«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٥٤

الحديث رقم ٤٥٥٤ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون إلى به عليم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٥٤ في صحيح البخاري

«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَُحَاءٍَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَُحَاءٍَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ». قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

إسناد حديث رقم ٤٥٥٤ من صحيح البخاري

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٥٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَفْعَلُ ذَلِكَ رُبَّمَا صَارَ غَالِبًا كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ، وَأَطْلَقَ أَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِمْ عَمَّا كَانُوا هَمُّوا بِهِ عِنْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْبُدَاءَةُ بِاسْمِ الْكَاتِبِ قَبْلَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ: مِنَ الْعَلَاءِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ مَيْمُونٌ: كَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْعَجَمِ إِذَا كَتَبُوا إِلَى مُلُوكِهِمْ بَدَءُوا بِاسْمِ مُلُوكِهِمْ فَتَبِعَتْهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ، وَإِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَّهَ عَلِيًّا وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَمَّا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

٥ - بَاب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - إِلَى - ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَلِغَيْرِهِ: إِلَى بِهِ عَلِيمٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَيْرُحَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَشَرْحُ الْحَدِيثَ فِي الْوَقْفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: رَابِحٌ) يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَوَافَقَا فِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْوَقْفِ عَنْهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي التَّفْسِيرِ مَوْصُولَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ أَحْمَدَ وَصَلَهَا عَنْهُ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهَلْ هِيَ: رابح بِالْمُوَحَّدَةِ أَوِ التَّحْتَانِيَّةِ مَعَ الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: رَايِحٌ) كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَكَانَ قَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُدرِكوا كمال البرِّ، أو ثواب الله، أو الجنَّة، أو لم تكونوا أبرارًا حتَّى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم، أو ما يعمُّه وغيره؛ كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيَّةٌ؛ يدلُّ عليه قراءة عبد الله: (بعض ما تحبون) ويحتمل أن يكون تفسير معنًى، لا قراءة (إِلَى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ولأبي ذر: «الآيةَ» بدل قوله: «إلى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾» وسقط لغيره لفظ «بابٌ».

٤٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ أبي يحيى: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل، زوجُ أمِّ أنس بن مالكٍ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلًا) تمييزٌ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا) بنصب «أحبَّ» خبر «كان»، ورفع «بيرُحا» اسمها، وقد اختُلِف في ضبط هذه اللَّفظة، وسبق في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] ما يكفي ويشفي، والذي لخَّصته فيها من كلامهم: كسرُ الموحَّدة وضمُّ الرَّاء اسم «كان» وبفتحها خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحَّدة وإبدالها ياءً، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ؛ كهند، ومقصورةٌ فهي اثنا عشر، وبفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزٍ

وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ، ومقصورٌ، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها (١) فتح الموحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره (وَكَانَتْ) أي: بَيْرُحا (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) صفة المجرور (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) بالرَّفع خبر (٢) «إنَّ» (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجَمة، أي: أُقدِّمها فأدَّخرها؛ لأجدها (٣) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : بخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة؛ كـ «هل» و «بل» غير مكرَّرةٍ هنا (٤) (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة، من الرَّواح، أي: من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير؛ فهو أَولى، وكرَّرها اثنتين للمبالغة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) ما قلتَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا) أي: بَيرُحا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولأبي ذر: «وفي بني عمِّه».

(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الوقف» [خ¦٢٧٦٩] (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، ممَّا وصله أحمد في روايتهما عن مالكٍ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة، أي: يربح صاحبه في الآخرة.

وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام: (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل الموحَّدة، اسم فاعلٍ من الرَّواح نقيض الغدوِّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَفْعَلُ ذَلِكَ رُبَّمَا صَارَ غَالِبًا كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ، وَأَطْلَقَ أَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِمْ عَمَّا كَانُوا هَمُّوا بِهِ عِنْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْبُدَاءَةُ بِاسْمِ الْكَاتِبِ قَبْلَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ: مِنَ الْعَلَاءِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ مَيْمُونٌ: كَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْعَجَمِ إِذَا كَتَبُوا إِلَى مُلُوكِهِمْ بَدَءُوا بِاسْمِ مُلُوكِهِمْ فَتَبِعَتْهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ، وَإِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَّهَ عَلِيًّا وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَمَّا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

٥ - بَاب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - إِلَى - ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَلِغَيْرِهِ: إِلَى بِهِ عَلِيمٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَيْرُحَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَشَرْحُ الْحَدِيثَ فِي الْوَقْفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: رَابِحٌ) يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَوَافَقَا فِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْوَقْفِ عَنْهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي التَّفْسِيرِ مَوْصُولَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ أَحْمَدَ وَصَلَهَا عَنْهُ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهَلْ هِيَ: رابح بِالْمُوَحَّدَةِ أَوِ التَّحْتَانِيَّةِ مَعَ الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: رَايِحٌ) كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَكَانَ قَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُدرِكوا كمال البرِّ، أو ثواب الله، أو الجنَّة، أو لم تكونوا أبرارًا حتَّى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم، أو ما يعمُّه وغيره؛ كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيَّةٌ؛ يدلُّ عليه قراءة عبد الله: (بعض ما تحبون) ويحتمل أن يكون تفسير معنًى، لا قراءة (إِلَى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ولأبي ذر: «الآيةَ» بدل قوله: «إلى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾» وسقط لغيره لفظ «بابٌ».

٤٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ أبي يحيى: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل، زوجُ أمِّ أنس بن مالكٍ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلًا) تمييزٌ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا) بنصب «أحبَّ» خبر «كان»، ورفع «بيرُحا» اسمها، وقد اختُلِف في ضبط هذه اللَّفظة، وسبق في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] ما يكفي ويشفي، والذي لخَّصته فيها من كلامهم: كسرُ الموحَّدة وضمُّ الرَّاء اسم «كان» وبفتحها خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحَّدة وإبدالها ياءً، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ؛ كهند، ومقصورةٌ فهي اثنا عشر، وبفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزٍ

وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ، ومقصورٌ، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها (١) فتح الموحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره (وَكَانَتْ) أي: بَيْرُحا (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) صفة المجرور (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) بالرَّفع خبر (٢) «إنَّ» (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجَمة، أي: أُقدِّمها فأدَّخرها؛ لأجدها (٣) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : بخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة؛ كـ «هل» و «بل» غير مكرَّرةٍ هنا (٤) (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة، من الرَّواح، أي: من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير؛ فهو أَولى، وكرَّرها اثنتين للمبالغة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) ما قلتَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا) أي: بَيرُحا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولأبي ذر: «وفي بني عمِّه».

(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الوقف» [خ¦٢٧٦٩] (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، ممَّا وصله أحمد في روايتهما عن مالكٍ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة، أي: يربح صاحبه في الآخرة.

وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام: (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل الموحَّدة، اسم فاعلٍ من الرَّواح نقيض الغدوِّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر