَنِي ابنُ طَاوُسٍ عنْ عِكْرِمَةَ بنِ خَالِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ دَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ ونَسْوَاتُهَا تَنْطُفُ قُلْتُ قَدْ كانَ مِنْ أمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ فلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فقَالَتْ إلْحَقْ فإنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ وأخْشَى أنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ فلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ
خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قالَ مَنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ فِي هاذَا الأمْرِ فلْيُطْلِعَ لَنَا قَرْنَهُ فلَنَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنْهُ ومِنْ أبِيهِ قَالَ حَبِيبُ بنُ مَسْلَمَةَ فَهَلَاّ أجَبْتَهُ قَالَ عَبْدُ الله فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وهَمَمْتُ أنْ أقُولَ أحَقُّ بِهَذَا الأمْرِ مِنْكَ مَنْ قاتَلَكَ وأبَاكَ علَى الإسْلَامِ فَخَشَيْتُ أنْ أقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ وتَسْفِكُ الدَّمَ ويُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فذَكَرْتُ مَا أعَدَّ الله فِي الجِنَانِ قَالَ حَبِيبٌ حُفِظْتَ وعُصِيتَ. قَالَ مَحْمُودٌ عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ونَوْسَاتُهَا.
لَا وَجه لذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا إلَاّ أَن يُقَال: ذكر اسْتِطْرَادًا لما قبله، لِأَن كلا مِنْهُمَا يتَعَلَّق بِابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَأخرجه من طَرِيقين:؛ الأول: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أبي إِسْحَاق الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الثَّانِي: عَن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس وَهُوَ عبد الله عَن عِكْرِمَة بن خَالِد عَن ابْن عمر. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (حَفْصَة) ، هِيَ بنت عمر بن الْخطاب، وَأُخْت عبد الله. قَوْله: (ونسواتها) ، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة، وَالْوَاو، قَالَ الْخطابِيّ: نسواتها، لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا هُوَ نوساتها يَعْنِي: بِتَقْدِيم الْوَاو على السِّين أَي: ذوائبها (تنظف) بِضَم الطَّاء وَكسرهَا أَي: تقطر كَأَنَّهَا كَانَت قد اغْتَسَلت، وَيُقَال: النوسات جمع نوسة واشتقاقها من النوس وَهُوَ الِاضْطِرَاب، وَكَانَ ذؤابها كَانَت تنوس أَي: تتحرك وكل شَيْء تحرّك فقد نَاس، وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (نوساتها) ، بِسُكُون الْوَاو وَضبط بِفَتْحِهَا، وَأما: نسواتها، فَكَأَنَّهُ على الْقلب. قَوْله: (قد كَانَ من أَمر النَّاس مَا تَرين) ، أَرَادَ بِهِ مَا وَقع بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة من الْقِتَال فِي صفّين واجتماع النَّاس على الْحُكُومَة بَينهم فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ، فراسلوا بقايا الصَّحَابَة من الْحَرَمَيْنِ وَغَيرهمَا وتواعدوا على الِاجْتِمَاع لينظروا فِي ذَلِك، فَشَاور ابْن عمر أُخْته حَفْصَة فِي التَّوَجُّه إِلَيْهِم أَو عَدمه فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ باللحوق بهم خشيَة أَن ينشأ من غيبته اخْتِلَاف يُفْضِي إِلَى اسْتِمْرَار الْفِتْنَة. قَوْله: (فَلم يَجْعَل لي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَرَادَ بِالْأَمر الْإِمَارَة وَالْملك. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: قَالَت حَفْصَة لَهُ: (الْحق) الْقَوْم وَهُوَ بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْقَاف أَمر من: ألحق يلْحق. قَوْله: (فَإِنَّهُم) أَي: فَإِن الْقَوْم. قَوْله: (فرقة) ، أَي: افْتِرَاق بَين الْجَمَاعَة وَمُخَالفَة بَينهم. قَوْله: (فَلم تَدعه) ، أَي: فَلم تدع حَفْصَة، أَي: فَلم تتْرك حَفْصَة عبد الله حَتَّى ذهب إِلَى الْقَوْم وَحضر مَا وَقع بَينهم. قَوْله: (فَلَمَّا تفرق النَّاس. .) ، أَي: بعد أَن اخْتلف الحكمان وهما أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ حكما من جِهَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ حكما من جِهَة مُعَاوِيَة، وقصة التَّحْكِيم طَوِيلَة بيناها فِي (تاريخنا الْكَبِير) وَالْحَاصِل أَن الْقَوْم اتَّفقُوا على الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين، ثمَّ قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: قُم فَأعْلم النَّاس بِمَا اتفقنا عَلَيْهِ، فَخَطب أَبُو مُوسَى النَّاس ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس! إِنَّا قد نَظرنَا فِي هَذِه الْأمة فَلم نر أمرا أصلح لَهَا وَلَا ألمَّ لشعثها من رأى اتّفقت أَنا وَعَمْرو عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنا نخلع عليا وَمُعَاوِيَة ونترك الْأَمر شُورَى ونستقبل للْأمة هَذَا الْأَمر فيولوا عَلَيْهِم من أحبوه، وَإِنِّي قد خلعت عليا وَمُعَاوِيَة، ثمَّ تنحى وَجَاء عَمْرو فَقَامَ مقَامه، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا قد قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَنه قد خلع صَاحبه، وَإِنِّي قد خلعته كَمَا خلعه، وَأثبت صَاحِبي مُعَاوِيَة، فَإِنَّهُ ولي عُثْمَان بن عَفَّان والمطالب بدمه وَهُوَ أَحَق النَّاس، فَلَمَّا انْفَصل الْأَمر على هَذَا خطب مُعَاوِيَة إِلَخ. قَوْله: (قرنه) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، أَي: رَأسه، وَهَذَا تَعْرِيض مِنْهُ بِابْن عمر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ بدعته، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الآخر: كلما نجم قرن، أَي: كلما طلع. قلت: فِي حَدِيث خباب هَذَا قرن قد طلع، أَرَادَ قوما أحداثاً بغوا بعد أَن لم يَكُونُوا، يَعْنِي: الْقصاص، وَقيل: أَرَادَ بِدعَة حدثت لم تكن فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: فليبد لنا صفحة وَجهه، والقرن من شَأْنه أَن يكون فِي الْوَجْه، وَالْمعْنَى: فليظهر لنا نَفسه وَلَا يخفيها. قَوْله: (أَحَق بِهِ) أَي: بِأَمْر الْخلَافَة. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من عبد الله (وَمن أَبِيه) أَي: وَمن أَب عبد الله وَهُوَ عمر بن الْخطاب. قَوْله: (قَالَ حبيب ابْن مسلمة) بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: ابْن مَالك الْأَكْبَر ابْن وهب بن ثَعْلَبَة بن وَاثِلَة بن شَيبَان بن محَارب بن فهر بن مَالك الْقرشِي الفِهري، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، يُقَال لَهُ: حبيب الرّوم، لِكَثْرَة دُخُوله إِلَيْهِم ونيله مِنْهُم، وولاه عمر الجزيرة إِذْ عزل
عَنْهَا عِيَاض بن غنم، وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: كَانَ حبيب بن مسلمة فَاضلا مجاب الدعْوَة، مَاتَ بالأرمينية سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين لَهُ ولأبيه صُحْبَة. قَوْله: (فَهَلا أَجَبْته؟) أَي: لِمَ مَا أجبْت مُعَاوِيَة؟ . قَوْله: (حبوتي) ، بِضَم الْحَاء وَكسرهَا: اسْم منِ احتبى الرجل إِذا جمع الرجل ظَهره وساقيه بعمامته. قَوْله: (من قَاتلك) ، يُخَاطب بِهِ مُعَاوِيَة. قَوْله: (وأباك) أَرَادَ بِهِ أَبَا سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة، فَإِن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَاتل مُعَاوِيَة ووالده أَبَا سُفْيَان يَوْم أحد وَيَوْم الخَنْدَق وهما كَانَا كَافِرين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَإِنَّمَا أسلما يَوْم الْفَتْح. قَوْله: (وَيحمل عني غير ذَلِك) ، أَي: على غير مَا أردْت. قَوْله: (فَذكرت مَا أعد الله فِي الْجنان) يَعْنِي: لمن صَبر وَاخْتَارَ الْآخِرَة على الدُّنْيَا. (قَالَ حبيب) هُوَ ابْن مسلمة الْمَذْكُور. قَوْله: (حفظت وعصمت) ، كِلَاهُمَا على صِيغَة الْمَجْهُول، واستصوب حبيب رَأْيه على أَنه كَانَ من أَصْحَاب مُعَاوِيَة.
(قَالَ مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق) أَي: قَالَ مَحْمُود بن غيلَان أَبُو أَحْمد الْعَدوي الْمروزِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُحَمَّد بن قدامَة الْجَوْهَرِي فِي كتاب (أَخْبَار الْخَوَارِج) لَهُ، قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان الْمروزِي أخبرنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر، فَذكره بالإسنادين مَعًا، وسَاق الْمَتْن بِتَمَامِهِ، وأوله: دخلت على حَفْصَة ونوساتها تنطف، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٤١٠٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الأحْزَابِ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا. (الحَدِيث ٤١٠٩ طرفه فِي: ٤١١٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَسليمَان بن صرد، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الجون، بِفَتْح الْجِيم الْخُزَاعِيّ صَحَابِيّ مَشْهُور، وَيُقَال: كَانَ اسْمه يسَار فَغَيره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي صفة إِبْلِيس، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي صرح بِسَمَاع أبي إِسْحَاق عَن سُلَيْمَان بن صرد، وَكَانَ سُلَيْمَان أسن من خرج من أهل الْكُوفَة فِي طلب ثار الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقتل هُوَ وَأَصْحَابه بِعَين الوردة فِي سنة خمس وَسِتِّينَ.
قَوْله: (يَوْم الْأَحْزَاب) أَي: قَالَ يَوْم الخَنْدَق: (تغزوهم) أَي: نغزوا قُريْشًا (وهم لَا يغزوننا) قَالَ ذَلِك بعد أَن انصرفت قُرَيْش عَن قَضِيَّة الخَنْدَق وَذَلِكَ لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة خمس فِي قَول ابْن إِسْحَاق وَآخَرين، وَعَن الزُّهْرِيّ: سنة أَربع فِي شَوَّال، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما انْصَرف أهل الخَنْدَق، قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لن نغزوكم قُرَيْش بعد عامكم هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تغزونهم. قَالَ: فَلم تعد قُرَيْش بعد ذَلِك، وَكَانَ يغزوهم بعد ذَلِك حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ مَكَّة. وَفِيه: معْجزَة عَظِيمَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَيْثُ أخبر عَن أَمر سَيكون، وَقد وَقع مثل مَا قَالَ. قَوْله: (وَلَا يغزوننا) ، ويروى: لَا يغزونا، بِإِسْقَاط نون الْجمع بِدُونِ ناصب وَلَا جازم، وَهِي لُغَة فَاشِية عَن الْعَرَب.
٤١١٠ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمُ حدَّثنا إسْرَائِيلُ سَمِعْتُ أبَا إسْحَاقَ يَقُولُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ صُرَدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ حينَ أُجْلِيَ الأحْزَابُ عَنْهُ الآنَ نَغْزُوهُمْ ولَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إلَيْهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٤١٠٩) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان صَاحب الثَّوْريّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي إِسْرَائِيل عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور.
قَوْله: (أَجلي) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْجِيم وَكسر اللَّام: من الإجلاء، يُقَال أجلى يجلي إجلاء، وجلا يجلو جلاءً إِذا خرج عَن الوطن هَارِبا، وجلوته أَنا وأجليته وَكِلَاهُمَا لَازم ومتعد، وَحَاصِل الْمَعْنى أَنهم رجعُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنهم رجعُوا بِغَيْر اختيارهم، بل بصنيع الله تَعَالَى لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَحن نسير إِلَيْهِم) وَهَكَذَا وَقع، سَار إِلَيْهِم وَفتح مَكَّة.
٤١١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَلأَ الله علَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وقُبُورَهُمْ نارَاً كَمَا شَغَلُونَا عنْ صَلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غابَتِ الشَّمْسُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان الفردوسي وَلَيْسَ هُوَ هِشَام الدستوَائي كَمَا قَالَ بَعضهم، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو عَمْرو السَّلمَانِي الْكُوفِي، أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِسنتَيْنِ وَلم يُهَاجر إِلَيْهِ وَلم يره.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الدُّعَاء على الْمُشْركين بالهزيمة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى آخِره، نَحوه.
٤١١٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثَنَا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَق بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ جعَلَ يَسُب كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَقَالَ يَا رسُولَ الله مَا كِدْتُ أنْ أُصَلِّيَ حتَّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تَغْرُبَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا صَلَّيْتُهَا فنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بُطْحَانَ فتَوَضَّأَ لِلْصَّلَاةِ وتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عبد الله الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمَوَاقِيت فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي: بَاب قَضَاء الصَّلَاة الأولى، فَالْأولى عَن مُسَدّد عَن يحيى ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (جعل) عمر، ويروى: جَاءَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بطحان) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة غير منصرف، وَهُوَ اسْم وَادي الْمَدِينَة.
٤١١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنَا سُفْيانُ عنِ ابنِ المُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَاً يَقُولُ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الأحْزَابِ مَنْ يأتِينا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يأتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يأتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الْأَحْزَاب) لِأَنَّهُ يَوْم الخَنْدَق. وَمُحَمّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب هَل يبْعَث الطليعة وَحده؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَى آخِره.
قَوْله: (بِخَبَر الْقَوْم) قَالَ الْوَاقِدِيّ: المُرَاد بالقوم بَنو قُرَيْظَة. قَوْله: (حوارياً) أَي: ناصراً. قَوْله: (وحواري) بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وتخفيفها، والاكتفاء بالكسرة وَبِفَتْحِهَا.
٤١١٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيد عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَقُولُ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ أعَزَّ جُنْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وغلَبَ الأحْزَابَ وحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَغلب الْأَحْزَاب وَحده) قَوْله: (عَن أَبِيه) هُوَ أَبُو سعيد المَقْبُري واسْمه كيسَان مولى بني لَيْث. قَوْله: (وَحده) مَنْصُوب على تَقْدِير: أوحد وَحده. قَوْله: (أعز) أَي: أعز الله جنده وَنصر عَبده النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا إِلَخْ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا قَالُوا وَيَقُولُونَ إِذَا قَالَ، وَفِيهِ أَنَّ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ تَنْشِيطًا فِي الْعَمَلِ، وَبِذَلِكَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْحَرْبِ، وَأَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي ذَلِكَ الرَّجَزُ.
قَوْلُهُ: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا) هُوَ صِفَةُ الَّذِينَ لَا صِفَةَ نَحْنُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْإِسْلَامِ بَدَلَ الْجِهَادِ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ.
(تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ طَرِيقُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ سِوَى قَوْلِهِ: قَالَ يُؤْتَوْنَ إِلَخْ وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَحَادِيثَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا.
قَوْلُهُ: (قَالَ يُؤْتَوْنَ) قَائِلُ ذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِمِلْءِ كَفِّي) رُوِيَ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ (فَيُصْنَعُ لَهُمُ الشَّعِيرُ) أَيْ يُطْبَخُ، وَقَوْلُهُ: بِإِهَالَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ: الدُّهْنُ الَّذِي يُؤْتَدَمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ زَيْتًا أَوْ سَمْنًا أَوْ شَحْمًا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الْإِهَالَةُ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ فِيهِ سَمْنٌ. وَقَوْلُهُ سَنِخَةٌ أَيْ تَغَيَّرَ طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا مِنْ قِدَمِهَا، وَلِهَذَا وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا بَشِعَةً. وَقَوْلُهُ: بَشِعَةٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَالنَّشْغُ الْغَثَى أَيْ أَنَّهُمْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ عِنْدَ ازْدِرَادِهَا شَبِيهٌ بِالْغَثَى، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. وَقَوْلُهُ: فِي الْحَلْقِ هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَتِيقَةٌ جِدًّا حَتَّى عَفَّنَتْ وَأَنْتَنَتْ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَهَا رِيحٌ مُنْكَرٌ قَالَ ابْنُ التِّينِ: الصَّوَابُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ لِأَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ، قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمُؤَنَّثِ غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُذَكَّرِ. وَمُنْتِنٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا.
٤١٠١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرًا ﵁ فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كيدة شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ. ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ في الكدية، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ. فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ بالْبُرْمَةِ. ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ، وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ. قَالَ: كَمْ هُوَ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ، فقَالَ: كَثِيرٌ طَيِّبٌ. قَالَ: قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ وَلَا الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ، فَقَالَ: قُومُوا. فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ. قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا.
فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ.
٤١٠٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَّا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُمْ فَقال رسول الله ﷺ: "لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ بِكَ وَبِكَ فَقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعِي وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وَهُمْ أَلْفٌ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ"
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ جَابِرًا فَقَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمَحَارِبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْوِيهِ عَنْكَ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
قَوْلُهُ: (فَعَرَضَتْ كَيْدَةٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، قِيلَ: هِيَ الْقِطْعَةُ الشَّدِيدَةُ الصُّلْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا وَاحِدَةُ الْكَيْدِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْكَيْدَ - وَهِيَ الْجِبِلَّةُ - أَعْجَزَهُمْ فَلَجئوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ وَهَهُنَا كُدْيَةٌ مِنَ الْجَبَلِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ وَهِيَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَقْدِيمِ الدَّالِ عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الصُّلْبَةُ الصَّمَّاءُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ كِنْدَةٌ بِنُونٍ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ كَتِدَةٌ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ قَالَ عِيَاضٌ: لَا أَعْرِفُ لَهُمَا مَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: رُشُّوهَا بِالْمَاءِ فَرَشُّوهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَا نَازِلٌ، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ) زَادَ يُونُسُ مِنَ الْجُوعِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ وَفَائِدَةُ رَبْطِ الْحَجْرِ عَلَى الْبَطْنِ أَنَّهَا تُضْمِرُ مِنَ الْجُوعِ فَيُخْشَى عَلَى انْحِنَاءِ الصُّلْبِ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ فَإِذَا وَضَعَ فَوْقَهَا الْحَجَرَ وَشَدَّ عَلَيْهَا الْعِصَابَةَ اسْتَقَامَ الظَّهْرُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ لِتَسْكِينِ حَرَارَةِ الْجُوعِ بِبَرْدِ الْحَجَرِ، وَلِأَنَّهَا حِجَارَةٌ رِقَاقٌ قَدْرَ الْبَطْنِ تَشُدُّ الْأَمْعَاءَ فَلَا يَتَحَلَّلُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْبَطْنِ فَلَا يَحْصُلُ ضَعْفٌ زَائِدٌ بِسَبَبِ التَّحَلُّلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا) هِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَوْرَدَهَا لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي رَبْطِهِ ﷺ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَا نَطْعَمُ شَيْئًا أَوْ لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيِ
الْمِسْحَاةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (فَضَرَبَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ وَعِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ ثُمَّ قَالَ:
بِسْمِ اللَّهِ وَبِهِ بَدَيْنَا … وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا … فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَب دِينَا
قَوْلُهُ: (فَعَادَ كَثِيبًا) أَيْ رَمْلًا.
قَوْلُهُ: (هيَلَ أَوْ أَهْيَمَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَهْيَلَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا عِنْدَ يُونُسَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَثِيبًا يُهَالُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَارَ رَمْلًا يَسِيلُ وَلَا يَتَمَاسَكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ أَيْ: رَمْلًا سَائِلًا، وَأَمَّا أَهْيَمُ فَقَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِالْمُثَلَّثَةِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَالْمَعْرُوفُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ بِمَعْنَى أَهْيَلَ، وَقَدْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الْمُرَادُ الرِّمَالُ الَّتِي لَا يَرْوِيهَا الْمَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَةٌ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ حِينُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ لَا نأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ السَّاعَةَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ الثُّلُثَ الْآخَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ أَبْيَضَ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ; فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا السَّاعَةَ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَفِي أَوَّلِهِ خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ لِكُلِّ عَشْرَةِ أُنَاسٍ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ - وَفِيهِ - فَمَرَّتْ بِنَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَسَرَتْ مَعَاوِيلَنَا فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْهَا فَقُلْنَا: حَتَّى نُشَاوِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ سَلْمَانَ - وَفِيهِ - فَضَرَبَ ضَرْبَةً صَدَعَ الصَّخْرَةَ وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ - وَفِيهِ - رَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ فَكَبَّرْنَا بِتَكْبِيرِكَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَرْقَةَ الْأُولَى أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِمْ - وَفِي آخِرِهِ - فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَأَذِنَ لِي، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ زِيَادَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: احْتَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شَدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَلْ دَلَلْتُمْ عَلَى رَجُلٍ يُطْعِمُنَا أَكْلَةً؟ قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَّا لَا فَتَقَدَّمَ. الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ جَابِرٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي قَوْلِهِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي) اسْمُهَا سُهَيْلَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدِي شَعِيرٌ) بَيَّنَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَاعٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَنَاقٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ أَيْ سَمِينَةٌ، وَالدَّاجِنُ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الْبَيْتِ وَلَا تَفْلِتُ لِلْمَرْعَى، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْمَنَ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ سَمِينَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَذَبَحْتُ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ، وَقَوْلُهُ: (طَحَنَتْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ، فَالَّذِي ذَبَحَ هُوَ جَابِرٌ، وَامْرَأَتُهُ الَّتِي طَحَنَتْ. وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فَأَمَرْتُ امْرَأَتِي فَطَحَنَتْ لَنَا الشَّعِيرَ وَصَنَعَتْ لَنَا مِنْهُ خُبْزًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَجِينُ قَدِ انْكَسَرَ)
أَيْ لَانَ وَرَطِبَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَمِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الْأَثَافِيِّ) بِمُثَلَّثَةٍ وَفَاءٍ أَيِ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهَا الْقِدْرُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى جَعَلْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى جَعَلَتْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبُرْمَةِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (طُعَيِّمٌ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيرِهِ، قَالُوا: مِنْ تَمَامِ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَحْقِيرُهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَرَجُلَانِ بِالْجَزْمِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بَعْدَ هَذِهِ فَقُمْ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: قُومُوا، فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا: قُومُوا وَهِيَ أَوْضَحُ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمْ، وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: ادْخُلُوا) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ قَالَ: فَلَقِيتُ مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ﷿ وَقُلْتُ: جَاءَ الْخَلْقُ عَلَى صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ، فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي أَقُولُ: افْتَضَحْتُ، جَاءَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَنْدَقِ أَجْمَعِينَ. فَقَالَتْ: هَلْ كَانَ سَأَلَكَ كَمْ طَعَامُكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَنَحْنُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا عِنْدَنَا، فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا. وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَجِئْتُ امْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ. وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ، فَجِئْتُ فَسَارَرْتُهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَوْصَتْهُ أَوَّلًا بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِالصُّورَةِ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا إِنَّهُ جَاءَ بِالْجَمِيعِ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ فَخَاصَمَتْهُ، فَلَمَّا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ سَكَنَ مَا عِنْدَهَا لِعِلْمِهَا بِإِمْكَانِ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا وَكَمَالِ فَضْلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مَعَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ التَّمْرِ أَنَّ جَابِرًا أَوْصَاهَا لَمَّا زَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِانْصِرَافَ نَادَتْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي. فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ. فَعَاتَبَهَا جَابِرٌ، فَقَالَتْ لَهُ: أَكُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُورِدُ رَسُولَهُ بَيْتِي ثُمَّ يَخْرُجُ وَلَا أَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ.
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِجَابِرٍ: فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنَ التَّنُّورِ وَلَا مِنَ الْقِدْرِ حَتَّى آتِيَهَا، وَاسْتَعِرْ صِحَافًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَضَاغَطُوا) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَغَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُشَالَةٍ، أَيْ لَا تَزْدَحِمُوا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ) أَيْ يُغَطِّيهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْزِعُ) أَيْ يَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الَّتِي تِلْوَ هَذِهِ فَقَالَ: ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ أَيْ تُسَاعِدْكَ، وَقَوْلُهُ: وَاقْدَاحِي مِنْ بُرْمَتِكِ أَيِ اغْرِفِي، وَالْمِقْدَحَةُ الْمِغْرَفَةُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَأَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَأَكَلُوا.
قَوْلُهُ: (وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا - أَيْ لَقَدْ أَكَلُوا - حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ أَيْ رَجَعُوا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعُونَ، وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا.
قَوْلُهُ: (كُلِي هَذَا وَأَهْدِي) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِعْلُ أَمْرٍ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْهَدِيَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ كُلِي وَأَهْدِي، فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنُهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ فَأَكَلْنَا نَحْنُ وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ أَيْضًا فِي قِصَّةٍ أُخْرَى بِمَا يُغْنِي
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٤٠٩٥ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنَا مالِك عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ قَالَ دعَا النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى الَّذِينَ قتَلُوا يَعْنِي أصْحَابَهُ بِبِئْرِ مَعُونَةَ ثَلاثِينَ صَبَاحاً حِينَ يَدْعُو علَى رِعْلٍ ولِحْيَانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أنَسٌ فأنْزَلَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الَّذِينَ قُتِلُوا أصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآناً قَرَأنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا فَقَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا ورَضِينَا عَنْهُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب فضل قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا} (آل عمرَان: ١٦٩) . فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ حِين يَدْعُو يرْوى حَتَّى يَدْعُو.
٤٠٩٦ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنَا عبْدُ الوَاحِدِ حدَّثنا عاصِمٌ الأحْوَلُ قَالَ سألْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ القُنُوتِ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ نعَمْ فقُلْتُ كانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قُلْتُ فإنَّ فُلَانَاً أخبرَنِي عَنْكَ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَهُ قَالَ كذَبَ إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَاً أنَّهُ بَعَثَ نَاسا يُقالُ لَهُمُ القُرَّاءُ وهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً إلَى نَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَهْدٌ قِبَلَهُمْ فظَهَرَ هَؤلَاءِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَهْدٌ فقَنَتَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرَاً يَدْعُو علَيْهِمْ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْوَاحِد هُوَ ابْن زِيَاد، والْحَدِيث مضى فِي الْوتر فِي: بَاب الْقُنُوت قبل الرُّكُوع وَبعده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَاحِد ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (كذب) أَي: أَخطَأ. قَوْله: (عهد) عهد وميثاق، والعهد يَجِيء لمعان كَثِيرَة بِمَعْنى: الْيَمين والأمان والذمة وَالْحِفْظ ورعاية الْحُرْمَة وَالْوَصِيَّة، وَيسْتَعْمل كل معنى فِي مَحل يَقْتَضِي ذَلِك الْمَعْنى، قيل: كَيفَ جَازَ بعث الْجَيْش إِلَى المعاهدين؟ وَأجِيب: بِأَن قَوْله: (بَينهم وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عهد) جملَة ظرفية حَالية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بعث إِلَى نَاس من الْمُشْركين غير المعاهدين، وَالْحَال أَن بَين نَاس مِنْهُم هم مُقَابل الْمَبْعُوث عَلَيْهِم وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عهد، فغلب المعاهدون وغدروا فَقتلُوا الْقُرَّاء المبعوثين لإمدادهم على عدوهم، وَذكر مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب أَسمَاء الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَن أَصْحَاب الْعَهْد هم بَنو عَامر ورأسهم أَبُو برَاء عَامر بن مَالك بن جَعْفَر، وَقد مر ذكره عَن قريب، وَأَن الطَّائِفَة الْأُخْرَى من بني سليم وهم رعل وذكوان وَعصيَّة. قَوْله: (قبلهم) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَي: قبل الْمَبْعُوث عَلَيْهِم كَمَا ذكرنَا أَي: من جهتهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى: قبلهم ضد بعدهمْ، وَلم يذكر غَيره هَذَا إلَاّ ابْن التِّين. قَوْله: (فَظهر) ، أَي: غلب.
٣٠ - (بابُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وهْيَ الأحْزَابُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة الخَنْدَق، وَفِي بعض النّسخ: بَاب غَزْوَة الخَنْدَق، وَالْخَنْدَق مُعرب: كِنْدَة، أَي: جورة محفورة، وَكَانَ سَبَب حفر الخَنْدَق مَا قَالَه ابْن سعد، رَحمَه الله: لما أجلى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني النَّضِير سَارُوا إِلَى خَيْبَر فَخرج نفر من أَشْرَافهم إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فألبوا قُريْشًا ودعوهم إِلَى الْخُرُوج على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعاهدوهم على قِتَاله، ثمَّ أَتَوا غطفان وسليماً فوافقوهم على مثل ذَلِك، فتجمعت قُرَيْش بِمن تَبِعَهُمْ فَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف يقودهم أَبُو سُفْيَان، وَوَافَقَهُمْ بَنو سليم بمر الظهْرَان فِي سَبْعمِائة يقودهم سُفْيَان بن عبد شمس، وَمَعَهُمْ بَنو أَسد يقودهم طَلْحَة بن خويلد، وَخرجت فَزَارَة يَقُودهَا عُيَيْنَة على ألف بعير،
وَخرجت أَشْجَع فِي أَرْبَعمِائَة يَقُودهَا مَسْعُود بن رجيلة، وَخرجت بَنو مرّة فِي أَرْبَعمِائَة يَقُودهَا الْحَارِث بن عَوْف، فَكَانَ جَمِيع الْقَوْم الَّذين وافوا الخَنْدَق عشرَة آلَاف، وَكَانُوا ثَلَاثَة عَسَاكِر، وعناج الْأَمر إِلَى أبي سُفْيَان، يَعْنِي: أَنه كَانَ صَاحبهمْ ومدبر أَمرهم والقائم بشؤونهم، وَقَالَ قَتَادَة فِيمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ: كَانَ الْمُشْركُونَ أَرْبَعَة آلَاف أَو مَا شَاءَ الله من ذَلِك، وَالصَّحَابَة فِيمَا بلغنَا ألف، وَقَالَ إِبْنِ إِسْحَاق: فَلَمَّا سمع بهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة، وَقَالَ ابْن هِشَام: يُقَال: إِن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ والسهيلي: أول من حفر الخَنْدَق بَنو جهر بن أيرج وَكَانَ فِي زمن مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: فَعمل فِيهِ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ترغيباً للْمُسلمين فِي الْأجر وَعمل مَعَه الْمُسلمُونَ. قَوْله: (وَهِي الْأَحْزَاب) أَي: غَزْوَة الخَنْدَق هِيَ الْأَحْزَاب، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن لَهَا اسْمَيْنِ، والأحزاب جمع حزب، سميت بذلك لِاجْتِمَاع طوائف من الْمُشْركين على حَرْب الْمُسلمين، وَقد أنزل الله تَعَالَى فِي هَذِه الْقِصَّة صدر سُورَة الْأَحْزَاب.
قَالَ مُوساى بنُ عُقْبَةَ كانَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أرْبَعٍ
مُوسَى بن عقبَة بن أبي عَيَّاش الْأَسدي الْمَدِينِيّ، صَاحب الْمَغَازِي، مَاتَ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. قَوْله: كَانَت، أَي: غَزْوَة الخَنْدَق فِي شهر شَوَّال سنة أَربع من الْهِجْرَة، وَتَابعه على ذَلِك مَالك، أخرجه أَحْمد عَن مُوسَى بن دَاوُد عَنهُ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: سنة خمس، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَت فِي ذِي الْقعدَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان لَيَال مضين مِنْهَا سنة خمس، وَاعْلَم أَنه كَانَ بعد أحد: حَمْرَاء الْأسد، ثمَّ سَرِيَّة أبي سَلمَة، ثمَّ سَرِيَّة عبد الله بن أنيس، وَبعث الرجيع، وقصة بِئْر مَعُونَة، ثمَّ غَزْوَة بني النَّضِير، ثمَّ غَزْوَة ذَات الرّقاع، ثمَّ غَزْوَة بدة الْآخِرَة، ثمَّ غَزْوَة دومة الجندل، ثمَّ الخَنْدَق. وَأقَام الْمُشْركُونَ على الخَنْدَق سبعا وَعشْرين لَيْلَة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَرْبعا وَعشْرين يَوْمًا، وَقَالَ الغنوي: بضع عشرَة لَيْلَة، وَقَالَ مُوسَى: قَرِيبا من عشْرين لَيْلَة، وَلم يكن فِيهِ قتال إلَاّ سَاعَة كَانَ بَينهم مراماة بالنبال فأصيب أكحل سعد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على مَا سَيَجِيءُ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٤٠٩٧ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ أخْبَرَنِي نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يَجِزْهُ وعرَضَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ وهْوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجَازَهُ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ.
والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجراح وَفِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن حَنْبَل. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّلَاق عَن أبي قدامَة.
قَوْله: (عرضه) مِنْ: عرض الْجَيْش إِذا اختبر أَحْوَالهم قبل مُبَاشرَة الْقِتَال للنَّظَر فِي هيئتهم وترتيب مَنَازِلهمْ وَغير ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: عرضني يَوْم أحد فِي الْقِتَال وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة. قَوْله: (فَلم يجزه) أَي: فَلم يمضه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْقِتَال، وَمعنى: أجَازه: أَمْضَاهُ وَأذن لَهُ، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْكرْمَانِي: أجَازه من الْإِجَازَة وَهِي الْأَنْفَال، أَي: أسْهم لَهُ، وَيرد ذَلِك أَنه لم يكن فِي غَزْوَة الخَنْدَق غنيمَة يحصل مِنْهَا نفل. قلت: رَأَيْت فِي شرح (الْكرْمَانِي) : وَلم يجزه من الْإِجَازَة وَهِي الإنفاذ، وَكَانَ الْمُعْتَرض ظن أَن قَوْله: الإنفاد الْأَنْفَال، بِاللَّامِ فِي آخِره، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ الإنفاذ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة.
٤٠٩٨ - حدَّثني قُتَيْبَةُ حدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ علَى أكْتَادِنَا فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ)
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم، واسْمه سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار فِي دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أصلح الْأَنْصَار والمهاجره. قَوْله: (على أكتادنا) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع الكتد، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، ويروى: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: وهم ينقلون التُّرَاب على متونهم، ثمَّ قَالَ: الْمَتْن مكتنف الصلب من العصب وَاللَّحم، وَوهم فِي ذَلِك، وَهَذِه اللَّفْظَة سلفت فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، لَكِن من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٠٩٨ - حدَّثني قُتَيْبَةُ حدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ علَى أكْتَادِنَا فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
(أللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَاّ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن أبي حَازِم يروي عَن أَبِيه أبي حَازِم، واسْمه سَلمَة بن دِينَار. والْحَدِيث مر فِي مَنَاقِب الْأَنْصَار فِي دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أصلح الْأَنْصَار والمهاجره. قَوْله: (على أكتادنا) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: جمع الكتد، وَهُوَ مَا بَين الْكَاهِل إِلَى الظّهْر، ويروى: بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَذكره ابْن التِّين بِلَفْظ: وهم ينقلون التُّرَاب على متونهم، ثمَّ قَالَ: الْمَتْن مكتنف الصلب من العصب وَاللَّحم، وَوهم فِي ذَلِك، وَهَذِه اللَّفْظَة سلفت فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق، لَكِن من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
٤٠٩٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍ وحدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ سَمِعْتُ أنَسَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يَقُولُ خَرَجَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الخَنْدَقِ فإذَا المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بارِدَةٍ فلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذالِكَ لَهُمْ فلَمَّا رَأي مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ والجُوعِ قَالَ:
(اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ... فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ)
فقَالُوا مُجِيِبينَ لَهُ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً ... علَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدَاً) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي، وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ الْبَغْدَادِيّ، أَصله من الْكُوفَة روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الْجُمُعَة، وروى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحَارِث الْفَزارِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الْجِهَاد فِي: بَاب التحريض على الْقِتَال بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (مجيبين لَهُ) أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ومجيبين نصب على الْحَال. قَوْله: (بَايعُوا) أصلة: الَّذين فباعتباره ذكر بِصِيغَة الْمَاضِي للْجمع الغائبين، وَلَو كَانَ بِاعْتِبَار لفظ: نَحن، لقيل: بَايعنَا، وَقَالَ بَعضهم: الَّذين بَايعُوا، هُوَ صفة: الَّذين، لَا صفة: نَحن. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَالصَّوَاب مَا قُلْنَاهُ، وَفِيه: إنشاد الشّعْر تنشيطاً فِي الْعَمَل، وَبِذَلِك جرت عَادَتهم فِي الحروب، وَأكْثر مَا يستعملون فِي ذَلِك الرجز.
٤١٠٠ - حدَّثنا أبُو مَعْمَر حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جعَلَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفُرُونَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ ويَنْقُلُونَ التُّرَابَ على مُتُونِهِمْ وهُمْ يَقُولُونَ:
(نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَاً ... عَلَى الإسْلَامِ مَا بَقِينَا أبَدَاً)
قَالَ يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ يُجِيبُهُمْ:
(أللَّهُمَّ إنَّهُ لَا خَيْرَ إلَاّ خَيْرُ الآخِرَهْفَبَارِكْ فِي الأنْصَارِ والمُهَاجِرَهْ)
قالَ يُؤْتُونَ بِمِلْءِ كَفَّي منَ الشَّعِيرِ فَيُصْنَعُ لَهُمْ بإهَالَةٍ سَنِخَة تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ والْقَوْمُ جِيَاعٌ وهْيَ بَشِعَةٌ فِي الحَلْقِ ولَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ. .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أنس أخرجه عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عَمْرو المقعد عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَفِيه زِيَادَة وَهِي قَوْله: (يُؤْتونَ) إِلَى آخِره، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول.
قَوْله: (كفى) أَصله: بملء كفين لي، فَلَمَّا أضيف الْكَفَّيْنِ إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَسَقَطت النُّون أبقيت الْفَاء على الفتحة، ويروى: كفي، بإفراد الْكَفّ الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَكسر الْفَاء، ويروى: بملء كفٍ، بِالْإِفْرَادِ بِدُونِ الْإِضَافَة. قَوْله: (فيصنع) أَي: يطْبخ. قَوْله: (إهالة) بِكَسْر الْهمزَة وَهِي: الودك. قَوْله: (سنخة) ، بِالسِّين الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: أَي متغيرة الرّيح فَاسِدَة الطّعْم. قَوْله: (وَالْقَوْم جِيَاع) جملَة حَالية، والجياع جمع جَائِع. قَوْله:
(بشعة) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة: أَي كريهة الطّعْم تَأْخُذ الْحلق، كَذَا ضَبطه الدمياطي بِخَطِّهِ، وَعَلِيهِ مَشى ابْن التِّين وَضَبطه بَعضهم بالنُّون والشين والغين المعجمتين بِمَعْنى: أَنهم يحصل لَهُم مِنْهَا شبه الغشي عِنْد إزدرادها، لِأَن النشغ فِي الأَصْل الشهيق حَتَّى يكَاد يبلغ بِهِ الغشي. قَوْله: (منتن) قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صَوَابه مُنْتِنَة، لِأَن الرّيح مُؤَنّثَة. قلت: الرّيح تذكر وتؤنث فَلَا يُقَال الصَّوَاب: تأنيثه.
٤١٠١ - حدَّثنا خَلَاّدُ بنُ يَحْيَى حدَّثنَا عبْدُ الوَاحِدِ بنُ أيْمَنَ عنْ أبِيهِ قَالَ أتَيْتُ جابِرَاً رَضِي الله تَعَالَى عنهُ فقَالَ إنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ فعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ فجَاؤُا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا هاذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ فَقال أنَا نَازِلٌ ثُمَّ قامَ وبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ولَبِثْنَا ثلَاثَةَ أيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقَاً فأخذَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المِعْوَلَ فَضربَ فَعادَ كَئِيبَاً أهْيَلَ أوْ أهْيَمَ فقُلْتُ يَا رسُولَ الله إئْذَنْ لِي إِلَى البَيْتِ فقُلْتُ لاِمْرَأتِي رأيْتُ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئَاً مَا كانَ فِي ذالِكَ صَبْرٌ فعِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ عِنْدِي شَعِيرٌ وعَناقٌ فذَبَحْتُ العَناقَ وطَحَنْتِ الشَّعِيرَ حتَّى جعَلْنَا اللَّحْمَ فِي البُرْمَةِ ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعَجِينُ قدِ انْكسَرَ والْبُرْمَةُ بَيْنَ الأثَافِيِّ قَدْ كادَتْ أنْ تَنْضَجَ فقُلْتُ طُعَيِّمٌ لي فَقُمْ أنْتَ يَا رَسُولَ الله ورَجُلٌ أوْ رَجُلَانِ قَالَ كَمْ هُوَ فذَكَرْتُ لَهُ قَالَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ قَالَ قُلْ لَهَا لَا تَنْزِعُ البُرْمَةَ وَلَا الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حتَّى آتِيَ فَقَالَ قُومُوا فَقامَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ فلَمَّا دَخَلَ علَى امْرَأتِهِ قَالَ ويْحَكِ جاءَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ ومَنْ مَعَهُمْ قالَتْ هَلْ سألَكَ قُلْتُ نَعَمْ فَقالَ ادْخُلُوا ولَا تَضَاغَطُوا فجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ ويَجْعَلُ عليْهِ اللَّحْمَ ويُخَمِّرُ البُرْمَةَ والتَّنُّورَ إذَا أخَذَ مِنْهُ ويُقَرِّبُ إلَى أصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ ويَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وبَقِيَ بِقِيَّةٌ قَالَ كُلِي هاذَا وأهْدِي فإنَّ النَّاسَ أصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) . وخلاد، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ: ابْن يحيى بن صَفْوَان أَبُو مُحَمَّد السّلمِيّ الْكُوفِي، مَاتَ بِمَكَّة قَرِيبا من سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الْوَاحِد بن أَيمن الْأَيْسَر يروي عَن أَبِيه أَيمن الحبشي مولى ابْن أبي عمر المَخْزُومِي الْقرشِي الْمَكِّيّ من أَفْرَاد البُخَارِيّ. والْحَدِيث أَيْضا من أَفْرَاده.
قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) نصب على الظّرْف. قَوْله: (يحْفر) خبر: إِن. قَوْله: (كدية) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالياء آخر الْحُرُوف: وَهِي الْقطعَة الصلبة من الأَرْض لَا يُؤثر فِيهَا الْمعول، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: كبدة، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة قبل الدَّال، وَقَالَ عِيَاض: كَانَ المُرَاد أَنَّهَا وَاحِدَة الكبد وَهُوَ الْجَبَل، وَقَالَ الْخطابِيّ: كبدة، بِالْبَاء الْمُوَحدَة إِن كَانَت مَحْفُوظَة فَهِيَ الْقطعَة من الأَرْض الصلبة، وَأَرْض كبداء وقوس كبداء أَي: شَدِيدَة، وَوَقع فِي رِوَايَة الاصيلي عَن الْجِرْجَانِيّ: كِنْدَة، بنُون، وَعند ابْن السكن: كتدة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ عِيَاض: لَا أعرف لَهَا معنى، وَفِي رِوَايَة: كذانة بذال مُعْجمَة وَنون، وَهِي الْقطعَة من الْجَبَل، وَعند ابْن إِسْحَاق: صَخْرَة، وَفِي رِوَايَة عبلة: وَهِي الصَّخْرَة الصماء وَجَمعهَا: عبلات، وَيُقَال لَهَا: العبلاء، والأعبل وَكلهَا الصَّخْرَة. قَوْله: (وبطنه معصوب بِحجر) ، زَاد يُونُس فِي رِوَايَته: من الْجُوع، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: أَصَابَهُم جهد شَدِيد حَتَّى ربط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بَطْنه حجرا من الْجُوع. فَإِن قلت: مَا كَانَ فَائِدَة ربط الْحجر؟ فَهَل ذَلِك يدْفع الْجُوع أم لَا؟ قلت: قيل: إِن الْبَطن يضمر من الْجُوع فيربط الْحجر على الْبَطن ليدفع انحناء الصلب، لِأَن الجائع ينحني صلبه إِذا اشْتَدَّ بِهِ الْجُوع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَائِدَته تسكين حرارة الْجُوع ببرودة الْحجر، أَو ليعتدل قَائِما، أَو لِأَنَّهَا حِجَارَة رقاق
تشد الْعُرُوق والأمعاء فَلَا ينْحل مِمَّا فِي الْبَطن فَلَا يحصل ضعف زَائِد بِسَبَب التَّحَلُّل. وَقَالَ ابْن حبَان: الصَّوَاب الحجز، بالزاي إِذْ لَا معنى لشد الْحجر على الْبَطن من الْجُوع، ورد عَلَيْهِ بِمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خمصاً شَدِيدا، والخمص: الْجُوع. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. قَوْله: (ذواقاً) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الذواق الْمَأْكُول والمشروب، فعَّال بِمَعْنى مفعول من الذَّوْق، وَيَقَع على الْمصدر وَالِاسْم، يُقَال: ذقت الشَّيْء أذوقه ذوقاً وذواقاً، وَمَا ذقت ذواقاً أَي: شَيْئا. قَوْله: (الْمعول) ، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره لَام: وَهُوَ الفأس الَّذِي يكسر بِهِ الْحجر. وَقَالَ بَعضهم: الْمعول المسحاة. قلت: هَذَا التَّفْسِير غير صَحِيح، والمعول الفأس كَمَا ذكرنَا، وَالْمِيم فِيهِ زَائِدَة، والمسحاة المجرفة من الْحَدِيد، وَالْمِيم فِيهَا أَيْضا زَائِدَة لِأَنَّهَا من السحو وَهُوَ الْكَشْف والإزالة، وَمن الدَّلِيل على الْمُغَايرَة رِوَايَة أَحْمد، رَحمَه الله: فَأخذ الْمعول أَو المسحاة، بِالشَّكِّ. قَوْله: (فَضرب) ، أَي: الكدية، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: ثمَّ سمى ثَلَاثًا ثمَّ ضرب، وَعند الْحَارِث ابْن أبي أُسَامَة من طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أبي عُثْمَان، قَالَ: ضرب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الخَنْدَق ثمَّ قَالَ:
(بِسم الله وَبِه بدينا ... وَلَو عَبدنَا غَيره شقينا)
حبذا رَبًّا وحبذا دينا
قَوْله: (كثيباً) ، بِفَتْح الْكَاف وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: هُوَ الرمل، قَالَ الله تَعَالَى: {كثيباً مهيلاً} (المزمل: ١٤) . أَي: تفتت حَتَّى صَار كالرمل يسيل وَلَا يتماسك. قَوْله: (أهيل) ، الأهيل هُوَ أَن ينهال فيسيل من لينه ويتساقط من جوانبه، وَفِي رِوَايَة أَحْمد: كثيباً يهال. قَوْله: (أَو أهيم) ، شكّ من الرَّاوِي أَي: أَو عَاد كثيباً أهيم، وَهُوَ بِمَعْنى الأهيل، والهيام من الرمل مَا كَانَ دقاقاً يَابسا، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أهيل، بِغَيْر شكّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة يُونُس، وَقَالَ عِيَاض: ضَبطهَا بَعضهم: أهثم، بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَبَعْضهمْ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وفسرها بِأَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَالْمَعْرُوف بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، قَوْله: (إئذن لي إِلَى الْبَيْت) أَي: إئذن لي حَتَّى آتِي بَيْتِي. قَوْله: (فَقلت لامرأتي) وَفِيمَا قبله حذف تَقْدِيره: فَأذن لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَن يَأْتِي إِلَى بَيته، فَقَالَ مَا ذكرنَا هُنَا، وَهُوَ قَوْله: (فَقلت لامرأتي: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شَيْئا) يَعْنِي: من الْجُوع، وَاسم الْمَرْأَة، سهيلة بنت مَسْعُود بن أَوْس الظفرية الْأَنْصَارِيَّة بَايَعت. قَوْله: (عِنْدِي شعير) ، بَين يُونُس ابْن بكير فِي رِوَايَته أَنه صَاع. قَوْله: (عنَاق) ، بِفَتْح الْعين: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْمعز. قَوْله: (فذبحت) ، الذَّابِح هُوَ جَابر يخبر عَن نَفسه بذلك. قَوْله: (وطحنت) أَي: امْرَأَته، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن سعيد، فَأمرت امْرَأَتي فَطحنت وصنعت لنا خبْزًا. قَوْله: (حَتَّى جعلنَا) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: حَتَّى جعلت. قَوْله: (فِي البرمة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء: وَهِي الْقدر مُطلقًا، وَهِي فِي الأَصْل المتخذة من الْحجر الْمَعْرُوف بالحجاز واليمن. قَوْله: (والعجين قد انْكَسَرَ) يَعْنِي: لَان وَتمكن فِيهِ الخمير. قَوْله: (الأثافي) بِفَتْح الْهمزَة جمع الأثفية بِضَم الْهمزَة وَقد تخفف الْيَاء فِي الْجمع: وَهِي الْحِجَارَة الَّتِي تنصب وتوضع الْقدر عَلَيْهَا، يُقَال: أثفيت الْقدر، إِذا جعلت لَهَا الأثافي، وثفيتها إِذا وَضَعتهَا عَلَيْهَا، والهمزة فِيهِ زَائِدَة. قَوْله: (طعيم) مصغر طَعَام صغره لأجل قلَّته، وَقَالَ ابْن التِّين: ضَبطه بَعضهم بتَخْفِيف الْيَاء وَهُوَ غلط. قلت: لِأَن: طعيم، بتَخْفِيف الْيَاء تَصْغِير طعم لَا تَصْغِير الطَّعَام. قَوْله: (لي صفة طعيم) أَي: مَصْنُوع لأجلي. قَوْله: (فَقُمْ أَنْت يَا رَسُول الله وَرجل) قَوْله: (أَو رجلَانِ) شكّ من الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَة يُونُس: ورجلان، بِلَا شكّ. قَوْله: (فَقَالَ: كم هُوَ؟) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كم طَعَامك؟ قَوْله: (فَذكرت لَهُ) ، أَي: لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وبينت لَهُ الطَّعَام. قَوْله: (فَقَالَ: كثير طيب) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طَعَام كثير طيب. قَوْله: (لَا تنْزع البرمة) أَي: من فَوق الأثافي. قَوْله: (وَلَا الْخبز) وَلَا تنْزع الْخبز من التَّنور. قَوْله: (حَتَّى آتِي) أَي: إِلَى أَن آتِي بَيتكُمْ. أَي: أجيء. قَوْله: (فَقَالَ: قومُوا) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن كَانَ عِنْده من الصَّحَابَة: قومُوا إِلَى أكل جَابر. قَوْله: (قَالَت: هَل سَأَلَك) أَي: قَالَت امْرَأَة جَابر لَهُ: هَل سَأَلَك رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن حَال الطَّعَام؟ وَفِي رِوَايَة يُونُس: فَقَالَت: الله وَرَسُوله أعلم، نَحن قد أخبرنَا بِمَا عندنَا، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر: أَنَّهَا قَالَت لجَابِر، فَارْجِع إِلَيْهِ فَبين لَهُ، فَأَتَيْته فَقلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا هُوَ عنَاق وَصَاع من شعير، قَالَ: فَارْجِع وَلَا تحركن شَيْئا من التَّنور وَلَا من الْقدر حَتَّى آتيها واستعر صحافاً. قَوْله: (فَقَالَ: ادخُلُوا) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار: ادخُلُوا الدَّار. قَوْله: (لَا تضاغطوا) أَي: وَلَا تزدحموا، ومادته ضاد وغين معجمتان وطاء مُهْملَة: من الضغطة. قَوْله: (فَجعل) أَي: رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَأهْدى) بِهَمْزَة قطع من الإهداء لَا من الْهَدِيَّة، كَمَا قَالَ بَعضهم. قَوْله: (فَإِن النَّاس) إِلَى آخِره، بَيَان سَبَب
الإهداء، وَفِي رِوَايَة يُونُس: كلي واهدي، فَلم نزل نَأْكُل ونهدي يَوْمنَا أجمع، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر: فأكلنا وأهدينا لجيراننا، وَهَذَا كُله من عَلَامَات النُّبُوَّة.
٤١٠٢ - حدَّثني عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ حدَّثنا أبُو عاصِمٍ أخبرَنا حَنْظَلَةُ بنُ أبِي سُفْيَانَ أخْبرَنَا سَعِيدُ ابنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رأيْتُ بالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمَصَاً شَدِيدَاً افانْكَفَأتُ إِلَى امْرَأتِي فقُلْتُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ فإنِّي رأيْتُ بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمَصَاً شَدِيدَاً فأخْرَجتُ إلَيَّ جِرَابَاً فِيهِ صاعٌ مِنْ شَعِيرٍ ولَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فذَبَحْتُهَا وطَحَنَتِ الشَّعِيرَ ففَرَغَتْ إلَى فَرَاغِي وقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إلَى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَتْ لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبِمَنْ معَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ يَا رسُولَ الله ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وطَحنَّا صَاعا مِنْ شَعِيرٍ كانَ عِنْدَنَا فتَعَالَ أنْتَ ونفَرٌ مَعَكَ فَصاحَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا أهل الخَنْدَق إِن جَابر قد صنع سورا فحيَّ هلا بكم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُنْزِلُنَّ بِرُمَتَكُمْ ولَا تُخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أجِىءَ فَجِئْتُ وجَاءَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأتِي فقالَتْ بِكَ وبِكَ فقُلْتُ قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قلْتِ فأخْرَجَتْ لَهُ عَجِينَاً فبَصَقَ فِيهِ وبارَكَ ثُمَّ عَمَدَ إلَى بُرْمَتَيْنَا فبَصَقَ وبارَكَ ثُمَّ قَالَ ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا وهُمْ ألْفٌ فأُقُسِمُ بِاللَّه لَقَدْ أكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانْحَرَفُوا وإنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كمَا هِيَ وإنَّ عَجِينَنَا لَيُخبَزُ كَما هُوَ. .
حَتَّى ص ١٨١
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث جَابر الْمَذْكُور أخرجه عَن عَمْرو بن عَليّ بن بَحر الْبَصْرِيّ الصَّيْرَفِي عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ هُنَا بالواسطة، وَسَعِيد بن ميناء، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون مَقْصُورا وممدوداً.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب من تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ والرطانة.
قَوْله: (خمصاً) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَقد تسكن وبالصاد الْمُهْملَة: وَهُوَ الْجُوع. قَوْله: (فَانْكَفَأت) أَي: انقلبت وَأَصله بِالْهَمْزَةِ وَفِي بعض النّسخ، فانكفيت، بِدُونِ الْهمزَة. قَوْله: (بَهِيمَة) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة تَصْغِير بهمة وَهِي الصَّغِيرَة من أَوْلَاد الْغنم. قَوْله: (دَاجِن) بِكَسْر الْجِيم: وَهُوَ من أَوْلَاد الْغنم يربى فِي الْبيُوت وَلَا يخرج إِلَى المرعى، واشتقاقه من الدجن وَهُوَ الْإِقَامَة بِالْمَكَانِ، وَلم تدخل التَّاء فِيهِ لِأَنَّهُ صَار إسماً للشاة. قَوْله: (وطحنت) أَي: امْرَأَة جَابر. قَوْله: (ففرغت إِلَى فراغي) أَي: فرغت امْرَأَتي من طحن الشّعير مَعَ فراغي من ذبح الْبَهِيمَة، والفراغ بِفَتْح الْفَاء مصدر فرغت من الشّغل فروغاً وفراغاً، قَوْله: (ثمَّ وليت) أَي: رجعت. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: عقيب رجوعي إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت امْرَأَتي: لَا تفضحني. قَوْله: (فساررته) أَي: قلت لَهُ سرا. قَوْله: (فتعال) بِفَتْح اللَّام: أَمر من تَعَالَى يتعالى تعالياً، وَهُوَ الِارْتفَاع. قَوْله: (سوراً) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو بِغَيْر همز وَمَعْنَاهُ: الصَّنِيع، بالحبشية، وَقيل: مَعْنَاهُ الْعرس بِالْفَارِسِيَّةِ، وَيُطلق أَيْضا على الْبناء الَّذِي يُحِيط بِالْمَدِينَةِ، وَأما السؤر بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَقِيَّة وَالَّذِي يحفظ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِمَّا تكلم بِهِ الأعجمية هَذِه اللَّفْظَة. وَقَوله لِلْحسنِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كخ، ولعَبْد الرَّحْمَن: مَهيم، أَي: مَا هَذَا ولأم خَالِد: سنا سنا، يَعْنِي: حسنه، وَذكر ابْن فَارس أَن معنى: معِين. مَا حالك وَمَا شَأْنك؟ وَلم يذكر أَنَّهَا أَعْجَمِيَّة، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: إِنَّهَا كلمة يَمَانِية. قَوْله: (فحي هلا بكم) هِيَ كلمة استدعاء فِيهَا حث. أَي: هلموا مُسْرِعين، وَمِنْه: حَيّ على الصَّلَاة، بِمَعْنى: هلموا، وفيهَا لُغَات. يُقَال: حيهل بفلان، وحيهلا بِزِيَادَة الْألف، وحيهلا
بِالتَّنْوِينِ للتنكير، وحيهلا بتَخْفِيف الْيَاء وروى: حيهل بِالتَّشْدِيدِ وَسُكُون الْهَاء. قَوْله: (يقدم النَّاس) بِضَم الدَّال. قَوْله: (فَقَالَت: بك وَبِك) الْبَاء فِيهِ تتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فعل الله بك كَذَا وَكَذَا حَيْثُ أتيت بناس كثير وَالطَّعَام قَلِيل. وَذَلِكَ مُوجب للخجلة. قَوْله: (فبصق) وَجَاء فِيهِ: بزق وبسق بِالسِّين وَالزَّاي. قَوْله: (ثمَّ عمد) بِكَسْر الْمِيم أَي: قصد. قَوْله: (وَبَارك) أَي: دَعَا بِالْبركَةِ. قَوْله: (واقدحي) أَي: اغرفي، يُقَال: قدح الْقدر إِذا غرف مَا فِيهَا، والقدحة الغرفة. قَوْله: (وهم ألف) أَي: وَالْحَال أَن الْقَوْم ألف، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) : إِنَّهُم كَانُوا سَبْعمِائة أَو ثَمَانمِائَة، وَالْحكم للزائد لزِيَادَة عمله. قَوْله: (وانحرفوا) أَي: مالوا عَن الطَّعَام. قَوْله: (لتغط) بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة أَي: تغلي وتفور من الامتلاء فَيسمع غطيطها، وَهُوَ من معجزات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
١٣٩ - (حَدثنِي عُثْمَان بن أبي شيبَة حَدثنَا عَبدة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا {إِذْ جاؤكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر} قَالَت ذَاك يَوْم الخَنْدَق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْلهَا قَالَت ذَاك يَوْم الخَنْدَق وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن سُلَيْمَان الْكلابِي الْكُوفِي وَكَانَ اسْمه عبد الرَّحْمَن ولقبه عَبدة فغلب عَلَيْهِ يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن هرون بن إِسْحَق وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَتَمَامه {وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا هُنَالك ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا} قَوْله {إِذْ جاؤكم} بدل من قَوْله إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا الْآيَة وَأَرَادَ بالجنود الْأَحْزَاب قُرَيْش وغَطَفَان ويهود قُرَيْظَة وَالنضير وَأَرَادَ بِالرِّيحِ الصِّبَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نصرت بالصبا قَوْله {من فَوْقكُم} أَي من فَوق الْوَادي من قبل الْمشرق عَلَيْهِم مَالك بن عَوْف النضري وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ فِي ألف من غطفان وَمَعَهُمْ طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي وحيي بن أَخطب فِي يهود بني قُرَيْظَة قَوْله {وَمن أَسْفَل مِنْكُم} يَعْنِي من الْوَادي من قبل الْمغرب وَهُوَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فِي قُرَيْش وَمن مَعَه وَأَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ من قبل الخَنْدَق وَكَانَ سَبَب غَزْوَة الخَنْدَق فِيمَا قيل إجلاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بني النَّضر عَن دِيَارهمْ وَقَالَ ابْن إِسْحَق نزلت قُرَيْش بمجتمع السُّيُول فِي عشرَة آلَاف من أحابيشهم وَمن تَبِعَهُمْ من بني كنَانَة وتهامة وَنزل عُيَيْنَة فِي غطفان وَمن مَعَهم من أهل نجد إِلَى جَانب أحد بِبَاب نعْمَان وَخرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمون حَتَّى جعلُوا ظُهُورهمْ إِلَى سلع فِي ثَلَاثَة ألف وَالْخَنْدَق بَينه وَبَين الْقَوْم وَجعل النِّسَاء والذراري فِي الأطام وَقَالَ ابْن إِسْحَق وَلم يَقع بَينهم حَرْب إِلَّا مرماة بِالنَّبلِ لَكِن كَانَ عَمْرو بن عبدود العامري اقتحم هُوَ وَنَفر مَعَه خيولهم من نَاحيَة ضيقَة من الخَنْدَق حَتَّى صَارُوا بالسبخة فبارزه عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقتله وبرز نَوْفَل بن عبد الله بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فبارزه الزبير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقتله وَيُقَال قَتله عَليّ وَرجعت بَقِيَّة الْخُيُول منهزمة وَأقَام الْمُشْركُونَ فِيهِ بضعا وَعشْرين لَيْلَة قَرِيبا من شهر والقصة طَوِيلَة وَآخر الْأَمر بعث الله الرّيح فِي ليَالِي شَاتِيَة شَدِيدَة الْبرد حَتَّى انصرفوا قَوْله {وَإِذ زاغت الْأَبْصَار} عطف على قَوْله {إِذْ جاؤكم} من فَوْقكُم وَالتَّقْدِير وَاذْكُر حِين زاغت الْأَبْصَار أَي حَالَتْ عَن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا وَقيل عدلت عَن كل شَيْء فَلم تلْتَفت إِلَّا إِلَى عدوها لشدَّة الروع قَوْله {وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر} هَذَا مَوْجُود فِي بعض النّسخ أَي زَالَت عَن أماكنها حَتَّى بلغت الحلوق قَالُوا إِذا انتفخت الرئة من شدَّة الْفَزع أَو الْغَضَب أَو الْغم الشَّديد ربت وارتفع الْقلب بارتفاعها إِلَى رَأس الحنجرة وَمن ثمَّة قيل للجبان انتفخ منحره قَوْله {وتظنون بِاللَّه الظنونا} قَالَ الْحسن ظنونا مُخْتَلفَة ظن المُنَافِقُونَ أَن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يستأصلون وَظن الْمُؤْمِنُونَ أَنهم يبتلون قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم الظنونا بِالْألف فِي الْوَصْل وَالْوَقْف لِأَن ألفها ثَابِتَة فِي مصحف عُثْمَان وَسَائِر مصاحف أهل الْبلدَانِ وَعَلِيهِ تَعْدِيل رُؤْس الْآي وَقَرَأَ حَمْزَة بِغَيْر ألف فِي الْحَالين الْوَصْل وَالْوَقْف
وَالْبَاقُونَ بِالْألف فِي الْوَقْف دون الْوَصْل لِأَن الْعَرَب تفعل ذَلِك فِي قوافي أشعارهم ومصاريعها فتلحق الْألف فِي مَوضِع الْفَتْح عِنْد الْوَقْف وَلَا تفعل ذَلِك فِي حَشْو الأبيات فَحسن إِثْبَات الْألف فِي هَذَا الْحَرْف لِأَنَّهَا رَأس الْآيَة تمثيلا لَهَا بالبواقي وَكَذَلِكَ الرسولا والسبيلا قَوْله " قَالَت ذَاك " أَي قَالَت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا ذَاك إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من مَجِيء الْكفَّار من فَوق وَمن أَسْفَل وزيغ الْأَبْصَار وبلوغ الْقُلُوب الْحَنَاجِر ويروى ذَلِك بِزِيَادَة اللَّام -
٤١٠٤ - حدَّثنا مُسْلمُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتَّى غَمَّرَ بَطْنَهُ أوِ اغْبَرَّ بَطْنُهُ يَقُولُ:
(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا ... ولَا تصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا)
(فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا)
(إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا علَيْنَا ... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا)
ورَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أبَيْنَا أبَيْنَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي الْكُوفِي، والبراء بن عَازِب.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق مُخْتَصرا وَعَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة إِلَى آخِره، وَلَفظه: (ينْقل التُّرَاب وَقد وارى التُّرَاب بَيَاض بَطْنه وَهُوَ يَقُول:
لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا
إِلَى قَوْله: فتْنَة أَبينَا فَقَط، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (حَتَّى غمر بَطْنه أَو أغبر بَطْنه) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ، أما لفظ: غمر، فبالغين الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء، قَالَ الْخطابِيّ: إِن كَانَت هَذِه اللَّفْظَة مَحْفُوظَة فَالْمَعْنى: وارى التُّرَاب جلد بَطْنه، وَمِنْه اغمر النَّاس وَهُوَ جمعهم إِذا تكاثف وَدخل بَعضهم فِي بعض، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَات: غمر، من الإغمار، وَأما: أغبر، فَكَذَلِك بالغين الْمُعْجَمَة وَلكنه بِالْبَاء الْمُوَحدَة: من الْغُبَار، وَقَالَ الْخطابِيّ: وَرُوِيَ: حَتَّى اعفر، بِعَين مُهْملَة وَفَاء من العفر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ التُّرَاب، وَقَالَ عِيَاض: وَقع للْأَكْثَر بِمُهْملَة وَفَاء ومعجمة وموحدة، فَمنهمْ من ضَبطه بِنصب بَطْنه، وَمِنْهُم من ضَبطه بِرَفْعِهِ، وَعند النَّسَفِيّ: حَتَّى غبر بَطْنه أَو أغبر، بِمُعْجَمَة فيهمَا وموحدة، وَلأبي ذَر وَأبي زيد: حَتَّى أغمر، قَالَ: وَلَا وَجه لَهَا إلَاّ أَن يكون بمعني: ستر، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى وارى التُّرَاب بَطْنه، قَالَ: وأوجه الرِّوَايَات: أغبر، بِمُعْجَمَة وموحدة، وَرفع: بَطْنه. قَوْله:
إِن الالى قد بغوا علينا
قد وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات:
أَن الأولى بغوا علينا
بِدُونِ لَفْظَة: قد، وَهُوَ غير مَوْزُون، فَلذَلِك قدر فِيهِ لَفْظَة: قد. وَقَالَ ابْن التِّين: إِن الْمَحْذُوف لفظ: قدوهم وَالْأَصْل:
إِن الأولى هم قد بغوا علينا، وَذكر فِي بعض الرِّوَايَات فِي مُسلم: أَبَوا، بدل: بغوا، وَمَعْنَاهُ صَحِيح أَي: أَبَوا أَن يدخلُوا فِي ديننَا. قَوْله: (أَبينَا أَبينَا) من الإباء، كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالْبَاء الْمُوَحدَة، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت وكريمة: أَتَيْنَا، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق بدل الْمُوَحدَة، وَقَالَ عِيَاض: كِلَاهُمَا صَحِيح، فَمَعْنَى الأول: أَبينَا الْفِرَار عِنْد فزع أَو حَادث، وَمعنى الثَّانِي: أَتَيْنَا وَقدمنَا على عدونا.
٤١٠٥ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ شُعْبَةَ قَالَ حدَّثني الحَكَم عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نُصِرْتُ بالصَّبَا وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدُّبُّورِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى نصر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة الخَنْدَق بالصبا حَيْثُ ضرب وُجُوههم بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمْ، قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنوداً لم تَرَوْهَا} (الْأَحْزَاب: ٩) . وَقَالَ مُجَاهِد: سلط الله عَلَيْهِم الرّيح فكفأت قدورهم ونزعت خيامهم حَتَّى أظعنتهم، وَالصبَا مَقْصُورا: الرّيح الشرقية، وَالدبور، بِفَتْح الدَّال: الغربية، وَقيل: الصِّبَا الَّتِي تَجِيء من ظهرك إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة، وَالدبور عكسها، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الصباريح مهبها للمستوى مَوضِع مطلع الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار
وَالدبور مَا يقابلها، والْحَدِيث مضى فِي الاسْتِسْقَاء فِي: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: نصرت بالصبا، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسلم عَن شُعْبَة عَن الحكم ... إِلَى آخِره نَحوه، وَالْحكم بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة تَصْغِير عتبَة الْبَاب.
٤١٠٦ - حدَّثني أحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ حدَّثنَا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثَنِي أبِي عنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البَرَاءَ يُحَدِّثُ قَالَ لَمَّا كانَ يَوْمُ الأحْزَابِ وَخَنْدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الخَنْدَقِ حَتَّى وَارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ وكانَ كَثِيرَ الشعَرِ فسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابنِ رَوَاحَةَ وهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ:
(أللَّهُمَّ لَوْلَا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... ولَا تَصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا)
(فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا)
(إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا علَيْنَا ... وإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا)
قَالَ ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن عُثْمَان بن حَكِيم أَبُو عبد الله الْأَزْدِيّ الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَشُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: ابْن مسلمة، بِفَتْح الميمين: الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق بن أبي إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي السبيعِي، يروي عَن جده أبي إِسْحَاق، وَأَبُو إِسْحَاق يُصَرح بِسَمَاعِهِ عَن الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَحَدِيث الْبَراء هَذَا قد تقدم قبل الحَدِيث الَّذِي قبله، وَلَكِن بَينهمَا بعض اخْتِلَاف، وَهُوَ أَن فِي ذَلِك الحَدِيث: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ينْقل التُّرَاب يَوْم الخَنْدَق حَتَّى غمر بَطْنه، وَهَهُنَا (رَأَيْته ينْقل. .) إِلَى قَوْله: (وَكَانَ كثير الشّعْر) وَظَاهر هَذَا يدل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كثير شعر الصَّدْر، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن فِي صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ دَقِيق المسربة، أَي: الشّعْر الَّذِي فِي الصَّدْر إِلَى الْبَطن، قيل: يُمكن أَن يجمع بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ دقته كثيرا أَي: لم يكن منتشراً بل كَانَ مستطيلاً. وَفِي هَذَا الحَدِيث نسب الْبَراء الرجز الْمَذْكُور إِلَى ابْن رَوَاحَة، وَهُوَ عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَفِي ذَلِك الحَدِيث نسبه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
٤١٠٧ - حدَّثني عَبْدَةُ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ هُوَ ابنُ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ أبِيهِ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أوَّلُ يَوْمٍ شَهِدْتُهُ هُوَ يَوْمُ الخَنْدَقِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعَبدَة، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن عَبدة أَبُو سهل الصفار الْخُزَاعِيّ الْبَصْرِيّ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الصم هُوَ ابْن عبد الْوَارِث بن سعيد. قَوْله: (أول يَوْم) مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (يَوْم الخَنْدَق) وَالْمعْنَى: أول يَوْم باشرت فِيهِ الْقِتَال يَوْم غَزْوَة الخَنْدَق، وَتقدم أَنه لم يشْهد أحدا وَعرض فِيهَا وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَلم يجزه، وَكَذَلِكَ فِي غَزْوَة بدر.
٤١٠٨ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوساى أخبرَنا هِشامٌ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمرَ. قَالَ وأخبَرَنِي ابنُ طَاوُسٍ عنْ عِكْرِمَةَ بنِ خَالِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ دَخَلْتُ علَى حَفْصَةَ ونَسْوَاتُهَا تَنْطُفُ قُلْتُ قَدْ كانَ مِنْ أمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ فلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فقَالَتْ إلْحَقْ فإنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ وأخْشَى أنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ فلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ
خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قالَ مَنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يَتَكَلَّمَ فِي هاذَا الأمْرِ فلْيُطْلِعَ لَنَا قَرْنَهُ فلَنَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنْهُ ومِنْ أبِيهِ قَالَ حَبِيبُ بنُ مَسْلَمَةَ فَهَلَاّ أجَبْتَهُ قَالَ عَبْدُ الله فَحَلَلْتُ حُبْوَتِي وهَمَمْتُ أنْ أقُولَ أحَقُّ بِهَذَا الأمْرِ مِنْكَ مَنْ قاتَلَكَ وأبَاكَ علَى الإسْلَامِ فَخَشَيْتُ أنْ أقُولَ كَلِمَةً تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَمْعِ وتَسْفِكُ الدَّمَ ويُحْمَلُ عَنِّي غَيْرُ ذَلِكَ فذَكَرْتُ مَا أعَدَّ الله فِي الجِنَانِ قَالَ حَبِيبٌ حُفِظْتَ وعُصِيتَ. قَالَ مَحْمُودٌ عنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ونَوْسَاتُهَا.
لَا وَجه لذكر هَذَا الحَدِيث هُنَا إلَاّ أَن يُقَال: ذكر اسْتِطْرَادًا لما قبله، لِأَن كلا مِنْهُمَا يتَعَلَّق بِابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
وَأخرجه من طَرِيقين:؛ الأول: عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن يزِيد الْفراء أبي إِسْحَاق الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الثَّانِي: عَن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام عَن معمر عَن ابْن طَاوُوس وَهُوَ عبد الله عَن عِكْرِمَة بن خَالِد عَن ابْن عمر. والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (حَفْصَة) ، هِيَ بنت عمر بن الْخطاب، وَأُخْت عبد الله. قَوْله: (ونسواتها) ، بِفَتْح النُّون وَالسِّين الْمُهْملَة، وَالْوَاو، قَالَ الْخطابِيّ: نسواتها، لَيْسَ بِشَيْء إِنَّمَا هُوَ نوساتها يَعْنِي: بِتَقْدِيم الْوَاو على السِّين أَي: ذوائبها (تنظف) بِضَم الطَّاء وَكسرهَا أَي: تقطر كَأَنَّهَا كَانَت قد اغْتَسَلت، وَيُقَال: النوسات جمع نوسة واشتقاقها من النوس وَهُوَ الِاضْطِرَاب، وَكَانَ ذؤابها كَانَت تنوس أَي: تتحرك وكل شَيْء تحرّك فقد نَاس، وَقَالَ ابْن التِّين. قَوْله: (نوساتها) ، بِسُكُون الْوَاو وَضبط بِفَتْحِهَا، وَأما: نسواتها، فَكَأَنَّهُ على الْقلب. قَوْله: (قد كَانَ من أَمر النَّاس مَا تَرين) ، أَرَادَ بِهِ مَا وَقع بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة من الْقِتَال فِي صفّين واجتماع النَّاس على الْحُكُومَة بَينهم فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ، فراسلوا بقايا الصَّحَابَة من الْحَرَمَيْنِ وَغَيرهمَا وتواعدوا على الِاجْتِمَاع لينظروا فِي ذَلِك، فَشَاور ابْن عمر أُخْته حَفْصَة فِي التَّوَجُّه إِلَيْهِم أَو عَدمه فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ باللحوق بهم خشيَة أَن ينشأ من غيبته اخْتِلَاف يُفْضِي إِلَى اسْتِمْرَار الْفِتْنَة. قَوْله: (فَلم يَجْعَل لي) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَرَادَ بِالْأَمر الْإِمَارَة وَالْملك. قَوْله: (فَقَالَت) أَي: قَالَت حَفْصَة لَهُ: (الْحق) الْقَوْم وَهُوَ بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْقَاف أَمر من: ألحق يلْحق. قَوْله: (فَإِنَّهُم) أَي: فَإِن الْقَوْم. قَوْله: (فرقة) ، أَي: افْتِرَاق بَين الْجَمَاعَة وَمُخَالفَة بَينهم. قَوْله: (فَلم تَدعه) ، أَي: فَلم تدع حَفْصَة، أَي: فَلم تتْرك حَفْصَة عبد الله حَتَّى ذهب إِلَى الْقَوْم وَحضر مَا وَقع بَينهم. قَوْله: (فَلَمَّا تفرق النَّاس. .) ، أَي: بعد أَن اخْتلف الحكمان وهما أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ حكما من جِهَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانَ حكما من جِهَة مُعَاوِيَة، وقصة التَّحْكِيم طَوِيلَة بيناها فِي (تاريخنا الْكَبِير) وَالْحَاصِل أَن الْقَوْم اتَّفقُوا على الْحكمَيْنِ الْمَذْكُورين، ثمَّ قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: قُم فَأعْلم النَّاس بِمَا اتفقنا عَلَيْهِ، فَخَطب أَبُو مُوسَى النَّاس ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس! إِنَّا قد نَظرنَا فِي هَذِه الْأمة فَلم نر أمرا أصلح لَهَا وَلَا ألمَّ لشعثها من رأى اتّفقت أَنا وَعَمْرو عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنا نخلع عليا وَمُعَاوِيَة ونترك الْأَمر شُورَى ونستقبل للْأمة هَذَا الْأَمر فيولوا عَلَيْهِم من أحبوه، وَإِنِّي قد خلعت عليا وَمُعَاوِيَة، ثمَّ تنحى وَجَاء عَمْرو فَقَامَ مقَامه، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا قد قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَنه قد خلع صَاحبه، وَإِنِّي قد خلعته كَمَا خلعه، وَأثبت صَاحِبي مُعَاوِيَة، فَإِنَّهُ ولي عُثْمَان بن عَفَّان والمطالب بدمه وَهُوَ أَحَق النَّاس، فَلَمَّا انْفَصل الْأَمر على هَذَا خطب مُعَاوِيَة إِلَخ. قَوْله: (قرنه) ، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الرَّاء، أَي: رَأسه، وَهَذَا تَعْرِيض مِنْهُ بِابْن عمر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ بدعته، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الآخر: كلما نجم قرن، أَي: كلما طلع. قلت: فِي حَدِيث خباب هَذَا قرن قد طلع، أَرَادَ قوما أحداثاً بغوا بعد أَن لم يَكُونُوا، يَعْنِي: الْقصاص، وَقيل: أَرَادَ بِدعَة حدثت لم تكن فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن التِّين: وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: فليبد لنا صفحة وَجهه، والقرن من شَأْنه أَن يكون فِي الْوَجْه، وَالْمعْنَى: فليظهر لنا نَفسه وَلَا يخفيها. قَوْله: (أَحَق بِهِ) أَي: بِأَمْر الْخلَافَة. قَوْله: (مِنْهُ) أَي: من عبد الله (وَمن أَبِيه) أَي: وَمن أَب عبد الله وَهُوَ عمر بن الْخطاب. قَوْله: (قَالَ حبيب ابْن مسلمة) بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام: ابْن مَالك الْأَكْبَر ابْن وهب بن ثَعْلَبَة بن وَاثِلَة بن شَيبَان بن محَارب بن فهر بن مَالك الْقرشِي الفِهري، يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، يُقَال لَهُ: حبيب الرّوم، لِكَثْرَة دُخُوله إِلَيْهِم ونيله مِنْهُم، وولاه عمر الجزيرة إِذْ عزل
عَنْهَا عِيَاض بن غنم، وَقَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز: كَانَ حبيب بن مسلمة فَاضلا مجاب الدعْوَة، مَاتَ بالأرمينية سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين لَهُ ولأبيه صُحْبَة. قَوْله: (فَهَلا أَجَبْته؟) أَي: لِمَ مَا أجبْت مُعَاوِيَة؟ . قَوْله: (حبوتي) ، بِضَم الْحَاء وَكسرهَا: اسْم منِ احتبى الرجل إِذا جمع الرجل ظَهره وساقيه بعمامته. قَوْله: (من قَاتلك) ، يُخَاطب بِهِ مُعَاوِيَة. قَوْله: (وأباك) أَرَادَ بِهِ أَبَا سُفْيَان وَالِد مُعَاوِيَة، فَإِن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَاتل مُعَاوِيَة ووالده أَبَا سُفْيَان يَوْم أحد وَيَوْم الخَنْدَق وهما كَانَا كَافِرين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَإِنَّمَا أسلما يَوْم الْفَتْح. قَوْله: (وَيحمل عني غير ذَلِك) ، أَي: على غير مَا أردْت. قَوْله: (فَذكرت مَا أعد الله فِي الْجنان) يَعْنِي: لمن صَبر وَاخْتَارَ الْآخِرَة على الدُّنْيَا. (قَالَ حبيب) هُوَ ابْن مسلمة الْمَذْكُور. قَوْله: (حفظت وعصمت) ، كِلَاهُمَا على صِيغَة الْمَجْهُول، واستصوب حبيب رَأْيه على أَنه كَانَ من أَصْحَاب مُعَاوِيَة.
(قَالَ مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق) أَي: قَالَ مَحْمُود بن غيلَان أَبُو أَحْمد الْعَدوي الْمروزِي أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُحَمَّد بن قدامَة الْجَوْهَرِي فِي كتاب (أَخْبَار الْخَوَارِج) لَهُ، قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان الْمروزِي أخبرنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر، فَذكره بالإسنادين مَعًا، وسَاق الْمَتْن بِتَمَامِهِ، وأوله: دخلت على حَفْصَة ونوساتها تنطف، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٤١٠٩ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنْ سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الأحْزَابِ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا. (الحَدِيث ٤١٠٩ طرفه فِي: ٤١١٠) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَسليمَان بن صرد، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الجون، بِفَتْح الْجِيم الْخُزَاعِيّ صَحَابِيّ مَشْهُور، وَيُقَال: كَانَ اسْمه يسَار فَغَيره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي صفة إِبْلِيس، وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي تَأتي صرح بِسَمَاع أبي إِسْحَاق عَن سُلَيْمَان بن صرد، وَكَانَ سُلَيْمَان أسن من خرج من أهل الْكُوفَة فِي طلب ثار الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقتل هُوَ وَأَصْحَابه بِعَين الوردة فِي سنة خمس وَسِتِّينَ.
قَوْله: (يَوْم الْأَحْزَاب) أَي: قَالَ يَوْم الخَنْدَق: (تغزوهم) أَي: نغزوا قُريْشًا (وهم لَا يغزوننا) قَالَ ذَلِك بعد أَن انصرفت قُرَيْش عَن قَضِيَّة الخَنْدَق وَذَلِكَ لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة خمس فِي قَول ابْن إِسْحَاق وَآخَرين، وَعَن الزُّهْرِيّ: سنة أَربع فِي شَوَّال، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: لما انْصَرف أهل الخَنْدَق، قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لن نغزوكم قُرَيْش بعد عامكم هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تغزونهم. قَالَ: فَلم تعد قُرَيْش بعد ذَلِك، وَكَانَ يغزوهم بعد ذَلِك حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ مَكَّة. وَفِيه: معْجزَة عَظِيمَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَيْثُ أخبر عَن أَمر سَيكون، وَقد وَقع مثل مَا قَالَ. قَوْله: (وَلَا يغزوننا) ، ويروى: لَا يغزونا، بِإِسْقَاط نون الْجمع بِدُونِ ناصب وَلَا جازم، وَهِي لُغَة فَاشِية عَن الْعَرَب.
٤١١٠ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا يَحْيَى بنُ آدَمُ حدَّثنا إسْرَائِيلُ سَمِعْتُ أبَا إسْحَاقَ يَقُولُ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ صُرَدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ حينَ أُجْلِيَ الأحْزَابُ عَنْهُ الآنَ نَغْزُوهُمْ ولَا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إلَيْهِمْ. (انْظُر الحَدِيث ٤١٠٩) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد أخرجه عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الْجعْفِيّ البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالمسندي عَن يحيى بن آدم بن سُلَيْمَان صَاحب الثَّوْريّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي، يروي إِسْرَائِيل عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور.
قَوْله: (أَجلي) بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْجِيم وَكسر اللَّام: من الإجلاء، يُقَال أجلى يجلي إجلاء، وجلا يجلو جلاءً إِذا خرج عَن الوطن هَارِبا، وجلوته أَنا وأجليته وَكِلَاهُمَا لَازم ومتعد، وَحَاصِل الْمَعْنى أَنهم رجعُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنهم رجعُوا بِغَيْر اختيارهم، بل بصنيع الله تَعَالَى لرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نَحن نسير إِلَيْهِم) وَهَكَذَا وَقع، سَار إِلَيْهِم وَفتح مَكَّة.
٤١١١ - حدَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا هِشَامٌ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَلأَ الله علَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وقُبُورَهُمْ نارَاً كَمَا شَغَلُونَا عنْ صَلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غابَتِ الشَّمْسُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق هُوَ ابْن مَنْصُور أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، وروح هُوَ ابْن عبَادَة، وَهِشَام هُوَ ابْن حسان الفردوسي وَلَيْسَ هُوَ هِشَام الدستوَائي كَمَا قَالَ بَعضهم، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَعبيدَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة أَبُو عَمْرو السَّلمَانِي الْكُوفِي، أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِسنتَيْنِ وَلم يُهَاجر إِلَيْهِ وَلم يره.
والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الدُّعَاء على الْمُشْركين بالهزيمة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى عَن هِشَام عَن مُحَمَّد عَن عُبَيْدَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى آخِره، نَحوه.
٤١١٢ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثَنَا هِشَامٌ عنْ يَحْيَى عنْ أبِي سلَمَةَ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَق بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ جعَلَ يَسُب كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَقَالَ يَا رسُولَ الله مَا كِدْتُ أنْ أُصَلِّيَ حتَّى كادَتِ الشَّمْسُ أنْ تَغْرُبَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا صَلَّيْتُهَا فنَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بُطْحَانَ فتَوَضَّأَ لِلْصَّلَاةِ وتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عبد الله الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر أَبْوَاب الْمَوَاقِيت فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ فِي: بَاب قَضَاء الصَّلَاة الأولى، فَالْأولى عَن مُسَدّد عَن يحيى ... إِلَى آخِره نَحوه، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (جعل) عمر، ويروى: جَاءَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بطحان) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة غير منصرف، وَهُوَ اسْم وَادي الْمَدِينَة.
٤١١٣ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنَا سُفْيانُ عنِ ابنِ المُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَاً يَقُولُ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الأحْزَابِ مَنْ يأتِينا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يأتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ مَنْ يأتِينَا بِخَبَرِ القَوْمِ فَقَالَ الزُّبَيْرُ أنَا ثُمَّ قَالَ إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَوْم الْأَحْزَاب) لِأَنَّهُ يَوْم الخَنْدَق. وَمُحَمّد بن كثير ضد الْقَلِيل وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، يروي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب هَل يبْعَث الطليعة وَحده؟ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن صَدَقَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَى آخِره.
قَوْله: (بِخَبَر الْقَوْم) قَالَ الْوَاقِدِيّ: المُرَاد بالقوم بَنو قُرَيْظَة. قَوْله: (حوارياً) أَي: ناصراً. قَوْله: (وحواري) بِالْإِضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وتخفيفها، والاكتفاء بالكسرة وَبِفَتْحِهَا.
٤١١٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي سَعِيد عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَقُولُ لَا إلاهَ إلَاّ الله وحْدَهُ أعَزَّ جُنْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وغلَبَ الأحْزَابَ وحْدَهُ فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَغلب الْأَحْزَاب وَحده) قَوْله: (عَن أَبِيه) هُوَ أَبُو سعيد المَقْبُري واسْمه كيسَان مولى بني لَيْث. قَوْله: (وَحده) مَنْصُوب على تَقْدِير: أوحد وَحده. قَوْله: (أعز) أَي: أعز الله جنده وَنصر عَبده النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،