«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٥٣

الحديث رقم ٤٦٥٣ من كتاب «سورة الأنفال» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٥٣ في صحيح البخاري

«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ».

سُورَةُ بَرَاءَةَ

﴿وَلِيجَةً﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ، ﴿الشُّقَّةُ﴾ السَّفَرُ، الْخَبَالُ: الْفَسَادُ، وَالْخَبَالُ: الْمَوْتُ، ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ لَا تُوَبِّخْنِي، ﴿كَرْهًا﴾ وَ كُرْهًا وَاحِدٌ، ﴿مُدَّخَلا﴾ يُدْخَلُونَ فِيهِ، ﴿يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ ائْتَفَكَت انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ،

⦗٦٤⦘

﴿أَهْوَى﴾ أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ، ﴿عَدْنٍ﴾ خُلْدٍ، عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتُ، وَمِنْهُ مَعْدِنٌ، وَيُقَالُ: فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ: فِي مَنْبَتِ صِدْقٍ، ﴿الخَوَالِفُ﴾ الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ؛ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ، ﴿الْخَيْرَاتُ﴾ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ، وَهْيَ الْفَوَاضِلُ، ﴿مُرْجَؤُنَ﴾: مُؤَخَّرُونَ، الشَّفَا: شَفِيرٌ، وَهْوَ حَدُّهُ، وَالْجُرُفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ، ﴿هَارٍ﴾ هَائِرٍ، ﴿لأَوَّاهٌ﴾ شَفَقًا وَفَرَقًا، وَقَالَ:

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ … تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُذُنٌ﴾ يُصَدِّقُ ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ، وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ، ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يُضَاهُونَ: يُشَبِّهُونَ.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٦٥٣

٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٥٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنَ الْعَشَرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ بِاللَّفْظَيْنِ وَيَكُونَ التَّأْوِيلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الطَّرِيقُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ عَشَرَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ خُفِّفَ عَنْهُمْ فَجُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ رَجُلَانِ وَرَوَى أَيْضًا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ سُفْيَانُ) كَأَنَّهُ حَدَّثَ مَرَّةً بِالزِّيَادَةِ وَمَرَّةً بِدُونِهَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنِ اثْنَيْنِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِاللَّفْظَيْنِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ قَاضِي الْكُوفَةِ وَهُوَ مَوْصُولٌ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ سُفْيَانُ فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ شُبْرُمَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا) أَيْ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْجِهَادِ، لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَإِخْمَادِ كَلِمَةِ الْبَاطِلِ.

٧ - بَاب: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الخِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الْآيَةَ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ. وَلِجَرِيرِ بْنِ حَازِمِ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ شَيْخٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ لِجَرِيرٍ فِيهِ طَرِيقِينَ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ عَطَاءٍ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ عَشَرَةً، فَشَقَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ الرَّجُلَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَةَ وَزَادَ بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فَذَكَرَ تَفْسِيرَهَا ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى﴾، فَذَكَرَ قَوْلَ الْعَبَّاسِ فِي الْعِشْرِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَعْطَانِي عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ قَدْ تَاجَرَ بِمَالِي مَعَ مَا أَرْجُوهُ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَفِي سَنَدِ طَرِيقِ عَطَاءٍ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عِنْدَهُ مُسْنَدَةٌ بَلْ مُعْضَلَةٌ، وَصَنِيعُ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ - يَقْتَضِي أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ:

(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ جَهِدَ النَّاسَ ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ التَّخْفِيفُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُخْرَى - وَزَادَ - فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ وَلَا قَوْمٌ مِنْ مِثْلِهِمْ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ الْمُسْلِمِ إِذَا قَاوَمَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَتَحْرِيمِ الْفِرَارِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ طَلَبُهُ أَوْ طَلَبُهُمَا، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ مَعَ الْعَسْكَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَسْكَرٌ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِوُجُودِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ رِوَايَةَ الرَّبِيعِ وَلَفْظُهُ وَمِنْ نُسْخَةٍ عَلَيْهَا خَطُّ الرَّبِيعِ نُقِلَتْ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لِلْآيَةِ آيَاتٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُمْ أَنْ يَقُومَ الْوَاحِدُ بِقِتَالِ الْعَشَرَةِ وَأَثْبَتَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومَ الْوَاحِدُ بِقِتَالِ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمُنْفَرِدَ لَوْ طَلَبَاهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ جَازَ لَهُ التَّوَلِّي عَنْهُمَا جَزْمًا، وَإِنْ طَلَبَهُمَا فَهَلْ يَحْرُمُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا، لَكِنْ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآثَارِ الْمُتَضَافِرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْبَاهُ وَهُوَ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ وَأَعْرَفُ النَّاسُ بِالْمُرَادِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَطْلَقَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَةِ مَا إِذَا قَاوَمَ الْوَاحِدُ الْمُسْلِمُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّفِّ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ، أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَحْدَهُ بِغَيْرِ

الْعَسْكَرِ فَلَا، لِأَنَّ الْجِهَادَ إِنَّمَا عُهِدَ بِالْجَمَاعَةِ دُونَ الشَّخْصِ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَرْسَلَ النَّبِيُّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ سَرِيَّةً وَحْدَهُ. وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي غَالِبِهَا التَّصْرِيحُ بِمَنْعِ تَوَلِّي الْوَاحِدِ عَنْ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعُدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَقَصَ مِنَ النَّصْرِ وَهَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ تَوْقِيفًا عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاءِ.

٩ - سُورَةُ بَرَاءَةٍ

مَرْصَدٌ: طَرِيقٌ، إِلَّا: الْإِلُّ الْقِرْابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ، وَلِيجَةَ: كُلِّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ، الشَّقَّةُ: السَّفَرُ، الْخَبَالُ: الْفَسَادُ، وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ، وَلَا تَفْتِنِّي: لَا تُوَبِّخُنِي، كَرَهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ، مُدْخَلًا: يَدْخُلُونَ فِيهِ، يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ: ائُتُفِكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ، أَهْوَى: أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ، عَدْنٍ: خُلْدٍ، عَدَنْتَ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتَ، وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ فِي مَنْبِتٍ صِدْقٍ، الْخَوَالِفُ: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَّفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغابرين وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمَعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالَكٌ وَهَوَالِكُ، الْخَيِّرَاتُ: وَاحِدُهَا خِيرَةٌ، وَهِيَ الْفَوَاضِلُ، مُرْجَوْنَ: مُؤَخَّرُونَ، الشَّفَا: الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ، وَالْجُرْفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوديَةِ، هَارٍ: هَائِرٍ، لَأَوَاهٌ: شَفَقًا وَفَرَقًا، وَقَالَ:

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ … تَأَوُّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

قَوْلُهُ: (سُورَةُ بَرَاءَةِ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا، وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَقِيلَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَالْبَسْمَلَةُ أَمَانٌ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ شَكُّوا هَلْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَانِ فَفَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِسَطْرٍ لَا كِتَابَةَ فِيهِ وَلَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ الْبَسْمَلَةَ. وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ السُّنَنِ.

قَوْلُهُ: (مَرْصَدٍ طَرِيقٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ قَوْلُ، أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أَيْ كُلُّ طَرِيقٍ، وَالْمَرَاصِدُ الطُّرُقُ.

قَوْلُهُ: (إِلًّا: الْإِلُّ الْقَرَابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلِيجَةً﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَسَقَطَ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (الشُّقَّةُ: السَّفَرُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ الْبَعِيدُ وَقِيلَ الشُّقَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي يَشُقُّ سُلُوكُهَا.

قَوْلُهُ: (الْخَبَالُ: الْفَسَادُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ الْخَبَالُ الْفَسَادُ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ) كَذَا لَهُمْ وَالصَّوَابُ الْمُوتَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ لَا تُوَبِّخْنِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاءُ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ تُوَهِّنِّي بِالْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْوَهَنِ وَهُوَ الضَّعْفُ، وَلِابْنِ السَّكَنِ تُؤَثِّمْنِي بِمُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ النَّقْلَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ قَالَ: لَا تُؤَثِّمْنِي: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَلَا فِي الْإِثْمِ سَقَطُوا.

قَوْلُهُ: (كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ) أَيْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلا﴾ يَدْخُلُونَ فِيهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَلْجَأً﴾ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا) يَدْخُلُونَ فِيهِ وَيَتَغَيَّبُونَ انْتَهَى، وَأَصْلُ مُدَّخَلًا مُدْتَخَلًا فَأُدْغِمَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ أَيْضًا، وَعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ مَدْخَلًا بِفَتْحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سُكُونٌ ﴿يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ، وَمِنْهُ فَرَسٌ جَمُوحٌ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ ائْتَفَكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ هُمْ قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ أَيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أَهْوَى﴾ أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ تَقَعْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾

قَوْلُهُ: (عَدْنٍ: خُلْدٍ إِلَخْ) وَاقْتَصَرَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى مَا هُنَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ خُلْدٍ، يُقَالُ: عَدَنَ فُلَانُ بِأَرْضِ كَذَا أَيْ أَقَامَ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ، عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَقَمْتُ، وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ.

قَوْلُهُ: (الْخَوَالِفُ: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شَاخِصٍ فَقَعَدَ فِي رَحْلِهِ، وَهُوَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْمِ، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي فِي وَلَدِي. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ إِلَى حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَوَالِفُ هَاهُنَا النِّسَاءُ، وَلَا يَكَادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجَالَ عَلَى فَوَاعِلَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ شَاهِقٌ وَشَوَاهِقُ وَنَاكِسٌ وَنَوَاكِسُ وَدَاجِنٌ وَدَوَاجِنُ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَ الِاثْنَيْنِ جَمْعُ فَاعِلٍ وَهُوَ شَاذٌّ، وَالْمَشْهُورُ فِي فَوَاعِلَ جَمْعُ فَاعِلَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ فَوَاضِحُ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ فِي صِفَةِ الْمُفْرَدِ

مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الرِّجَالِ فَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهِ: وَالْأَصْلُ فِي جَمْعِهِ بِالنُّونِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَاهِلٌ وَكَوَاهِلُ وَجَائِحٌ وَجَوَائِحُ وَغَارِبٌ وَغَوَارِبُ وَغَاشٍ وَغَوَاشٍ، وَلَا يَرِدُ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَيْسَا مِنْ صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْآخَرَانِ جَمْعُ غَارِبٍ وَغَاشِيَةٌ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ إِنْ وُصِفَ بِهَا الْمُذَكَّرُ، وَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتُهُمْ … خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَذْقَانِ

احْتَاجَ الْفَرَزْدَقُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَأَجْرَى نَوَاكِسَ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا أَبَدًا إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ، وَلَا تَجْمَعُ النُّحَاةُ مَا كَانَ مِنْ فَاعِلٍ نَعْتًا عَلَى فَوَاعِلَ لِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْمُؤَنَّثِ، وَلَمْ يَأْتِ ذَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ فَارِسٍ وَفَوَارِسَ، وَهَالِكٍ وَهَوَالِكَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَرْدِ فَأُمِنَ فِيهِ اللَّبْسُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْمِثْلِ يَقُولُونَ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ فَأَجْرَوْهُ عَلَى أَصْلِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قُلْتُ: فَظَهَرَ أَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا أَنْ يُؤْمَنَ اللَّبْسُ أَوْ يَكْثُرَ الِاسْتِعْمَالُ أَوْ تَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ يَكُونُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْخَوَالِفُ النِّسَاءُ، وَيُقَالُ خِسَاسُ النِّسَاءِ وَرَذَالَتُهُمْ، وَيُقَالُ فُلَانٌ خَالفَه أَهْلِهِ إِذَا كَانَ دَيِّنًا فِيهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالْخَوَالِفِ فِي الْآيَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ الْعَاجِزُونَ وَالصِّبْيَانُ، فَجُمِعَ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ فَجُمِعَ جَمْعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

قَوْلُهُ: (الْخَيْرَاتُ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ وَهِيَ الْفَوَاضِلُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ جَمْعُ خَيْرَةٍ وَمَعْنَاهَا الْفَاضِلَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرُونَ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (الشَّفَا: الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ حَرْفُهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْجُرُفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ الشَّفَا الشَّفِيرُ، وَالْجُرُفُ مَا لَمْ يُبْنَ مِنَ الرَّكَايَا، قَالَ: وَالْآيَةُ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ وَهُوَ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ وَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿هَارٍ﴾ هَائِرٍ، تَهَوَّرَتِ الْبِئْرُ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَانْهَارَ مِثْلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَارٍ﴾ أَيْ هَائِرٍ: وَالْعَرَبُ تَنْزِعُ الْيَاءَ الَّتِي فِي الْفَاعِلِ، وَقِيلَ لَا قَلْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى سَاقِطٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: ﴿لأَوَّاهٌ﴾ شَفَقًا وَفَرَقًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ … تَأَوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ هُوَ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَفَرَقًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ أَرْحَلُهَا هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَوْلُهُ آهَةَ بِالْمَدِّ لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ بِلَا مَدٍّ.

(تَنْبِيهٌ) هَذَا الشِّعْرُ لِلْمُثَقِّبِ الْعَبْدِيِّ وَاسْمُهُ جِحَاشُ بْنُ عَائِذٍ، وَقِيلَ ابْنُ نَهَارٍ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا:

أَفَاطِمُ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتِّعِينِي … وَمَنْعِكِ مَا سَأَلْتُ كأَنْ تَبِينِي

وَلَا تَعِدِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ … تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي

فَإِنِّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي … لَمَا أَتْبَعْتُهَا أَبَدًا يَمِينِي

وَيَقُولُ فِيهَا:

فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ … فَأَعْرِفُ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، خاقان البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بفتح جيم جرير، و «حازم» بالحاء المهملة والزَّاي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْرُ) بضمِّ الزَّاي (بْنُ خِرِّيتٍ) بكسر الخاء المعجمة والرَّاء المشدَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةٌ، بصريٌّ من صغار التَّابعين (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ) عنهم، وعند ابن إسحاق من طريق عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ: «فخفَّف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى» (فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ﴾) وسقط قوله: «فقال» لأبي ذرٍّ (١) (﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾) في البدن أو في البصيرة (﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]) أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ لو كان خبرًا؛ لم يقع بخلاف المخبَر عنه، والمعنى (٢) في وجوب المصابرة لمِثلينا: أنَّ المسلم على إحدى الحسنيين؛ إمَّا أن يُقتَل فيدخل الجنَّة، أو يَسْلَم فيفوز بالأجر (٣) والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدُّنيا، وقد زاد الإسماعيليُّ في الحديث «ففرض عليهم ألَّا يفرَّ رجلٌ من رجلين، ولا قومٌ من مِثْلَيهم» والحاصل: أنَّه يحرم على المقاتل الانصراف عن الصَّفِّ إذا (٤) لم يزد عدد الكفَّار على مثلَيْنا، فلو لقي مسلمٌ كافرين؛ فله الانصراف وإن كان هو الذي طلبهما؛ لأنَّ فرض الجهاد والثبَّات إنَّما هو في الجماعة، لكن قال البلقينيُّ: الأظهر بمقتضى نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر» أنَّه ليس له الانصراف (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ؛ نَقَصَ) بالتَّخفيف (٥) (مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ).

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الجهاد».

(((٩))) (سورة بَرَاءَةَ) مدنيَّةٌ، ولها أسماءٌ أُخَر تزيد على العشرة؛ منها: التَّوبة، والفاضحة، والمُقَشْقِشة؛ لأنَّها تدعو إلى التَّوبة، وتفضح (١) المنافقين، وتقشقشهم، أي: تَبْرَأُ منهم، وهي من آخر ما نزل، ولم يكتبوا بسملةً أوَّلها؛ لأنَّها أمانٌ، وبراءةٌ نزلت لرفعه، أو توفِّي رسول الله ولم يبيِّن موضعها، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال؛ لأنَّ فيها ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضُمَّت إليها.

(﴿وَلِيجَةً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] (كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) وهي «فعيلة» من الولوج؛ كالدَّخيلة، وهي نظير البطانة والدَّاخلة، والمعنى: لا ينبغي أن يوالوهم ويفشوا إليهم (٢) أسرارهم، وسقط قوله: «﴿وَلِيجَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وثبت لغيره.

(﴿الشُّقَّةُ﴾) في قوله: ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢]: هي (السَّفَرُ) وقيل: هي المسافة التي تُقطَع بمشقَّة؛ يقال: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، أي: بعدت عليهم، الشَّاقَّة: البعيدة، أي: يشقُّ على الإنسان سلوكها.

(الخَبَالُ) في قوله: ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ [التوبة: ٤٧]: (الفَسَادُ) والاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، أي: أنَّه لم يكن في عسكر رسول الله خبالٌ فيزيد المنافقون فيه (١)، وكأنَّ المعنى: ما زادوكم قوَّةً ولا شدَّةً لكن خبالًا، وأن يكون متَّصلًا، وذلك أنَّ عسكر الرَّسول في غزوة تبوك كان فيهم منافقون كثيرٌ، ولهم لا محالة خَبَالٌ، فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين، فزاد الخبال (٢) (وَالخَبَالُ: المَوْتُ) كذا في جميع الرِّوايات، والصَّواب: المُوتَة؛ بضمِّ الميم وزيادة هاءٍ آخره؛ وهو ضربٌ من الجنون.

وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]) أي: (لَا (٣) تُوَبِّخْنِي) من التَّوبيخ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا توهِنِّي» بالهاء وتشديد النُّون من الوهن؛ وهو الضَّعف، ولابن السَّكن: «ولا تؤثِّمْني» بمثلَّثةٍ مشدَّدةٍ وميمٍ (٤) ساكنةٍ من الإثم، وصوَّبه القاضي عياضٌ.

(﴿كَرْهًا﴾) بفتح الكاف (وَ ﴿كَرْهًا﴾) بضمِّها: (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وسقط (٥) «﴿كَرْهًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٦).

(﴿مُدَّخَلاً﴾) بتشديد الدَّال؛ يريد: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أي: (يُدْخَلُونَ فِيهِ) والمُدَّخل: السِّرب في الأرض.

وقوله تعالى: ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ﴾ (﴿يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]) أي: (يُسْرِعُونَ) إسراعًا لا يردُّهم شيءٌ، كالفرس الجموح.

وقوله: ﴿وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ (﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [التوبة: ٧٠]) وهي قريات قوم لوطٍ (ائْتَفَكَتْ) أي: (انْقَلَبَتْ بِهَا) أي: القرياتِ (الأَرْضُ) فصار عاليها سافلها، وأُمطِرُوا حجارةً من سجيلٍ.

(﴿أَهْوَى﴾) يريد: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ بسورة النَّجم [النجم: ٥٣] يقال: (أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ) بضمِّ الهاء وتشديد الواو، أي: مكانٍ عميقٍ، وذكرها استطرادًا.

وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ (﴿عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) أي: (خُلْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون اللَّام؛ يقال: (عَدَنْتُ بِأَرْضٍ، أَيْ: أَقَمْتُ) بها (وَمِنْهُ: مَعْدِنٌ) وهو الموضع الذي يُستَخرج منه الذَّهب والفضة ونحوهما (وَيُقَالُ:) فلانٌ (فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ) أي: (فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ) كأنَّه صار مَعدِنًا له للزومه له، وسقط لأبي ذرٍّ من «عدنت … » إلى آخره (١).

(﴿الْخَوَالِفِ﴾) يريد قوله: ﴿رَضُواْ (٢) بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وفسَّره بقوله: (الخَالِفُ: الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ) أي: من هذا اللفظ (يَخْلُفُهُ فِي الغَابِرِينَ) قال في حديث أمِّ سلمة: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديِّين، واخلفه في عقبه في الغابرين» رواه مسلمٌ، قال النَّوويُّ أي: الباقين (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ) وهي المرأة (وَإِنْ) بالواو (٣)، ولأبي ذرٍّ: «فإن» (كَانَ) خوالف (جَمْعَ الذُّكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ) على «فواعل» (إلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ) قاله أبو عبيدة، وزاد ابن مالكٍ: شاهقٌ وشواهقُ، وناكسٌ ونواكسُ، وداجنٌ ودواجنُ، وهذه الخمسة جمع «فاعل» وهو شاذٌّ، ولأبي ذر: «وهالكٌ في الهوالك» (٤) والمفهوم من أوَّل كلام البُّخاريِّ: أنَّ «خوالف» جمع «خالف» وحينئذٍ إنَّما يجوز أن يكون النِّساء إذا كان يُجمَع «الخالفة» على «خوالف» وإنَّما «الخالف» يُجمَع على «الخالفين» بالياء والنُّون، والمشهور في «فواعل» أنَّه جمع «فاعلة» فإن كان من صفة النِّساء؛ فواضحٌ، وقد تُحذَف الهاء في صفة المفرد من النِّساء، وإن كان من صفة الرِّجال؛ فالهاء للمبالغة؛ يقال: رجل خالفة (٥): لا خير فيه، والأصل في جمعه بالنُّون كما مرَّ، والمراد بـ ﴿الْخَوَالِفِ﴾ في الآية: النِّساء والرِّجال العاجزون والصِّبيان، فجُمِع بجمع (٦) المؤنَّث تغليبًا؛ لكونهنَّ أكثر في ذلك من غيرهنَّ.

وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ﴾ (﴿الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨]: وَاحِدُهَا: خَيْرَةٌ) بفتح الخاء وسكون التَّحتيَّة آخرها هاءُ تأنيثٍ (وَهْيَ الفَوَاضِلُ) بالضَّاد المعجمة، قاله أبو عبيدة.

قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾ (﴿مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]) أي: (مُؤَخَّرُونَ) لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاضٍ، وهذه ساقطةٌ لأبي ذرٍّ.

(الشَّفَا) بفتح (١) المعجمة والفاء مقصورًا، يريد قوله تعالى: ﴿عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وفسَّر الشَّفا بقوله: (شَفِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «الشَّفير» ثمَّ قال: (وَهْوَ) أي: الشَّفير (حَدُّهُ) بالدَّال بعد الحاء المهملتين، وللكُشْميهَنيِّ (٢): «وهو حرفه» أي: جانبه.

(وَالجُرُفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ) أي: يحفر بالماء فصار واهيًا.

(﴿هَارٍ﴾) أي: (هَائِرٍ) يقال: انهارت البئر؛ إذا تهدَّمت (٣)، قال القاضي: وإنَّما وضع شفا الجرف -وهو ما جرفه الوادي- الهائر في مقابلة التَّقوى؛ تمثيلًا لِمَا بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثمَّ رشَّحه بانهياره به في النَّار، ووضعه (٤) في مقابلة الرِّضوان؛ تنبيهًا على أنَّ تأسيس ذلك على أمر يحفظه عن النار (٥)، ويوصله إلى رضوان الله تعالى ومقتضياته التي (٦) الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه (٧) على صدد الوقوع في النَّار ساعةً فساعةً، ثمَّ إنَّ مصيرهم إلى النَّار لا محالة. انتهى. (يُقَالُ: تَهوَّرَتِ البِئْرُ؛ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَانْهَارَ: مِثْلَه) كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما (٨).

وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ (﴿لأوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤]) أي: (شَفَقًا وَفَرَقًا) كنايةً عن فرط ترحُّمه ورقَّة

قلبه، وفيه بيان الحامل له على الاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه (وَقَالَ الشَّاعِرُ) وهو المثقَّب -بتشديد القاف المفتوحة- العبديُّ، واسمه: جحاش بن عائذ (١) بن محصن، وسقط لفظ «الشَّاعر» لغير أبي ذرٍّ (إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ) بفتح الهمزة والحاء المهملة، من رحلت الناقة أرحلها؛ إذا شددتَ الرَّحل على ظهرها، والرَّحل: أصغر من القتب.

(تَأَوَّهُ آهَةَ) بمدِّ الهمزة، وللأصيليِّ: «أَهَّة» (الرَّجُلِ الحَزِينِ) بتشديد الهاء وقصر الهمزة، قال الحريريُّ في «درَّة الغوَّاص»: يقولون في التَّأوُّه: أَوَّه (٢)، والأفصح أن يقال: أُوْهَُِ بكسر الهاء وضمِّها وفتحها، والكسر أغلب، وعليه قول الشَّاعر:

فأَوْهٍ لذكراها إذا ما ذكرتها ......................

وقد شدَّد بعضهم الواو، فقال: أوَّه، ومنهم من حذف الهاء -وكسر الواو- فقال: أوَّ، وتصريف الفعل منها: أوَّه وتأوَّه، والمصدر الآهة، ومنه قول مثقَّبٍ العبديِّ:

إذا ما قُمْتُ أَرْحلُها بِلَيْلٍ .......................

البيت، وهذا البيت من جملة قصيدة أوَّلها:

أفاطمُ قبل بينِكِ متِّعيني … ومنعك ما سألت كأن تبيني

ولا تَعِدِي مواعدَ كاذباتٍ … تمرُّ بها رياحُ الصَّيف دوني

فإنِّي لو تخالفني شِمالي … لَمَا أتبعتُها أبدًا يميني

(١) (بابُ قَوْله) ﷿: (﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: هذه براءةٌ مبتدأٌ صدورها من الله تعالى، وغاية انتهائها: (﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]) فـ ﴿بَرَاءةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، وقيل: مبتدأٌ خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها تخصَّصت بالجارِّ بعدها، والمعنى: أنَّ الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وذلك أنَّهم عاهدوا مشركي العرب، فنكثوا، ولم يفِ به إلَّا بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم بنبذ العهد إلى من نقضه، وأُمِروا أن يسيحوا الأربعة أشهر (١) الحرم؛ صيانةً لها من القتال.

وقوله: (﴿وَ أُذُنٌ﴾) أي: (إعلامٌ) يقال: آذنته إيذانًا وأذانًا، وهو اسمٌ قام مقام المصدر، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ﴾ (﴿أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]: يُصَدِّقُ) كلَّ ما سَمِع، وسُمِّي بالجارحة للمبالغة، كأنَّه من فرط سماعه صار جملة آلة السَّماع، كما سُمِّي الجاسوس عينًا؛ لذلك.

وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]) بمعنًى واحدٍ (٢)؛ لأنَّ الزَّكاة والتَّزكية في اللُّغة: الطَّهارة (وَنَحْوُهَا) وفي نسخةٍ: «ونحو هذا» (كَثِيرٌ) في القرآن، أو في لغات العرب (وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالإِخْلَاصُ) أي: تأتي بمعناهما، رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: «الزَّكاة: طاعة الله والإخلاص» وقوله تعالى في سورة فصَّلت: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ﴾ (﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]) قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه عليُّ بن أبي طلحة عنه: (لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وهذا ذكره استطرادًا.

وقوله تعالى: (﴿يُضَاهِؤُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]) قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ ابن أبي طلحة عنه (٣): (يُشَبِّهُونَ) وقال أبو عبيدة: هي التَّشبيه، وقال القاضي أي: يضاهي قولهم قول الذين كفروا، فحُذِف المضاف وأُقِيم المضاف إليه مُقامه، والمضاهاة: المشابهة، وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن قول اليهود: عزيرٌ ابن الله، والنَّصارى (٤): المسيح ابن الله، فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] والتَّقييد بكونه بأفواههم مع أنَّ القول لا يكون إلَّا بالفم للإشعار بأنَّه لا دليل عليه، فهو كالمهملات، لم يقصد بها

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنَ الْعَشَرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ بِاللَّفْظَيْنِ وَيَكُونَ التَّأْوِيلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الطَّرِيقُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ عَشَرَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ خُفِّفَ عَنْهُمْ فَجُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ رَجُلَانِ وَرَوَى أَيْضًا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ سُفْيَانُ) كَأَنَّهُ حَدَّثَ مَرَّةً بِالزِّيَادَةِ وَمَرَّةً بِدُونِهَا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الْآيَةَ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنِ اثْنَيْنِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِاللَّفْظَيْنِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ قَاضِي الْكُوفَةِ وَهُوَ مَوْصُولٌ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ سُفْيَانُ فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ شُبْرُمَةَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَرَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا) أَيْ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْجِهَادِ، لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَإِخْمَادِ كَلِمَةِ الْبَاطِلِ.

٧ - بَاب: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الخِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الْآيَةَ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ. وَلِجَرِيرِ بْنِ حَازِمِ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ شَيْخٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ لِجَرِيرٍ فِيهِ طَرِيقِينَ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ عَطَاءٍ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ عَشَرَةً، فَشَقَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ الْوَاحِدُ الرَّجُلَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَةَ وَزَادَ بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فَذَكَرَ تَفْسِيرَهَا ثُمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى﴾، فَذَكَرَ قَوْلَ الْعَبَّاسِ فِي الْعِشْرِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَعْطَانِي عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ قَدْ تَاجَرَ بِمَالِي مَعَ مَا أَرْجُوهُ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: وَفِي سَنَدِ طَرِيقِ عَطَاءٍ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عِنْدَهُ مُسْنَدَةٌ بَلْ مُعْضَلَةٌ، وَصَنِيعُ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَتَبِعَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ - يَقْتَضِي أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ:

(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ جَهِدَ النَّاسَ ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ التَّخْفِيفُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُخْرَى - وَزَادَ - فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ وَلَا قَوْمٌ مِنْ مِثْلِهِمْ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ الْمُسْلِمِ إِذَا قَاوَمَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَتَحْرِيمِ الْفِرَارِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ طَلَبُهُ أَوْ طَلَبُهُمَا، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ مَعَ الْعَسْكَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَسْكَرٌ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِوُجُودِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ رِوَايَةَ الرَّبِيعِ وَلَفْظُهُ وَمِنْ نُسْخَةٍ عَلَيْهَا خَطُّ الرَّبِيعِ نُقِلَتْ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لِلْآيَةِ آيَاتٍ فِي كِتَابِهِ: أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُمْ أَنْ يَقُومَ الْوَاحِدُ بِقِتَالِ الْعَشَرَةِ وَأَثْبَتَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُومَ الْوَاحِدُ بِقِتَالِ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمُنْفَرِدَ لَوْ طَلَبَاهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ جَازَ لَهُ التَّوَلِّي عَنْهُمَا جَزْمًا، وَإِنْ طَلَبَهُمَا فَهَلْ يَحْرُمُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا، لَكِنْ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآثَارِ الْمُتَضَافِرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْبَاهُ وَهُوَ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ وَأَعْرَفُ النَّاسُ بِالْمُرَادِ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَطْلَقَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي صُورَةِ مَا إِذَا قَاوَمَ الْوَاحِدُ الْمُسْلِمُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّفِّ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ، أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَحْدَهُ بِغَيْرِ

الْعَسْكَرِ فَلَا، لِأَنَّ الْجِهَادَ إِنَّمَا عُهِدَ بِالْجَمَاعَةِ دُونَ الشَّخْصِ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَرْسَلَ النَّبِيُّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ سَرِيَّةً وَحْدَهُ. وَقَدِ اسْتَوْعَبَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي غَالِبِهَا التَّصْرِيحُ بِمَنْعِ تَوَلِّي الْوَاحِدِ عَنْ الِاثْنَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعُدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ نَقَصَ مِنَ النَّصْرِ وَهَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ تَوْقِيفًا عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرَاءِ.

٩ - سُورَةُ بَرَاءَةٍ

مَرْصَدٌ: طَرِيقٌ، إِلَّا: الْإِلُّ الْقِرْابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ، وَلِيجَةَ: كُلِّ شَيْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَيْءٍ، الشَّقَّةُ: السَّفَرُ، الْخَبَالُ: الْفَسَادُ، وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ، وَلَا تَفْتِنِّي: لَا تُوَبِّخُنِي، كَرَهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ، مُدْخَلًا: يَدْخُلُونَ فِيهِ، يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ: ائُتُفِكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ، أَهْوَى: أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ، عَدْنٍ: خُلْدٍ، عَدَنْتَ بِأَرْضٍ أَيْ أَقَمْتَ، وَمِنْهُ مَعْدِنٌ وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ فِي مَنْبِتٍ صِدْقٍ، الْخَوَالِفُ: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَّفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغابرين وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمَعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالَكٌ وَهَوَالِكُ، الْخَيِّرَاتُ: وَاحِدُهَا خِيرَةٌ، وَهِيَ الْفَوَاضِلُ، مُرْجَوْنَ: مُؤَخَّرُونَ، الشَّفَا: الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ، وَالْجُرْفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوديَةِ، هَارٍ: هَائِرٍ، لَأَوَاهٌ: شَفَقًا وَفَرَقًا، وَقَالَ:

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ … تَأَوُّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

قَوْلُهُ: (سُورَةُ بَرَاءَةِ) هِيَ سُورَةُ التَّوْبَةِ وَهِيَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهَا، وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخْرَى تَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ الْبَسْمَلَةِ أَوَّلَهَا فَقِيلَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَالْبَسْمَلَةُ أَمَانٌ، وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ شَكُّوا هَلْ هِيَ وَالْأَنْفَالُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَانِ فَفَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِسَطْرٍ لَا كِتَابَةَ فِيهِ وَلَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ الْبَسْمَلَةَ. وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ السُّنَنِ.

قَوْلُهُ: (مَرْصَدٍ طَرِيقٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ قَوْلُ، أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أَيْ كُلُّ طَرِيقٍ، وَالْمَرَاصِدُ الطُّرُقُ.

قَوْلُهُ: (إِلًّا: الْإِلُّ الْقَرَابَةُ وَالذِّمَّةُ وَالْعَهْدُ) تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلِيجَةً﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَسَقَطَ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (الشُّقَّةُ: السَّفَرُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ الْبَعِيدُ وَقِيلَ الشُّقَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي يَشُقُّ سُلُوكُهَا.

قَوْلُهُ: (الْخَبَالُ: الْفَسَادُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ الْخَبَالُ الْفَسَادُ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَبَالُ الْمَوْتُ) كَذَا لَهُمْ وَالصَّوَابُ الْمُوتَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ لَا تُوَبِّخْنِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْخَاءُ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّوْبِيخِ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ تُوَهِّنِّي بِالْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْوَهَنِ وَهُوَ الضَّعْفُ، وَلِابْنِ السَّكَنِ تُؤَثِّمْنِي بِمُثَلَّثَةٍ ثَقِيلَةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ النَّقْلَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ قَالَ: لَا تُؤَثِّمْنِي: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أَلَا فِي الْإِثْمِ سَقَطُوا.

قَوْلُهُ: (كَرْهًا وَكُرْهًا وَاحِدٌ) أَيْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَبِالضَّمِّ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ حَمْزَةُ، وَالْأَعْمَشُ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْكِسَائِيُّ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.

قَوْلُهُ: ﴿مُدَّخَلا﴾ يَدْخُلُونَ فِيهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَلْجَأً﴾ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا) يَدْخُلُونَ فِيهِ وَيَتَغَيَّبُونَ انْتَهَى، وَأَصْلُ مُدَّخَلًا مُدْتَخَلًا فَأُدْغِمَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ أَيْضًا، وَعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ مَدْخَلًا بِفَتْحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا سُكُونٌ ﴿يَجْمَحُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ: لَا يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ شَيْءٌ، وَمِنْهُ فَرَسٌ جَمُوحٌ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ ائْتَفَكَتِ انْقَلَبَتْ بِهَا الْأَرْضُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ هُمْ قَوْمُ لُوطٍ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ أَيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿أَهْوَى﴾ أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ تَقَعْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا اسْتِطْرَادًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾

قَوْلُهُ: (عَدْنٍ: خُلْدٍ إِلَخْ) وَاقْتَصَرَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى مَا هُنَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أَيْ خُلْدٍ، يُقَالُ: عَدَنَ فُلَانُ بِأَرْضِ كَذَا أَيْ أَقَامَ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ، عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَقَمْتُ، وَيُقَالُ فِي مَعْدِنٍ صِدْقٍ.

قَوْلُهُ: (الْخَوَالِفُ: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَ بَعْدَ شَاخِصٍ فَقَعَدَ فِي رَحْلِهِ، وَهُوَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْقَوْمِ، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي فِي وَلَدِي. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَمِنْهُ يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ إِلَى حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعُ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَوَالِفُ هَاهُنَا النِّسَاءُ، وَلَا يَكَادُونَ يَجْمَعُونَ الرِّجَالَ عَلَى فَوَاعِلَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فَارِسٌ وَفَوَارِسُ وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ شَاهِقٌ وَشَوَاهِقُ وَنَاكِسٌ وَنَوَاكِسُ وَدَاجِنٌ وَدَوَاجِنُ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَعَ الِاثْنَيْنِ جَمْعُ فَاعِلٍ وَهُوَ شَاذٌّ، وَالْمَشْهُورُ فِي فَوَاعِلَ جَمْعُ فَاعِلَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ النِّسَاءِ فَوَاضِحُ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ فِي صِفَةِ الْمُفْرَدِ

مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَةِ الرِّجَالِ فَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَالِفَةٌ لَا خَيْرَ فِيهِ: وَالْأَصْلُ فِي جَمْعِهِ بِالنُّونِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَاهِلٌ وَكَوَاهِلُ وَجَائِحٌ وَجَوَائِحُ وَغَارِبٌ وَغَوَارِبُ وَغَاشٍ وَغَوَاشٍ، وَلَا يَرِدُ شَيْءٌ مِنْهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَيْسَا مِنْ صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْآخَرَانِ جَمْعُ غَارِبٍ وَغَاشِيَةٌ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ إِنْ وُصِفَ بِهَا الْمُذَكَّرُ، وَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ فِي قَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتُهُمْ … خُضُعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَذْقَانِ

احْتَاجَ الْفَرَزْدَقُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَأَجْرَى نَوَاكِسَ عَلَى أَصْلِهِ، وَلَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا أَبَدًا إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ، وَلَا تَجْمَعُ النُّحَاةُ مَا كَانَ مِنْ فَاعِلٍ نَعْتًا عَلَى فَوَاعِلَ لِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْمُؤَنَّثِ، وَلَمْ يَأْتِ ذَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ فَارِسٍ وَفَوَارِسَ، وَهَالِكٍ وَهَوَالِكَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَرْدِ فَأُمِنَ فِيهِ اللَّبْسُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْمِثْلِ يَقُولُونَ هَالِكٌ فِي الْهَوَالِكِ فَأَجْرَوْهُ عَلَى أَصْلِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. قُلْتُ: فَظَهَرَ أَنَّ الضَّابِطَ فِي هَذَا أَنْ يُؤْمَنَ اللَّبْسُ أَوْ يَكْثُرَ الِاسْتِعْمَالُ أَوْ تَكُونُ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ يَكُونُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْخَوَالِفُ النِّسَاءُ، وَيُقَالُ خِسَاسُ النِّسَاءِ وَرَذَالَتُهُمْ، وَيُقَالُ فُلَانٌ خَالفَه أَهْلِهِ إِذَا كَانَ دَيِّنًا فِيهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالْخَوَالِفِ فِي الْآيَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ الْعَاجِزُونَ وَالصِّبْيَانُ، فَجُمِعَ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ فَجُمِعَ جَمْعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

قَوْلُهُ: (الْخَيْرَاتُ وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ وَهِيَ الْفَوَاضِلُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ جَمْعُ خَيْرَةٍ وَمَعْنَاهَا الْفَاضِلَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

قَوْلُهُ: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرُونَ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (الشَّفَا: الشَّفِيرُ وَهُوَ حَدُّهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُوَ حَرْفُهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْجُرُفُ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ الشَّفَا الشَّفِيرُ، وَالْجُرُفُ مَا لَمْ يُبْنَ مِنَ الرَّكَايَا، قَالَ: وَالْآيَةُ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّ الَّذِي يَبْنِي عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ وَهُوَ مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالْأَوْدِيَةِ وَلَا يَثْبُتُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿هَارٍ﴾ هَائِرٍ، تَهَوَّرَتِ الْبِئْرُ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَانْهَارَ مِثْلُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَارٍ﴾ أَيْ هَائِرٍ: وَالْعَرَبُ تَنْزِعُ الْيَاءَ الَّتِي فِي الْفَاعِلِ، وَقِيلَ لَا قَلْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى سَاقِطٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي آلِ عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: ﴿لأَوَّاهٌ﴾ شَفَقًا وَفَرَقًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ … تَأَوَّهَ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ هُوَ فَعَّالٌ مِنَ التَّأَوُّهِ وَمَعْنَاهُ مُتَضَرِّعٌ شَفَقًا وَفَرَقًا لِطَاعَةِ رَبِّهِ، قَالَ الشَّاعِرُ فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ أَرْحَلُهَا هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَوْلُهُ آهَةَ بِالْمَدِّ لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ بِلَا مَدٍّ.

(تَنْبِيهٌ) هَذَا الشِّعْرُ لِلْمُثَقِّبِ الْعَبْدِيِّ وَاسْمُهُ جِحَاشُ بْنُ عَائِذٍ، وَقِيلَ ابْنُ نَهَارٍ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا:

أَفَاطِمُ قَبْلَ بَيْنِكِ مَتِّعِينِي … وَمَنْعِكِ مَا سَأَلْتُ كأَنْ تَبِينِي

وَلَا تَعِدِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ … تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي

فَإِنِّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي … لَمَا أَتْبَعْتُهَا أَبَدًا يَمِينِي

وَيَقُولُ فِيهَا:

فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ … فَأَعْرِفُ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، خاقان البلخيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بفتح جيم جرير، و «حازم» بالحاء المهملة والزَّاي (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّبَيْرُ) بضمِّ الزَّاي (بْنُ خِرِّيتٍ) بكسر الخاء المعجمة والرَّاء المشدَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة فوقيَّةٌ، بصريٌّ من صغار التَّابعين (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ) عنهم، وعند ابن إسحاق من طريق عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ: «فخفَّف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى» (فَقَالَ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ﴾) وسقط قوله: «فقال» لأبي ذرٍّ (١) (﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾) في البدن أو في البصيرة (﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]) أمرٌ بلفظ الخبر؛ إذ لو كان خبرًا؛ لم يقع بخلاف المخبَر عنه، والمعنى (٢) في وجوب المصابرة لمِثلينا: أنَّ المسلم على إحدى الحسنيين؛ إمَّا أن يُقتَل فيدخل الجنَّة، أو يَسْلَم فيفوز بالأجر (٣) والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدُّنيا، وقد زاد الإسماعيليُّ في الحديث «ففرض عليهم ألَّا يفرَّ رجلٌ من رجلين، ولا قومٌ من مِثْلَيهم» والحاصل: أنَّه يحرم على المقاتل الانصراف عن الصَّفِّ إذا (٤) لم يزد عدد الكفَّار على مثلَيْنا، فلو لقي مسلمٌ كافرين؛ فله الانصراف وإن كان هو الذي طلبهما؛ لأنَّ فرض الجهاد والثبَّات إنَّما هو في الجماعة، لكن قال البلقينيُّ: الأظهر بمقتضى نصِّ الشَّافعيِّ في «المختصر» أنَّه ليس له الانصراف (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنَ العِدَّةِ؛ نَقَصَ) بالتَّخفيف (٥) (مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ).

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الجهاد».

(((٩))) (سورة بَرَاءَةَ) مدنيَّةٌ، ولها أسماءٌ أُخَر تزيد على العشرة؛ منها: التَّوبة، والفاضحة، والمُقَشْقِشة؛ لأنَّها تدعو إلى التَّوبة، وتفضح (١) المنافقين، وتقشقشهم، أي: تَبْرَأُ منهم، وهي من آخر ما نزل، ولم يكتبوا بسملةً أوَّلها؛ لأنَّها أمانٌ، وبراءةٌ نزلت لرفعه، أو توفِّي رسول الله ولم يبيِّن موضعها، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال؛ لأنَّ فيها ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضُمَّت إليها.

(﴿وَلِيجَةً﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] (كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ) وهي «فعيلة» من الولوج؛ كالدَّخيلة، وهي نظير البطانة والدَّاخلة، والمعنى: لا ينبغي أن يوالوهم ويفشوا إليهم (٢) أسرارهم، وسقط قوله: «﴿وَلِيجَةً﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وثبت لغيره.

(﴿الشُّقَّةُ﴾) في قوله: ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢]: هي (السَّفَرُ) وقيل: هي المسافة التي تُقطَع بمشقَّة؛ يقال: شُقَّةٌ شاقَّةٌ، أي: بعدت عليهم، الشَّاقَّة: البعيدة، أي: يشقُّ على الإنسان سلوكها.

(الخَبَالُ) في قوله: ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ [التوبة: ٤٧]: (الفَسَادُ) والاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا، أي: أنَّه لم يكن في عسكر رسول الله خبالٌ فيزيد المنافقون فيه (١)، وكأنَّ المعنى: ما زادوكم قوَّةً ولا شدَّةً لكن خبالًا، وأن يكون متَّصلًا، وذلك أنَّ عسكر الرَّسول في غزوة تبوك كان فيهم منافقون كثيرٌ، ولهم لا محالة خَبَالٌ، فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين، فزاد الخبال (٢) (وَالخَبَالُ: المَوْتُ) كذا في جميع الرِّوايات، والصَّواب: المُوتَة؛ بضمِّ الميم وزيادة هاءٍ آخره؛ وهو ضربٌ من الجنون.

وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]) أي: (لَا (٣) تُوَبِّخْنِي) من التَّوبيخ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لا توهِنِّي» بالهاء وتشديد النُّون من الوهن؛ وهو الضَّعف، ولابن السَّكن: «ولا تؤثِّمْني» بمثلَّثةٍ مشدَّدةٍ وميمٍ (٤) ساكنةٍ من الإثم، وصوَّبه القاضي عياضٌ.

(﴿كَرْهًا﴾) بفتح الكاف (وَ ﴿كَرْهًا﴾) بضمِّها: (وَاحِدٌ) في المعنى، ومراده: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وسقط (٥) «﴿كَرْهًا﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٦).

(﴿مُدَّخَلاً﴾) بتشديد الدَّال؛ يريد: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً﴾ أي: (يُدْخَلُونَ فِيهِ) والمُدَّخل: السِّرب في الأرض.

وقوله تعالى: ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ﴾ (﴿يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]) أي: (يُسْرِعُونَ) إسراعًا لا يردُّهم شيءٌ، كالفرس الجموح.

وقوله: ﴿وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ (﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [التوبة: ٧٠]) وهي قريات قوم لوطٍ (ائْتَفَكَتْ) أي: (انْقَلَبَتْ بِهَا) أي: القرياتِ (الأَرْضُ) فصار عاليها سافلها، وأُمطِرُوا حجارةً من سجيلٍ.

(﴿أَهْوَى﴾) يريد: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ بسورة النَّجم [النجم: ٥٣] يقال: (أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ) بضمِّ الهاء وتشديد الواو، أي: مكانٍ عميقٍ، وذكرها استطرادًا.

وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ (﴿عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) أي: (خُلْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون اللَّام؛ يقال: (عَدَنْتُ بِأَرْضٍ، أَيْ: أَقَمْتُ) بها (وَمِنْهُ: مَعْدِنٌ) وهو الموضع الذي يُستَخرج منه الذَّهب والفضة ونحوهما (وَيُقَالُ:) فلانٌ (فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ) أي: (فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ) كأنَّه صار مَعدِنًا له للزومه له، وسقط لأبي ذرٍّ من «عدنت … » إلى آخره (١).

(﴿الْخَوَالِفِ﴾) يريد قوله: ﴿رَضُواْ (٢) بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧] وفسَّره بقوله: (الخَالِفُ: الَّذِي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ) أي: من هذا اللفظ (يَخْلُفُهُ فِي الغَابِرِينَ) قال في حديث أمِّ سلمة: «اللهمَّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديِّين، واخلفه في عقبه في الغابرين» رواه مسلمٌ، قال النَّوويُّ أي: الباقين (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الخَالِفَةِ) وهي المرأة (وَإِنْ) بالواو (٣)، ولأبي ذرٍّ: «فإن» (كَانَ) خوالف (جَمْعَ الذُّكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ) على «فواعل» (إلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ) قاله أبو عبيدة، وزاد ابن مالكٍ: شاهقٌ وشواهقُ، وناكسٌ ونواكسُ، وداجنٌ ودواجنُ، وهذه الخمسة جمع «فاعل» وهو شاذٌّ، ولأبي ذر: «وهالكٌ في الهوالك» (٤) والمفهوم من أوَّل كلام البُّخاريِّ: أنَّ «خوالف» جمع «خالف» وحينئذٍ إنَّما يجوز أن يكون النِّساء إذا كان يُجمَع «الخالفة» على «خوالف» وإنَّما «الخالف» يُجمَع على «الخالفين» بالياء والنُّون، والمشهور في «فواعل» أنَّه جمع «فاعلة» فإن كان من صفة النِّساء؛ فواضحٌ، وقد تُحذَف الهاء في صفة المفرد من النِّساء، وإن كان من صفة الرِّجال؛ فالهاء للمبالغة؛ يقال: رجل خالفة (٥): لا خير فيه، والأصل في جمعه بالنُّون كما مرَّ، والمراد بـ ﴿الْخَوَالِفِ﴾ في الآية: النِّساء والرِّجال العاجزون والصِّبيان، فجُمِع بجمع (٦) المؤنَّث تغليبًا؛ لكونهنَّ أكثر في ذلك من غيرهنَّ.

وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ﴾ (﴿الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨]: وَاحِدُهَا: خَيْرَةٌ) بفتح الخاء وسكون التَّحتيَّة آخرها هاءُ تأنيثٍ (وَهْيَ الفَوَاضِلُ) بالضَّاد المعجمة، قاله أبو عبيدة.

قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾ (﴿مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]) أي: (مُؤَخَّرُونَ) لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاضٍ، وهذه ساقطةٌ لأبي ذرٍّ.

(الشَّفَا) بفتح (١) المعجمة والفاء مقصورًا، يريد قوله تعالى: ﴿عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وفسَّر الشَّفا بقوله: (شَفِيرٌ) ولأبي ذرٍّ: «الشَّفير» ثمَّ قال: (وَهْوَ) أي: الشَّفير (حَدُّهُ) بالدَّال بعد الحاء المهملتين، وللكُشْميهَنيِّ (٢): «وهو حرفه» أي: جانبه.

(وَالجُرُفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ) أي: يحفر بالماء فصار واهيًا.

(﴿هَارٍ﴾) أي: (هَائِرٍ) يقال: انهارت البئر؛ إذا تهدَّمت (٣)، قال القاضي: وإنَّما وضع شفا الجرف -وهو ما جرفه الوادي- الهائر في مقابلة التَّقوى؛ تمثيلًا لِمَا بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثمَّ رشَّحه بانهياره به في النَّار، ووضعه (٤) في مقابلة الرِّضوان؛ تنبيهًا على أنَّ تأسيس ذلك على أمر يحفظه عن النار (٥)، ويوصله إلى رضوان الله تعالى ومقتضياته التي (٦) الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه (٧) على صدد الوقوع في النَّار ساعةً فساعةً، ثمَّ إنَّ مصيرهم إلى النَّار لا محالة. انتهى. (يُقَالُ: تَهوَّرَتِ البِئْرُ؛ إِذَا انْهَدَمَتْ، وَانْهَارَ: مِثْلَه) كذا لأبوي ذرٍّ والوقت، وسقط لغيرهما (٨).

وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ (﴿لأوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤]) أي: (شَفَقًا وَفَرَقًا) كنايةً عن فرط ترحُّمه ورقَّة

قلبه، وفيه بيان الحامل له على الاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه (وَقَالَ الشَّاعِرُ) وهو المثقَّب -بتشديد القاف المفتوحة- العبديُّ، واسمه: جحاش بن عائذ (١) بن محصن، وسقط لفظ «الشَّاعر» لغير أبي ذرٍّ (إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ) بفتح الهمزة والحاء المهملة، من رحلت الناقة أرحلها؛ إذا شددتَ الرَّحل على ظهرها، والرَّحل: أصغر من القتب.

(تَأَوَّهُ آهَةَ) بمدِّ الهمزة، وللأصيليِّ: «أَهَّة» (الرَّجُلِ الحَزِينِ) بتشديد الهاء وقصر الهمزة، قال الحريريُّ في «درَّة الغوَّاص»: يقولون في التَّأوُّه: أَوَّه (٢)، والأفصح أن يقال: أُوْهَُِ بكسر الهاء وضمِّها وفتحها، والكسر أغلب، وعليه قول الشَّاعر:

فأَوْهٍ لذكراها إذا ما ذكرتها ......................

وقد شدَّد بعضهم الواو، فقال: أوَّه، ومنهم من حذف الهاء -وكسر الواو- فقال: أوَّ، وتصريف الفعل منها: أوَّه وتأوَّه، والمصدر الآهة، ومنه قول مثقَّبٍ العبديِّ:

إذا ما قُمْتُ أَرْحلُها بِلَيْلٍ .......................

البيت، وهذا البيت من جملة قصيدة أوَّلها:

أفاطمُ قبل بينِكِ متِّعيني … ومنعك ما سألت كأن تبيني

ولا تَعِدِي مواعدَ كاذباتٍ … تمرُّ بها رياحُ الصَّيف دوني

فإنِّي لو تخالفني شِمالي … لَمَا أتبعتُها أبدًا يميني

(١) (بابُ قَوْله) ﷿: (﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾) أي: هذه براءةٌ مبتدأٌ صدورها من الله تعالى، وغاية انتهائها: (﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]) فـ ﴿بَرَاءةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، وقيل: مبتدأٌ خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ وجاز الابتداء بالنَّكرة؛ لأنَّها تخصَّصت بالجارِّ بعدها، والمعنى: أنَّ الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وذلك أنَّهم عاهدوا مشركي العرب، فنكثوا، ولم يفِ به إلَّا بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم بنبذ العهد إلى من نقضه، وأُمِروا أن يسيحوا الأربعة أشهر (١) الحرم؛ صيانةً لها من القتال.

وقوله: (﴿وَ أُذُنٌ﴾) أي: (إعلامٌ) يقال: آذنته إيذانًا وأذانًا، وهو اسمٌ قام مقام المصدر، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ﴾ (﴿أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]: يُصَدِّقُ) كلَّ ما سَمِع، وسُمِّي بالجارحة للمبالغة، كأنَّه من فرط سماعه صار جملة آلة السَّماع، كما سُمِّي الجاسوس عينًا؛ لذلك.

وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]) بمعنًى واحدٍ (٢)؛ لأنَّ الزَّكاة والتَّزكية في اللُّغة: الطَّهارة (وَنَحْوُهَا) وفي نسخةٍ: «ونحو هذا» (كَثِيرٌ) في القرآن، أو في لغات العرب (وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالإِخْلَاصُ) أي: تأتي بمعناهما، رواه ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: «الزَّكاة: طاعة الله والإخلاص» وقوله تعالى في سورة فصَّلت: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ﴾ (﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]) قال ابن عبَّاسٍ فيما رواه عليُّ بن أبي طلحة عنه: (لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وهذا ذكره استطرادًا.

وقوله تعالى: (﴿يُضَاهِؤُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]) قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عن عليِّ ابن أبي طلحة عنه (٣): (يُشَبِّهُونَ) وقال أبو عبيدة: هي التَّشبيه، وقال القاضي أي: يضاهي قولهم قول الذين كفروا، فحُذِف المضاف وأُقِيم المضاف إليه مُقامه، والمضاهاة: المشابهة، وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن قول اليهود: عزيرٌ ابن الله، والنَّصارى (٤): المسيح ابن الله، فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] والتَّقييد بكونه بأفواههم مع أنَّ القول لا يكون إلَّا بالفم للإشعار بأنَّه لا دليل عليه، فهو كالمهملات، لم يقصد بها

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله