الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٢٩
الحديث رقم ٤٩٢٩ من كتاب «سورة القيامة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قال ابن عباس قرأناه بيناه فاتبع اعمل به.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ تَوَعُّدٌ».
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾
يُقَالُ مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ ﴿أَمْشَاجٍ﴾ الْأَخْلَاطُ، مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ: إِذَا خُلِطَ مَشِيجٌ كَقَوْلِكَ خَلِيطٌ وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ، وَيُقَالُ: ﴿سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا﴾ وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ، ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ مُمْتَدًّا، الْبَلَاءُ وَالْقَمْطَرِيرُ الشَّدِيدُ، يُقَالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ، وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَيَّامِ فِي الْبَلَاءِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: ﴿أَسْرَهُمْ﴾ شِدَّةُ الْخَلْقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ فَهْوَ مَأْسُورٌ.
﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿جِمَالَاتٌ﴾ حِبَالٌ، ﴿ارْكَعُوا﴾ صَلُّوا، لَا يُصَلُّونَ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾، فَقَالَ: إِنَّهُ ذُو أَلْوَانٍ مَرَّةً يَنْطِقُونَ وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ.
٤٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَتَمُّ سِيَاقًا.
٣ - بَاب: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ بَيَّنَّاهُ، ﴿فَاتَّبِعْ﴾ اعْمَلْ بِهِ
٤٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ. ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ تَوَعُّدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَرَأْنَاهُ بَيَّنَّاهُ، فَاتَّبِعْ: اعْمَلْ بِهِ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ: كَانَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي النُّزُولِ، وَكَانَتِ الشِّدَّةُ تَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ لِثِقَلِ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ: فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، وَفِي حَدِيثِهَا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَيْضًا: وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الشِّدَّةَ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَكِنَّ إِحْدَاهُمَا أَشَدُّ مِنَ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) اقْتَصَرَ أَبُو عَوَانَةَ عَلَى ذِكْرِ الشَّفَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إِسْرَائِيلُ، وَاقْتَصَرَ سُفْيَانُ عَلَى ذِكْرِ اللِّسَانِ، وَالْجَمِيعُ مُرَادٌ إِمَّا لِأَنَّ التَّحْرِيكَيْنِ مُتَلَازِمَانِ غَالِبًا، أَوِ الْمُرَادُ يُحَرِّكُ فَمَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَانِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اللِّسَانُ هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّطْقِ اقْتَصَرَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ السَّبَبَ فِي الْمُبَادَرَةِ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يَجِدُهَا عِنْدَ النُّزُولِ، فَكَانَ يَتَعَجَّلُ بِأَخْذِهِ لِتَزُولَ الْمَشَقَّةُ سَرِيعًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْسَاهُ حَيْثُ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ تَخْشَى أَنْ يَنْفَلِتَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: كَانَ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ يَتَذَكَّرُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّا سَنَحْفَظُهُ عَلَيْكَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَجَّلَ يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ إِيَّاهُ، فَأُمِرَ أَنْ يَتَأَنَّى إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ النُّزُولُ. وَلَا بُعْدَ فِي تَعَدُّدِ السَّبَبِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكْهُمَا، فَأُطْلِقَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقُيِّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي خَبَرِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَبْدَأِ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ، وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ فَيَرَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَئِذٍ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُ لَكَ شَفَتَيَّ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِبْرَازَ الضَّمِيرِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِلشَّفَتَيْنِ ذِكْرٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ)؛ أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَوَّزَ اجْتِهَادَ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَوَّزَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَنْ يَكُونَ أُذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِعْجَالِ إِلَى وَقْتِ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، بَلْ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالْحِفْظِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكِ، وَرِوَايَةُ جَرِيرٍ أَوْضَحُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ مَعْنَى جَمْعَهُ: تَأْلِيفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقُرْآنَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: أَنْ تَقْرَأَهُ؛ أَيْ أَنْتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ: وَتَقْرَأَهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾؛ أَيْ قَرَأَهُ عَلَيْكَ الْمَلَكُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ) هَذَا تَأْوِيلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَخَصُّ مِنَ الْإِنْصَاتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ الْإِصْغَاءُ وَالْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ الْإِصْغَاءُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ قَوْلَيْنِ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ (اسْتَمِعْ): اتَّبِعْ حَلَالَهُ وَاجْتَنِبْ حَرَامَهُ. وَيُؤَيِّدُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ لِجِبْرِيلَ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا انْتَهَتْ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ فَاقْرَأْ أَنْتَ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: عَلَى لِسَانِكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: أَنْ تَقْرَأَهُ وَهِيَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، لِمَا تَقْتَضِيهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي. وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَتَبِعُوهُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْبَيَانِ بِتَبْيِينِ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِمْرَارُ حِفْظِهِ لَهُ وَظُهُورِهِ عَلَى لِسَانِهِ فَلَا. قَالَ الْآمِدِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَيَانِ الْإِظْهَارُ لَا بَيَانُ الْمُجْمَلِ، يُقَالُ: بَانَ الْكَوْكَبُ؛ إِذَا ظَهَرَ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَالْمُجْمَلُ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُهُ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِبَعْضِهِ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْإِظْهَارُ وَالتَّفْصِيلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: بَيَانَهُ جِنْسٌ مُضَافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَصْنَافِهِ مِنْ إِظْهَارِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ تَخْصِيصٍ وَتَقْيِيدٍ وَنَسْخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَأُعِيدَ بَعْضُهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.
٧٦ - سُورَةُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، أَمْشَاجٌ: الْأَخْلَاطُ؛ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ. وَيُقَالُ: ﴿سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ. مُسْتَطِيرًا: مُمْتَدَّ الْبَلَاءَ. وَالْقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ، يُقَالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قَمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَيَّامِ فِي الْبَلَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: النَّضْرَةُ فِي
الْوَجْهِ، وَالسُّرُورُ فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَرَائِكُ؛ السُّرُرُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: السُّرُرُ؛ الْحِجَالُ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ الْبَرَاءُ: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾؛ يَقْطِفُونَ كَيْفَ شَاءُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَلْسَبِيلًا؛ حَدِيدُ الْجَرْيَةِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَسْرَهُمْ؛ شِدَّةُ الْخَلْقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ وَغَبِيطٍ فَهُوَ مَأْسُورٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَقَالَ يَحْيَى وَهُوَ صَوَابٌ لِأَنَّهُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: لِأَنَّكَ تَقُولُ: هَلْ وَعَظْتُكَ؟ هَلْ أَعْطَيْتُكَ؟ تُقَرِّرُهُ بِأَنَّكَ وَعَظْتَهُ وَأَعْطَيْتَهُ. وَالْجَحْدُ أَنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا؟ وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ هَلْ لِلِاسْتِفْهَامِ، لَكِنْ تَكُونُ تَارَةً لِلتَّقْرِيرِ وَتَارَةً لِلْإِنْكَارِ، فَدَعْوَى زِيَادَتِهَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿هَلْ أَتَى﴾ مَعْنَاهُ: قَدْ أَتَى، وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: فَالَّذِي أَنْشَأَهُ - بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ - قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ. وَنَحْوُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أَيْ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ أَنْشَأَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلْقِهِ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ انْتِفَاءُ الْمَوْصُوفِ بِانْتِفَاءِ صِفَتِهِ. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (أَمْشَاجٍ: الْأَخْلَاطُ، مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ: الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ وَهُوَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، وَالدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ مِنْ هَذَا إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ كَقَوْلِكَ: مَخْلُوطٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: مِنَ الرَّجُلِ الْجِلْدُ وَالْعَظْمُ، وَمِنَ الْمَرْأَةِ الشَّعْرُ وَالدَّمُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: مِنْ نُطْفَةٍ مُشِجَتْ بِدَمٍ وَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْشَاجٍ قَالَ: مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَحْمَرُ وَأَسْوَدُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: الْأَمْشَاجُ إِذَا اخْتَلَطَ الْمَاءُ وَالدَّمُ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ثُمَّ كَانَ مُضْغَةً. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْأَمْشَاجُ الْعُرُوقُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَيُقَالُ: سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ) هُوَ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالزَّايِ بَدَلَ الرَّاءِ وَرَجَّحَ الرَّاءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ أَجْرَى سَلَاسِلًا وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُجْرِهَا؛ أَيْ لَمْ يَصْرِفْهَا، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ قَدِيمٌ، يَقُولُونَ لِلِاسْمِ الْمَصْرُوفِ مُجْرًى. وَالْكَلَامُ الْمَذْكُورُ لِلْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ كُتِبَتْ (سَلَاسِلَ) بِالْأَلِفِ وَأَجْرَاهَا بَعْضُ الْقُرَّاءِ مَكَانَ الْأَلِفِ الَّتِي فِي آخِرِهَا، وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ، وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُثْبِتُ الْأَلِفَ فِي النَّصْبِ وَتَحْذِفُهَا عِنْدَ الْوَصْلِ، قَالَ: وَكُلٌّ صَوَابٌ. انْتَهَى، وَمُحَصَّلُ مَا جَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي سَلَاسِلَ التَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ بِأَلِفٍ وَبِغَيْرِهَا، فَنَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَرَءُوا بِالتَّنْوِينِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَوَقَفَ أَبُو عَمْرٍو بِالْأَلِفِ وَوَقَفَ حَمْزَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَجَاءَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ حَفْصٍ، وَابْنِ ذَكْوَانَ الْوَجْهَانِ، أَمَّا مَنْ نَوَّنَ فَعَلَى لُغَةِ مَنْ يَصْرِفُ جَمِيعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ حَكَاهَا الْكِسَائِيُّ، وَالْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُمَا، أَوْ عَلَى مُشَاكَلَةِ أَغْلَالًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) أي: ضمنَّا أن نحفظهُ عليك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وتكفَّلنَا (١) جمعه (وَ ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أَنْ تَقْرَأَهُ) بلسانِك (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ) مع جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) قراءتَه (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]) أي: (أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ) وفسَّره غير ابنِ عبَّاس ببيانِ ما أشكل من معانيهِ، وفيهِ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخِطاب.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي: (بَيَّنَّاهُ ﴿فَاتَّبِعْ﴾) أي: (اعْمَلْ بِهِ) وقال ابنُ عبَّاس -أيضًا فيما ذكرهُ ابنُ كثيرٍ-: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] نبيِّن حلالَه وحرامَه.
٤٩٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد بن قُرْط -بضم القاف وبعد الراء الساكنة طاء مهملة- الكوفيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (في قولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، وَكَانَ) ﵊ (مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَه وَشَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، واقتصرَ في روايةِ أبي عَوانة عن موسَى بنِ أبي عائشة في «بدءِ الوَحي» على ذكرِ الشَّفتين [خ¦٥] وكذلك إسرائيل عن ابنِ أبي عائشَة في
البابِ السَّابق قريبًا [خ¦٤٩٢٨] واقتصرَ سفيانُ على اللِّسان، والجميعُ مراد؛ إمَّا لأنَّ التَّحريكين متلازمانِ غالبًا، أو المرادُ يحرِّك به فمه المشتملُ على الشَّفتين واللِّسان، لكن لما كان اللِّسان هو الأصلَ في النُّطق اقتصَر في الآية عليهِ. قاله في «الفتح» (فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) حالةَ نزولِ الوحي لثقلهِ؛ ولذا (١) كان يلحقهُ البُرَحاء (وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ) ذلك الاشتدادُ حالةَ النُّزول عليه، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ يحيى التَّيميِّ، عن ابنِ (٢) أبي عائشةَ: وكان إذا نزلَ عليه عُرف في تحريكِه شفتيه، يتلقَّى أوَّله ويحرِّك بهِ شفتيهِ خشيةَ أن ينسَى أوَّله قبلَ أن يفرغَ من آخرهِ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى بسببِ اشتدادهِ عليه (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾) وهي قولهُ تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) وعن قتادةَ فيما (٣) رواهُ الطَّبريُّ: أنَّ معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفَه (وَقُرْآنَهُ) أي: تقرَأه أنت (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) عليكَ بلسان جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) أي: (فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ؛ فَاسْتَمِعْ) زادَ أبو عَوانة في «بدءِ الوَحي»: وأنصت [خ¦٥] (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]) أي: (عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ) أي: ابنُ عبَّاس: (فَكَانَ) ﵊ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ) أي: سكتَ (فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل (قَرَأَهُ) النَّبيُّ ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: «﷿» على الوجهِ الَّذي ألقاهُ عليهِ.
(﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥] تَوَعُّدٌ) وتهديدٌ، والكلمةُ اسم فعل، واللام للتَّبيين، أي: وَلِيك ما تكره يا أبَا جهلٍ وقرب منك، وقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ أي: فهو أولى بكَ من غيرهِ، وثبت: «﴿أَوْلَى … ﴾» إلى آخره لأبي ذرٍّ (٤).
(((٧٦))) (سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) وفي بعضِ النُّسخ: «وقال يحيَى» يعني: ابن زيادٍ الفرَّاء (مَعْنَاهُ: أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ «هَلْ» تَكُونُ جَحْدًا) أي: نفيًا (وَتَكُونُ خَبَرًا) يخبرُ بها عن أمرٍ مقرَّرٍ، فتكون على بابِها للاستفهامِ التَّقريري؛ ولذلك فسِّر بـ «قد»، وأصله كقوله:
سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنَا (١) … أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفحِ القَاعِ ذِي الأَكَمِ
(وَهَذَا) الَّذي في الآيةِ (مِنَ الخَبَرِ) الَّذي بمعنى: قد، والمعنى -كما في «الكشَّاف» -: أقد أتى؟ على التَّقرير والتَّقريب جميعًا، أي: أتَى على الإنسانِ قبلَ زمنٍ قريبٍ حينٌ من الدَّهر لم يكن فيهِ شيئًا مذكورًا، أي: كان شيئًا (٢) منسيًّا غيرَ مذكورٍ، أو هي للاستفهام التَّقريري لمن أنكرَ البَعث، كأنَّه قيل لمن أنكرَ البعث: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فيقول: نعم، فيقال له: من أحدثَه (٣) وكوَّنه بعد عدمهِ؛ كيف يمتنعُ عليه بعثَه وإحياؤه بعد موتِه؟ وهو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فهلَّا تذكَّرون فتعلَمون أن من أنشأَ شيئًا بعد أن لم يكن قادرًا على إعادتهِ بعدَ موتهِ وعدمه، فهي هنا للاستفهام التَّقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو (٤) الَّذي يجبُ أن يكون؛ لأنَّ الاستفهام لا يَرِدُ من الباري جلَّ وعلا إلَّا على هذا النَّحو وما أشبهَه (يَقُولُ: كَانَ) الإنسانُ (شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا) بل كانَ شيئًا منسيًّا غير مذكورٍ بالإنسانيَّة (وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ) والمرادُ بـ ﴿الْإِنسَانِ﴾: آدم، و ﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنةً، أو المرادُ بالإنسانِ الجنس، وبالحينِ مدَّة الحملِ.
(﴿أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]) أي: (الأَخْلَاطُ) وهي (مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ) يختلِطان في الرَّحم،
فأيُّهما علا على الآخرِ؛ كان الشَّبه له، ثمَّ ينتقلُ بعدُ (١) من طورٍ إلى طورٍ، ومن (٢) حالٍ إلى حالٍ؛ وهي (الدَّمُ وَالعَلَقَةُ) ثمَّ المُضغة، ثمَّ عظمًا يكسُوه لحمًا، ثمَّ يُنشئه خلقًا آخر، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ عكرمة قال: من الرَّجل الجلدُ والعظم، ومن المَرأة الشَّعر والدَّم، وقيل: إنَّ الله تعالى جعلَ في النُّطفة أخلاطًا (٣) من الطَّبائع الَّتي تكون في الإنسانِ؛ من الحرارَةِ والبُرودةِ، والرُّطوبة واليُبوسة، فعلى هذا يكون التَّقدير من نطفةٍ ذاتِ أمشاجٍ، و ﴿أَمْشَاجٍ﴾ نعتٌ لـ ﴿نُّطْفَةٍ﴾ ووقعَ الجمع صفة لمفرد؛ لأنَّه في معنى الجمع؛ لأنَّ المرادَ بها مجموعُ منيِّ الرَّجل والمرأة، وكلٌّ منهما مختلف (٤) الأجزاءِ في الرِّقة والقِوام والخَواص؛ ولذلك يصيرُ كلُّ جزءٍ منهما مادَّة عضو.
(وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ) شيءٌ بشيءٍ: (مَشِيجٌ) بفتح الميم، بوزن فعيل (كَقَوْلِكَ لَهُ: خَلِيطٌ) وسقط لفظ «له» لغير أبي ذرٍّ (وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ: مَخْلُوطٍ).
(وَيُقَالَ) ولأبي ذرٍّ في نسخة: «ويقرأ» (﴿سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤]) بتنوين ﴿سَلَاسِلَا﴾ (٥) وهي قراءةُ نافعٍ وهشام وأبي بكرٍ والكسائيِّ للتَّناسب؛ لأنَّ ما قبلهُ وما بعدهُ منوَّنٌ منصوبٌ، وقال الكسائيُّ وغيرُه من أهلِ الكوفةِ: إنَّ بعض العربِ يصرفُون جميع ما لا ينصرف إلَّا أفعل التَّفضيل. وعن الأخفشِ: يصرفونَ جميع ما لا ينصرف (٦) مُطلقًا، وهم بنو أسدٍ؛ لأنَّ الأصل في الأسماءِ الصَّرف، وترك الصَّرف لعارضٍ فيها، وإنَّ هذا الجمع قد يجمعُ وإن كان قليلًا، قالوا: صواحِب وصواحِبات، فلمَّا جمع شابهَ المفرد فانصرف (وَلَمْ يُجِزْه بَعْضُهُمْ) بضم الياء وكسر الجيم وبعد الزاي الساكنة هاء، أي: لم يجزِ التَّنوين بعضهم (٧)، كذا في الفَرْع، وسقطتِ الهاء في غيره، وفي «اليونينية» «بالراء» بدل: «الزاي» وسكون الجيم. وضبطَه في «الفتح»
بالراء المكسورة من غير هاء. قال: والمرادُ أنَّ بعضَ القرَّاء أجرى «سلاسل» وبعضهم لم يُجْرِها، أي: لم يصرفها. قال: وهو اصطلاحٌ قديمٌ، يقولون للاسم المصروف: مُجرًى، قال: وذكرَ عياضٌ أنَّ في رواية الأكثر بالزاي، وهو الأوجَه. وقال العينيُّ: لم يبيِّن وجهَ الأوجهيَّة بل الرَّاء أوجه على ما لا يخفى، وفي البَرْماويِّ: ولم يجِز بعضهم -بجيم مكسورة وزاي- من الجواز، وعند الأَصيليِّ: «ولم يجرَّ» براء مشددة، أي: لم يصرفه، وقال في «الكشَّاف» -فأغلظ وأساء-: إنَّ صاحبَ هذه القراءة ممَّن ضري بروايَة الشِّعر، ومرن لسانه على صرفِ ما لا ينصَرف. قال في «الانتصافِ»: هو -يعني: الزَّمخشري- يرى أنَّ القراءات المستفيضَة غير موقوفَة على النَّقل والتَّواتر، وجعلَ التَّواتر من جملةِ غلطِ اللِّسان، والحقُّ أنَّها متواترةٌ عن النَّبيِّ ﷺ، وهي لغة من صرف في منثورِ الكلامِ جميعَ ما لا ينصرف إلَّا أفعل، والقراءات تشتملُ على اللُّغات المختلفة.
(﴿مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]) قال الفرَّاء: (مُمْتَدًّا) والشَّر: (البَلَاءُ) والشِّدة (وَالقَمْطَرِيرُ) هو (الشَّدِيدُ) الكَريه (يُقَالَ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ) شديد (وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ) بضم القاف وبعد الميم ألف فطاء مكسورة فراء، قال الشَّاعر:
فَفَرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَارَ غُبَارُهَا … وَلَجَّ بِهَا اليَوْمُ الشَّدِيدُ القُمَاطِرُ
والقمطَرير: أصلُه -كما قال الزَّجَّاج- من اقْمَطَرَّتِ النَّاقَة؛ إذا رَفَعَتْ ذنبَهَا وجمعَتْ قُطْرَيْها وزَمَّت بأنْفِها (١) (وَالعَبُوسُ) في قولهِ ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] (وَالقَمْطَرِيرُ) بفتح القاف (وَالقُمَاطِرُ) بضمها (وَالعَصِيبُ) في قولهِ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] (أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلَاءِ) وأطولها.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين بين ميمين مفتوحتين آخره راء، هو أبو عُبيدة بنُ المثنَّى، قال في «الفتح»: وليسَ هو ابنَ راشدٍ (﴿أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨]) أي: (شِدَّةُ الخَلْقِ) بفتح الخاء
المعجمة وسكون اللام، وفي التَّفسير: أحكمنَا رَبْط مفاصِلهم بالأعصابِ (وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ) بفتح القاف والفوقية آخره موحدة، ولأبي ذرٍّ: «وغَبِيط» بغين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة: رحلٌ للنِّساء يشدُّ على الهودجِ، وفي نسخةٍ: «مأسور» الغَبيط: شيءٌ تركبهُ النِّساء يشبِه المِحَفَّة (١) (فَهْوَ مَأْسُورٌ) مربوطٌ.
وسقط لأبي ذرٍّ عن المُستملي من قولهِ: «مَعمر … » إلى هنا، وثبتَ له من روايتهِ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ، وزادَ في غيرِ (٢) الفَرْع كأصلهِ قبله -وعليه شرحَ في «الفتح» وقال: إنَّه ثبتَ للنَّسفيِّ-: «وقال الحسنُ» أي: البصريُّ «النُّضرة في الوجهِ» أي: حُسنًا فيهِ وإضاءَة «والسُّرور في القلبِ، وقالَ ابنُ عبَّاس» ﵄: «﴿الْأَرَائِكِ﴾» [الإنسان: ١٣] هي «السُّرُر»، وقال مقاتِل: السُّرر في الحجَال من الدُّرِّ والياقوتِ، «وقال البراءُ» ممَّا وصلَه سعيد بنُ منصور في قولهِ تعالى: «﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾» [الإنسان: ١٤]: «يقطفُون» ثمارهَا «كيف شاؤوا» قيامًا وقُعودًا ومضطجعين، وعلى أيِّ حالٍ كانوا.
«وقالَ مجاهِدٌ» في قولهِ: «﴿سَلْسَبِيلًا﴾» [الإنسان: ١٨] أي: «حَدِيدُ الجِرْيَة» في مسيلهِ، وعن بعضهم -فيمَا حكاهُ ابنُ جريرٍ-: إنَّما سمِّيت بذلك لسلاستِها في الحلقِ. وقال قتادةُ: مستعذبٌ ماؤها، وروى (٣) محيي السُّنَّة عن مقاتلٍ: سمِّيت سلسبيلًا لأنَّها تسيلُ عليهم في طرقِهم ومنازلِهم، تنبُع من أصلِ العَرش من جنَّة عدنٍ إلى سائرِ الجِنَان، ويؤيِّده قوله: ﴿تُسَمَّى﴾ وأمَّا إذا (٤) جعلَتْ صفةً -كما قال الزَّجَّاج- فمعنَى ﴿تُسَمَّى﴾ توصَفُ.
(((٧٧))) (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «سورة والمرسلات» وهي مكِّيَّة، وآيُها خمسون.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: (جِمَالَاتٌ) أي: (حِبَالٌ) بالحاء المهملة، أي: حبالُ السُّفن، وهذا (١) إنَّما يكونُ على قراءةِ روَيس: ﴿جِمَالَتٌ﴾ (٢) بضم الجيم، وأمَّا على قراءةِ الكسر؛ فجمع: جِمَال، أو جِمَالة جمع: جمَل، للحيوان المعروف، وسقط لغير (٣) أبي ذرٍّ «وقالَ مجاهدٌ».
(﴿ارْكَعُوا﴾) أي: (صَلُّوا. ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] لَا يُصَلُّونَ) فأطلقَ الرُّكوع وأرادَ الصَّلاة (٤)، من إطلاقِ الجزء وإرادةِ الكلِّ، وثبتَ: «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾» لأبي ذرٍّ (٥).
(وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عن قوله تعالى: (﴿لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]) وعن قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وعن قولهِ ﷿: (﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]) ما الجمعُ بينَ ذلك؟ (فَقَالَ) مجيبًا عنه: (إِنَّهُ) أي: يوم القيامةِ (ذُو أَلْوَانٍ؛ مَرَّةً يَنْطِقُونَ) فيشهدونَ على أنفسهم بما صنعُوا، ولا يكتُمون الله حديثًا (وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ) أي: على أفواهِهم، ومرَّة يختصمُون، ثمَّ يكون ما شاءَ الله يحلفونَ ويجحَدون فيُختم على أفواههمِ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾» و (٦) «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ إِلَى آخِرِهِ مُعَلَّقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ أَتَمُّ سِيَاقًا.
٣ - بَاب: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ بَيَّنَّاهُ، ﴿فَاتَّبِعْ﴾ اعْمَلْ بِهِ
٤٩٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ. ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ تَوَعُّدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَرَأْنَاهُ بَيَّنَّاهُ، فَاتَّبِعْ: اعْمَلْ بِهِ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ: كَانَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِبَيَانِ السَّبَبِ فِي النُّزُولِ، وَكَانَتِ الشِّدَّةُ تَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ لِثِقَلِ الْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ: فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، وَفِي حَدِيثِهَا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَيْضًا: وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الشِّدَّةَ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لَكِنَّ إِحْدَاهُمَا أَشَدُّ مِنَ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) اقْتَصَرَ أَبُو عَوَانَةَ عَلَى ذِكْرِ الشَّفَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إِسْرَائِيلُ، وَاقْتَصَرَ سُفْيَانُ عَلَى ذِكْرِ اللِّسَانِ، وَالْجَمِيعُ مُرَادٌ إِمَّا لِأَنَّ التَّحْرِيكَيْنِ مُتَلَازِمَانِ غَالِبًا، أَوِ الْمُرَادُ يُحَرِّكُ فَمَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَاللِّسَانِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اللِّسَانُ هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّطْقِ اقْتَصَرَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ السَّبَبَ فِي الْمُبَادَرَةِ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يَجِدُهَا عِنْدَ النُّزُولِ، فَكَانَ يَتَعَجَّلُ بِأَخْذِهِ لِتَزُولَ الْمَشَقَّةُ سَرِيعًا. وَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْسَاهُ حَيْثُ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ تَخْشَى أَنْ يَنْفَلِتَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: كَانَ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ يَتَذَكَّرُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّا سَنَحْفَظُهُ عَلَيْكَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَجَّلَ يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ إِيَّاهُ، فَأُمِرَ أَنْ يَتَأَنَّى إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ النُّزُولُ. وَلَا بُعْدَ فِي تَعَدُّدِ السَّبَبِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكْهُمَا، فَأُطْلِقَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقُيِّدَ بِالرُّؤْيَةِ فِي خَبَرِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَبْدَأِ الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ، وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ فَيَرَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَئِذٍ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِسَنَدِهِ بِلَفْظِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُ لَكَ شَفَتَيَّ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِبْرَازَ الضَّمِيرِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِلشَّفَتَيْنِ ذِكْرٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ)؛ أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِهَذَا مَنْ جَوَّزَ اجْتِهَادَ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَوَّزَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ أَنْ يَكُونَ أُذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِعْجَالِ إِلَى وَقْتِ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، بَلْ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالْحِفْظِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكِ، وَرِوَايَةُ جَرِيرٍ أَوْضَحُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ مَعْنَى جَمْعَهُ: تَأْلِيفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقُرْآنَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: أَنْ تَقْرَأَهُ؛ أَيْ أَنْتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ: وَتَقْرَأَهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾؛ أَيْ قَرَأَهُ عَلَيْكَ الْمَلَكُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ) هَذَا تَأْوِيلٌ آخَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَخَصُّ مِنَ الْإِنْصَاتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ الْإِصْغَاءُ وَالْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ الْإِصْغَاءُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ قَوْلَيْنِ. وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ (اسْتَمِعْ): اتَّبِعْ حَلَالَهُ وَاجْتَنِبْ حَرَامَهُ. وَيُؤَيِّدُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ لِجِبْرِيلَ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا انْتَهَتْ قِرَاءَةُ جِبْرِيلَ فَاقْرَأْ أَنْتَ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ: عَلَى لِسَانِكَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: أَنْ تَقْرَأَهُ وَهِيَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، لِمَا تَقْتَضِيهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي. وَأَوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَتَبِعُوهُ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْبَيَانِ بِتَبْيِينِ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِمْرَارُ حِفْظِهِ لَهُ وَظُهُورِهِ عَلَى لِسَانِهِ فَلَا. قَالَ الْآمِدِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَيَانِ الْإِظْهَارُ لَا بَيَانُ الْمُجْمَلِ، يُقَالُ: بَانَ الْكَوْكَبُ؛ إِذَا ظَهَرَ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَالْمُجْمَلُ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُهُ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِبَعْضِهِ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ، فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْإِظْهَارُ وَالتَّفْصِيلُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: بَيَانَهُ جِنْسٌ مُضَافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَصْنَافِهِ مِنْ إِظْهَارِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ تَخْصِيصٍ وَتَقْيِيدٍ وَنَسْخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَأُعِيدَ بَعْضُهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا.
٧٦ - سُورَةُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ، يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، أَمْشَاجٌ: الْأَخْلَاطُ؛ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ. وَيُقَالُ: ﴿سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ. مُسْتَطِيرًا: مُمْتَدَّ الْبَلَاءَ. وَالْقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ، يُقَالُ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قَمَاطِرٌ، وَالْعَبُوسُ وَالْقَمْطَرِيرُ وَالْقُمَاطِرُ وَالْعَصِيبُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَيَّامِ فِي الْبَلَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: النَّضْرَةُ فِي
الْوَجْهِ، وَالسُّرُورُ فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَرَائِكُ؛ السُّرُرُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: السُّرُرُ؛ الْحِجَالُ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ. وَقَالَ الْبَرَاءُ: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾؛ يَقْطِفُونَ كَيْفَ شَاءُوا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَلْسَبِيلًا؛ حَدِيدُ الْجَرْيَةِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: أَسْرَهُمْ؛ شِدَّةُ الْخَلْقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ وَغَبِيطٍ فَهُوَ مَأْسُورٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ: مَعْنَاهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ، وَهَلْ تَكُونُ جَحْدًا وَتَكُونُ خَبَرًا، وَهَذَا مِنَ الْخَبَرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَقَالَ يَحْيَى وَهُوَ صَوَابٌ لِأَنَّهُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: لِأَنَّكَ تَقُولُ: هَلْ وَعَظْتُكَ؟ هَلْ أَعْطَيْتُكَ؟ تُقَرِّرُهُ بِأَنَّكَ وَعَظْتَهُ وَأَعْطَيْتَهُ. وَالْجَحْدُ أَنْ تَقُولَ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا؟ وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ هَلْ لِلِاسْتِفْهَامِ، لَكِنْ تَكُونُ تَارَةً لِلتَّقْرِيرِ وَتَارَةً لِلْإِنْكَارِ، فَدَعْوَى زِيَادَتِهَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿هَلْ أَتَى﴾ مَعْنَاهُ: قَدْ أَتَى، وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ لِمَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: فَالَّذِي أَنْشَأَهُ - بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ - قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ. وَنَحْوُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أَيْ: فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ أَنْشَأَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُ: كَانَ شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلْقِهِ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَحَاصِلُهُ انْتِفَاءُ الْمَوْصُوفِ بِانْتِفَاءِ صِفَتِهِ. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (أَمْشَاجٍ: الْأَخْلَاطُ، مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ: الدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ مَخْلُوطٍ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ وَهُوَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ، وَالدَّمُ وَالْعَلَقَةُ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ مِنْ هَذَا إِذَا خُلِطَ: مَشِيجٌ، كَقَوْلِكَ: خَلِيطٌ، وَمَمْشُوجٌ كَقَوْلِكَ: مَخْلُوطٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: مِنَ الرَّجُلِ الْجِلْدُ وَالْعَظْمُ، وَمِنَ الْمَرْأَةِ الشَّعْرُ وَالدَّمُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: مِنْ نُطْفَةٍ مُشِجَتْ بِدَمٍ وَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمْشَاجٍ قَالَ: مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَحْمَرُ وَأَسْوَدُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: الْأَمْشَاجُ إِذَا اخْتَلَطَ الْمَاءُ وَالدَّمُ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ثُمَّ كَانَ مُضْغَةً. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْأَمْشَاجُ الْعُرُوقُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَيُقَالُ: سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ) هُوَ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالزَّايِ بَدَلَ الرَّاءِ وَرَجَّحَ الرَّاءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ أَجْرَى سَلَاسِلًا وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُجْرِهَا؛ أَيْ لَمْ يَصْرِفْهَا، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ قَدِيمٌ، يَقُولُونَ لِلِاسْمِ الْمَصْرُوفِ مُجْرًى. وَالْكَلَامُ الْمَذْكُورُ لِلْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالا﴾ كُتِبَتْ (سَلَاسِلَ) بِالْأَلِفِ وَأَجْرَاهَا بَعْضُ الْقُرَّاءِ مَكَانَ الْأَلِفِ الَّتِي فِي آخِرِهَا، وَلَمْ يُجْرِ بَعْضُهُمْ، وَاحْتُجَّ بِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُثْبِتُ الْأَلِفَ فِي النَّصْبِ وَتَحْذِفُهَا عِنْدَ الْوَصْلِ، قَالَ: وَكُلٌّ صَوَابٌ. انْتَهَى، وَمُحَصَّلُ مَا جَاءَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي سَلَاسِلَ التَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ، وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ بِأَلِفٍ وَبِغَيْرِهَا، فَنَافِعٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَرَءُوا بِالتَّنْوِينِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَوَقَفَ أَبُو عَمْرٍو بِالْأَلِفِ وَوَقَفَ حَمْزَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَجَاءَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ حَفْصٍ، وَابْنِ ذَكْوَانَ الْوَجْهَانِ، أَمَّا مَنْ نَوَّنَ فَعَلَى لُغَةِ مَنْ يَصْرِفُ جَمِيعَ مَا لَا يَنْصَرِفُ حَكَاهَا الْكِسَائِيُّ، وَالْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُمَا، أَوْ عَلَى مُشَاكَلَةِ أَغْلَالًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) أي: ضمنَّا أن نحفظهُ عليك ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وتكفَّلنَا (١) جمعه (وَ ﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أَنْ تَقْرَأَهُ) بلسانِك (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ) مع جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) قراءتَه (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]) أي: (أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ) وفسَّره غير ابنِ عبَّاس ببيانِ ما أشكل من معانيهِ، وفيهِ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخِطاب.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي: (بَيَّنَّاهُ ﴿فَاتَّبِعْ﴾) أي: (اعْمَلْ بِهِ) وقال ابنُ عبَّاس -أيضًا فيما ذكرهُ ابنُ كثيرٍ-: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] نبيِّن حلالَه وحرامَه.
٤٩٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبدِ الحميد بن قُرْط -بضم القاف وبعد الراء الساكنة طاء مهملة- الكوفيُّ (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (في قولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ، وَكَانَ) ﵊ (مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَه وَشَفَتَيْهِ) بالتَّثنية، واقتصرَ في روايةِ أبي عَوانة عن موسَى بنِ أبي عائشة في «بدءِ الوَحي» على ذكرِ الشَّفتين [خ¦٥] وكذلك إسرائيل عن ابنِ أبي عائشَة في
البابِ السَّابق قريبًا [خ¦٤٩٢٨] واقتصرَ سفيانُ على اللِّسان، والجميعُ مراد؛ إمَّا لأنَّ التَّحريكين متلازمانِ غالبًا، أو المرادُ يحرِّك به فمه المشتملُ على الشَّفتين واللِّسان، لكن لما كان اللِّسان هو الأصلَ في النُّطق اقتصَر في الآية عليهِ. قاله في «الفتح» (فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) حالةَ نزولِ الوحي لثقلهِ؛ ولذا (١) كان يلحقهُ البُرَحاء (وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ) ذلك الاشتدادُ حالةَ النُّزول عليه، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ يحيى التَّيميِّ، عن ابنِ (٢) أبي عائشةَ: وكان إذا نزلَ عليه عُرف في تحريكِه شفتيه، يتلقَّى أوَّله ويحرِّك بهِ شفتيهِ خشيةَ أن ينسَى أوَّله قبلَ أن يفرغَ من آخرهِ (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى بسببِ اشتدادهِ عليه (الآيَةَ الَّتِي فِي) سورة (﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾) وهي قولهُ تعالى: (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] قَالَ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ) وعن قتادةَ فيما (٣) رواهُ الطَّبريُّ: أنَّ معنى ﴿جَمْعَهُ﴾ تأليفَه (وَقُرْآنَهُ) أي: تقرَأه أنت (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾) عليكَ بلسان جبريل (﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾) أي: (فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ؛ فَاسْتَمِعْ) زادَ أبو عَوانة في «بدءِ الوَحي»: وأنصت [خ¦٥] (﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]) أي: (عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ) أي: ابنُ عبَّاس: (فَكَانَ) ﵊ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ) أي: سكتَ (فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل (قَرَأَهُ) النَّبيُّ ﷺ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: «﷿» على الوجهِ الَّذي ألقاهُ عليهِ.
(﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥] تَوَعُّدٌ) وتهديدٌ، والكلمةُ اسم فعل، واللام للتَّبيين، أي: وَلِيك ما تكره يا أبَا جهلٍ وقرب منك، وقوله: ﴿فَأَوْلَى﴾ أي: فهو أولى بكَ من غيرهِ، وثبت: «﴿أَوْلَى … ﴾» إلى آخره لأبي ذرٍّ (٤).
(((٧٦))) (سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها إحدى وثلاثون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملة لغير أبي ذرٍّ. (يُقَالُ) وفي بعضِ النُّسخ: «وقال يحيَى» يعني: ابن زيادٍ الفرَّاء (مَعْنَاهُ: أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ، وَ «هَلْ» تَكُونُ جَحْدًا) أي: نفيًا (وَتَكُونُ خَبَرًا) يخبرُ بها عن أمرٍ مقرَّرٍ، فتكون على بابِها للاستفهامِ التَّقريري؛ ولذلك فسِّر بـ «قد»، وأصله كقوله:
سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنَا (١) … أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفحِ القَاعِ ذِي الأَكَمِ
(وَهَذَا) الَّذي في الآيةِ (مِنَ الخَبَرِ) الَّذي بمعنى: قد، والمعنى -كما في «الكشَّاف» -: أقد أتى؟ على التَّقرير والتَّقريب جميعًا، أي: أتَى على الإنسانِ قبلَ زمنٍ قريبٍ حينٌ من الدَّهر لم يكن فيهِ شيئًا مذكورًا، أي: كان شيئًا (٢) منسيًّا غيرَ مذكورٍ، أو هي للاستفهام التَّقريري لمن أنكرَ البَعث، كأنَّه قيل لمن أنكرَ البعث: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فيقول: نعم، فيقال له: من أحدثَه (٣) وكوَّنه بعد عدمهِ؛ كيف يمتنعُ عليه بعثَه وإحياؤه بعد موتِه؟ وهو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أي: فهلَّا تذكَّرون فتعلَمون أن من أنشأَ شيئًا بعد أن لم يكن قادرًا على إعادتهِ بعدَ موتهِ وعدمه، فهي هنا للاستفهام التَّقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو (٤) الَّذي يجبُ أن يكون؛ لأنَّ الاستفهام لا يَرِدُ من الباري جلَّ وعلا إلَّا على هذا النَّحو وما أشبهَه (يَقُولُ: كَانَ) الإنسانُ (شَيْئًا فَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا) بل كانَ شيئًا منسيًّا غير مذكورٍ بالإنسانيَّة (وَذَلِكَ مِنْ حِينِ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ إِلَى أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ) والمرادُ بـ ﴿الْإِنسَانِ﴾: آدم، و ﴿حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنةً، أو المرادُ بالإنسانِ الجنس، وبالحينِ مدَّة الحملِ.
(﴿أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]) أي: (الأَخْلَاطُ) وهي (مَاءُ المَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ) يختلِطان في الرَّحم،
فأيُّهما علا على الآخرِ؛ كان الشَّبه له، ثمَّ ينتقلُ بعدُ (١) من طورٍ إلى طورٍ، ومن (٢) حالٍ إلى حالٍ؛ وهي (الدَّمُ وَالعَلَقَةُ) ثمَّ المُضغة، ثمَّ عظمًا يكسُوه لحمًا، ثمَّ يُنشئه خلقًا آخر، وعندَ ابنِ أبي حاتمٍ من طريقِ عكرمة قال: من الرَّجل الجلدُ والعظم، ومن المَرأة الشَّعر والدَّم، وقيل: إنَّ الله تعالى جعلَ في النُّطفة أخلاطًا (٣) من الطَّبائع الَّتي تكون في الإنسانِ؛ من الحرارَةِ والبُرودةِ، والرُّطوبة واليُبوسة، فعلى هذا يكون التَّقدير من نطفةٍ ذاتِ أمشاجٍ، و ﴿أَمْشَاجٍ﴾ نعتٌ لـ ﴿نُّطْفَةٍ﴾ ووقعَ الجمع صفة لمفرد؛ لأنَّه في معنى الجمع؛ لأنَّ المرادَ بها مجموعُ منيِّ الرَّجل والمرأة، وكلٌّ منهما مختلف (٤) الأجزاءِ في الرِّقة والقِوام والخَواص؛ ولذلك يصيرُ كلُّ جزءٍ منهما مادَّة عضو.
(وَيُقَالُ إِذَا خُلِطَ) شيءٌ بشيءٍ: (مَشِيجٌ) بفتح الميم، بوزن فعيل (كَقَوْلِكَ لَهُ: خَلِيطٌ) وسقط لفظ «له» لغير أبي ذرٍّ (وَمَمْشُوجٌ مِثْلُ: مَخْلُوطٍ).
(وَيُقَالَ) ولأبي ذرٍّ في نسخة: «ويقرأ» (﴿سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: ٤]) بتنوين ﴿سَلَاسِلَا﴾ (٥) وهي قراءةُ نافعٍ وهشام وأبي بكرٍ والكسائيِّ للتَّناسب؛ لأنَّ ما قبلهُ وما بعدهُ منوَّنٌ منصوبٌ، وقال الكسائيُّ وغيرُه من أهلِ الكوفةِ: إنَّ بعض العربِ يصرفُون جميع ما لا ينصرف إلَّا أفعل التَّفضيل. وعن الأخفشِ: يصرفونَ جميع ما لا ينصرف (٦) مُطلقًا، وهم بنو أسدٍ؛ لأنَّ الأصل في الأسماءِ الصَّرف، وترك الصَّرف لعارضٍ فيها، وإنَّ هذا الجمع قد يجمعُ وإن كان قليلًا، قالوا: صواحِب وصواحِبات، فلمَّا جمع شابهَ المفرد فانصرف (وَلَمْ يُجِزْه بَعْضُهُمْ) بضم الياء وكسر الجيم وبعد الزاي الساكنة هاء، أي: لم يجزِ التَّنوين بعضهم (٧)، كذا في الفَرْع، وسقطتِ الهاء في غيره، وفي «اليونينية» «بالراء» بدل: «الزاي» وسكون الجيم. وضبطَه في «الفتح»
بالراء المكسورة من غير هاء. قال: والمرادُ أنَّ بعضَ القرَّاء أجرى «سلاسل» وبعضهم لم يُجْرِها، أي: لم يصرفها. قال: وهو اصطلاحٌ قديمٌ، يقولون للاسم المصروف: مُجرًى، قال: وذكرَ عياضٌ أنَّ في رواية الأكثر بالزاي، وهو الأوجَه. وقال العينيُّ: لم يبيِّن وجهَ الأوجهيَّة بل الرَّاء أوجه على ما لا يخفى، وفي البَرْماويِّ: ولم يجِز بعضهم -بجيم مكسورة وزاي- من الجواز، وعند الأَصيليِّ: «ولم يجرَّ» براء مشددة، أي: لم يصرفه، وقال في «الكشَّاف» -فأغلظ وأساء-: إنَّ صاحبَ هذه القراءة ممَّن ضري بروايَة الشِّعر، ومرن لسانه على صرفِ ما لا ينصَرف. قال في «الانتصافِ»: هو -يعني: الزَّمخشري- يرى أنَّ القراءات المستفيضَة غير موقوفَة على النَّقل والتَّواتر، وجعلَ التَّواتر من جملةِ غلطِ اللِّسان، والحقُّ أنَّها متواترةٌ عن النَّبيِّ ﷺ، وهي لغة من صرف في منثورِ الكلامِ جميعَ ما لا ينصرف إلَّا أفعل، والقراءات تشتملُ على اللُّغات المختلفة.
(﴿مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]) قال الفرَّاء: (مُمْتَدًّا) والشَّر: (البَلَاءُ) والشِّدة (وَالقَمْطَرِيرُ) هو (الشَّدِيدُ) الكَريه (يُقَالَ: يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ) شديد (وَيَوْمٌ قُمَاطِرٌ) بضم القاف وبعد الميم ألف فطاء مكسورة فراء، قال الشَّاعر:
فَفَرُّوا إذَا مَا الحَرْبُ ثَارَ غُبَارُهَا … وَلَجَّ بِهَا اليَوْمُ الشَّدِيدُ القُمَاطِرُ
والقمطَرير: أصلُه -كما قال الزَّجَّاج- من اقْمَطَرَّتِ النَّاقَة؛ إذا رَفَعَتْ ذنبَهَا وجمعَتْ قُطْرَيْها وزَمَّت بأنْفِها (١) (وَالعَبُوسُ) في قولهِ ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] (وَالقَمْطَرِيرُ) بفتح القاف (وَالقُمَاطِرُ) بضمها (وَالعَصِيبُ) في قولهِ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] (أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَيَّامِ فِي البَلَاءِ) وأطولها.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين بين ميمين مفتوحتين آخره راء، هو أبو عُبيدة بنُ المثنَّى، قال في «الفتح»: وليسَ هو ابنَ راشدٍ (﴿أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨]) أي: (شِدَّةُ الخَلْقِ) بفتح الخاء
المعجمة وسكون اللام، وفي التَّفسير: أحكمنَا رَبْط مفاصِلهم بالأعصابِ (وَكُلُّ شَيْءٍ شَدَدْتَهُ مِنْ قَتَبٍ) بفتح القاف والفوقية آخره موحدة، ولأبي ذرٍّ: «وغَبِيط» بغين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة: رحلٌ للنِّساء يشدُّ على الهودجِ، وفي نسخةٍ: «مأسور» الغَبيط: شيءٌ تركبهُ النِّساء يشبِه المِحَفَّة (١) (فَهْوَ مَأْسُورٌ) مربوطٌ.
وسقط لأبي ذرٍّ عن المُستملي من قولهِ: «مَعمر … » إلى هنا، وثبتَ له من روايتهِ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ، وزادَ في غيرِ (٢) الفَرْع كأصلهِ قبله -وعليه شرحَ في «الفتح» وقال: إنَّه ثبتَ للنَّسفيِّ-: «وقال الحسنُ» أي: البصريُّ «النُّضرة في الوجهِ» أي: حُسنًا فيهِ وإضاءَة «والسُّرور في القلبِ، وقالَ ابنُ عبَّاس» ﵄: «﴿الْأَرَائِكِ﴾» [الإنسان: ١٣] هي «السُّرُر»، وقال مقاتِل: السُّرر في الحجَال من الدُّرِّ والياقوتِ، «وقال البراءُ» ممَّا وصلَه سعيد بنُ منصور في قولهِ تعالى: «﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾» [الإنسان: ١٤]: «يقطفُون» ثمارهَا «كيف شاؤوا» قيامًا وقُعودًا ومضطجعين، وعلى أيِّ حالٍ كانوا.
«وقالَ مجاهِدٌ» في قولهِ: «﴿سَلْسَبِيلًا﴾» [الإنسان: ١٨] أي: «حَدِيدُ الجِرْيَة» في مسيلهِ، وعن بعضهم -فيمَا حكاهُ ابنُ جريرٍ-: إنَّما سمِّيت بذلك لسلاستِها في الحلقِ. وقال قتادةُ: مستعذبٌ ماؤها، وروى (٣) محيي السُّنَّة عن مقاتلٍ: سمِّيت سلسبيلًا لأنَّها تسيلُ عليهم في طرقِهم ومنازلِهم، تنبُع من أصلِ العَرش من جنَّة عدنٍ إلى سائرِ الجِنَان، ويؤيِّده قوله: ﴿تُسَمَّى﴾ وأمَّا إذا (٤) جعلَتْ صفةً -كما قال الزَّجَّاج- فمعنَى ﴿تُسَمَّى﴾ توصَفُ.
(((٧٧))) (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «سورة والمرسلات» وهي مكِّيَّة، وآيُها خمسون.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: (جِمَالَاتٌ) أي: (حِبَالٌ) بالحاء المهملة، أي: حبالُ السُّفن، وهذا (١) إنَّما يكونُ على قراءةِ روَيس: ﴿جِمَالَتٌ﴾ (٢) بضم الجيم، وأمَّا على قراءةِ الكسر؛ فجمع: جِمَال، أو جِمَالة جمع: جمَل، للحيوان المعروف، وسقط لغير (٣) أبي ذرٍّ «وقالَ مجاهدٌ».
(﴿ارْكَعُوا﴾) أي: (صَلُّوا. ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] لَا يُصَلُّونَ) فأطلقَ الرُّكوع وأرادَ الصَّلاة (٤)، من إطلاقِ الجزء وإرادةِ الكلِّ، وثبتَ: «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾» لأبي ذرٍّ (٥).
(وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عن قوله تعالى: (﴿لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]) وعن قولهِ جلَّ وعلا: (﴿وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]) وعن قولهِ ﷿: (﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]) ما الجمعُ بينَ ذلك؟ (فَقَالَ) مجيبًا عنه: (إِنَّهُ) أي: يوم القيامةِ (ذُو أَلْوَانٍ؛ مَرَّةً يَنْطِقُونَ) فيشهدونَ على أنفسهم بما صنعُوا، ولا يكتُمون الله حديثًا (وَمَرَّةً يُخْتَمُ عَلَيْهِمْ) أي: على أفواهِهم، ومرَّة يختصمُون، ثمَّ يكون ما شاءَ الله يحلفونَ ويجحَدون فيُختم على أفواههمِ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾» و (٦) «﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾».