«أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٢٣

الحديث رقم ٥١٢٣ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥١٢٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ : إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ؟ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ.»

بَابُ قَوْلِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أَكْنَنْتُمْ أَضْمَرْتُمْ وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ فَهُوَ مَكْنُونٌ ٥١٢٤ - وَقَالَ لِي طَلْقٌ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا عَرَّضْتُمْ يَقُولُ إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ وَقَالَ الْقَاسِمُ يَقُولُ إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ وَإِنَّ اللهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا أَوْ نَحْوَ هَذَا وَقَالَ عَطَاءٌ: يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ يَقُولُ إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ نَافِقَةٌ، وَتَقُولُ هِيَ قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ وَلَا تَعِدُ شَيْئًا وَلَا يُوَاعِدُ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ الزِّنَا وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.

بَابُ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ

إسناد حديث رقم ٥١٢٣ من صحيح البخاري

٥١٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ زَيْنَبَ بْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥١٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ قَبِلْتُهَا.

٥١٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقال رسول الله : "أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ عَرْضِ الْإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ) أَوْرَدَ عَرْضَ الْبِنْتِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَعَرْضَ الْأُخْتِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حِينَ تَأَيَّمَتْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ صَارَتْ أَيِّمًا، وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ زَوْجُهَا، أَوْ تَبِينُ مِنْهُ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَأَكْثَرُ مَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ مَاتَ زَوْجُهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا، وَكُلِّ رَجُلٍ لَا امْرَأَةَ لَهُ أَيِّمًا، زَادَ فِي الْمَشَارِقِ وَإِنْ كَانَ بِكْرًا. وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي بَابِ لَا يُنْكِحُ الْأَبُ وَغَيْرُهُ الْبِكْرَ وَلَا الثَّيِّبَ إِلَّا بِرِضَاهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ خُنَيْسٍ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ حُذَافَةَ) عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ابْنُ حُذَافَةَ أَوْ حُذَيْفَةَ، وَالصَّوَابُ حُذَافَةُ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي. وَمِنَ الرُّوَاةِ مِنْ فَتَحَ أَوَّلَ خُنَيْسٍ وَكَسَرَ ثَانِيهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالتَّصْغِيرِ، وَعِنْدَ مَعْمَرٍ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَرَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ الصَّوَابَ، وَرَوَى عَنْهُ بِالشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ) قَالُوا: مَاتَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ جِرَاحَةٍ أَصَابَتْهُ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ بَعْدَ بَدْرٍ وَلَعَلَّهُ أَوْلَى، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا، وَكَانَتْ أُحُدٌ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ مَاتَ عَقِبَ قُدُومِ النَّبِيِّ مِنْ بَدْرٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَةٍ بِهَا، وَكَانَتْ حَفْصَةُ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهَا وُلِدَتْ قَبْلَ الْبِعْثَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وُلِدَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أَعَادَ ذَلِكَ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ أَوَّلًا: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْدِيرٍ، قَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ.

قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ؟ فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، إِلَى أَنْ قَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ: أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ إِلَى عُمَرَ بِنْتَهُ فَرَدَّهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، فَلَمَّا رَاحَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ مِنْ عُثْمَانَ، وَأَدُلَّ عُثْمَانَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ: تُزَوِّجُنِي بِنْتَكَ وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ بِنْتِي.

قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ عَرَضَ عَلَى عُثْمَانَ حَفْصَةَ فَرَدَّ عَلَيْهِ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ. قُلْتُ: أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ نَحْوَ حَدِيثِ رِبْعِيٍّ، وَمِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَخَارَ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا. وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ خَطَبَ أَوَّلًا إِلَى عُمَرَ فَرَدَّهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ

رِبْعِيٍّ، وَسَبَبُ رَدِّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَتِهَا وَهِيَ أَنَّهَا لَمْ تَرْغَبْ فِي التَّزَوُّجِ عَنْ قُرْبٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا عَلَى عُثْمَانَ فِي رَدِّ عُمَرَ لَهُ، ثُمَّ لَمَّا ارْتَفَعَ السَّبَبُ بَادَرَ عُمَرُ فَعَرَضَهَا عَلَى عُثْمَانَ رِعَايَةً لِخَاطِرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَلَعَلَّ عُثْمَانَ بَلَغَهُ مَا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ لَهَا فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ مِنْ تَرْكِ إِفْشَاءِ ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَى عُمَرَ بِجَمِيلٍ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا لِيَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدٍ لَهُ: أَنَّ عُمَرَ عَرَضَ حَفْصَةَ عَلَى عُثْمَانَ حِينَ تُوُفِّيَتْ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَعُثْمَانُ يَوْمَئِذٍ يُرِيدُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ . قُلْتُ: وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَوْتَ خُنَيْسٍ كَانَ بَعْدَ بَدْرٍ فَإِنَّ رُقَيَّةَ مَاتَتْ لَيَالِيَ بَدْرٍ، وَتَخَلَّفَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ لِتَمْرِيضِهَا.

وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ مِنْ زَوْجِهَا وَتَأَيَّمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ، فَمَرَّ عُمَرُ، بِعُثْمَانَ وَهُوَ حَزِينٌ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي حَفْصَةَ؟ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ فُلَانٍ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاتَ بَعْدَ أُحُدٍ لَلَزِمَ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا إِلَّا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ وَضَعَتْ عَقِبَ وَفَاتِهِ وَلَوْ سِقْطًا فَحَلَّتْ.

قَوْلُهُ: (سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أَيْ أَتَفَكَّرُ، وَيُسْتَعْمَلُ النَّظَرُ أَيْضًا بِمَعْنَى الرَّأْفَةِ لَكِنْ تَعْدِيَتُهُ بِاللَّامِ، وَبِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَيُعَدَّى بِإِلَى. وَقَدْ يَأْتِي بِغَيْرِ صِلَةٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَقِبَ رَدِّ عُثْمَانَ لَهُ بعَرضهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أَيْ سَكَتَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا تَأْكِيدٌ لِرَفْعِ الْمَجَازِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ صَمَتَ زَمَانًا ثُمَّ تَكَلَّمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ أُوجِدُ عَلَيْهِ)؛ أَيْ أَشَدُّ مَوْجِدَةً أَيْ غَضَبًا عَلَى أَبَي بَكْرٍ مِنْ غَضَبِي عَلَى عُثْمَانَ، وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَكِيدِ الْمَوَدَّةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ آخَى بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَلَعَلَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ عُمَرَ رَدُّهُ فَلَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُجِبْهُ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ، وَالثَّانِي لِكَوْنِ عُثْمَانَ أَجَابَهُ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهُ ثَانِيًا، وَلِكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ جَوَابًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: فَغَضِبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ فِيهَا: كُنْتُ أَشَدَّ غَضَبًا حِينَ سَكَتَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ وَجَدْتَ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ وَهِيَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرْجِعْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ أُعِدْ عَلَيْكَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ قَدْ كَانَ ذَكَرَ مِنْهَا شَيْئًا وَكَانَ سِرًّا.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: وَكَرِهْتُ أَنْ أُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ قَبِلْتُهَا) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ نَكَحْتُهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الْعُذْرُ لَقِبَلِهَا، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عُذْرُهُ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ، وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَانِ السِّرِّ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ صَاحِبُهُ ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عَمَّنْ سَمِعَهُ. وَفِيهِ عِتَابُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ، وَعَتْبُهُ عَلَيْهِ وَاعْتِذَارُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جُبِلَتِ الطِّبَاعُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كِتْمَانِ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَبْدُوَ لِرَسُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «المغازي» [خ¦٤٠٠٥].

٥١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال (١) (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنتَ» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتَ أبي سفيان (قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ : إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ) أي: تريدُ أن تنكِح (دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) أَتَزوَّجُها؟ استفهام إنكاريٌّ (لَوْ لَمْ أَنْكِحْ) أمَّها (أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا) أبا سلمةَ (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ).

فإن قلتَ: ما وجه المطابقة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّه طرفٌ من الحديث السَّابق في «باب: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾» [خ¦٥١٠٧] وفيه: قالت أمُّ حبيبة: يا رسولَ الله، انكِح أختي. فعرضَتْ أختها عليه.

(٣٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾) أي: في عدَّةٍ رجعيَّةٍ (٢) (﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ﴾ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]) وسقط قوله: «﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٣)، (﴿أَكْنَنتُمْ﴾) أي: (أَضْمَرْتُمْ) (٤) وسترتُم (فِي أَنْفُسِكُمْ) في قلوبكم فلم تذكروهُ بألسنتِكُم، لا معرضينَ ولا مصرِّحين (وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ وَأَضْمَرْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ) قاله أبو عبيدةَ، وثبت لأبي ذرٍّ: «وأضمرتَهُ» (٥).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ قَبِلْتُهَا.

٥١٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ فَقال رسول الله : "أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ عَرْضِ الْإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ) أَوْرَدَ عَرْضَ الْبِنْتِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَعَرْضَ الْأُخْتِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حِينَ تَأَيَّمَتْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ صَارَتْ أَيِّمًا، وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ زَوْجُهَا، أَوْ تَبِينُ مِنْهُ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَأَكْثَرُ مَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ مَاتَ زَوْجُهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا، وَكُلِّ رَجُلٍ لَا امْرَأَةَ لَهُ أَيِّمًا، زَادَ فِي الْمَشَارِقِ وَإِنْ كَانَ بِكْرًا. وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي بَابِ لَا يُنْكِحُ الْأَبُ وَغَيْرُهُ الْبِكْرَ وَلَا الثَّيِّبَ إِلَّا بِرِضَاهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ خُنَيْسٍ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ حُذَافَةَ) عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهِيَ رِوَايَةُ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ابْنُ حُذَافَةَ أَوْ حُذَيْفَةَ، وَالصَّوَابُ حُذَافَةُ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَغَازِي. وَمِنَ الرُّوَاةِ مِنْ فَتَحَ أَوَّلَ خُنَيْسٍ وَكَسَرَ ثَانِيهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالتَّصْغِيرِ، وَعِنْدَ مَعْمَرٍ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَرَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ الصَّوَابَ، وَرَوَى عَنْهُ بِالشَّكِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ) قَالُوا: مَاتَ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ جِرَاحَةٍ أَصَابَتْهُ بِهَا، وَقِيلَ: بَلْ بَعْدَ بَدْرٍ وَلَعَلَّهُ أَوْلَى، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا، وَكَانَتْ أُحُدٌ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهُ مَاتَ عَقِبَ قُدُومِ النَّبِيِّ مِنْ بَدْرٍ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَةٍ بِهَا، وَكَانَتْ حَفْصَةُ أَسَنَّ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهَا وُلِدَتْ قَبْلَ الْبِعْثَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وُلِدَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أَعَادَ ذَلِكَ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ أَوَّلًا: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْدِيرٍ، قَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ.

قَوْلُهُ: (أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ؟ فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، إِلَى أَنْ قَالَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ: أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ إِلَى عُمَرَ بِنْتَهُ فَرَدَّهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ، فَلَمَّا رَاحَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ مِنْ عُثْمَانَ، وَأَدُلَّ عُثْمَانَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ: تُزَوِّجُنِي بِنْتَكَ وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ بِنْتِي.

قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ: إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ عَرَضَ عَلَى عُثْمَانَ حَفْصَةَ فَرَدَّ عَلَيْهِ قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ. قُلْتُ: أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ نَحْوَ حَدِيثِ رِبْعِيٍّ، وَمِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَتَمَّ مِنْهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَخَارَ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا. وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ خَطَبَ أَوَّلًا إِلَى عُمَرَ فَرَدَّهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ

رِبْعِيٍّ، وَسَبَبُ رَدِّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَتِهَا وَهِيَ أَنَّهَا لَمْ تَرْغَبْ فِي التَّزَوُّجِ عَنْ قُرْبٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا عَلَى عُثْمَانَ فِي رَدِّ عُمَرَ لَهُ، ثُمَّ لَمَّا ارْتَفَعَ السَّبَبُ بَادَرَ عُمَرُ فَعَرَضَهَا عَلَى عُثْمَانَ رِعَايَةً لِخَاطِرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَلَعَلَّ عُثْمَانَ بَلَغَهُ مَا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ لَهَا فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ مِنْ تَرْكِ إِفْشَاءِ ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَى عُمَرَ بِجَمِيلٍ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا لِيَ فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِسَنَدٍ لَهُ: أَنَّ عُمَرَ عَرَضَ حَفْصَةَ عَلَى عُثْمَانَ حِينَ تُوُفِّيَتْ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَعُثْمَانُ يَوْمَئِذٍ يُرِيدُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ . قُلْتُ: وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَوْتَ خُنَيْسٍ كَانَ بَعْدَ بَدْرٍ فَإِنَّ رُقَيَّةَ مَاتَتْ لَيَالِيَ بَدْرٍ، وَتَخَلَّفَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ لِتَمْرِيضِهَا.

وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ مِنْ زَوْجِهَا وَتَأَيَّمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ، فَمَرَّ عُمَرُ، بِعُثْمَانَ وَهُوَ حَزِينٌ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي حَفْصَةَ؟ فَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ فُلَانٍ، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاتَ بَعْدَ أُحُدٍ لَلَزِمَ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا إِلَّا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ وَضَعَتْ عَقِبَ وَفَاتِهِ وَلَوْ سِقْطًا فَحَلَّتْ.

قَوْلُهُ: (سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي) أَيْ أَتَفَكَّرُ، وَيُسْتَعْمَلُ النَّظَرُ أَيْضًا بِمَعْنَى الرَّأْفَةِ لَكِنْ تَعْدِيَتُهُ بِاللَّامِ، وَبِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَيُعَدَّى بِإِلَى. وَقَدْ يَأْتِي بِغَيْرِ صِلَةٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ عَقِبَ رَدِّ عُثْمَانَ لَهُ بعَرضهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ)؛ أَيْ سَكَتَ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا تَأْكِيدٌ لِرَفْعِ الْمَجَازِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ صَمَتَ زَمَانًا ثُمَّ تَكَلَّمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ: (وَكُنْتُ أُوجِدُ عَلَيْهِ)؛ أَيْ أَشَدُّ مَوْجِدَةً أَيْ غَضَبًا عَلَى أَبَي بَكْرٍ مِنْ غَضَبِي عَلَى عُثْمَانَ، وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَكِيدِ الْمَوَدَّةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ آخَى بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَلَعَلَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ عُمَرَ رَدُّهُ فَلَمْ يَعْتِبْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُجِبْهُ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ، وَالثَّانِي لِكَوْنِ عُثْمَانَ أَجَابَهُ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهُ ثَانِيًا، وَلِكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ جَوَابًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: فَغَضِبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ فِيهَا: كُنْتُ أَشَدَّ غَضَبًا حِينَ سَكَتَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ وَجَدْتَ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَعَلَّكَ وَجَدْتَ وَهِيَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَرْجِعْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ أُعِدْ عَلَيْكَ الْجَوَابَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ النَّبِيَّ قَدْ كَانَ ذَكَرَ مِنْهَا شَيْئًا وَكَانَ سِرًّا.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ: وَكَرِهْتُ أَنْ أُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ قَبِلْتُهَا) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمَذْكُورَةِ نَكَحْتُهَا. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الْعُذْرُ لَقِبَلِهَا، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عُذْرُهُ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ، وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَانِ السِّرِّ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ صَاحِبُهُ ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عَمَّنْ سَمِعَهُ. وَفِيهِ عِتَابُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ، وَعَتْبُهُ عَلَيْهِ وَاعْتِذَارُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جُبِلَتِ الطِّبَاعُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كِتْمَانِ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَبْدُوَ لِرَسُولِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «المغازي» [خ¦٤٠٠٥].

٥١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال (١) (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنتَ» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتَ أبي سفيان (قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ : إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ) أي: تريدُ أن تنكِح (دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) أَتَزوَّجُها؟ استفهام إنكاريٌّ (لَوْ لَمْ أَنْكِحْ) أمَّها (أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّ أَبَاهَا) أبا سلمةَ (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ).

فإن قلتَ: ما وجه المطابقة بين هذا الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّه طرفٌ من الحديث السَّابق في «باب: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾» [خ¦٥١٠٧] وفيه: قالت أمُّ حبيبة: يا رسولَ الله، انكِح أختي. فعرضَتْ أختها عليه.

(٣٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾) أي: في عدَّةٍ رجعيَّةٍ (٢) (﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ﴾ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]) وسقط قوله: «﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ (٣)، (﴿أَكْنَنتُمْ﴾) أي: (أَضْمَرْتُمْ) (٤) وسترتُم (فِي أَنْفُسِكُمْ) في قلوبكم فلم تذكروهُ بألسنتِكُم، لا معرضينَ ولا مصرِّحين (وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ وَأَضْمَرْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ) قاله أبو عبيدةَ، وثبت لأبي ذرٍّ: «وأضمرتَهُ» (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 11 يوم
لا إله إلا الله