«أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦٨

الحديث رقم ٤٥٦٨ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن…

«أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ، إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ،

⦗٤١⦘

فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾».

تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ بِهَذَا.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الْآيَةَ

سند حديث: ٤٥٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى…

٤٥٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن…

معنى هذا الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان في يوم من الأيام صائمًا، ولما حان وقت الإفطار جيء له بالطعام، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيرا ًمني تواضعاً وهضما لنفسه، أو من حيثية اختيار الفقر والصبر، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من بقية الصحابة.
ومصعب رضي الله عنه كان قبل الإسلام عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دللاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: ( ومغانم كثيرة يأخذونها ).
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا" أي: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا) أو قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها). كما جاء عن عمر رضي الله عنه، وهذا لما كان الخوف غالباً عليهم فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وخشية أن لا يلحق بمن تقدمه من الصالحين، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تواضع الصحابة -رضي الله عنهم- وكمال فضلهم حيث كان أحدهم يرى نفسه آخر الناس، وإلا فعبد الرحمن بن عوف من المشرين بالجنة، وهو أفضل من مصعب لا سيما أن غناه كان وسيلة لنفع المسلمين -رضي الله عنهم أجمعين-.
  • الحث على التقلل من الدنيا وزينتها والحذر من التوسع في الدنيا من الاشتغال بها والتقصير عن الواجبات بسببها، وعدم شكر المنعم عليها بترك أداء ما وجب فيها من حقوق.
  • استحباب تذكر سِيَر الصالحين والزهاد ليقلل الإنسان من تمسكه بالدنيا.
  • بيان فضل السابقين الأولين كمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب وغيرهما ممن قتل في سبيل الله في أول الأمر.
  • ينبغي على المرء أن يذكر أصحابه وإخوانه بجميل فعالهم وحسن مناقبهم وأن يستغفر لهم وأن يتجنب ذكر ما يسوؤهم أو يتنقصهم.
  • شدة خوف الصحابة -رضي الله عنهم-، فهذا عبد الرحمن بن عوف وهو أحد المبشرين بالجنة كان صائما، وها هو يتذكر إخوانه من السابقين، وهو يخشى على نفسه ألا يتقبل منه، وأن تكون حسناته قد عجلت له في الدنيا.
  • ينبغي على المرء أن ينظر في الطاعة إلى من فوقه، وفي أمور الدنيا بمن دونه ليبقى حريصا على الاستكثار من الطاعة شاكرا لأنعم الله وجزيل فضله.
  • فيه ما كان عليه بعض الصحابة -رضي الله عنهم- من الفقر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بتخفيف السِّين المهملة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ : أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ إِلَى الغَزْوِ؛ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ) مصدرٌ ميميٌّ، أي: بقعودهم (خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) من غزوه إلى المدينة (اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ) عن تخلُّفهم (وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ) آية: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ﴾) بما فعلوا من التَّدليس (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) وسقط من قوله: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾ … » إلى آخره في رواية غير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد: ﴿يَفْرَحُونَ﴾: «الآيَةَ».

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».

٤٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو (٢) إسحاق الرَّازيُّ الفرَّاء (٣) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، وفي «الفرع»: «قال: أخبرني» بالإفراد «ابن أبي مليكة» (أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ (٤) وَقَّاصٍ) اللَّيثيَّ، من أجلِّ التَّابعين، بل قيل: إنَّ له صحبةً (أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص،

وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قِبَل معاوية، ثمَّ وُلِّي الخلافة (قَالَ لِبَوَّابِهِ) لمَّا كان عنده أبو سعيدٍ وزيد بن ثابت ورافع بن خديجٍ، فقال (١): «يا أبا سعيدٍ أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الاية [آل عمران: ١٨٨] فقال: إنَّ هذا ليس من ذلك، إنَّما ذاك أنَّ ناسًا من المنافقين» وفيه: «فإن كان لهم نصرٌ وفتحٌ؛ حلفوا لهم على سرورهم بذلك؛ ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم» رواه ابن مردويه، فكأنَّ مروان توقَّف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار، فقال لبوَّابه: (اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ) له: (لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة، أي: أُعطِيَ (وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ) بضمِّ أوله مبنيًّا للمفعول (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا) نصب خبر «كان» (لَنُعَذَّبَنَّ) بفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (أَجْمَعُونَ) بالواو؛ لأنَّ كلَّنا يفرح بما أُوتي ويُحبُّ أن يُحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجَّاج بن محمد: «أجمعين» على الأصل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) منكرًا عليهم السُّؤال عن ذلك: (وَمَا لَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «ما لكم» بإسقاط الواو، ولأبي الوقت: «ما لهم» «بالهاء» بدل: «الكاف»، (وَلِهَذِهِ؟!) أي: وللسُّؤال عن هذه المسألة (٢) (إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ يَهُودَ) ولأبي ذرٍّ: «يهودًا» بالتَّنوين (فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ) قيل: عن صفته عندهم بإيضاحٍ (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ)، وفي «الفرع»: «فأخبروه» (بِغَيْرِهِ) أي: بصفته في الجملة (فَأَرَوْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء (أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ) بفتح الفوقيَّة مبنيًّا للفاعل، أي: طلبوا أن يحمدهم، قال في «الأساس»: استَحْمَد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ) على الإجمال (فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو، وضمِّ التَّاء الفوقيَّة، أي: أُعطُوا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيّ: «بما أَتَوا»؛ بفتح الهمزة والفوقيَّة من غير واوٍ، أي: بما جاؤوا به (مِنْ كِتْمَانِهِمْ) -بكسر الكاف- للعلم (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ … [آل عمران: ١٨٧]) أي: العلماء (كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: (يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُوْا)) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾» بلفظ القرآن، أي: جاؤوا (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) من الوفاء بالميثاق، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصِّدق.

(تَابَعَهُ) أي: تابع هشامَ بن يوسف (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) على روايته إيَّاه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك فيما (١) وصله الإسماعيليُّ.

قال (٢): (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّدٌ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرِّ: «حدَّثنا» (الحَجَّاجُ) ابن محمَّدٍ المِصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ) ابن الحكم (٣) (بِهَذَا) الحديث، ولم يورد متنه، ولفظ مسلمٍ: «أنَّ مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبَّاسٍ، فقل له … » فذكر نحو حديث هشامٍ عن ابن جريجٍ السَّابق.

(١٧) (باب قوله) تعالى: (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾) من الارتفاع (٤) والاتِّساع، وما فيها من الكواكب السَّيارات والثَّوابت وغيرها (﴿وَالأَرْضِ﴾) من الانخفاض والكثافة والاتِّضاع، وما فيها من البحار والجبال والقفار والأشجار والنَّبات والحيوان والمعادن وغيرها (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾) في الطُّول والقصر وتعاقبهما (﴿لآيَاتٍ﴾) لدلالاتٍ واضحاتٍ على وجود الصَّانع ووحدته وكمال قدرته، واقتصر على هذه الثَّلاثة في هذه الآية؛ لأنَّ مناط الاستدلال هو التَّغيُّر، وهذه معرَّضة (٥) لجملة أنواعه، فإنَّه إنَّما (٦) يكون في ذات الشَّيء كتغيُّر اللَّيل والنَّهار، أو جزئه كتغيُّر العناصر بتبدِّل صورتها، أو الخارج عنه (٧) كتغيُّر (٨) الأفلاك بتبدُّل (٩) أوضاعها، قاله (١٠) في «الأنوار»، وقال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَكسر الرَّاء وبالقاف يَعْنِي غص لِأَنَّهُ حسد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَكَانَ سَبَب نفَاقه يُقَال غص الرجل بِالطَّعَامِ وشرق بِالْمَاءِ وشجي بالعظم إِذا اعْترض شَيْء فِي الْحلق فَمنع الإساغة قَوْله " بذلك " أَي بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " فَذَلِك فعل بِهِ مَا رَأَيْت " أَي الَّذِي أَتَى الله بِهِ من الْحق فعل بِهِ مَا رَأَيْت مِنْهُ من قَوْله وَفعله القبيحين وَمَا رَأَيْت فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول فعل وَمَا مَوْصُولَة وصلتها محذوفة وَالتَّقْدِير الَّذِي رَأَيْته قَوْله " فَعَفَا عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَكَانَ الْعَفو مِنْهُ قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الْقِتَال كَمَا يذكرهُ فِي الحَدِيث قَوْله قَالَ الله تَعَالَى {ولتسمعن} الْآيَة ولتسمعن خطاب للْمُؤْمِنين خوطبوا بذلك ليوطنوا أنفسهم على احْتِمَال مَا سيلقون من الْأَذَى والشدائد وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن كثير يَقُول الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين عِنْد مقدمهم الْمَدِينَة قبل وقْعَة بدر مسليا لَهُم عَمَّا ينالهم من الْأَذَى من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين وَأمرهمْ بِالصبرِ والصفح حَتَّى يفرج الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله {فَإِن ذَلِك} أَي فَإِن الصَّبْر وَالتَّقوى قَوْله {من عزم الْأُمُور} أَي مِمَّا عزم الله أَن يكون ذَلِك عَزمَة من عَزمَات الله لَا بُد لكم أَن تصبروا وتتقوا قَوْله " حَتَّى أذن الله فيهم " أَي فِي قِتَالهمْ وَترك الْعَفو عَنْهُم وَلَيْسَ المُرَاد أَنه ترك الْعَفو أصلا بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى ترك الْقِتَال وَلَا ووقوعه أخيرا وَإِلَّا فعفوه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن كثير من الْمُشْركين وَالْيَهُود بالمن وَالْفِدَاء وصفحه عَن الْمُنَافِقين مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث وَالسير قَوْله " صَنَادِيد " جمع صنديد وَهُوَ السَّيِّد الْكَبِير فِي الْقَوْم قَوْله " وَعَبدَة الْأَوْثَان " من عطف الْخَاص على الْعَام وَفَائِدَته الإيذان بِأَن إِيمَانهم كَانَ أبعد وضلالهم أَشد قَوْله " قد توجه " أَي ظهر وَجهه قَوْله " فَبَايعُوا " بِصُورَة الْجُمْلَة الْمَاضِيَة وَيحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْأَمر -

١٦ - (بابٌ: {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (آل عمرَان: ١٨٨)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله: {لَا يَحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا} وَلَفظ بَاب مَا ذكره إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (لَا يَحسبن) بِالْيَاءِ وبالباء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة. وَقَوله: (الَّذين يفرحون) فَاعله، وقرىء بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق خطاب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وقرىء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على أَنه خطاب للْمُؤْمِنين. قَوْله: (بِمَا أَتَوا) أَي: بِمَا فعلوا وَلَفظ: أُتِي وَجَاء، يجيئان بِمَعْنى: فعل. قَالَ الله عز وَجل: {أَنه كَانَ وعده مأتيا} (مَرْيَم: ٦١) {لقد جِئْت شَيْئا فريا} (مَرْيَم: ٢٧) .

٤٥٦٧ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ أسْلَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنهُ أنَّ رِجالاً مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إذَا خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خلافَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإذَا قَدِمَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أنْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ {لَا تَحْسَبن الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} الآيَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي: أَيْضا فِي بَيَان سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَعَطَاء ابْن يسَار ضد الْيَمين.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن سهل، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم.

قَوْله: (بِمَقْعَدِهِمْ) ، أَي: بقعودهم، وَهُوَ مصدر ميمي. قَوْله: (فَنزلت) ، يَعْنِي هَذِه الْآيَة. وَهِي: {أَلا تحسبن الَّذين يفرحون} الْآيَة. هَكَذَا ذكر أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة هُوَ مَا ذكره، وَذكر أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِنَّمَا نزلت فِي أهل الْكتاب على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: نزلت فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. وَذكر الْفراء أَنَّهَا نزلت فِي قَول الْيَهُود: نَحن أهل الْكتاب الأول وَالصَّلَاة وَالطَّاعَة، وَمَعَ ذَلِك لَا يقرونَ بِمُحَمد، فَنزلت: {وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا} وَعُمُوم اللَّفْظ يتَنَاوَل كل من أَتَى بحسنة ففرح بهَا فَرح إعجاب واحب أَن يحمده النَّاس ويثنوا عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.

٤٥٦٨ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرنا هِشامٌ أنَّ ابنُ جُرَيْجٍ أخبَرهُمْ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كلُّ امْرِىءٍ فَرِحَ بِمَا أُوْتِيَ وَأَحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذّبا لَنُعَذِّبَنَّ أجْمَعُونَ فَقَالَ ابنُ

عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهاذِهِ إنِما دَعا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إياهُ وَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوُهُ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيما سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ {وَإذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} (آل عمرَان: ١٨٧) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: {يفرحون بِمَا أُوْتُوا وَيُحِبُّونَ أنْ يَحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} (آل عمرَان: ١٨٨) .

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أبي إِسْحَاق الْفراء الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ من كبار التَّابِعين، وَقيل: لَهُ صُحْبَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج بِهِ.

قَوْله: (أَن مَرْوَان) هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ، ولي الْخلَافَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة من جِهَة مُعَاوِيَة. قَوْله: (يَا رَافع) هُوَ بواب مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ مَجْهُول فَلذَلِك توقف جمَاعَة عَن القَوْل بِصِحَّة الحَدِيث حَتَّى إِن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: يرحم الله البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) مَعَ الِاخْتِلَاف على ابْن جريج ومرجع الحَدِيث إِلَى بواب مَرْوَان عَن ابْن عَبَّاس ومروان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة وَلم يذكر حَدِيث عُرْوَة عَن مَرْوَان وَحرب عَن يسرة فِي مس الذّكر وَذكر هَذَا وَلَا فرق بَينهمَا إلَاّ أَن البواب مسمّى ثمَّ لَا يعرف إلَاّ هَكَذَا والحرسي غير مُسَمّى وَالله يغْفر لنا وَله. قلت: إِنْكَار الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فِي هَذَا من وُجُوه: الأول: الِاخْتِلَاف على ابْن جريج فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث حجاج عَن ابْن أبي مليكَة عَن حميد، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة الحَدِيث بِعَيْنِه. وَقد اخْتلفَا (وَالثَّانِي) : أَن بواب مَرْوَان الَّذِي اسْمه رَافع مَجْهُول الْحَال وَلم يذكر إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث (فَإِن قلت) : إِن مَرْوَان لَو لم يعْتَمد عَلَيْهِ لم يقنع برسالته. قلت: قد سَمِعت أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: مَرْوَان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، وَقد انْفَرد بروايته البُخَارِيّ دون مُسلم. (وَالثَّالِث) : أَن البُخَارِيّ لم يُورد فِي (صَحِيحه) حَدِيث يسرة بنت صَفْوَان الصحابية فِي مس الذّكر وَلَا فرق بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب لما ذكرنَا. وَقد ساعد بَعضهم البُخَارِيّ فِيهِ بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون عَلْقَمَة بن وَقاص كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس لما أجَاب. (قلت) : لَو كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس عِنْد جَوَابه لَكَانَ أخبر ابْن أبي مليكَة أَنه سمع ابْن عَبَّاس أَنه أجَاب لرافع بواب مَرْوَان بِالَّذِي سَمعه، ومقام عَلْقَمَة أجل من أَن يخبر عَن رجل مَجْهُول الْحَال بِخَبَر قد سَمعه عَن ابْن عَبَّاس وَترك ابْن عَبَّاس وَأخْبرهُ عَن غَيره بذلك. قَوْله: (فَقل) أَمر لرافع الْمَذْكُور. قَوْله: (بِمَا أُوتِيَ) يروي: (فَقل لَئِن كَانَ كل امرىء منا فَرح بدنيا وَأحب أَن يحمد) بِضَم الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (معذبا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (لَنُعَذَّبَنَّ) جَوَاب قَوْله: (لَئِن) وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد (أَجْمَعِينَ) على الأَصْل. قَوْله: (وَمَا لكم ولهذه) إِنْكَار من ابْن عَبَّاس على السُّؤَال بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة على الْوَجْه الْمَذْكُور وَأَن أصل هَذَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا يهود إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد انما نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل الْكتاب. قَوْله: (فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الشَّيْء هُوَ نعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَكَتَمُوهُ إِيَّاه) ، أَي: كُنْتُم يهود الشَّيْء الَّذِي سَأَلَهُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ وَأَخْبرُوهُ بِغَيْر ذَلِك. قَوْله: (فأروه) أَي: فأرو النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَنَّهُم قد استحمدوا إِلَيْهِ، وَاسْتحْمدُوا على صِيغَة الْمَجْهُول من استحمد فلَان عِنْد فلَان أَي: صَار مَحْمُودًا عِنْده، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (بِمَا أُوتُوا) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: بِضَم الْهمزَة بعْدهَا وَاو أَي: أعْطوا من الْعلم الَّذِي كتموه، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بِمَا أُوتُوا) بِدُونِ الْوَاو بعد الْهمزَة أَي: بِمَا جاؤوا قَوْله: (أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه) يَعْنِي: اذكر وَقت أَخذ الله مِيثَاق الْكتاب. قَوْله: (كَذَلِك) إِشَارَة إِلَى أَن الَّذين أخبر الله عَنْهُم فِي الْآيَة المسؤول عَنْهَا وهم المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا} كَمَا فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا أَي: قبل هَذِه الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب) الْآيَة.

تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بتخفيف السِّين المهملة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ : أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ إِلَى الغَزْوِ؛ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ) مصدرٌ ميميٌّ، أي: بقعودهم (خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) من غزوه إلى المدينة (اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ) عن تخلُّفهم (وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ) آية: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ﴾) بما فعلوا من التَّدليس (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) وسقط من قوله: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾ … » إلى آخره في رواية غير أبي ذرٍّ، وقالوا بعد: ﴿يَفْرَحُونَ﴾: «الآيَةَ».

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّوبة».

٤٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو (٢) إسحاق الرَّازيُّ الفرَّاء (٣) قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصنعانيُّ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، وفي «الفرع»: «قال: أخبرني» بالإفراد «ابن أبي مليكة» (أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ (٤) وَقَّاصٍ) اللَّيثيَّ، من أجلِّ التَّابعين، بل قيل: إنَّ له صحبةً (أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص،

وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قِبَل معاوية، ثمَّ وُلِّي الخلافة (قَالَ لِبَوَّابِهِ) لمَّا كان عنده أبو سعيدٍ وزيد بن ثابت ورافع بن خديجٍ، فقال (١): «يا أبا سعيدٍ أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الاية [آل عمران: ١٨٨] فقال: إنَّ هذا ليس من ذلك، إنَّما ذاك أنَّ ناسًا من المنافقين» وفيه: «فإن كان لهم نصرٌ وفتحٌ؛ حلفوا لهم على سرورهم بذلك؛ ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم» رواه ابن مردويه، فكأنَّ مروان توقَّف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار، فقال لبوَّابه: (اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ) له: (لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة، أي: أُعطِيَ (وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ) بضمِّ أوله مبنيًّا للمفعول (بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا) نصب خبر «كان» (لَنُعَذَّبَنَّ) بفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (أَجْمَعُونَ) بالواو؛ لأنَّ كلَّنا يفرح بما أُوتي ويُحبُّ أن يُحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجَّاج بن محمد: «أجمعين» على الأصل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) منكرًا عليهم السُّؤال عن ذلك: (وَمَا لَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «ما لكم» بإسقاط الواو، ولأبي الوقت: «ما لهم» «بالهاء» بدل: «الكاف»، (وَلِهَذِهِ؟!) أي: وللسُّؤال عن هذه المسألة (٢) (إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ يَهُودَ) ولأبي ذرٍّ: «يهودًا» بالتَّنوين (فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ) قيل: عن صفته عندهم بإيضاحٍ (فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ)، وفي «الفرع»: «فأخبروه» (بِغَيْرِهِ) أي: بصفته في الجملة (فَأَرَوْهُ) بفتح الهمزة والرَّاء (أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ) بفتح الفوقيَّة مبنيًّا للفاعل، أي: طلبوا أن يحمدهم، قال في «الأساس»: استَحْمَد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ) على الإجمال (فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) بضمِّ الهمزة وسكون الواو، وضمِّ التَّاء الفوقيَّة، أي: أُعطُوا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيّ: «بما أَتَوا»؛ بفتح الهمزة والفوقيَّة من غير واوٍ، أي: بما جاؤوا به (مِنْ كِتْمَانِهِمْ) -بكسر الكاف- للعلم (ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ … [آل عمران: ١٨٧]) أي: العلماء (كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: (يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُوْا)) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿بِمَا أَتَواْ﴾» بلفظ القرآن، أي: جاؤوا (﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]) من الوفاء بالميثاق، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصِّدق.

(تَابَعَهُ) أي: تابع هشامَ بن يوسف (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) على روايته إيَّاه (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك فيما (١) وصله الإسماعيليُّ.

قال (٢): (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّدٌ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرِّ: «حدَّثنا» (الحَجَّاجُ) ابن محمَّدٍ المِصِّيصيُّ الأعور (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ) ابن الحكم (٣) (بِهَذَا) الحديث، ولم يورد متنه، ولفظ مسلمٍ: «أنَّ مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عبَّاسٍ، فقل له … » فذكر نحو حديث هشامٍ عن ابن جريجٍ السَّابق.

(١٧) (باب قوله) تعالى: (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾) من الارتفاع (٤) والاتِّساع، وما فيها من الكواكب السَّيارات والثَّوابت وغيرها (﴿وَالأَرْضِ﴾) من الانخفاض والكثافة والاتِّضاع، وما فيها من البحار والجبال والقفار والأشجار والنَّبات والحيوان والمعادن وغيرها (﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾) في الطُّول والقصر وتعاقبهما (﴿لآيَاتٍ﴾) لدلالاتٍ واضحاتٍ على وجود الصَّانع ووحدته وكمال قدرته، واقتصر على هذه الثَّلاثة في هذه الآية؛ لأنَّ مناط الاستدلال هو التَّغيُّر، وهذه معرَّضة (٥) لجملة أنواعه، فإنَّه إنَّما (٦) يكون في ذات الشَّيء كتغيُّر اللَّيل والنَّهار، أو جزئه كتغيُّر العناصر بتبدِّل صورتها، أو الخارج عنه (٧) كتغيُّر (٨) الأفلاك بتبدُّل (٩) أوضاعها، قاله (١٠) في «الأنوار»، وقال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَكسر الرَّاء وبالقاف يَعْنِي غص لِأَنَّهُ حسد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَكَانَ سَبَب نفَاقه يُقَال غص الرجل بِالطَّعَامِ وشرق بِالْمَاءِ وشجي بالعظم إِذا اعْترض شَيْء فِي الْحلق فَمنع الإساغة قَوْله " بذلك " أَي بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " فَذَلِك فعل بِهِ مَا رَأَيْت " أَي الَّذِي أَتَى الله بِهِ من الْحق فعل بِهِ مَا رَأَيْت مِنْهُ من قَوْله وَفعله القبيحين وَمَا رَأَيْت فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول فعل وَمَا مَوْصُولَة وصلتها محذوفة وَالتَّقْدِير الَّذِي رَأَيْته قَوْله " فَعَفَا عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَكَانَ الْعَفو مِنْهُ قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الْقِتَال كَمَا يذكرهُ فِي الحَدِيث قَوْله قَالَ الله تَعَالَى {ولتسمعن} الْآيَة ولتسمعن خطاب للْمُؤْمِنين خوطبوا بذلك ليوطنوا أنفسهم على احْتِمَال مَا سيلقون من الْأَذَى والشدائد وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن كثير يَقُول الله تَعَالَى للْمُؤْمِنين عِنْد مقدمهم الْمَدِينَة قبل وقْعَة بدر مسليا لَهُم عَمَّا ينالهم من الْأَذَى من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين وَأمرهمْ بِالصبرِ والصفح حَتَّى يفرج الله تَعَالَى عَنْهُم قَوْله {فَإِن ذَلِك} أَي فَإِن الصَّبْر وَالتَّقوى قَوْله {من عزم الْأُمُور} أَي مِمَّا عزم الله أَن يكون ذَلِك عَزمَة من عَزمَات الله لَا بُد لكم أَن تصبروا وتتقوا قَوْله " حَتَّى أذن الله فيهم " أَي فِي قِتَالهمْ وَترك الْعَفو عَنْهُم وَلَيْسَ المُرَاد أَنه ترك الْعَفو أصلا بل بِالنِّسْبَةِ إِلَى ترك الْقِتَال وَلَا ووقوعه أخيرا وَإِلَّا فعفوه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن كثير من الْمُشْركين وَالْيَهُود بالمن وَالْفِدَاء وصفحه عَن الْمُنَافِقين مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث وَالسير قَوْله " صَنَادِيد " جمع صنديد وَهُوَ السَّيِّد الْكَبِير فِي الْقَوْم قَوْله " وَعَبدَة الْأَوْثَان " من عطف الْخَاص على الْعَام وَفَائِدَته الإيذان بِأَن إِيمَانهم كَانَ أبعد وضلالهم أَشد قَوْله " قد توجه " أَي ظهر وَجهه قَوْله " فَبَايعُوا " بِصُورَة الْجُمْلَة الْمَاضِيَة وَيحْتَمل أَن يكون بِصِيغَة الْأَمر -

١٦ - (بابٌ: {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (آل عمرَان: ١٨٨)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله: {لَا يَحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أَتَوا} وَلَفظ بَاب مَا ذكره إلاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر. قَوْله: (لَا يَحسبن) بِالْيَاءِ وبالباء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة. وَقَوله: (الَّذين يفرحون) فَاعله، وقرىء بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق خطاب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وقرىء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة على أَنه خطاب للْمُؤْمِنين. قَوْله: (بِمَا أَتَوا) أَي: بِمَا فعلوا وَلَفظ: أُتِي وَجَاء، يجيئان بِمَعْنى: فعل. قَالَ الله عز وَجل: {أَنه كَانَ وعده مأتيا} (مَرْيَم: ٦١) {لقد جِئْت شَيْئا فريا} (مَرْيَم: ٢٧) .

٤٥٦٧ - ح دَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن جَعْفَرٍ قَالَ حدَّثني زَيْدُ بنُ أسْلَ عنْ عَطَاءِ ابنِ يَسَارٍ عَنْ أبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنهُ أنَّ رِجالاً مِنَ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إذَا خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خلافَ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإذَا قَدِمَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أنْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ {لَا تَحْسَبن الَّذِينَ يَفْرَحُونَ} الآيَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي: أَيْضا فِي بَيَان سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَعَطَاء ابْن يسَار ضد الْيَمين.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن الْحسن بن عَليّ الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن سهل، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم.

قَوْله: (بِمَقْعَدِهِمْ) ، أَي: بقعودهم، وَهُوَ مصدر ميمي. قَوْله: (فَنزلت) ، يَعْنِي هَذِه الْآيَة. وَهِي: {أَلا تحسبن الَّذين يفرحون} الْآيَة. هَكَذَا ذكر أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة هُوَ مَا ذكره، وَذكر أَحْمد عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إِنَّمَا نزلت فِي أهل الْكتاب على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: نزلت فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا. وَذكر الْفراء أَنَّهَا نزلت فِي قَول الْيَهُود: نَحن أهل الْكتاب الأول وَالصَّلَاة وَالطَّاعَة، وَمَعَ ذَلِك لَا يقرونَ بِمُحَمد، فَنزلت: {وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا} وَعُمُوم اللَّفْظ يتَنَاوَل كل من أَتَى بحسنة ففرح بهَا فَرح إعجاب واحب أَن يحمده النَّاس ويثنوا عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.

٤٥٦٨ - حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أخْبَرنا هِشامٌ أنَّ ابنُ جُرَيْجٍ أخبَرهُمْ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عَلْقَمَةَ بنَ وَقَّاصٍ أخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كلُّ امْرِىءٍ فَرِحَ بِمَا أُوْتِيَ وَأَحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذّبا لَنُعَذِّبَنَّ أجْمَعُونَ فَقَالَ ابنُ

عَبَّاسٍ وَمَا لَكُمْ وَلِهاذِهِ إنِما دَعا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إياهُ وَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوُهُ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِمَا أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيما سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ {وَإذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ} (آل عمرَان: ١٨٧) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: {يفرحون بِمَا أُوْتُوا وَيُحِبُّونَ أنْ يَحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} (آل عمرَان: ١٨٨) .

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول الْآيَة الْمَذْكُورَة أخرجه عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أبي إِسْحَاق الْفراء الرَّازِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عبد الله بن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ من كبار التَّابِعين، وَقيل: لَهُ صُحْبَة.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث حجاج عَن ابْن جريج بِهِ.

قَوْله: (أَن مَرْوَان) هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ، ولي الْخلَافَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ أَمِير الْمَدِينَة من جِهَة مُعَاوِيَة. قَوْله: (يَا رَافع) هُوَ بواب مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ مَجْهُول فَلذَلِك توقف جمَاعَة عَن القَوْل بِصِحَّة الحَدِيث حَتَّى إِن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: يرحم الله البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) مَعَ الِاخْتِلَاف على ابْن جريج ومرجع الحَدِيث إِلَى بواب مَرْوَان عَن ابْن عَبَّاس ومروان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة وَلم يذكر حَدِيث عُرْوَة عَن مَرْوَان وَحرب عَن يسرة فِي مس الذّكر وَذكر هَذَا وَلَا فرق بَينهمَا إلَاّ أَن البواب مسمّى ثمَّ لَا يعرف إلَاّ هَكَذَا والحرسي غير مُسَمّى وَالله يغْفر لنا وَله. قلت: إِنْكَار الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فِي هَذَا من وُجُوه: الأول: الِاخْتِلَاف على ابْن جريج فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث حجاج عَن ابْن أبي مليكَة عَن حميد، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث هِشَام عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَلْقَمَة الحَدِيث بِعَيْنِه. وَقد اخْتلفَا (وَالثَّانِي) : أَن بواب مَرْوَان الَّذِي اسْمه رَافع مَجْهُول الْحَال وَلم يذكر إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث (فَإِن قلت) : إِن مَرْوَان لَو لم يعْتَمد عَلَيْهِ لم يقنع برسالته. قلت: قد سَمِعت أَن الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: مَرْوَان وبوابه بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، وَقد انْفَرد بروايته البُخَارِيّ دون مُسلم. (وَالثَّالِث) : أَن البُخَارِيّ لم يُورد فِي (صَحِيحه) حَدِيث يسرة بنت صَفْوَان الصحابية فِي مس الذّكر وَلَا فرق بَينه وَبَين حَدِيث الْبَاب لما ذكرنَا. وَقد ساعد بَعضهم البُخَارِيّ فِيهِ بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون عَلْقَمَة بن وَقاص كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس لما أجَاب. (قلت) : لَو كَانَ حَاضرا عِنْد ابْن عَبَّاس عِنْد جَوَابه لَكَانَ أخبر ابْن أبي مليكَة أَنه سمع ابْن عَبَّاس أَنه أجَاب لرافع بواب مَرْوَان بِالَّذِي سَمعه، ومقام عَلْقَمَة أجل من أَن يخبر عَن رجل مَجْهُول الْحَال بِخَبَر قد سَمعه عَن ابْن عَبَّاس وَترك ابْن عَبَّاس وَأخْبرهُ عَن غَيره بذلك. قَوْله: (فَقل) أَمر لرافع الْمَذْكُور. قَوْله: (بِمَا أُوتِيَ) يروي: (فَقل لَئِن كَانَ كل امرىء منا فَرح بدنيا وَأحب أَن يحمد) بِضَم الْبَاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (معذبا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ. قَوْله: (لَنُعَذَّبَنَّ) جَوَاب قَوْله: (لَئِن) وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَجْمَعُونَ) وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد (أَجْمَعِينَ) على الأَصْل. قَوْله: (وَمَا لكم ولهذه) إِنْكَار من ابْن عَبَّاس على السُّؤَال بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة على الْوَجْه الْمَذْكُور وَأَن أصل هَذَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا يهود إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة حجاج بن مُحَمَّد انما نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل الْكتاب. قَوْله: (فَسَأَلَهُمْ عَن شَيْء) ، قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هَذَا الشَّيْء هُوَ نعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَكَتَمُوهُ إِيَّاه) ، أَي: كُنْتُم يهود الشَّيْء الَّذِي سَأَلَهُمْ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ وَأَخْبرُوهُ بِغَيْر ذَلِك. قَوْله: (فأروه) أَي: فأرو النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَنَّهُم قد استحمدوا إِلَيْهِ، وَاسْتحْمدُوا على صِيغَة الْمَجْهُول من استحمد فلَان عِنْد فلَان أَي: صَار مَحْمُودًا عِنْده، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (بِمَا أُوتُوا) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: بِضَم الْهمزَة بعْدهَا وَاو أَي: أعْطوا من الْعلم الَّذِي كتموه، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين (بِمَا أُوتُوا) بِدُونِ الْوَاو بعد الْهمزَة أَي: بِمَا جاؤوا قَوْله: (أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه) يَعْنِي: اذكر وَقت أَخذ الله مِيثَاق الْكتاب. قَوْله: (كَذَلِك) إِشَارَة إِلَى أَن الَّذين أخبر الله عَنْهُم فِي الْآيَة المسؤول عَنْهَا وهم المذكورون فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا} كَمَا فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا أَي: قبل هَذِه الْآيَة وَهِي قَوْله تَعَالَى: (وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب) الْآيَة.

تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.7 / 29.5
الإضاءة 65%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده