«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٥٤

الحديث رقم ٤٥٥٤ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون إلى به عليم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلا…

«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَُحَاءٍَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَُحَاءٍَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ». قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

سند حديث: ٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلا…

كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار بالمدينة مزارع، وكان له بستان في قبلة المسجد فيه ماء طيب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويشرب منه، فلما نزل قوله تعالى : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) بادر رضي الله عنه وسابق وسارع وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء -وهذا اسم ذلك البستان- وإني جعلتها بين يديك صدقة لله ورسوله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم متعجبًا: بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، أرى أن تجعلها في أقاربك. ففعل رضي الله عنه ، وقسمها في أقاربه وبني عمه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الإنفاق من أحسن أموال العبد وأحبها إلى نفسه.
  • جواز دخول أهل العلم والفضل البساتين ليستظلوا بظلها، ويأكلوا من ثمرها، ويستريحوا فيها، وخاصة إذا كان أصحابها يُسرون بذلك.
  • فضل الصحابة رضي الله عنهم، وسرعة استجابتهم لأمر الله -تعالى-، وحرصهم على بلوغ أعلى درجات الكمال.
  • تفويض أهل الفضل بتوزيع الصدقات في وجوه الخير.
  • التشجيع على فعل الخير بالثناء على الفاعل، وشكره على عمله وإظهار الرضا والسرور به.
  • أولى الناس بالإحسان إليهم ذوو الأرحام، ثم من دونهم إذا كانوا محتاجين.
  • فيه فضيلة لأبي طلحة واسمه زيد بن سهل -رضي الله عنه-.
  • ما يقدمه العبد بين يديه عند مولاه، ويدخره ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون هو المال الرابح.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَفْعَلُ ذَلِكَ رُبَّمَا صَارَ غَالِبًا كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ، وَأَطْلَقَ أَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِمْ عَمَّا كَانُوا هَمُّوا بِهِ عِنْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْبُدَاءَةُ بِاسْمِ الْكَاتِبِ قَبْلَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ: مِنَ الْعَلَاءِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ مَيْمُونٌ: كَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْعَجَمِ إِذَا كَتَبُوا إِلَى مُلُوكِهِمْ بَدَءُوا بِاسْمِ مُلُوكِهِمْ فَتَبِعَتْهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ، وَإِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَّهَ عَلِيًّا وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَمَّا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

٥ - بَاب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - إِلَى - ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَلِغَيْرِهِ: إِلَى بِهِ عَلِيمٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَيْرُحَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَشَرْحُ الْحَدِيثَ فِي الْوَقْفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: رَابِحٌ) يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَوَافَقَا فِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْوَقْفِ عَنْهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي التَّفْسِيرِ مَوْصُولَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ أَحْمَدَ وَصَلَهَا عَنْهُ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهَلْ هِيَ: رابح بِالْمُوَحَّدَةِ أَوِ التَّحْتَانِيَّةِ مَعَ الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: رَايِحٌ) كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَكَانَ قَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُدرِكوا كمال البرِّ، أو ثواب الله، أو الجنَّة، أو لم تكونوا أبرارًا حتَّى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم، أو ما يعمُّه وغيره؛ كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيَّةٌ؛ يدلُّ عليه قراءة عبد الله: (بعض ما تحبون) ويحتمل أن يكون تفسير معنًى، لا قراءة (إِلَى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ولأبي ذر: «الآيةَ» بدل قوله: «إلى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾» وسقط لغيره لفظ «بابٌ».

٤٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ أبي يحيى: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل، زوجُ أمِّ أنس بن مالكٍ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلًا) تمييزٌ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا) بنصب «أحبَّ» خبر «كان»، ورفع «بيرُحا» اسمها، وقد اختُلِف في ضبط هذه اللَّفظة، وسبق في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] ما يكفي ويشفي، والذي لخَّصته فيها من كلامهم: كسرُ الموحَّدة وضمُّ الرَّاء اسم «كان» وبفتحها خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحَّدة وإبدالها ياءً، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ؛ كهند، ومقصورةٌ فهي اثنا عشر، وبفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزٍ

وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ، ومقصورٌ، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها (١) فتح الموحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره (وَكَانَتْ) أي: بَيْرُحا (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) صفة المجرور (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) بالرَّفع خبر (٢) «إنَّ» (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجَمة، أي: أُقدِّمها فأدَّخرها؛ لأجدها (٣) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : بخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة؛ كـ «هل» و «بل» غير مكرَّرةٍ هنا (٤) (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة، من الرَّواح، أي: من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير؛ فهو أَولى، وكرَّرها اثنتين للمبالغة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) ما قلتَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا) أي: بَيرُحا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولأبي ذر: «وفي بني عمِّه».

(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الوقف» [خ¦٢٧٦٩] (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، ممَّا وصله أحمد في روايتهما عن مالكٍ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة، أي: يربح صاحبه في الآخرة.

وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام: (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل الموحَّدة، اسم فاعلٍ من الرَّواح نقيض الغدوِّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥ - (بابٌ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} إلَى {بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمرَان: ٩٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر} إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: إِلَى (بِهِ عليم) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابي ذَر لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون. الْآيَة قَوْله: (لن تنالوا الْبر) أَي: لن تبلغوا حَقِيقَة الْبر وَلنْ تَكُونُوا أبرارا (حَتَّى تنفقوا) أَي: حَتَّى تكون نفقتكم من أَمْوَالكُم الَّتِي تحبونها. فَإِن الله عليم بِكُل شَيْء تنفقونه فيجازيكم بِحَسبِهِ.

٤٥٥٤ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنهُ يَقُولُ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلاً وَكَانَ أحَبَّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بِيْرَحاءِ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْخلُها وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيها طَيْبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إنَّ الله يَقُولُ لنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَّى بَيْرَحَاءَ وَإنَّهَا صَدَقَةُ لله أرْجُو برَّها وَذُخْرَها عِنْدَ الله فَضَعْها يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أرَاكَ الله قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَخٍّ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت وَإنّي أرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفْعلُ يَا رَسُولَ الله فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بنُ عُبادَةَ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) اسْمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بيرحاء) أشهر الْوُجُوه فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة مَقْصُورا وَهُوَ بُسْتَان بِالْمَدِينَةِ فِيهِ مَاء. قَوْله: (طيب) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفة من مَاء قَوْله: (بخ) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي كلمة تقال عِنْد الْمَدْح وَالرِّضَا بالشَّيْء، والتكرار وللمبالغة. قَوْله: (رابح) بِالْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: يربح صَاحبه فِيهِ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (قَالَ عبد الله بن يُوسُف) هُوَ أحد رُوَاة الحَدِيث عَن مَالك، وروح، بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة: بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَرَادَ أَن الْمَذْكُورين رويا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مَالك بإسناديهما فوافقا فِيهِ إلَاّ فِي هَذِه اللَّفْظَة يَعْنِي: (رَايِح) أَنَّهَا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف من الرواح، أَي: من شَأْنه الذّهاب والفوات، فَإِذا ذهب فِي الْخَيْر فَهُوَ أولى.

حدَّثني يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ مالٌ رَابِحٌ

ذكره هُنَا مُخْتَصرا، وَسَاقه بِتَمَامِهِ من هَذَا الْوَجْه فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا قَالَ الرجل لوَكِيله: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاك الله.

٤٥٥٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ تُمامَةَ عنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ فَجَعَلَها لِحَسَّانَ وَأُبيّ وَأنا أقْرَبُ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلَ لِي مِنْها شَيْئا.

هَذَا لم يَقع لأبي ذَر، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْوَقْف فِي: بَاب إِذا وقف أَو أوصى لأقاربه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: حَدثنِي أبي وَهُوَ عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك عَن ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك.

قَوْله:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَفْعَلُ ذَلِكَ رُبَّمَا صَارَ غَالِبًا كَهَيْئَةِ السَّاجِدِ، وَأَطْلَقَ أَنَّهُمْ رَضُوا عَنْهُ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِمْ عَمَّا كَانُوا هَمُّوا بِهِ عِنْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْخُرُوجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْبُدَاءَةُ بِاسْمِ الْكَاتِبِ قَبْلَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ: مِنَ الْعَلَاءِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ مَيْمُونٌ: كَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْعَجَمِ إِذَا كَتَبُوا إِلَى مُلُوكِهِمْ بَدَءُوا بِاسْمِ مُلُوكِهِمْ فَتَبِعَتْهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَبَدَأَ بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ، وَإِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَّهَ عَلِيًّا وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَبَدَأَ بِرَسُولِ اللَّهِ فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَمَّا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

٥ - بَاب ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ - إِلَى - ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾

٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: مَالٌ رَايِحٌ.

٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ. وَلِغَيْرِهِ: إِلَى بِهِ عَلِيمٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَيْرُحَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الزَّكَاةِ، وَشَرْحُ الْحَدِيثَ فِي الْوَقْفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: رَابِحٌ) يَعْنِي أَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ رَوَيَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ فَوَافَقَا فِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْوَقْفِ عَنْهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي التَّفْسِيرِ مَوْصُولَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ أَيْضًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّ أَحْمَدَ وَصَلَهَا عَنْهُ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا وَقَعَ لِلرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَهَلْ هِيَ: رابح بِالْمُوَحَّدَةِ أَوِ التَّحْتَانِيَّةِ مَعَ الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: رَايِحٌ) كَذَا اخْتَصَرَهُ، وَكَانَ قَدْ سَاقَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُدرِكوا كمال البرِّ، أو ثواب الله، أو الجنَّة، أو لم تكونوا أبرارًا حتَّى يكون الإنفاق من محبوب أموالكم، أو ما يعمُّه وغيره؛ كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيَّةٌ؛ يدلُّ عليه قراءة عبد الله: (بعض ما تحبون) ويحتمل أن يكون تفسير معنًى، لا قراءة (إِلَى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]) ولأبي ذر: «الآيةَ» بدل قوله: «إلى: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾» وسقط لغيره لفظ «بابٌ».

٤٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ المدنيِّ أبي يحيى: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل، زوجُ أمِّ أنس بن مالكٍ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلًا) تمييزٌ (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَا) بنصب «أحبَّ» خبر «كان»، ورفع «بيرُحا» اسمها، وقد اختُلِف في ضبط هذه اللَّفظة، وسبق في «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] ما يكفي ويشفي، والذي لخَّصته فيها من كلامهم: كسرُ الموحَّدة وضمُّ الرَّاء اسم «كان» وبفتحها خبرها، مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحَّدة وإبدالها ياءً، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ؛ لأنَّ تأنيثه معنويٌّ؛ كهند، ومقصورةٌ فهي اثنا عشر، وبفتح الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة من غير همزٍ

وفتح الرَّاء وضمِّها خبر «كان» أو اسمها، ومدُّ «حا» مصروفًا وغير مصروفٍ، ومقصورٌ، فهي ستَّةٌ، اثنان منها مع القصر على أنَّه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، فيُعرَب كسائر المقصور، وصوَّب الصَّغانيُّ والزَّمخشريُّ والمجد الشِّيرازيُّ منها (١) فتح الموحَّدة والرَّاء على سائرها من الممدود والمقصور، بل قال الباجيُّ: إنَّها المصحَّحة على أبي ذرٍّ وغيره (وَكَانَتْ) أي: بَيْرُحا (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) صفة المجرور (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا) بالرَّفع خبر (٢) «إنَّ» (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها (وَذُخْرَهَا) بضمِّ الذَّال المعجَمة، أي: أُقدِّمها فأدَّخرها؛ لأجدها (٣) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا -يَا رَسُولَ اللهِ- حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : بخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجَمة؛ كـ «هل» و «بل» غير مكرَّرةٍ هنا (٤) (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة، من الرَّواح، أي: من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير؛ فهو أَولى، وكرَّرها اثنتين للمبالغة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) ما قلتَ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا) أي: بَيرُحا (أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصِّ على العامِّ، ولأبي ذر: «وفي بني عمِّه».

(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «الوقف» [خ¦٢٧٦٩] (وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيُّ، أبو محمَّد البصريُّ، ممَّا وصله أحمد في روايتهما عن مالكٍ: (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة، أي: يربح صاحبه في الآخرة.

وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوريُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام: (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل الموحَّدة، اسم فاعلٍ من الرَّواح نقيض الغدوِّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٥ - (بابٌ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} إلَى {بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمرَان: ٩٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر} إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: إِلَى (بِهِ عليم) هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابي ذَر لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون. الْآيَة قَوْله: (لن تنالوا الْبر) أَي: لن تبلغوا حَقِيقَة الْبر وَلنْ تَكُونُوا أبرارا (حَتَّى تنفقوا) أَي: حَتَّى تكون نفقتكم من أَمْوَالكُم الَّتِي تحبونها. فَإِن الله عليم بِكُل شَيْء تنفقونه فيجازيكم بِحَسبِهِ.

٤٥٥٤ - ح دَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثني مَالِكٌ عَنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله عَنهُ يَقُولُ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ نَخْلاً وَكَانَ أحَبَّ أمْوَالِهِ إلَيْهِ بِيْرَحاءِ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدْخلُها وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيها طَيْبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إنَّ الله يَقُولُ لنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإنَّ أحَبَّ أمْوَالِي إلَّى بَيْرَحَاءَ وَإنَّهَا صَدَقَةُ لله أرْجُو برَّها وَذُخْرَها عِنْدَ الله فَضَعْها يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أرَاكَ الله قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَخٍّ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت وَإنّي أرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأقْرَبِينَ قَالَ أبُو طَلْحَةَ أفْعلُ يَا رَسُولَ الله فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بنُ عُبادَةَ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس ابْن أُخْت مَالك بن أنس والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الزَّكَاة: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (أَبُو طَلْحَة) اسْمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بيرحاء) أشهر الْوُجُوه فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة مَقْصُورا وَهُوَ بُسْتَان بِالْمَدِينَةِ فِيهِ مَاء. قَوْله: (طيب) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ صفة من مَاء قَوْله: (بخ) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي كلمة تقال عِنْد الْمَدْح وَالرِّضَا بالشَّيْء، والتكرار وللمبالغة. قَوْله: (رابح) بِالْبَاء الْمُوَحدَة. أَي: يربح صَاحبه فِيهِ فِي الْآخِرَة. قَوْله: (قَالَ عبد الله بن يُوسُف) هُوَ أحد رُوَاة الحَدِيث عَن مَالك، وروح، بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة: بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَرَادَ أَن الْمَذْكُورين رويا الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مَالك بإسناديهما فوافقا فِيهِ إلَاّ فِي هَذِه اللَّفْظَة يَعْنِي: (رَايِح) أَنَّهَا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف من الرواح، أَي: من شَأْنه الذّهاب والفوات، فَإِذا ذهب فِي الْخَيْر فَهُوَ أولى.

حدَّثني يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ مالٌ رَابِحٌ

ذكره هُنَا مُخْتَصرا، وَسَاقه بِتَمَامِهِ من هَذَا الْوَجْه فِي كتاب الْوكَالَة فِي: بَاب إِذا قَالَ الرجل لوَكِيله: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاك الله.

٤٥٥٥ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبِي عَنْ تُمامَةَ عنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ فَجَعَلَها لِحَسَّانَ وَأُبيّ وَأنا أقْرَبُ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلَ لِي مِنْها شَيْئا.

هَذَا لم يَقع لأبي ذَر، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْوَقْف فِي: بَاب إِذا وقف أَو أوصى لأقاربه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ الْأنْصَارِيّ، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: حَدثنِي أبي وَهُوَ عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك عَن ثُمَامَة، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن عبد الله بن أنس قَاضِي الْبَصْرَة، وَهُوَ يروي عَن جده أنس بن مَالك.

قَوْله:

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله