«بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣٧٢

الحديث رقم ٤٣٧٢ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني…

«بَعَثَ النَّبِيُّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ، فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ، قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ، فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَُ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ، وَلَا وَاللهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ».

سند حديث: ٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني…

معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل فرساناً إلى نجد بقيادة محمد بن مسلمة في العاشر من محرم سنة ست من الهجرة؛ ليقاتلوا أحياء بني بكر الذين منهم بنو حنيفة، فأغاروا عليهم، وهزموهم، وأسروا ثمامة بن أثال وأتوا به إلى المدينة، وربطوه إلى سارية من سواري المسجد النبوي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ما عندك" أي: ماذا تظن أني فاعل بك، "قال: عندي خير" أي لا أظن بك، ولا أؤمل منك إلا الخير، مهما فعلت معي.
قول ثمامة: "إن تقتل تقتل ذا دم" أي: إن تقتلني فهناك من يأخذ بالثأر لأني سيد في قومي، وقيل: معناه إن تقتلني فذلك عدل منك، ولم تعاملني إلَّا بما أستحق؛ لأني مطلوب بدم، فإن قتلتني قتلتني قصاصاً، ولم تظلمني أبداً
وأما "وإن تُنْعِمْ تنعم على شاكر" أي: وإن تحسن إليَّ بالعفو عني، فالعفو من شيم الكرام، ولن يضيع معروفك عندي؛ لأنك أنعمت على كريم يحفظ الجميل، ولا ينسى المعروف أبداً.
وفي قول ثمامة رضي الله عنه : "وإن كنت تريد المال" يعني وإن كنت تريد أن افتدي نفسي بالمال "فسل منه ما شئت" ولك ما طلبت.
وبعد هذه المحاورة ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن "تركه حتى كان من الغد، قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك" يعني فتركه مربوطاً إلى السارية حتى كان اليوم الثاني فأعاد عليه سؤاله الأوّل، وأجابه ثمامة بنفس الجواب الأوّل، ثم تركه اليوم الثالث، وأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السؤال، وأجابه ثمامة بالجواب نفسه، فلما كان اليوم الثالث، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: "أطلقوا ثمامة" أي فكُّوه من رباطه.
فما كان من ثمامة إلى أن "انطلق إلى نخل قريب من المسجد" أي فذهب إلى ماء قريب من المسجد "فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إِله إِلَّا الله" أي وأعلن إسلامه ونطق بالشهادتين، وهذه رواية الصحيحين: أن ثمامة اغتسل من تلقاء نفسه وليس بأمر النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم عبّر ثمامة رضي الله عنه عن شعوره نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحو دينه الحنيف، ونحو بلده الحبيب المدينة النبوية، فقال رضي الله عنه : ما كان هناك وجه أكرهه مثل وجهك فقد أصبح وجهك لما أسلمت أحب الوجوه إليَّ، حيث تحول البغض والكراهية إلى محبة شديدة لا تعدلها أي محبة أخرى.
"والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ" وهكذا عاطفة الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
"والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ"؛ لأن محبتي لك دفعتني إلى مزيد الحب لبلادك.
ثم قال: "وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى" أي فهل تأذن لي في العمرة "فبشره" بغفران ذنوبه كلها، وبخيري الدنيا والآخرة" وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت "أي خرجت من دين إلى دين" قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله "أي ولكني تركت الدين الباطلَ ودخلت في دين الحق" ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن بها رسول الله "أي: حتى يأذن رسول الله في إرسالها إليكم، فانصرف إلى اليمامة، وكانت ريف مكة، فمنع الحنطة عنهم حتى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، ففعل صلى الله عليه وسلم .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز ربط الأسير في المسجد، وإن كان كافرًا.
  • جواز دخول المشركين والكتابيين المسجد للحاجة؛ كأعمال تتعلق بالمسجد هم أقدر من غيرهم عليها، ونحو ذلك، فقد كان الكفار يدخلون عليه مسجده، ويطيلون الجلوس.
  • قال الشيخ صديق حسن في تفسير قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ...} [التوبة: 28]: عدم قربانهم الحرم متفرع عن نجاستهم، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا الحرم، راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم.
  • يجوز للإمام أن يمن على الأسير بغير فداء؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- منَّ على ثمامة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٠ - بَاب وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ

٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَاذا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ، يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نخل قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا والله، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ،

وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ) أَمَّا حَنِيفَةُ فَهُوَ ابْنُ لُجَيْمِ بِجِيمٍ ابْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْزِلُونَ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أنهم كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ. وَأَمَّا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَأَبُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وبمثلثة خَفِيفَةٍ ابْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُ قَبْلَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ بِزَمَانٍ، فَإِنَّ قِصَّتَهُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَكَأنَ الْبُخَارِيُّ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، فَإِنَّ اللَّيْثَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ أَتْقَنُ النَّاسِ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ حَدَّثَهُ بِهِ قَبْلُ، أَوْ ثَبَّتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَ النَّبِيُّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ) أَيْ بَعَثَ فُرْسَانَ خَيْلٍ إِلَى جِهَةِ نَجْدٍ، وَزَعَمَ سَيْفٌ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ ثُمَامَةَ وَأَسَرَهُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي زَمَانِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقِصَّةُ ثُمَامَةَ تَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ اعْتَمَرَ ثُمَامَةُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ مَنَعَهُمْ أَنْ يَمِيرُوا أَهْلَ مَكَّةَ، ثُمَّ شَكَا أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى النَّبِيُّ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ يَشْفَعُ فِيهِمْ عِنْدَ ثُمَامَةَ.

قَوْلُهُ: (مَاذَا عِنْدَكَ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَذَا: مَوْصُولَةٌ

وَعِنْدَكَ: صِلَتُهُ، أَيْ مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي ظَنِّكَ أَنْ أَفْعَلَهُ بِكَ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ ظَنَّ خَيْرًا فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ؛ أَيْ لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَظْلِمُ، بَلْ مِمَّنْ يَعْفُو وَيُحْسِنُ.

قَوْلُهُ: (إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةِ الْمِيمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ذَمٍّ بِمُعْجَمَةٍ مُثْقَّلِ الْمِيمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ أَيْ صَاحِبِ دَمٍ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا ذَا ذِمَّةٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَضَعَّفَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَقْلِبُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا ذِمَّةٍ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْحُرْمَةُ فِي قَوْمِهِ، وَأَوْجَهُ الْجَمِيعِ الْوَجْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: عِنْدِي خَيْرٌ ; وَفِعْلُ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ) أَيْ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ; هَكَذَا اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ. وَحَذَفَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَذْفِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَشَقَّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ، وَأَشْفَى الْأَمْرَيْنِ لِصَدْرِ خُصُومِهِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِعْطَافِ وَطَلَبِ الْإِنْعَامِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَأَى أَمَارَاتِ الْغَضَبِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتُلْهُ طَمِعَ فِي الْعَفْوِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا قَالَ اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى الْإِجْمَالِ تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيلِ خُلُقِهِ . وَقَدْ وَافَقَ ثُمَامَةُ فِي هَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ قَوْلَ عِيسَى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ لِأَنَّ الْمَقَامُ يَلِيقُ بِذَلِكَ

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامَةُ وَأَعْتَقْتُكَ وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَسْرِ جَمَعُوا مَا كَانَ فِي أَهْلِ النَّبِيِّ مِنْ طَعَامٍ وَلَبَنٍ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ جَاءُوهُ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا. فَتَعَجَّبُوا فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَشَّرَهُ) أَيْ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِ وَتَبِعَاتِهِ السَّابِقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ يُلَبِّي. فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَيْنَا، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: دَعُوهُ فَإِنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ مِنَ الْيَمَامَةِ فَتَرَكُوهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ) كَأَنَّهُ قَالَ: لَا مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ لَيْسَتْ دِينًا، فَإِذَا تَرَكْتُهَا لَا أَكُونُ خَرَجْتُ مِنْ دِينٍ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ الْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: مَعَ مُحَمَّدٍ أَيْ وَافَقْتُهُ عَلَى دِينِهِ فَصِرْنَا مُتَصَاحِبَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِالِاسْتِدَامَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَلَكِنْ تَبِعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَا وَاللَّهِ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى دِينِكُمْ وَلَا أَرْفَقُ بِكُمْ، فَأَتْرُكُ الْمِيرَةَ تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَى مَكَّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ : إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَكَتَبَ إِلَى ثُمَامَةَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ إِلَيْهِمْ. وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ رَبْطُ الْكَافِرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَنُّ عَلَى الْأَسِيرِ الْكَافِرِ وَتَعْظِيمُ أَمْرِ الْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالْمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ. وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْإِحْسَانَ يُزِيلُ الْبُغْضَ وَيُثَبِّتُ الْحُبَّ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي عَمَلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ. وَفِيهِ الْمُلَاطَفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٣٧٠ - ح دّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ حدّثني ابنُ وهْبٍ أَخْبرنِي عمْروٌ وَقَالَ بَكْرُ بنُ مُضَر عنْ عَمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ بُكَيْرٍ أنَّ كُرَيْباً مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ حدَّثَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاس وعبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ أزْهَرَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أرْسَلُوا إِلَى عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا فقالُوا اقْرأ عَلَيْها السَّلامَ مِنَّا جَمِيعاً وسَلْها عنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وإنَّا أُخْبِرْنا أنَّكِ تُصَلِّيهما وقَدْ بَلَغَنا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهى عَنْها قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وكُنْتُ أضْرِبُ مَعَ عُمَرَ النَّاسَ عنْهُما قَالَ كُرَيْبٌ فَدَخَلْتُ عَلَيْها وبلغْتُها مَا أرسَلُونِي فقالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ فأخْبَرْتُهُمْ فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَة بِمِثْلِ مَا أرْسَلونِي إِلَى عائِشَةَ فقالَتْ أُمُّ سَلَمَة سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَى عَنْهما وإنَّهُ صَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَليَّ وعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَني حَرَامٍ مِنَ الأنْصارِ فصَلَاّهُما فأرْسَلْتُ إليْهِ الخَادِمَ فقُلْتُ قُومِي إِلَى جَنْبِهِ فقُولي تَقُولُ أُمُّ سَلَمَة يَا رَسُولَ الله ألَمْ أسْمَعْكَ تَنْهَى عنْ هاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فأرَاكَ تُصَلِّيهِما فإنْ أشارَ بِيَدِهِ فاسْتأخِرِي فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ فأشارَ بِيَدِهِ فاسْتأخَرَتْ عنْهُ فلَمّا انْصَرَفَ قَالَ يَا بنْتَ أبي أُمَيَّةَ سألْتِ عَنِ الرَّكَعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ إنَّهُ أَتَانِي أُناسٌ مِنْ عبْدِ القَيْسِ بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَن الرَّكَعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فهُما هاتانِ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٣٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَتَانِي أنَاس من عبد الْقَيْس) وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي. سكن مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن عَمْرو بن الْحَارِث.

وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا كَلمه وَهُوَ يُصَلِّي، عَن يحيى الْمَذْكُور، فَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي بن وهب الْمصْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن كريب: أَن ابْن عَبَّاس والمسور ابْن مخرمَة وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر أَرْسلُوهُ الحَدِيث. وَهنا أخرجه بِهَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا. وَأخرجه أَيْضا مُعَلّقا بقوله: وَقَالَ بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير عَن كريب إِلَى آخِره، وَوصل الطَّحَاوِيّ هَذَا التَّعْلِيق من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن بكر بن مُضر إِلَى آخِره.

وَبكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُضر، بِضَم الْمِيم: ابْن مُحَمَّد الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر بن عبد الله بن الْأَشَج المَخْزُومِي.

قَوْله: (وَإِنَّا أخبرنَا) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (سل أم سَلمَة) بِفَتْح اللَّام، وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة المخزومية. قَوْله: (من بني حرَام) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ ابْن كَعْب بن غنم بن كَعْب بن مسلمة بن سعد بن ساردة بن تزيد، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. ابْن جشم بن الْخَزْرَج، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

٤٣٧١ - ح دّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدّثنا أبُو عامِرٍ عبْدُ المَلِكِ حدّثنا إبْرَاهِيمُ هُوَ ابنُ طهْمانَ عنْ أبي جَمْرَةَ عنِ ابْن عبّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَسْجِد عبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَي يَعْني قَرْيَةً مِنَ البَحْرَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٩٢) .

ذكر هَذَا هُنَا لأجل ذكر عبد الْقَيْس فِيهِ، وَفِيه فَضِيلَة لعبد الْقَيْس أَيْضا، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم مر عَن قريب، وجواثي، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْوَاو وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُورا: حصن قريب من الْبَصْرَة، والبحرين مَوضِع بساحل بَحر عمان.

٧١ - (بابُ وَفْدِ بَني حَنِيفَةَ وحَديثِ ثُمامَةَ بنِ أُثالٍ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وَفد بني حنيفَة، وحنيفة هُوَ ابْن لجيم بِالْجِيم ابْن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل، وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مَشْهُورَة ينزلون الْيَمَامَة بَين مَكَّة واليمن، وثمامة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن أَثَال، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن النُّعْمَان بن

مسلمة الْحَنَفِيّ، وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَكَانَت قصَّته قبل وَفد بني حنيفَة بِزَمَان، فَإِنَّهَا كَانَت قبل فتح مَكَّة، فَلَا وَجه لذكرها هَا هَهُنَا فَقيل: ذكرهَا هَا هَهُنَا اسْتِطْرَادًا وَلَيْسَ بِشَيْء.

٤٣٧٢ - ح دّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ حَدثنِي سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ بَعَث النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْلاً قبَلَ نَجْدٍ فجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَني حَنيفَةَ يُقالُ لهُ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ فَرَبَطُوهُ بِسارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى المَسْجِدِ فَخَرَجَ إلَيْهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ ماذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ فَقَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وإنْ تُنْعِمْ تُنعِمْ عَلى شَاكِرٍ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ المالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حَتى كانَ الغَدُ ثُمَّ قَالَ لهُ ماذَا عنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ فَتَرَكَه حَتَّى كانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ ماذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ أطْلِقُوا ثُمامَةَ فانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَقَالَ أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رسُولُ الله يَا مُحَمَّدُ وَالله مَا كانَ عَلَى الأرْض وجْهٌ أبْغَضَ إليَّ مِنْ وجْهِكَ فَقدْ أصْبَحَ وجْهُكَ أحَبَّ الوُجُوهِ إليَّ وَالله مَا كَانَ منْ دِينٍ ابْغَضَ إليَّ منْ دِينِكَ فأصْبَحَ دِينُكَ أحبَّ الدِّينَ إليَّ وَالله مَا كانَ منْ بَلَدٍ أبْغَض إليَّ مِنْ بَلَدِكَ فأصْبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البِلَادِ إلَيَّ وإنَّ خيْلَكَ أخَذَتْني وَأَنا أُرِيدُ العُمْرَةَ فَماذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأمرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لهُ قائِلٌ صَبَوْتَ قَالَ لَا وَالله ولَكِنْ أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يأذَنَ فِيها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَسَعِيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَاسم أبي سعيد كيسَان الْمَدِينِيّ وَقد مر غير مرّة، والْحَدِيث مر مُخْتَصرا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِاغْتِسَال، إِذا أسلم وربط الْأَسير أَيْضا فِي الْمَسْجِد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه.

قَوْله: (بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيلاً) أَي: فرسَان خيل، وَهَذَا من ألطف المجازات وأحسنها. قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَتهَا قَوْله: (فَجَاءَت بِرَجُل) ، يَعْنِي: أسروه وجاؤوا بِهِ وَزعم سيف فِي (كتاب الرِّدَّة) إِن الَّذِي أسره الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْعَبَّاس: إِنَّمَا قدم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي زمَان فتح مَكَّة، وقصة ثُمَامَة قبل ذَلِك. قَوْله: (مَاذَا عنْدك؟) أَي: أَي شَيْء عنْدك؟ وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون: مَا استفهامية، و: ذَا، مَوْصُولَة، وعندك، صلته أَي: مَا الَّذِي اسْتَقر فِي ظَنك أَن أَفعلهُ بك؟ انْتهى. قلت: هَذَا يَأْتِي على أوجه. الأول: أَن تكون: مَا استفهامية، وَذَا، إِشَارَة نَحْو: مَاذَا الْوُقُوف؟ الثَّانِي: أَن تكون مَا استفهامية، و: ذَا، مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره للجملة بعده الثَّالِث: أَن تكون: مَاذَا، كُله استفهاماً على التَّرْكِيب كَقَوْلِك: لماذا جِئْت؟ الرَّابِع: أَن تكون: مَاذَا، كُله اسْم جنس بِمَعْنى: شَيْء، أَو مَوْصُولا بِمَعْنى: الَّذِي الْخَامِس: أَن تكون: مَاذَا زَائِدَة و: ذَا للْإِشَارَة. السَّادِس: أَن تكون: مَا، استفهاماً و: ذَا، زَائِدَة على خلاف فِيهِ. قَوْله: (عِنْدِي خير) ، يَعْنِي: لست أَنْت مِمَّن تظلم بل أَنْت تَعْفُو وتحسن. قَوْله: (ذَا دم) ، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الأول: إِن تقتل تقتل ذَا دم، أَي: صَاحب دم لأجل دَمه، وَمعنى الثَّانِي: ذَا ذمَّة، وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، ورده عِيَاض: لِأَنَّهُ يَنْقَلِب الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَا ذمَّة يمْتَنع قَتله، فوجهه النَّوَوِيّ: بِأَن المُرَاد بِالذِّمةِ الْحُرْمَة فِي قومه. قَوْله: (حَتَّى كَانَ الْغَد) ، ويروى فَترك حَتَّى كَانَ الْغَد، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْيَوْم الأول شَيْئَيْنِ، لِأَن أَحدهمَا: أشق الْأَمريْنِ. وَهُوَ الْقَتْل. وَالْآخر: أَشْقَى الْأَمريْنِ وَاقْتصر فِي الْيَوْم الثَّانِي على الشَّيْء الثَّانِي لأجل الاستعطاف، وَطلب الإنعام وَاقْتصر فِي الْيَوْم الثَّالِث على الْإِجْمَال تفويضاً

إِلَى جميل خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أطْلقُوا ثُمَامَة) ، وَفِي رِوَايَة قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك يَا ثُمَامَة وأعتقك. قَوْله: (إِلَى نخل) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي كتاب الصَّلَاة: بِالْجِيم، وَهُوَ المَاء، قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (وبشره) ، أَي: بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قَوْله: (صبوت) ، أَي: ملت إِلَى دين غير دينك. قَوْله: (قَالَ: لَا) ، أَي: لَا صبوت من الدّين، لِأَن عبَادَة الْأَوْثَان لَيست بدين حَتَّى إِذا تركتهَا أكون خَارِجا من دين بل دخلت فِي دين الْإِسْلَام و (أسلمت مَعَ مُحَمَّد) بِمَعْنى: وافقته على دين الْحق فصرنا متصاحبين فِي الْإِسْلَام، وَفِي رِوَايَة ابْن هِشَام: وَلَكِن تبِعت خير الدّين دين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (حَتَّى يَأْذَن فِيهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى أَن يَأْذَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، قَالَ ابْن هِشَام: ثمَّ خرج إِلَى الْيَمَامَة فَمَنعهُمْ أَن يحملوا إِلَى مَكَّة شَيْئا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. إِنَّك تَأمر بصلَة الرَّحِم، فَكتب إِلَى ثُمَامَة: أَن تخلى بَينهم وَبَين الْحمل إِلَيْهِم.

٤٣٧٣ - ح دّثنا أبُو اليَمَانِ أخبَرنا شُعَيْبٌ عنْ عبْدِ الله بنِ أبي حُسَيْنٍ حدَّثنا نافِعُ بنُ جُبَيْر عَن ابْن عبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ عَلى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَعَلَ يقُولُ إنْ جَعَلَ لي مُحَمَّدٌ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وقَدِمِهَا فِي بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فأقْبَلَ إليْهِ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَعَهُ ثابِتُ بنُ قَيْس بنِ شَمَّاسِ وَفِي يَدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطْعَةُ جَرِيدٍ حتَّى وقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أصحابهِ فَقال لوْ سألْتَني هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أعْطيْتُكَها ولَنْ تَعْدُوَ أمْرَ الله فِيكَ ولَئِنْ أدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَكَ الله وإنِّي لأرَاك الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأيْتُ وهَذا ثابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عنْهُ. قالَ ابنُ عَبّاسٍ فَسألْتُ عنْ قَوْلِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّكَ ارَي الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأيْتُ فأخبْرَني أبُو هُرَيْرَة أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَيْنَا أَنا نائِمٌ رأيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فأهمَني شأنُهُما فَأُوحِيَ إليَّ فِي المَنامِ أنِ انْفُخْهُما فنَفَخْتُهُما فَطَارَا فأوَّلْتُهُما كَذَّابَيْنِ يَخْرُجانِ مِنْ بَعْدِي أحَدُهُما العَنْسِيُّ والآخَرُ مُسَيْلِمَةُ. .

مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة لِأَن مُسَيْلمَة قدم فِي وَفد نَبِي حنيفَة: وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَقد تكَرر ذكرهمَا، وَعبد الله بن أبي حُسَيْن هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن بن الْحَارِث النَّوْفَلِي، تَابِعِيّ صَغِير مَشْهُور نسب هُنَا إِلَى جده، وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم بن مهْدي بن نوف بن عبد منَاف الْقرشِي الْمدنِي، مَاتَ فِي خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك.

والْحَدِيث مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَنَذْكُر بعض شَيْء وَإِن كَانَ فِي بعضه تكْرَار.

قَوْله: (قدم) إِلَى الْمَدِينَة (مُسَيْلمَة) تَصْغِير مسلمة ابْن ثُمَامَة بن بكير، بِالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حبيب بن الْحَارِث من بني حنيفَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: ادّعى النُّبُوَّة سنة عشر وَقدم مَعَ قومه وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رحالهم يحفظها لَهُم وذكروه لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخذُوا مِنْهُ جائزته، وَأَنه قَالَ لَهُم: إِنَّه لَيْسَ بشرّكم، وَأَن مُسَيْلمَة لما ادّعى أَنه أشرك النُّبُوَّة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتج بِهَذِهِ الْمقَالة. قيل: هَذَا شَاذ ضَعِيف السَّنَد لانقطاعه، فَكيف يُوَافق مَا فِي (الصَّحِيح) أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اجْتمع بِهِ وخاطبه بِمَا ذكره فِي الحَدِيث؟ ثمَّ وفْق بَينهمَا بِأَن يكون لَهُ الْقدوم مرَّتَيْنِ: مرّة تَابعا، وَمرَّة متبوعاً، فَإِن قيل: الْقِصَّة وَاحِدَة، قيل لَهُ: كَانَت إِقَامَته فِي رحالهم بِاخْتِيَارِهِ أَنَفَة واستكباراً أَن يحضر مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعامله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُعَاملَة الْكَرم على عَادَته فِي الاستئلاف. وَمعنى قَوْله: (إِنَّه لَيْسَ بشركم) أَي: مَكَانا، لكَونه كَانَ يحفظ رحالهم، وَأَرَادَ استئلافه بِالْإِحْسَانِ بالْقَوْل وَالْفِعْل، فَلَمَّا لم يفد فِي مُسَيْلمَة توجه بِنَفسِهِ إِلَيْهِ ليقيم عَلَيْهِ الْحجَّة. قَوْله: (إِن جعل لي مُحَمَّد) ، أَي: الْخلَافَة، ويروى: (إِن جعل لي مُحَمَّد الْأَمر) ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهر. قَوْله: (وقدمها) ، أَي: الْمَدِينَة (فِي بشر كثير) وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ مَعَه من قومه سَبْعَة شعر نفسا. قَوْله: (وَلنْ تعدو) ، بِالنّصب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وروى

بَعضهم: (لن تعدو) ، بِالْجَزْمِ على لُغَة من يجْزم: بلن، وَالْمرَاد بِأَمْر الله: حكمه بِأَنَّهُ كَذَّاب مقتول جهنمي قَوْله: (وَلَئِن أَدْبَرت) أَي: خَالَفت الْحق (ليَعْقِرنك الله) أَي: ليهلنك. قَوْله: (أريت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من رُؤْيا الْمَنَام قَوْله: (وَهَذَا ثَابت يجيبك عني) لِأَنَّهُ كَانَ خطيب الْأَنْصَار قَوْله: (فَسَأَلت عَن قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْمَفْعُول مَحْذُوف يفسره قَوْله: (فَأَخْبرنِي أَبُو هُرَيْرَة) لِأَن هَذَا الحَدِيث، رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (بَينا) ، قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ: الْألف وَالْمِيم، أَيْضا فِي بعض الْمَوَاضِع، ويضاف إِلَى الْجُمْلَة. قَوْله: (رَأَيْت) ، جَوَابه قَوْله: (من ذهب) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (إِن أَنْفُخَهُمَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة قَوْله: (الْعَنسِي) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى عنس وَهُوَ زيد بن مَالك بن أدد، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العنس النَّاقة الصلبة، وَأَرَادَ بالعنسي: الْأسود، ولقبه: عبهلة من قَوْلهم: عبهل الْأَمر أهمله، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج بِصَنْعَاء وَعَلَيْهَا الْمُهَاجِرين أبي أُميَّة، وَكَانَ أول مَا ضل بِهِ عَدو الله أَنه مر بِهِ حمَار فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ عثر لوجهه. فَقَالَ، لَعنه الله: سجد لي وَلم يقم الْحمار حَتَّى قَالَ لَهُ عَدو الله: شأ، فَقَامَ، وَقتل بعمدان وَحمل رَأسه وسلبه إِلَى سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: شأ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهمزَة، وَهِي كلمة تسْتَعْمل عِنْد دُعَاء الْحمار، وَمِنْهُم من يَقُول: كَانَ ذَلِك فِي خلَافَة أبي بكر، وَالله أعلم. وَعَن فَيْرُوز: خرج الْأسود فِي عَامَّة حج بعد حجَّة الْوَدَاع وَكَانَ كَاهِنًا مشعبذاً يُرِيهم الْأَعَاجِيب، وَكَانَ يسبي قُلُوب من يسمع نطقه مَعَه شَيْطَان وتابع لَهُ، وَخرج على مَالك الْيمن فَقتله ونكح امْرَأَته وَملك بِلَاده وَلم يُكَاتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُرْسل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يكن مَعَه أحد يشاغبه وَصفا لَهُ ملك الْيمن، وَقَالَ عُرْوَة: أُصِيب الْأسود قبل وَفَاة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَوْم أَو لَيْلَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: جَاءَهُ خبر الْأسود من ليلته وجاءته الرُّسُل صَبِيحَة لَيْلَة قَبضه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا، أَتَاهُ الْخَبَر من السَّمَاء فِي لليلة الَّتِي قتل فِيهَا الْأسود فبشرنا بِهِ، وَقَالَ: قَتله البارحة رجل مبارك من أهل بَيت مباركين، قيل: وَمن هُوَ؟ قَالَ: فَيْرُوز، وَقَالَ: دخل عَلَيْهِ فَيْرُوز فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول؟ فَإِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنه لَيْسَ إلَاّ إِلَه وَاحِد؟ قَالَ الْأسود: بل هُوَ آلِهَة كَثِيرَة، فَقَالَ: ابْسُطْ يدك أُبَايِعك! فَلَمَّا بسط يَده مد فَيْرُوز يَده وَأخذ بعنقه فَقتله، وَقَالَ عبيد بن صَخْر: كَانَ بَين أول أمره وَآخره ثَلَاثَة أشهر.

٤٣٧٥ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنا أَنا نائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الأرْضِ فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكبُرَا عَليَّ فَأُوحِيَ إليَّ أَن انْفُخْهُما فَنَفَخْتُهُما فَذهبَا فأوَّلْتُهُما الكَذَّابِيْنَ اللَّذَيْن أَنا بَينَهُما صاحِبَ صَنْعاءَ وصاحِبَ الْيَمَامَةِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر مسلمة الْكذَّاب من حَيْثُ التضمن فِي قَوْله: (وَصَاحب الْيَمَامَة) . وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه ابْن كَامِل الْيَمَانِيّ الْأَنْبَارِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أضاً تَعْبِير الرُّؤْيَا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن رَافع.

قَوْله: (كبر على) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على صِيغَة الْإِفْرَاد، أَي: عظم وَثقل، ويروى: (كبرا) ، بالتثنية. قَوْله: (صَاحب صنعاء) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالمد: قَاعِدَة الْيمن ومدينتها الْعُظْمَى وصاحبها الْأسود الْعَنسِي، واليمامة: مَدِينَة بِالْيمن على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف وصاحبها مُسَيْلمَة الْكذَّاب، لَعنه الله تَعَالَى.

٤٣٧٦ - ح دّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بنَ مَيْمُونٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجاءٍ العُطارِدِيَّ يقُولُ كنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ فَإِذا وجَدْنا حَجَراً هُوَ أخْيَرُ منْهُ ألْقَيْناهُ وأخَذْنا الآخَرَ فَإِذا لَمْ نَجِدْ حَجَراً جَمَعْنا جُثْوَةً منْ تُرابٍ ثُمَّ جِئْنا بالشَّاةِ فَحَلَبْناهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنا بِهِ فإذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنا نُنَصِّلُ الأسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحاً فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْماً فِيهِ حَدِيدَةٌ إلَاّ نَزَعْناهُ وألْقَيْناهُ شَهَرَ رَجَبٍ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٠ - بَاب وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ

٤٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ فَقَالَ: مَاذا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ، يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نخل قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لَا والله، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ،

وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ) أَمَّا حَنِيفَةُ فَهُوَ ابْنُ لُجَيْمِ بِجِيمٍ ابْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْزِلُونَ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَكَانَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أنهم كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ. وَأَمَّا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَأَبُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وبمثلثة خَفِيفَةٍ ابْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَنَفِيُّ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُ قَبْلَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ بِزَمَانٍ، فَإِنَّ قِصَّتَهُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَكَأنَ الْبُخَارِيُّ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، فَإِنَّ اللَّيْثَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ أَتْقَنُ النَّاسِ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ حَدَّثَهُ بِهِ قَبْلُ، أَوْ ثَبَّتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَ النَّبِيُّ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ) أَيْ بَعَثَ فُرْسَانَ خَيْلٍ إِلَى جِهَةِ نَجْدٍ، وَزَعَمَ سَيْفٌ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ ثُمَامَةَ وَأَسَرَهُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي زَمَانِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقِصَّةُ ثُمَامَةَ تَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ اعْتَمَرَ ثُمَامَةُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ مَنَعَهُمْ أَنْ يَمِيرُوا أَهْلَ مَكَّةَ، ثُمَّ شَكَا أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى النَّبِيُّ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ يَشْفَعُ فِيهِمْ عِنْدَ ثُمَامَةَ.

قَوْلُهُ: (مَاذَا عِنْدَكَ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَذَا: مَوْصُولَةٌ

وَعِنْدَكَ: صِلَتُهُ، أَيْ مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي ظَنِّكَ أَنْ أَفْعَلَهُ بِكَ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ ظَنَّ خَيْرًا فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ؛ أَيْ لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَظْلِمُ، بَلْ مِمَّنْ يَعْفُو وَيُحْسِنُ.

قَوْلُهُ: (إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةِ الْمِيمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ذَمٍّ بِمُعْجَمَةٍ مُثْقَّلِ الْمِيمِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ أَيْ صَاحِبِ دَمٍ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا ذَا ذِمَّةٍ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَضَعَّفَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَقْلِبُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا ذِمَّةٍ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْحُرْمَةُ فِي قَوْمِهِ، وَأَوْجَهُ الْجَمِيعِ الْوَجْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: عِنْدِي خَيْرٌ ; وَفِعْلُ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ) أَيْ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ; هَكَذَا اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ. وَحَذَفَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَذْفِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَشَقَّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ، وَأَشْفَى الْأَمْرَيْنِ لِصَدْرِ خُصُومِهِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِعْطَافِ وَطَلَبِ الْإِنْعَامِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَأَى أَمَارَاتِ الْغَضَبِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتُلْهُ طَمِعَ فِي الْعَفْوِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا قَالَ اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى الْإِجْمَالِ تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيلِ خُلُقِهِ . وَقَدْ وَافَقَ ثُمَامَةُ فِي هَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ قَوْلَ عِيسَى : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ لِأَنَّ الْمَقَامُ يَلِيقُ بِذَلِكَ

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامَةُ وَأَعْتَقْتُكَ وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَسْرِ جَمَعُوا مَا كَانَ فِي أَهْلِ النَّبِيِّ مِنْ طَعَامٍ وَلَبَنٍ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ جَاءُوهُ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا. فَتَعَجَّبُوا فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (فَبَشَّرَهُ) أَيْ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِ وَتَبِعَاتِهِ السَّابِقَةِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ يُلَبِّي. فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَيْنَا، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: دَعُوهُ فَإِنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ مِنَ الْيَمَامَةِ فَتَرَكُوهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ) كَأَنَّهُ قَالَ: لَا مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ لَيْسَتْ دِينًا، فَإِذَا تَرَكْتُهَا لَا أَكُونُ خَرَجْتُ مِنْ دِينٍ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ الْإِسْلَامِ. وَقَوْلُهُ: مَعَ مُحَمَّدٍ أَيْ وَافَقْتُهُ عَلَى دِينِهِ فَصِرْنَا مُتَصَاحِبَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِالِاسْتِدَامَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَلَكِنْ تَبِعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَا وَاللَّهِ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى دِينِكُمْ وَلَا أَرْفَقُ بِكُمْ، فَأَتْرُكُ الْمِيرَةَ تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَى مَكَّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ : إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، فَكَتَبَ إِلَى ثُمَامَةَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ إِلَيْهِمْ. وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ رَبْطُ الْكَافِرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَنُّ عَلَى الْأَسِيرِ الْكَافِرِ وَتَعْظِيمُ أَمْرِ الْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالْمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ. وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْإِحْسَانَ يُزِيلُ الْبُغْضَ وَيُثَبِّتُ الْحُبَّ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي عَمَلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ. وَفِيهِ الْمُلَاطَفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٤٣٧٠ - ح دّثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمانَ حدّثني ابنُ وهْبٍ أَخْبرنِي عمْروٌ وَقَالَ بَكْرُ بنُ مُضَر عنْ عَمْرِو بنِ الحارِثِ عنْ بُكَيْرٍ أنَّ كُرَيْباً مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ حدَّثَهُ أنَّ ابنَ عَبَّاس وعبْدَ الرَّحْمانِ ابنَ أزْهَرَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أرْسَلُوا إِلَى عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا فقالُوا اقْرأ عَلَيْها السَّلامَ مِنَّا جَمِيعاً وسَلْها عنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وإنَّا أُخْبِرْنا أنَّكِ تُصَلِّيهما وقَدْ بَلَغَنا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهى عَنْها قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وكُنْتُ أضْرِبُ مَعَ عُمَرَ النَّاسَ عنْهُما قَالَ كُرَيْبٌ فَدَخَلْتُ عَلَيْها وبلغْتُها مَا أرسَلُونِي فقالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ فأخْبَرْتُهُمْ فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَة بِمِثْلِ مَا أرْسَلونِي إِلَى عائِشَةَ فقالَتْ أُمُّ سَلَمَة سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَنْهَى عَنْهما وإنَّهُ صَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَليَّ وعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَني حَرَامٍ مِنَ الأنْصارِ فصَلَاّهُما فأرْسَلْتُ إليْهِ الخَادِمَ فقُلْتُ قُومِي إِلَى جَنْبِهِ فقُولي تَقُولُ أُمُّ سَلَمَة يَا رَسُولَ الله ألَمْ أسْمَعْكَ تَنْهَى عنْ هاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فأرَاكَ تُصَلِّيهِما فإنْ أشارَ بِيَدِهِ فاسْتأخِرِي فَفَعَلَتِ الجارِيَةُ فأشارَ بِيَدِهِ فاسْتأخَرَتْ عنْهُ فلَمّا انْصَرَفَ قَالَ يَا بنْتَ أبي أُمَيَّةَ سألْتِ عَنِ الرَّكَعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ إنَّهُ أَتَانِي أُناسٌ مِنْ عبْدِ القَيْسِ بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَن الرَّكَعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فهُما هاتانِ. (انْظُر الحَدِيث ١٢٣٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَتَانِي أنَاس من عبد الْقَيْس) وَيحيى بن سُلَيْمَان أَبُو سعيد الْجعْفِيّ الْكُوفِي. سكن مصر، يروي عَن عبد الله بن وهب الْمصْرِيّ عَن عَمْرو بن الْحَارِث.

وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أَوَاخِر الصَّلَاة فِي: بَاب إِذا كَلمه وَهُوَ يُصَلِّي، عَن يحيى الْمَذْكُور، فَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي بن وهب الْمصْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن كريب: أَن ابْن عَبَّاس والمسور ابْن مخرمَة وَعبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر أَرْسلُوهُ الحَدِيث. وَهنا أخرجه بِهَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا. وَأخرجه أَيْضا مُعَلّقا بقوله: وَقَالَ بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير عَن كريب إِلَى آخِره، وَوصل الطَّحَاوِيّ هَذَا التَّعْلِيق من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن بكر بن مُضر إِلَى آخِره.

وَبكر، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُضر، بِضَم الْمِيم: ابْن مُحَمَّد الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَبُكَيْر بن عبد الله بن الْأَشَج المَخْزُومِي.

قَوْله: (وَإِنَّا أخبرنَا) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (سل أم سَلمَة) بِفَتْح اللَّام، وَاسْمهَا: هِنْد بنت أبي أُميَّة المخزومية. قَوْله: (من بني حرَام) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ ابْن كَعْب بن غنم بن كَعْب بن مسلمة بن سعد بن ساردة بن تزيد، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. ابْن جشم بن الْخَزْرَج، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

٤٣٧١ - ح دّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ حدّثنا أبُو عامِرٍ عبْدُ المَلِكِ حدّثنا إبْرَاهِيمُ هُوَ ابنُ طهْمانَ عنْ أبي جَمْرَةَ عنِ ابْن عبّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَسْجِد عبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَي يَعْني قَرْيَةً مِنَ البَحْرَيْنِ. (انْظُر الحَدِيث ٨٩٢) .

ذكر هَذَا هُنَا لأجل ذكر عبد الْقَيْس فِيهِ، وَفِيه فَضِيلَة لعبد الْقَيْس أَيْضا، وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم مر عَن قريب، وجواثي، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْوَاو وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُورا: حصن قريب من الْبَصْرَة، والبحرين مَوضِع بساحل بَحر عمان.

٧١ - (بابُ وَفْدِ بَني حَنِيفَةَ وحَديثِ ثُمامَةَ بنِ أُثالٍ)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان وَفد بني حنيفَة، وحنيفة هُوَ ابْن لجيم بِالْجِيم ابْن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل، وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة مَشْهُورَة ينزلون الْيَمَامَة بَين مَكَّة واليمن، وثمامة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن أَثَال، بِضَم الْهمزَة وَتَخْفِيف الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن النُّعْمَان بن

مسلمة الْحَنَفِيّ، وَهُوَ من فضلاء الصَّحَابَة، وَكَانَت قصَّته قبل وَفد بني حنيفَة بِزَمَان، فَإِنَّهَا كَانَت قبل فتح مَكَّة، فَلَا وَجه لذكرها هَا هَهُنَا فَقيل: ذكرهَا هَا هَهُنَا اسْتِطْرَادًا وَلَيْسَ بِشَيْء.

٤٣٧٢ - ح دّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدّثنا اللَّيْثُ قَالَ حَدثنِي سَعِيدُ بنُ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ بَعَث النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَيْلاً قبَلَ نَجْدٍ فجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَني حَنيفَةَ يُقالُ لهُ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ فَرَبَطُوهُ بِسارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى المَسْجِدِ فَخَرَجَ إلَيْهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ ماذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ فَقَالَ عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وإنْ تُنْعِمْ تُنعِمْ عَلى شَاكِرٍ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ المالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حَتى كانَ الغَدُ ثُمَّ قَالَ لهُ ماذَا عنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ إنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ فَتَرَكَه حَتَّى كانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ ماذَا عِنْدَكَ يَا ثُمامَةُ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ أطْلِقُوا ثُمامَةَ فانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَقَالَ أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رسُولُ الله يَا مُحَمَّدُ وَالله مَا كانَ عَلَى الأرْض وجْهٌ أبْغَضَ إليَّ مِنْ وجْهِكَ فَقدْ أصْبَحَ وجْهُكَ أحَبَّ الوُجُوهِ إليَّ وَالله مَا كَانَ منْ دِينٍ ابْغَضَ إليَّ منْ دِينِكَ فأصْبَحَ دِينُكَ أحبَّ الدِّينَ إليَّ وَالله مَا كانَ منْ بَلَدٍ أبْغَض إليَّ مِنْ بَلَدِكَ فأصْبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البِلَادِ إلَيَّ وإنَّ خيْلَكَ أخَذَتْني وَأَنا أُرِيدُ العُمْرَةَ فَماذَا تَرَى فَبَشَّرَهُ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأمرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لهُ قائِلٌ صَبَوْتَ قَالَ لَا وَالله ولَكِنْ أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يأذَنَ فِيها النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .

مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَسَعِيد بن أبي سعيد المَقْبُري وَاسم أبي سعيد كيسَان الْمَدِينِيّ وَقد مر غير مرّة، والْحَدِيث مر مُخْتَصرا فِي: بَاب الصَّلَاة فِي: بَاب الِاغْتِسَال، إِذا أسلم وربط الْأَسير أَيْضا فِي الْمَسْجِد بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه.

قَوْله: (بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيلاً) أَي: فرسَان خيل، وَهَذَا من ألطف المجازات وأحسنها. قَوْله: (قبل نجد) ، بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: جِهَتهَا قَوْله: (فَجَاءَت بِرَجُل) ، يَعْنِي: أسروه وجاؤوا بِهِ وَزعم سيف فِي (كتاب الرِّدَّة) إِن الَّذِي أسره الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، ورد عَلَيْهِ بِأَن الْعَبَّاس: إِنَّمَا قدم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي زمَان فتح مَكَّة، وقصة ثُمَامَة قبل ذَلِك. قَوْله: (مَاذَا عنْدك؟) أَي: أَي شَيْء عنْدك؟ وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون: مَا استفهامية، و: ذَا، مَوْصُولَة، وعندك، صلته أَي: مَا الَّذِي اسْتَقر فِي ظَنك أَن أَفعلهُ بك؟ انْتهى. قلت: هَذَا يَأْتِي على أوجه. الأول: أَن تكون: مَا استفهامية، وَذَا، إِشَارَة نَحْو: مَاذَا الْوُقُوف؟ الثَّانِي: أَن تكون مَا استفهامية، و: ذَا، مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره للجملة بعده الثَّالِث: أَن تكون: مَاذَا، كُله استفهاماً على التَّرْكِيب كَقَوْلِك: لماذا جِئْت؟ الرَّابِع: أَن تكون: مَاذَا، كُله اسْم جنس بِمَعْنى: شَيْء، أَو مَوْصُولا بِمَعْنى: الَّذِي الْخَامِس: أَن تكون: مَاذَا زَائِدَة و: ذَا للْإِشَارَة. السَّادِس: أَن تكون: مَا، استفهاماً و: ذَا، زَائِدَة على خلاف فِيهِ. قَوْله: (عِنْدِي خير) ، يَعْنِي: لست أَنْت مِمَّن تظلم بل أَنْت تَعْفُو وتحسن. قَوْله: (ذَا دم) ، بِالدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الأول: إِن تقتل تقتل ذَا دم، أَي: صَاحب دم لأجل دَمه، وَمعنى الثَّانِي: ذَا ذمَّة، وَكَذَلِكَ وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، ورده عِيَاض: لِأَنَّهُ يَنْقَلِب الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَا ذمَّة يمْتَنع قَتله، فوجهه النَّوَوِيّ: بِأَن المُرَاد بِالذِّمةِ الْحُرْمَة فِي قومه. قَوْله: (حَتَّى كَانَ الْغَد) ، ويروى فَترك حَتَّى كَانَ الْغَد، وَإِنَّمَا ذكر فِي الْيَوْم الأول شَيْئَيْنِ، لِأَن أَحدهمَا: أشق الْأَمريْنِ. وَهُوَ الْقَتْل. وَالْآخر: أَشْقَى الْأَمريْنِ وَاقْتصر فِي الْيَوْم الثَّانِي على الشَّيْء الثَّانِي لأجل الاستعطاف، وَطلب الإنعام وَاقْتصر فِي الْيَوْم الثَّالِث على الْإِجْمَال تفويضاً

إِلَى جميل خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أطْلقُوا ثُمَامَة) ، وَفِي رِوَايَة قَالَ: قد عَفَوْت عَنْك يَا ثُمَامَة وأعتقك. قَوْله: (إِلَى نخل) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي كتاب الصَّلَاة: بِالْجِيم، وَهُوَ المَاء، قَالَه الْكرْمَانِي. قَوْله: (وبشره) ، أَي: بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قَوْله: (صبوت) ، أَي: ملت إِلَى دين غير دينك. قَوْله: (قَالَ: لَا) ، أَي: لَا صبوت من الدّين، لِأَن عبَادَة الْأَوْثَان لَيست بدين حَتَّى إِذا تركتهَا أكون خَارِجا من دين بل دخلت فِي دين الْإِسْلَام و (أسلمت مَعَ مُحَمَّد) بِمَعْنى: وافقته على دين الْحق فصرنا متصاحبين فِي الْإِسْلَام، وَفِي رِوَايَة ابْن هِشَام: وَلَكِن تبِعت خير الدّين دين مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (حَتَّى يَأْذَن فِيهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: إِلَى أَن يَأْذَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، قَالَ ابْن هِشَام: ثمَّ خرج إِلَى الْيَمَامَة فَمَنعهُمْ أَن يحملوا إِلَى مَكَّة شَيْئا، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. إِنَّك تَأمر بصلَة الرَّحِم، فَكتب إِلَى ثُمَامَة: أَن تخلى بَينهم وَبَين الْحمل إِلَيْهِم.

٤٣٧٣ - ح دّثنا أبُو اليَمَانِ أخبَرنا شُعَيْبٌ عنْ عبْدِ الله بنِ أبي حُسَيْنٍ حدَّثنا نافِعُ بنُ جُبَيْر عَن ابْن عبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ عَلى عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَعَلَ يقُولُ إنْ جَعَلَ لي مُحَمَّدٌ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وقَدِمِهَا فِي بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فأقْبَلَ إليْهِ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَعَهُ ثابِتُ بنُ قَيْس بنِ شَمَّاسِ وَفِي يَدِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطْعَةُ جَرِيدٍ حتَّى وقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أصحابهِ فَقال لوْ سألْتَني هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أعْطيْتُكَها ولَنْ تَعْدُوَ أمْرَ الله فِيكَ ولَئِنْ أدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَكَ الله وإنِّي لأرَاك الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأيْتُ وهَذا ثابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عنْهُ. قالَ ابنُ عَبّاسٍ فَسألْتُ عنْ قَوْلِ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّكَ ارَي الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأيْتُ فأخبْرَني أبُو هُرَيْرَة أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَيْنَا أَنا نائِمٌ رأيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فأهمَني شأنُهُما فَأُوحِيَ إليَّ فِي المَنامِ أنِ انْفُخْهُما فنَفَخْتُهُما فَطَارَا فأوَّلْتُهُما كَذَّابَيْنِ يَخْرُجانِ مِنْ بَعْدِي أحَدُهُما العَنْسِيُّ والآخَرُ مُسَيْلِمَةُ. .

مطابقته للجزء الأول للتَّرْجَمَة لِأَن مُسَيْلمَة قدم فِي وَفد نَبِي حنيفَة: وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَقد تكَرر ذكرهمَا، وَعبد الله بن أبي حُسَيْن هُوَ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن بن الْحَارِث النَّوْفَلِي، تَابِعِيّ صَغِير مَشْهُور نسب هُنَا إِلَى جده، وَنَافِع بن جُبَير بن مطعم بن مهْدي بن نوف بن عبد منَاف الْقرشِي الْمدنِي، مَاتَ فِي خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك.

والْحَدِيث مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي: بَاب عَلَامَات النُّبُوَّة وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَنَذْكُر بعض شَيْء وَإِن كَانَ فِي بعضه تكْرَار.

قَوْله: (قدم) إِلَى الْمَدِينَة (مُسَيْلمَة) تَصْغِير مسلمة ابْن ثُمَامَة بن بكير، بِالْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن حبيب بن الْحَارِث من بني حنيفَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: ادّعى النُّبُوَّة سنة عشر وَقدم مَعَ قومه وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رحالهم يحفظها لَهُم وذكروه لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخذُوا مِنْهُ جائزته، وَأَنه قَالَ لَهُم: إِنَّه لَيْسَ بشرّكم، وَأَن مُسَيْلمَة لما ادّعى أَنه أشرك النُّبُوَّة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتج بِهَذِهِ الْمقَالة. قيل: هَذَا شَاذ ضَعِيف السَّنَد لانقطاعه، فَكيف يُوَافق مَا فِي (الصَّحِيح) أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، اجْتمع بِهِ وخاطبه بِمَا ذكره فِي الحَدِيث؟ ثمَّ وفْق بَينهمَا بِأَن يكون لَهُ الْقدوم مرَّتَيْنِ: مرّة تَابعا، وَمرَّة متبوعاً، فَإِن قيل: الْقِصَّة وَاحِدَة، قيل لَهُ: كَانَت إِقَامَته فِي رحالهم بِاخْتِيَارِهِ أَنَفَة واستكباراً أَن يحضر مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعامله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُعَاملَة الْكَرم على عَادَته فِي الاستئلاف. وَمعنى قَوْله: (إِنَّه لَيْسَ بشركم) أَي: مَكَانا، لكَونه كَانَ يحفظ رحالهم، وَأَرَادَ استئلافه بِالْإِحْسَانِ بالْقَوْل وَالْفِعْل، فَلَمَّا لم يفد فِي مُسَيْلمَة توجه بِنَفسِهِ إِلَيْهِ ليقيم عَلَيْهِ الْحجَّة. قَوْله: (إِن جعل لي مُحَمَّد) ، أَي: الْخلَافَة، ويروى: (إِن جعل لي مُحَمَّد الْأَمر) ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهر. قَوْله: (وقدمها) ، أَي: الْمَدِينَة (فِي بشر كثير) وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: كَانَ مَعَه من قومه سَبْعَة شعر نفسا. قَوْله: (وَلنْ تعدو) ، بِالنّصب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وروى

بَعضهم: (لن تعدو) ، بِالْجَزْمِ على لُغَة من يجْزم: بلن، وَالْمرَاد بِأَمْر الله: حكمه بِأَنَّهُ كَذَّاب مقتول جهنمي قَوْله: (وَلَئِن أَدْبَرت) أَي: خَالَفت الْحق (ليَعْقِرنك الله) أَي: ليهلنك. قَوْله: (أريت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من رُؤْيا الْمَنَام قَوْله: (وَهَذَا ثَابت يجيبك عني) لِأَنَّهُ كَانَ خطيب الْأَنْصَار قَوْله: (فَسَأَلت عَن قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الْمَفْعُول مَحْذُوف يفسره قَوْله: (فَأَخْبرنِي أَبُو هُرَيْرَة) لِأَن هَذَا الحَدِيث، رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَوْله: (بَينا) ، قد مر غير مرّة أَن أَصله: بَين، فزيدت فِيهِ: الْألف وَالْمِيم، أَيْضا فِي بعض الْمَوَاضِع، ويضاف إِلَى الْجُمْلَة. قَوْله: (رَأَيْت) ، جَوَابه قَوْله: (من ذهب) كلمة: من، بَيَانِيَّة. قَوْله: (إِن أَنْفُخَهُمَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة قَوْله: (الْعَنسِي) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالسين الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى عنس وَهُوَ زيد بن مَالك بن أدد، وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: العنس النَّاقة الصلبة، وَأَرَادَ بالعنسي: الْأسود، ولقبه: عبهلة من قَوْلهم: عبهل الْأَمر أهمله، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: خرج بِصَنْعَاء وَعَلَيْهَا الْمُهَاجِرين أبي أُميَّة، وَكَانَ أول مَا ضل بِهِ عَدو الله أَنه مر بِهِ حمَار فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ عثر لوجهه. فَقَالَ، لَعنه الله: سجد لي وَلم يقم الْحمار حَتَّى قَالَ لَهُ عَدو الله: شأ، فَقَامَ، وَقتل بعمدان وَحمل رَأسه وسلبه إِلَى سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: شأ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهمزَة، وَهِي كلمة تسْتَعْمل عِنْد دُعَاء الْحمار، وَمِنْهُم من يَقُول: كَانَ ذَلِك فِي خلَافَة أبي بكر، وَالله أعلم. وَعَن فَيْرُوز: خرج الْأسود فِي عَامَّة حج بعد حجَّة الْوَدَاع وَكَانَ كَاهِنًا مشعبذاً يُرِيهم الْأَعَاجِيب، وَكَانَ يسبي قُلُوب من يسمع نطقه مَعَه شَيْطَان وتابع لَهُ، وَخرج على مَالك الْيمن فَقتله ونكح امْرَأَته وَملك بِلَاده وَلم يُكَاتب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُرْسل إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يكن مَعَه أحد يشاغبه وَصفا لَهُ ملك الْيمن، وَقَالَ عُرْوَة: أُصِيب الْأسود قبل وَفَاة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَوْم أَو لَيْلَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: جَاءَهُ خبر الْأسود من ليلته وجاءته الرُّسُل صَبِيحَة لَيْلَة قَبضه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا، أَتَاهُ الْخَبَر من السَّمَاء فِي لليلة الَّتِي قتل فِيهَا الْأسود فبشرنا بِهِ، وَقَالَ: قَتله البارحة رجل مبارك من أهل بَيت مباركين، قيل: وَمن هُوَ؟ قَالَ: فَيْرُوز، وَقَالَ: دخل عَلَيْهِ فَيْرُوز فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول؟ فَإِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنه لَيْسَ إلَاّ إِلَه وَاحِد؟ قَالَ الْأسود: بل هُوَ آلِهَة كَثِيرَة، فَقَالَ: ابْسُطْ يدك أُبَايِعك! فَلَمَّا بسط يَده مد فَيْرُوز يَده وَأخذ بعنقه فَقتله، وَقَالَ عبيد بن صَخْر: كَانَ بَين أول أمره وَآخره ثَلَاثَة أشهر.

٤٣٧٥ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامٍ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنا أَنا نائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الأرْضِ فَوُضِعَ فِي كَفِّي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكبُرَا عَليَّ فَأُوحِيَ إليَّ أَن انْفُخْهُما فَنَفَخْتُهُما فَذهبَا فأوَّلْتُهُما الكَذَّابِيْنَ اللَّذَيْن أَنا بَينَهُما صاحِبَ صَنْعاءَ وصاحِبَ الْيَمَامَةِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ ذكر مسلمة الْكذَّاب من حَيْثُ التضمن فِي قَوْله: (وَصَاحب الْيَمَامَة) . وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه ابْن كَامِل الْيَمَانِيّ الْأَنْبَارِي.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أضاً تَعْبِير الرُّؤْيَا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي. وَأخرجه مُسلم فِي الرُّؤْيَا عَن مُحَمَّد بن رَافع.

قَوْله: (كبر على) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على صِيغَة الْإِفْرَاد، أَي: عظم وَثقل، ويروى: (كبرا) ، بالتثنية. قَوْله: (صَاحب صنعاء) بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وبالمد: قَاعِدَة الْيمن ومدينتها الْعُظْمَى وصاحبها الْأسود الْعَنسِي، واليمامة: مَدِينَة بِالْيمن على مرحلَتَيْنِ من الطَّائِف وصاحبها مُسَيْلمَة الْكذَّاب، لَعنه الله تَعَالَى.

٤٣٧٦ - ح دّثنا الصَّلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بنَ مَيْمُونٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجاءٍ العُطارِدِيَّ يقُولُ كنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ فَإِذا وجَدْنا حَجَراً هُوَ أخْيَرُ منْهُ ألْقَيْناهُ وأخَذْنا الآخَرَ فَإِذا لَمْ نَجِدْ حَجَراً جَمَعْنا جُثْوَةً منْ تُرابٍ ثُمَّ جِئْنا بالشَّاةِ فَحَلَبْناهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنا بِهِ فإذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنا نُنَصِّلُ الأسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحاً فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْماً فِيهِ حَدِيدَةٌ إلَاّ نَزَعْناهُ وألْقَيْناهُ شَهَرَ رَجَبٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.6 / 29.5
الإضاءة 76%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله