«كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦٠

الحديث رقم ٤٥٦٠ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ليس لك من الأمر شيء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٦٠ في صحيح البخاري

«كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ، أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ، إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا، لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ».

﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً.

إسناد حديث رقم ٤٥٦٠ من صحيح البخاري

٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٦٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.

رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.

٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ - إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ -: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا - لِأَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ - حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُمْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَسَمَّاهُمْ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَنَزَلَتْ، قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ الرَّابِعُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي، فَقَدْ عَزَاهُ السُّهَيْلِيُّ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ) أَيْ: فِي صَلَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الرُّكُوعِ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّعَاءِ عَلَى قَوْمٍ أَوْ لِقَوْمٍ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الْقُنُوتَ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمِ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُنُوتِ، وَفِي مَحَلِّهِ فِي آخِرِ بَابِ الْوِتْرِ.

قَوْلُهُ: (الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ) أَيِ: ابْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَخُو خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأُسِرَ وَفَدَى نَفْسَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَحُبِسَ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَوَاعَدَ هُوَ وَسَلَمَةُ، وَعَيَّاشٌ الْمَذْكُورِينَ مَعَهُ وَهَرَبُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ بِمَخْرَجِهِمْ فَدَعَا لَهُمْ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ، وَمَاتَ الْوَلِيدُ الْمَذْكُورُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ، رُوِّينَا ذَلِكَ فِي فَوَائِدِ الزِّيَادَاتِ مِنْ حَدِيثِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْر بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيِّ بِسَنَدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ صَبِيحَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَدَعَا بِذَلِكَ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، حَتَّى إِذَا كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّهيليُّ عن رواية التِّرمذيِّ: فيهم عمرو بن العاص، فوهم في نقله (بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بإثبات الواو (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) قال في «فتوح الغيب»: وقوله -أي: بعدُ-: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تتميمٌ مناد (١)، على أنَّ جانب الرَّحمة راجحٌ (٢) على جانب العذاب، وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ تتميمٌ لأمر التعذيب، وإدماجٌ لرجحان المغفرة؛ يعني: سبب التَّعذيب كونهم ظالمين، وإلَّا فالرَّحمة مقتضيةٌ للغفران، وقال صاحب «الأنوار»: قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩] صريحٌ في نفي وجوب التَّعذيب، والتَّقييد بالتَّوبة وعدمها كالمنافي له، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لعباده، فلا تُبادِر إلى الدُّعاء عليهم.

(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور بالإسناد السَّابق (إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الحرَّانيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وهذا وصله الطَّبرانيُّ في «مُعجَمه الكبير» (٣).

٤٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ) أي: في الصَّلاة (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ

بْنَ الوَلِيدِ) أخا خالد بن الوليد، أسلم وتوفِّي في حياته ، وهمزة «أنجِ» قطعٌ (وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) هو ابن عمِّ الذي قبله، وأخو أبي جهلٍ، وكان من السَّابقين إلى الإسلام (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) ابن عمِّ الذي قبله، وهو (١) من السَّابقين أيضًا، وفي «الزِّيادات» (٢) من حديث الحافظ أبي بكر بن زيادٍ النَّيسابوري عن جابرٍ: رفع رأسه من الرَّكعة الأخيرة من صلاة الصُّبح صبيحة خمس عشرة من رمضان، فقال: «اللهمَّ أنج … » الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يومًا، حتَّى إذا كان صبيحة يوم الفطر (٣) تَرَكَ الدُّعاء (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء المهملة وهمزةٍ مفتوحةٍ، أي: بأسك (عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) -بنونٍ واحدةٍ على المشهور- حال كونه (يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ) (يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّه كان لا يداوم على ذلك: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا؛ لأَحْيَاءٍ) قبائل (مِنَ العَرَبِ) سمَّاهم في رواية يونس عن الزُّهريِّ عند مسلمٍ: «رعلًا وذكوان وعصيَّة» (حَتَّى (٤) أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الاية [آل عمران: ١٢٨]) بالنَّصب، أي: اقرأ الآيةَ، واستشكل: بأنَّ قصَّة رعلٍ وذكوان كانت بعد أحدٍ، ونزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في قصَّة أحدٍ، فكيف يتأخَّر السَّبب عن النُّزول؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ قوله: «حتَّى أنزل الله» منقطعٌ من رواية الزُّهريِّ عمَّن بلَّغه، كما بيَّن ذلك (٥) مسلمٌ في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: قال -يعني الزهري-

ثمَّ (١): بلغنا أنَّه ترك ذلك لمَّا نزلت، قال: وهذا البلاغ لا يصحُّ، وقصَّة رعلٍ وذكوان أجنبيَّةٌ عن قصَّة أُحدٍ، فيُحتَمل أنَّ قصَّتهم كانت عقب ذلك، وتأخَّرَ نزولُ الآية عن سببها قليلًا، ثمَّ نزلت في جميع ذلك، وقد ورد في سبب نزول الآية شيءٌ آخر غير منافٍ لِمَا سبق في قصَّة أحدٍ، فعند مسلمٍ من حديث أنس: أنَّ النَّبيَّ كُسِرَت رَبَاعيته يوم أحدٍ وشُجَّ وجهه حتَّى سال الدَّم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟!» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وأورده المؤلِّف في «المغازي» معلَّقًا بنحوه [خ¦٦٤/ ٢١ م-٦٠٠٢] وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر المسوق أوَّل هذا الباب [خ¦٤٥٥٩]: أنَّه دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته، فأنزل الله الآية في الأمرين جميعًا؛ فيما وقع له من كسر الرَّباعية وشجِّ الوجه، وفيما نشأ عن ذلك من الدُّعاء عليهم، وذلك كلُّه في أحدٍ، فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم؛ حيث قال: «كيف يفلح قومٌ؟» أي: لن يفلحوا أبدًا، فقال الله له (٢): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمَّة الأمور التي في السَّموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩]؟! وليس لك من الأمر إلا التَّفويض والرِّضا بما قضى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «الآية» والحديث رواه النَّسائيُّ.

(١٠) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ على الحال، ودعوة الرَّسول: «إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله (٣)» يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوِّ، وإلى الرَّجعة والكرَّة (﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدة: (وَهْوَ) أي: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ (تَأْنِيثُ: آخِرِكُمْ) بكسر الخاء المعجمة، قال في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح»:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، إِلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ.

رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.

٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ - إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ -: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ. يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا - لِأَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ - حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُمْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَسَمَّاهُمْ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَنَزَلَتْ، قَالَ: وَهَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ الرَّابِعُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي، فَقَدْ عَزَاهُ السُّهَيْلِيُّ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَكِنْ لَمْ أَرَهُ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ) أَيْ: فِي صَلَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الرُّكُوعِ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّعَاءِ عَلَى قَوْمٍ أَوْ لِقَوْمٍ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الْقُنُوتَ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمِ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْقُنُوتِ، وَفِي مَحَلِّهِ فِي آخِرِ بَابِ الْوِتْرِ.

قَوْلُهُ: (الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ) أَيِ: ابْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ أَخُو خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأُسِرَ وَفَدَى نَفْسَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَحُبِسَ بِمَكَّةَ ثُمَّ تَوَاعَدَ هُوَ وَسَلَمَةُ، وَعَيَّاشٌ الْمَذْكُورِينَ مَعَهُ وَهَرَبُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ بِمَخْرَجِهِمْ فَدَعَا لَهُمْ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ، وَمَاتَ الْوَلِيدُ الْمَذْكُورُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ، رُوِّينَا ذَلِكَ فِي فَوَائِدِ الزِّيَادَاتِ مِنْ حَدِيثِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْر بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيِّ بِسَنَدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ صَبِيحَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَدَعَا بِذَلِكَ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، حَتَّى إِذَا كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السُّهيليُّ عن رواية التِّرمذيِّ: فيهم عمرو بن العاص، فوهم في نقله (بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بإثبات الواو (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) قال في «فتوح الغيب»: وقوله -أي: بعدُ-: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تتميمٌ مناد (١)، على أنَّ جانب الرَّحمة راجحٌ (٢) على جانب العذاب، وفي قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ تتميمٌ لأمر التعذيب، وإدماجٌ لرجحان المغفرة؛ يعني: سبب التَّعذيب كونهم ظالمين، وإلَّا فالرَّحمة مقتضيةٌ للغفران، وقال صاحب «الأنوار»: قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩] صريحٌ في نفي وجوب التَّعذيب، والتَّقييد بالتَّوبة وعدمها كالمنافي له، ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لعباده، فلا تُبادِر إلى الدُّعاء عليهم.

(رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور بالإسناد السَّابق (إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ) الحرَّانيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، وهذا وصله الطَّبرانيُّ في «مُعجَمه الكبير» (٣).

٤٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ) أي: في الصَّلاة (قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ

بْنَ الوَلِيدِ) أخا خالد بن الوليد، أسلم وتوفِّي في حياته ، وهمزة «أنجِ» قطعٌ (وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) هو ابن عمِّ الذي قبله، وأخو أبي جهلٍ، وكان من السَّابقين إلى الإسلام (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) ابن عمِّ الذي قبله، وهو (١) من السَّابقين أيضًا، وفي «الزِّيادات» (٢) من حديث الحافظ أبي بكر بن زيادٍ النَّيسابوري عن جابرٍ: رفع رأسه من الرَّكعة الأخيرة من صلاة الصُّبح صبيحة خمس عشرة من رمضان، فقال: «اللهمَّ أنج … » الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يومًا، حتَّى إذا كان صبيحة يوم الفطر (٣) تَرَكَ الدُّعاء (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) بفتح الواو وسكون الطَّاء المهملة وهمزةٍ مفتوحةٍ، أي: بأسك (عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) -بنونٍ واحدةٍ على المشهور- حال كونه (يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ) (يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) فيه إشارةٌ إلى أنَّه كان لا يداوم على ذلك: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا؛ لأَحْيَاءٍ) قبائل (مِنَ العَرَبِ) سمَّاهم في رواية يونس عن الزُّهريِّ عند مسلمٍ: «رعلًا وذكوان وعصيَّة» (حَتَّى (٤) أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الاية [آل عمران: ١٢٨]) بالنَّصب، أي: اقرأ الآيةَ، واستشكل: بأنَّ قصَّة رعلٍ وذكوان كانت بعد أحدٍ، ونزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ في قصَّة أحدٍ، فكيف يتأخَّر السَّبب عن النُّزول؟ وأجاب في «الفتح»: بأنَّ قوله: «حتَّى أنزل الله» منقطعٌ من رواية الزُّهريِّ عمَّن بلَّغه، كما بيَّن ذلك (٥) مسلمٌ في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: قال -يعني الزهري-

ثمَّ (١): بلغنا أنَّه ترك ذلك لمَّا نزلت، قال: وهذا البلاغ لا يصحُّ، وقصَّة رعلٍ وذكوان أجنبيَّةٌ عن قصَّة أُحدٍ، فيُحتَمل أنَّ قصَّتهم كانت عقب ذلك، وتأخَّرَ نزولُ الآية عن سببها قليلًا، ثمَّ نزلت في جميع ذلك، وقد ورد في سبب نزول الآية شيءٌ آخر غير منافٍ لِمَا سبق في قصَّة أحدٍ، فعند مسلمٍ من حديث أنس: أنَّ النَّبيَّ كُسِرَت رَبَاعيته يوم أحدٍ وشُجَّ وجهه حتَّى سال الدَّم على وجهه، فقال: «كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم؟!» فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وأورده المؤلِّف في «المغازي» معلَّقًا بنحوه [خ¦٦٤/ ٢١ م-٦٠٠٢] وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر المسوق أوَّل هذا الباب [خ¦٤٥٥٩]: أنَّه دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته، فأنزل الله الآية في الأمرين جميعًا؛ فيما وقع له من كسر الرَّباعية وشجِّ الوجه، وفيما نشأ عن ذلك من الدُّعاء عليهم، وذلك كلُّه في أحدٍ، فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم؛ حيث قال: «كيف يفلح قومٌ؟» أي: لن يفلحوا أبدًا، فقال الله له (٢): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أي: كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمَّة الأمور التي في السَّموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٢٩]؟! وليس لك من الأمر إلا التَّفويض والرِّضا بما قضى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «الآية» والحديث رواه النَّسائيُّ.

(١٠) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع نصبٍ على الحال، ودعوة الرَّسول: «إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله (٣)» يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوِّ، وإلى الرَّجعة والكرَّة (﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدة: (وَهْوَ) أي: ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ (تَأْنِيثُ: آخِرِكُمْ) بكسر الخاء المعجمة، قال في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح»:

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل