الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٦٢
الحديث رقم ٤٦٦٢ من كتاب «سورة براءة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ * مَعَنَا﴾ نَاصِرُنَا، السَّكِينَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ.
٤٦٦٢ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ * الْقَيِّمُ﴾ هُوَ الْقَائِمُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾» أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدِّين المستقيم دين إبراهيم، وتخصيص بعض الزَّمان بالحرمة كليلة القدر والجمعة والعيد بالفضل دون بعضٍ؛ أنَّ النُّفوس مجبولةٌ على الشَّرِّ، يشقُّ عليها الامتناع عن الشَّرِّ بالكليَّة، فمُنِعَت عنه في بعض الأوقات لحرمته، وقد كانوا يعظِّمون هذه الأشهر حتَّى لو لقي الرَّجل قاتل أبيه لم يقتله، فأكَّد الله تعالى ذلك بأن منع الظُّلم فيها بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: لا تُحلِّوا حرامها (١)؛ ولذا قيل: لا يحلُّ القتال فيها ولا في الحرم، والجمهور على أنَّ حرمة المقاتلة فيها منسوخةٌ، ويؤيِّده: ما رُوِي أنَّه ﷺ حاصر الطَّائف في شهرٍ حرامٍ؛ وهو ذو القعدة، كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢): أنَّه حاصرها أربعين يومًا، وسقط «باب (٣) قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بتشديد الميم، ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث، ولأبي ذرٍّ: «عن أبيه» بدل: «عن أبي بكرة»، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ) في خطبته في حجَّة الوداع بمنًى (٤) في أوسط أيام التَّشريق: أيُّها النَّاس: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَتِهِ) أي: مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة، وبطل النَّسيءُ؛ وهو تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنَّهم كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون؛ أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، ورفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد
العدد (١)، وقيل: كانوا يستحلُّون القتال في المحرَّم لطول مدة التَّحريم بتوالي ثلاثة أشهرٍ محرَّمةٍ، ثمَّ يحرِّمون صفر مكانه، فكأنَّهم يقترضونه ثمَّ يوفونه، وقيل: كانوا يُحلِّون المحرَّم مع صفر من عامٍ (٢) ويسمونهما صَفَرَين، ثمَّ يحرِّمونها من عامٍ قابلٍ ويسمُّونها مُحرَّمَين، وقيل: بل كانوا ربَّما احتاجوا إلى صفر أيضًا فأحلُّوه وجعلوا مكانه ربيعًا، ثمَّ يدور كذلك التَّحريم والتَّحليل بالتَّأخير على السَّنة كلِّها، إلى أن جاء الإسلام فوافق حجَّةَ الوداع رجوعُ التَّحريم إلى المحرَّم الحقيقيِّ، وصار الحجُّ مختصًّا بوقتٍ معينٍ، واستقام حساب السَّنة، ورجع إلى الأصل (٣) الموضوع يوم خلق السَّموات والأرض (السَّنَةُ) العربيَّة الهلاليَّة: (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) على ما توارثوه من إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وذلك بعدد البروج التي تدور الشَّمس فيها السَّنة الشَّمسيَّة، فإذا دار القمر فيها كلِّها؛ كملت دورته السَّنوية، وإنَّما جعل الله تعالى الاعتبار بدور القمر؛ لأنَّ ظهوره في السَّماء لا يُحتاج إلى حسابٍ ولا (٤) كتابٍ، بل هو أمرٌ ظاهرٌ مشاهدٌ (٥) بالبصر، بخلاف سير الشَّمس، فإنَّه تَحتَاج معرفته إلى حسابٍ، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال ﵊: «إنَّا أمَّةٌ أميَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب، الشَّهر هكذا وهكذا … » الحديث [خ¦١٩١٣].
واعلم أنَّ «السَّنة» و «الحول» و «العام» مترادفةٌ، فمعناها واحدٌ، كما هو ظاهر كلام كثيرٍ من اللُّغويِّين، وهي مشتملةٌ على ثلاث مئةٍ وأربعةٍ وخمسين يومًا وخمس (٦) وسدس يومٍ، كذا ذكره صاحب «المهذَّب» من الشَّافعية في «الطَّلاق»، قالوا: لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسعٌ وعشرون، إلَّا ذا الحجَّة فإنَّه تسعٌ وعشرون وخُمُسُ يومٍ وسدس يومٍ، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسُّدس، وصحَّح بعضهم أنَّ السَّنة الهلاليَّة ثلاث مئةٍ وخمسةٌ وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في كتاب «التَّنوير»، وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي
ذكرها الله تعالى في كتابه، وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام، فيكونان متباينين، فقال: إنَّ العام من أوَّل المحرم إلى آخر ذي الحجَّة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من القابل (١)، نقله ابن الخبَّاز (٢) في «شرح اللُّمع» له، وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطع الفلك كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر (٣)، وإنَّما علَّق الله تعالى على الشَّمس أحكام (٤) الصَّلاة والصِّيام حيث كان ذلك مشاهدًا بالبصر، لا يحتاج إلى حسابٍ ولا كتابٍ، فالصَّلاة تتعلَّق بطلوع الفجر، وطلوع الشَّمس وزوالها، ومصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله (٥) بعد الذي زالت عليه الشَّمس، وبغروب الشَّمس، والسَّنة القمريَّة أقلُّ من الشَّمسية بمقدارٍ معلومٍ، وبسبب ذلك النُّقصان تنتقل الشُّهور القمريَّة من فصلٍ إلى آخر، فيقع (٦) الحجُّ في الشِّتاء تارةً، وفي الصَّيف أخرى، وذكر الطَّبريُّ: أنَّهم كانوا يجعلون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ومن وجهٍ آخر يجعلونها اثني عشر شهرًا وخمسةً وعشرين يومًا، فتدور الأيَّام والشُّهور كذلك، وقول: إنَّ حجَّة الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه سنة تسعٍ كانت في ذي القعدة. فيه نظرٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ الاية [التوبة: ٢] وإنَّما نُودِي
بذلك في حجَّة أبي بكرٍ، فلو لم تكن في ذي الحجَّة لَمَا قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾.
(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لِعِظَم حرمتها وعِظَم (١) الذَّنب فيها، أو لتحريم القتال فيها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) أي: متتابعاتٌ، وهو تفسيرٌ للأربعة الحرم، قال ابن التِّين -فيما نقله في «الفتح» -: الصَّواب: ثلاثةٌ متواليةٌ؛ يعني: لأنَّ المميَّز الشَّهر، قال: ولعلَّه أعاد على المعنى، أي: ثلاث مددٍ متوالياتٍ، لكن إذا لم يُذكَر التَّمييز (٢) جاز التَّذكير والتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ: «ثلاثةٌ متوالياتٌ» (ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ) بفتح القاف والحاء (وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) وهي القبيلة المشهورة، وأضافه إليها (٣) لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) الآخرة (وَشَعْبَانَ) وهذا تأكيدٌ وتصحيح لقول مُضَر، نافيًا به قول ربيعة: إنَّ رجبًا المحرَّم هو الشَّهر الذي بين شعبان وشوَّال؛ وهو رمضان اليوم، وإنَّما كانت الأشهر الأربعة ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء مناسك الحجِّ والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحجِّ شهرٌ؛ ليُسَار فيه إلى الحجِّ، وهو ذو القعدة؛ لأنَّهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجَّة؛ لأنَّهم يوقعون (٤) فيه الحجَّ، ويشتغلون بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرٌ آخر وهو المحرَّم؛ ليرجعوا (٥) فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمَّ يعود إلى وطنه آمنًا، وقد تمسَّك من قال: بأنَّها من سنتين بقوله: ثلاثٌ متوالياتٌ، من حيث كونها ثلاثًا متوالياتٍ؛ (٦) ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم، وواحدٌ فردٌ وهو رجب، وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «أوَّلهنَّ رجب»، لكن في إسناده ضَعْفٌ، وعن أهل المدينة: أنَّها من سنتين، وأوَّلها ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، ثمَّ رجب آخرها، وعن بعض أهل المدينة أيضًا: إنَّ أوَّلها رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، وعن أهل الكوفة: إنَّها من سنةٍ واحدةٍ، أوَّلها المحرَّم ثمَّ رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة،
واختُلِفَ أيُّها أفضل؟ فقال بعض الشَّافعية: رجب، وضعَّفه النَّوويُّ وغيره، وقيل: المحرَّم، قاله الحسن، ورجَّحه النَّوويُّ، وقيل: ذو الحجَّة، ورُوِي عن سعيد بن جبيرٍ وغيره، قال بعضهم: إذا رأيت العرب السَّادات قد تركوا العادات وحرَّموا الغارات؛ قالوا: محرَّم، وإذا ضعفت أبدانهم واصفرَّت ألوانهم؛ قالوا: صفر، وإذا زهت البساتين وظهرت الرَّياحين؛ قالوا: ربيعان، وإذا قلَّت الثمار وجمد الماء؛ قالوا: جماديان، وإذا هاجت الرِّياح وجرت الأنهار وترجَّبت الأشجار؛ قالوا: رجب، وإذا بانت الفصائل وتشعَّبت القبائل؛ قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا وطغى جمر الغضى؛ قالوا: رمضان، وإذا قلَّ السَّحاب وكثر الذُّباب وشالت الأذناب؛ قالوا: شوَّال، وإذا قعد التُّجار عن الأسفار؛ قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحجَّ من كلِّ فجِّ وأظهروا العجَّ والثَّجَّ؛ قالوا: ذو الحجَّة (١).
وهذا الحديث ذكره في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧].
(٩) (باب قوله) تعالى -وسقط من «اليونينيَّة» لغير أبي ذرٍّ (٢) - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) نصبٌ على الحال من مفعول «أخرجه»، وهو مثل: خامس خمسةٍ؛ أي: أحد اثنين (﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾) أي: حصلا فيه، والغار: ثقبٌ في الجبل، يُجمَع على غِيْران (﴿إِذْ يَقُولُ﴾) ﷺ (﴿لِصَاحِبِهِ﴾) وهو أبو بكر الصِّدِّيق، فيه دليلٌ على أنَّ من أنكر كون أبي بكرٍ من الصَّحابة؛ كفر لتكذيبه القرآن، فإن قلت: لا دلالة في اللَّفظ على خصوصه؛ أُجيب بأنَّ الإجماع على أنَّه لم يكن غيره: (﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: (٣) نَاصِرُنَا) وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (٤) لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾» وقال: «﴿مَعَنَا﴾: ناصرنا».
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«﴿ذَلِكَ الدِّينُ﴾» أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدِّين المستقيم دين إبراهيم، وتخصيص بعض الزَّمان بالحرمة كليلة القدر والجمعة والعيد بالفضل دون بعضٍ؛ أنَّ النُّفوس مجبولةٌ على الشَّرِّ، يشقُّ عليها الامتناع عن الشَّرِّ بالكليَّة، فمُنِعَت عنه في بعض الأوقات لحرمته، وقد كانوا يعظِّمون هذه الأشهر حتَّى لو لقي الرَّجل قاتل أبيه لم يقتله، فأكَّد الله تعالى ذلك بأن منع الظُّلم فيها بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: لا تُحلِّوا حرامها (١)؛ ولذا قيل: لا يحلُّ القتال فيها ولا في الحرم، والجمهور على أنَّ حرمة المقاتلة فيها منسوخةٌ، ويؤيِّده: ما رُوِي أنَّه ﷺ حاصر الطَّائف في شهرٍ حرامٍ؛ وهو ذو القعدة، كما ثبت في «الصَّحيحين» (٢): أنَّه حاصرها أربعين يومًا، وسقط «باب (٣) قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بتشديد الميم، ابن درهم الأزديُّ الجهضميُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث، ولأبي ذرٍّ: «عن أبيه» بدل: «عن أبي بكرة»، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ) في خطبته في حجَّة الوداع بمنًى (٤) في أوسط أيام التَّشريق: أيُّها النَّاس: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ) استدارةً (كَهَيْئَتِهِ) أي: مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة، وبطل النَّسيءُ؛ وهو تأخير حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنَّهم كانوا إذا جاء شهرٌ حرامٌ وهم محاربون؛ أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، ورفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد
العدد (١)، وقيل: كانوا يستحلُّون القتال في المحرَّم لطول مدة التَّحريم بتوالي ثلاثة أشهرٍ محرَّمةٍ، ثمَّ يحرِّمون صفر مكانه، فكأنَّهم يقترضونه ثمَّ يوفونه، وقيل: كانوا يُحلِّون المحرَّم مع صفر من عامٍ (٢) ويسمونهما صَفَرَين، ثمَّ يحرِّمونها من عامٍ قابلٍ ويسمُّونها مُحرَّمَين، وقيل: بل كانوا ربَّما احتاجوا إلى صفر أيضًا فأحلُّوه وجعلوا مكانه ربيعًا، ثمَّ يدور كذلك التَّحريم والتَّحليل بالتَّأخير على السَّنة كلِّها، إلى أن جاء الإسلام فوافق حجَّةَ الوداع رجوعُ التَّحريم إلى المحرَّم الحقيقيِّ، وصار الحجُّ مختصًّا بوقتٍ معينٍ، واستقام حساب السَّنة، ورجع إلى الأصل (٣) الموضوع يوم خلق السَّموات والأرض (السَّنَةُ) العربيَّة الهلاليَّة: (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) على ما توارثوه من إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وذلك بعدد البروج التي تدور الشَّمس فيها السَّنة الشَّمسيَّة، فإذا دار القمر فيها كلِّها؛ كملت دورته السَّنوية، وإنَّما جعل الله تعالى الاعتبار بدور القمر؛ لأنَّ ظهوره في السَّماء لا يُحتاج إلى حسابٍ ولا (٤) كتابٍ، بل هو أمرٌ ظاهرٌ مشاهدٌ (٥) بالبصر، بخلاف سير الشَّمس، فإنَّه تَحتَاج معرفته إلى حسابٍ، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال ﵊: «إنَّا أمَّةٌ أميَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب، الشَّهر هكذا وهكذا … » الحديث [خ¦١٩١٣].
واعلم أنَّ «السَّنة» و «الحول» و «العام» مترادفةٌ، فمعناها واحدٌ، كما هو ظاهر كلام كثيرٍ من اللُّغويِّين، وهي مشتملةٌ على ثلاث مئةٍ وأربعةٍ وخمسين يومًا وخمس (٦) وسدس يومٍ، كذا ذكره صاحب «المهذَّب» من الشَّافعية في «الطَّلاق»، قالوا: لأنَّ شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسعٌ وعشرون، إلَّا ذا الحجَّة فإنَّه تسعٌ وعشرون وخُمُسُ يومٍ وسدس يومٍ، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسُّدس، وصحَّح بعضهم أنَّ السَّنة الهلاليَّة ثلاث مئةٍ وخمسةٌ وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في كتاب «التَّنوير»، وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي
ذكرها الله تعالى في كتابه، وفرَّق بعضهم بين السَّنة والعام، فيكونان متباينين، فقال: إنَّ العام من أوَّل المحرم إلى آخر ذي الحجَّة، والسَّنة من كلِّ يومٍ إلى مثله من القابل (١)، نقله ابن الخبَّاز (٢) في «شرح اللُّمع» له، وسُمِّي العام عامًا؛ لأنَّ الشَّمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك؛ لأنَّها تقطع الفلك كلَّه في السَّنة مرَّةً، وتقطع في كلِّ شهرٍ برجًا من البروج الاثني عشر (٣)، وإنَّما علَّق الله تعالى على الشَّمس أحكام (٤) الصَّلاة والصِّيام حيث كان ذلك مشاهدًا بالبصر، لا يحتاج إلى حسابٍ ولا كتابٍ، فالصَّلاة تتعلَّق بطلوع الفجر، وطلوع الشَّمس وزوالها، ومصير ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله (٥) بعد الذي زالت عليه الشَّمس، وبغروب الشَّمس، والسَّنة القمريَّة أقلُّ من الشَّمسية بمقدارٍ معلومٍ، وبسبب ذلك النُّقصان تنتقل الشُّهور القمريَّة من فصلٍ إلى آخر، فيقع (٦) الحجُّ في الشِّتاء تارةً، وفي الصَّيف أخرى، وذكر الطَّبريُّ: أنَّهم كانوا يجعلون السَّنة ثلاثة عشر شهرًا، ومن وجهٍ آخر يجعلونها اثني عشر شهرًا وخمسةً وعشرين يومًا، فتدور الأيَّام والشُّهور كذلك، وقول: إنَّ حجَّة الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه سنة تسعٍ كانت في ذي القعدة. فيه نظرٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ الاية [التوبة: ٢] وإنَّما نُودِي
بذلك في حجَّة أبي بكرٍ، فلو لم تكن في ذي الحجَّة لَمَا قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾.
(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لِعِظَم حرمتها وعِظَم (١) الذَّنب فيها، أو لتحريم القتال فيها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) أي: متتابعاتٌ، وهو تفسيرٌ للأربعة الحرم، قال ابن التِّين -فيما نقله في «الفتح» -: الصَّواب: ثلاثةٌ متواليةٌ؛ يعني: لأنَّ المميَّز الشَّهر، قال: ولعلَّه أعاد على المعنى، أي: ثلاث مددٍ متوالياتٍ، لكن إذا لم يُذكَر التَّمييز (٢) جاز التَّذكير والتَّأنيث، ولأبي ذرٍّ: «ثلاثةٌ متوالياتٌ» (ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحَجَّةِ) بفتح القاف والحاء (وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ) وهي القبيلة المشهورة، وأضافه إليها (٣) لأنَّهم كانوا متمسِّكين بتعظيمه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) الآخرة (وَشَعْبَانَ) وهذا تأكيدٌ وتصحيح لقول مُضَر، نافيًا به قول ربيعة: إنَّ رجبًا المحرَّم هو الشَّهر الذي بين شعبان وشوَّال؛ وهو رمضان اليوم، وإنَّما كانت الأشهر الأربعة ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فردٌ؛ لأجل أداء مناسك الحجِّ والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحجِّ شهرٌ؛ ليُسَار فيه إلى الحجِّ، وهو ذو القعدة؛ لأنَّهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجَّة؛ لأنَّهم يوقعون (٤) فيه الحجَّ، ويشتغلون بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرٌ آخر وهو المحرَّم؛ ليرجعوا (٥) فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به، لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثمَّ يعود إلى وطنه آمنًا، وقد تمسَّك من قال: بأنَّها من سنتين بقوله: ثلاثٌ متوالياتٌ، من حيث كونها ثلاثًا متوالياتٍ؛ (٦) ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم، وواحدٌ فردٌ وهو رجب، وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعًا: «أوَّلهنَّ رجب»، لكن في إسناده ضَعْفٌ، وعن أهل المدينة: أنَّها من سنتين، وأوَّلها ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، ثمَّ رجب آخرها، وعن بعض أهل المدينة أيضًا: إنَّ أوَّلها رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة ثمَّ المحرَّم، وعن أهل الكوفة: إنَّها من سنةٍ واحدةٍ، أوَّلها المحرَّم ثمَّ رجب ثمَّ ذو القعدة ثمَّ ذو الحجَّة،
واختُلِفَ أيُّها أفضل؟ فقال بعض الشَّافعية: رجب، وضعَّفه النَّوويُّ وغيره، وقيل: المحرَّم، قاله الحسن، ورجَّحه النَّوويُّ، وقيل: ذو الحجَّة، ورُوِي عن سعيد بن جبيرٍ وغيره، قال بعضهم: إذا رأيت العرب السَّادات قد تركوا العادات وحرَّموا الغارات؛ قالوا: محرَّم، وإذا ضعفت أبدانهم واصفرَّت ألوانهم؛ قالوا: صفر، وإذا زهت البساتين وظهرت الرَّياحين؛ قالوا: ربيعان، وإذا قلَّت الثمار وجمد الماء؛ قالوا: جماديان، وإذا هاجت الرِّياح وجرت الأنهار وترجَّبت الأشجار؛ قالوا: رجب، وإذا بانت الفصائل وتشعَّبت القبائل؛ قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا وطغى جمر الغضى؛ قالوا: رمضان، وإذا قلَّ السَّحاب وكثر الذُّباب وشالت الأذناب؛ قالوا: شوَّال، وإذا قعد التُّجار عن الأسفار؛ قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحجَّ من كلِّ فجِّ وأظهروا العجَّ والثَّجَّ؛ قالوا: ذو الحجَّة (١).
وهذا الحديث ذكره في «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧].
(٩) (باب قوله) تعالى -وسقط من «اليونينيَّة» لغير أبي ذرٍّ (٢) - ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) نصبٌ على الحال من مفعول «أخرجه»، وهو مثل: خامس خمسةٍ؛ أي: أحد اثنين (﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾) أي: حصلا فيه، والغار: ثقبٌ في الجبل، يُجمَع على غِيْران (﴿إِذْ يَقُولُ﴾) ﷺ (﴿لِصَاحِبِهِ﴾) وهو أبو بكر الصِّدِّيق، فيه دليلٌ على أنَّ من أنكر كون أبي بكرٍ من الصَّحابة؛ كفر لتكذيبه القرآن، فإن قلت: لا دلالة في اللَّفظ على خصوصه؛ أُجيب بأنَّ الإجماع على أنَّه لم يكن غيره: (﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: (٣) نَاصِرُنَا) وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (٤) لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾» وقال: «﴿مَعَنَا﴾: ناصرنا».