«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ، وَكَانَ إِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٦٨

الحديث رقم ٥٢٦٨ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لم تحرم ما أحل الله لك.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٦٨ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ فَسَقَتِ النَّبِيَّ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ، وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ، قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟ قَالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ،

⦗٤٥⦘

فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي.»

بَابٌ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَعَلَ اللهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَشُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ.

بَابٌ: إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ هَذِهِ أُخْتِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ النَّبِيُّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ ﷿.

بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَتَلَا الشَّعْبِيُّ ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ وَقَالَ النَّبِيُّ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبِكَ جُنُونٌ وَقَالَ عَلِيٌّ بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ فَطَفِقَ النَّبِيُّ يَلُومُ حَمْزَةَ فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي فَعَرَفَ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا بَدَا بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ وَقَالَ نَافِعٌ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الطَّلَاقُ

⦗٤٦⦘

عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتُهُ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى وَقَالَ عَلِيٌّ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَقَالَ عَلِيٌّ وَكُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ

إسناد حديث رقم ٥٢٦٨ من صحيح البخاري

٥٢٦٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٦٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة، والمَغْرَاء -بفتح الميم والراء بينهما غين ساكنة ممدود- البِيْكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ العَسَلَ وَالحَلْوَاءَ) بالهمز والمدِّ، ولأبي ذرٍّ: «والحلوى» بالقصرِ. قال في «القاموس»: والحلواء وتقصر. وعند الثَّعالبيِّ في «فقه اللُّغة»: أنَّ حلوى النَّبيِّ الَّتي كان يحبُّها هي المَجِيْع -بالجيم- بوزن عظيمٍ. قال في «القاموس»: تمرٌ يُعجن بلبنٍ. وليس هذا من عطفِ العامِّ على الخاصِّ (١) وإنَّما العامُّ الَّذي يدخل فيه الحُلو (٢)؛ بضم أوَّله (وَكَانَ) (إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ) أي: من صلاة العصر (دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْ إِحْدَاهُنَّ) بأن يقبِّلها ويباشرها من غير جماعٍ، كما في روايةٍ أخرى، وفي رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عند (٣) عبدِ بن حُميدٍ: أنَّ ذلك إذا انصرفَ من صلاةِ الفجر. لكنَّها كما في «الفتح» روايةٌ شاذَّةٌ، وعلى تسليمها فيُحتمل أنَّ الَّذي كان يفعلُه أوَّل النَّهار سلامٌ ودعاءٌ محضٌ، والَّذي في آخره معه جلوسٌ ومحادثةٌ (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ) فأقام عندها (أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي) في حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ عائشة قالت لجويريَّة حبشيَّةٌ عندها -يقال لها: خضراء-: إذا دخل على حفصةَ فادخلِي عليها فانظرِي ماذا (٤) يصنعُ»، فقالت: (أَهْدَتْ لَهَا) أي: لحفصةَ (امْرَأَةٌ (٥) مِنْ قَوْمِهَا) لم أعرف اسمها (عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ) سقط الجار لأبي ذرٍّ، وزاد ابنُ عبَّاس: «مِن الطَّائف» (فَسَقَتِ النَّبِيَّ مِنْهُ شَرْبَةً) وفي الرِّواية السَّابقة من هذا الباب أنَّ شربَ العسل كان عندَ زينب بنت جحشٍ، وفي هذه عند حفصةَ، وقد قدمنَا أنَّ روايةَ ابن عبَّاسٍ عند ابنِ مَرْدويه أنَّه كان عند سَوْدة، وأنَّ عائشةَ وحفصة هما اللَّتان تواطأتا (٦) كما في

رواية عُبيد بن عُمير المرويَّة أوَّل هذا الباب، وإن اختلفتَا (١) في صاحبةِ العسل، وحمله على التَّعدُّد إذ لا يمتنعُ تعدُّد السَّبب للشَّيء الواحدِ، أو رواية عبيد أثبت لموافقةِ ابن عبَّاسٍ لها على أنَّ المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدَّم (٢) في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٣] فلو كانت حفصةُ صاحبةَ العسل لم تقرنْ في المظاهرة بعائشة، لكن يمكنُ تعدُّد القصَّة التِّي في شرب العسلِ وتحريمه، واختصاص النُّزول بالقصَّة الَّتي فيها أنَّ عائشةَ وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكنُ أن تكون القصَّة الَّتي وقع فيها الشُّرب عند حفصة كانت سابقةً، والرَّاجح أيضًا أنَّ صاحبةَ العسل زينب لا سودة؛ لأنَّ طريق عُبيد أثبتُ من طريقِ ابن أبي مُليكة، ويؤيِّده أنَّ (٣) في «الهبة» [خ¦٢٥٨١]: أنَّ نساءَ النَّبيِّ كنَّ حزبين: عائشة، وسَودة، وحَفصة، وصفيَّة في حزبٍ، وزينب بنتُ جحشٍ، وأمُّ سلمة، والباقيات في حزبٍ، ولذا غارتْ عائشة منها لكونها من غيرِ حزبها، وممَّن ذهب إلى التَّرجيح عياضٌ، فقال: رواية عُبيد بن عُمير أولى لموافقتِها ظاهر القرآن لأنَّ فيه ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] فهما ثنتان (٤) لا أكثر، قال: فكأنَّ الأسماءَ انقلبتْ على راوي الرِّواية الأُخرى، لكن اعترضَه الكِرمانيُّ فقال: متى جوَّزنا هذا ارتفعَ الوثوقُ بأكثر الرِّوايات، وفي «تفسير السُّدِّيِّ»: أنَّ شرب العسل كان عند أمِّ سلمة. أخرجه الطَّبريُّ وغيره، وهو مرجوحٌ لإرسالهِ وشُذوذه. انتهى ملخَّصًا من «الفتح».

قالت عائشة: (فَقُلْتُ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ) أي: لأجلهِ (فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إنَّهُ (٥)) (سَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي) له: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟) وسقطَ لفظ «منك» لأبي ذرٍّ (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ) بفتح الجيم والراء والسين المهملة، أي: رَعَت (نَحْلُهُ) أي: نحل هذا العسل الَّذي شربتَهُ (العُرْفُطَ) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة، الشَّجر الَّذي صَمْغه المغافير (وَسَأَقُولُ)

أنا له (ذَلِكَ وَقُولِي) له (أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) بنت حُييٍّ (ذَاكِ) بكسر الكاف بلا لامٍ، ولأبي ذرٍّ: «ذلك» أي: قولي الكلام الَّذي علَّمته لسودةَ، زاد يزيدُ بن رومان، عن ابن عبَّاسٍ: «وكان رسولُ الله أشدَّ عليه أن توجدَ منه ريحٌ كريهةٌ» لأنَّه يأتيهِ الملك (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ) لي (١): (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ) (عَلَى البَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِئهُ) بالموحدة من المبادأة بالهمز، ولابنِ عساكرَ: «أناديه» بالنون بدل الموحدة (بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ) (٢) من أن أقولَ له: أكلتَ مَغافير (فَرَقًا) بفتح الفاء والراء، خوفًا (مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا) (مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا) ما أكلتُها (قَالَتْ) له: (فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ) ها (مِنْكَ؟ قَالَ) : (سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وسقطَ لابن عساكرَ «عسل» (فَقَالَتْ) سودة: (جَرَسَتْ) رَعَت (نَحْلُهُ العُرْفُطَ) شجر المغافير، وقالتْ عائشة: (فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (قُلْتُ لَهُ) ، وسقط لأبي ذرٍّ «له» (٣) (نَحْوَ ذَلِكَ) القول الَّذي قلت لسودةَ أن تقولَه له (فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ، قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) عبَّر بقولهِ نحو ذلك في إسنادِ القول لعائشة، وبقولهِ مثل ذلك في إسنادهِ (٤) لصفيَّة لأنَّ عائشة لمَّا كانت المبتكرة لذلك عبَّرت عنه بأيِّ لفظ أرادت، وأمَّا صفيَّة فإنَّها مأمورةٌ بقول ذلك فليس لها أن تتصرَّف فيه، لكن وقع التَّعبير بلفظ «مثل» في الموضعين في رواية أبي أسامة [خ¦٦٩٧٢] فيُحتمل أن يكون ذلك من تصرُّف الرُّواة (فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَة) في اليوم الآخر (قَالَتْ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ أَلا) بالتَّخفيف (أَسْقِيكَ مِنْهُ؟) من العسل (قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) لِما وقع من توارد النِّسوة الثَّلاث على أنَّه نشأت له من شربه ريحٌ كريهةٌ، فتركه حسمًا للمادَّة (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بتخفيف الراء، منعناه من العسل. قالتْ عائشة: (قُلْتُ لَهَا) أي: لسودة: (اسْكُتِي) لئلَّا يفشو ذلك فيظهر ما دبَّرته لحفصة، وهذا منها على مقتضى طبيعة النِّساء في الغيرة، وليس بكبيرةٍ بل صغيرةٌ معفوٌّ عنها مكفَّرة.

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ) لو (١) قال لأجنبيَّةٍ: إن تزوَّجتك فأنت طالقٌ فلغوٌ للحديث المرويِّ عند أبي داودَ وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيح: «لا طلاق إلَّا بعد نكاحٍ»، وللحاكم من رواية جابر: «لا طلاقَ لمن لا يملكُ» وقال: صحيحٌ على شرطهما، أي: لا طلاق واقعٌ (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) أي: تزوَّجتم، والنِّكاح هو الوطءُ في الأصل، وتسميةُ العقد نِكاحًا لملابسته (٢) له من حيث إنَّه طريقٌ له كتسميةِ الخمر إثمًا لأنَّها سببه، ولم يردْ لفظ النِّكاح في القرآنِ إلَّا في معنى العقدِ لأنَّه في معنى الوطءِ من باب التَّصريح به، ومنْ آداب القرآن الكناية عنه (﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) فلا (٣) تمسكوهنَّ ضرارًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «باب» إلى آخر قوله: «وقول الله تعالى» وثبتَ عنده: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ لفظ الباب أيضًا ثابتٌ عندهُ، وذكر الآية إلى قوله: «﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾» وحذف الباقي وقال: «الآيةَ». قلت: وكذا هو ثابتٌ في «اليونينيَّة» (٤).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما أخرجه أحمدُ: (جَعَلَ اللهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ) وروى ابنُ خُزيمة والبيهقيُّ من طريقهِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: «سئل ابنُ عبَّاسٍ عن الرَّجل يقول: إنْ تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ، فقال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق لما ملكَ (٥)، قالوا: فابن مسعودٍ كان يقول: إذا

وقَّت وقتًا فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن لو كان كما قال لقال الله: إذا طلَّقتم المؤمنات ثمَّ نكحتموهنَّ».

(وَيُرْوَى) ولابن عساكرَ: «ورُوي» (فِي ذَلِكَ) أي: في أنْ لا طلاق (١) قبل النِّكاح (عَنْ عَلِيٍّ) فيما رواه عبد الرَّزَّاق برجالٍ ثقاتٍ من طريق الحسن البصريِّ قال: «سألَ رجلٌ عليًّا قال: قلت: إن تزوَّجتُ فلانة فهي طالقٌ، فقال عليٌّ: ليس بشيءٍ»، لكنَّ الحسن لم يسمع من عليٍّ، وقد روي مرفوعًا فيما أخرجه البيهقيُّ، وأبو داود عن عليٍّ، قال: حفظتُ من رسولِ الله : «لا طلاقَ إلَّا مِن بعدِ نكَاحٍ، وَلا يُتم بعدَ احتلَامٍ» (وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن جُريجٍ، بلفظ: أخبرني عبدُ الكريم الجزريُّ أنَّه سأل سعيدَ بن المسيَّب وسعيدَ بن جُبير (٢) وعطاءَ بن أبي رباحٍ عن طلاق الرَّجل ما لم ينكح، فكلُّهم قال (٣): لا طلاقَ قبل أن ينكِح إن سمَّاها وإن لم يسمِّها (وَ) عن (عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام ممَّا (٤) رواه سعيد بنُ منصورٍ بسندٍ صحيح: حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ: أنَّ أباه كان يقول: كلُّ طلاقٍ أو عتقٍ قبل المِلك فهو باطلٌ (وَ) عن (أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بنِ هشامٍ (وَعُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ، فيما رواه يعقوبُ ابن سفيان والبيهقيُّ من طريقهِ من رواية ابن الهادِ، عن (٥) المنذرِ بن أبي (٦) عليِّ بنِ الحكم: أنَّ ابنَ أخيهِ خطبَ ابنة عمِّه، فتشاجروا في بعض الأمرِ، فقال الفتى: هي طالقٌ إنْ نكحتها حتَّى آكل الغضيضَ. قال: والغضيضُ: طلعُ النَّخل الذَّكرِ، ثمَّ ندموا على ما كان من الأمرِ، فقال المنذر: أنا آتيكُم بالبيانِ من ذلك، فانطلقَ إلى سعيد بن المسيَّب فذكرَ له، فقال ابنُ المسيَّب: ليس عليه شيءٌ طلَّق ما لا يملكُ. قال: ثمَّ إنِّي سألت عروةَ بن الزُّبير، فقال مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن فقالَ مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ فقال مثل

ذلك، ثمَّ سألتُ عُبيد الله بن عبد الله بنِ عُتبة بنِ مسعودٍ فقال مثلَ ذلك، ثمَّ سألتُ عمر بن عبد العزيز، فقال: هل سألتَ أحدًا؟ قلتُ: نعم، فسمَّاهم. قال: ثمَّ رجعتُ إلى القومِ فأخبرتهم.

(وَ) عن (أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) لكن قال الحافظُ ابن حَجرٍ: لم أقفْ على إسناد إليه بذلك (وَ) عن (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ممَّا أخرجه في «الغيلانيات» بلفظ: «لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ».

(وَ) عن (شُرَيْحٍ) القاضي فيما رواه سعيد بن منصورٍ، وابنُ أبي شيبة من طريق سعيد بن جبيرٍ، عنه، قال: «لا طلاقَ قبل نكاحٍ» وسندهُ صحيحٌ.

(وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة: أنَّه قال في الرَّجل يقول: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح. ورواه الدَّارقطنيُّ مرفوعًا من طريق أبي هاشم الرُّمانيِّ عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ أنَّه سئل عن رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، فقال: «طلَّقَ مَا لَا يملِكُ» وفي سندهِ أبو خالدٍ الواسطيُّ، وهو واهٍ.

(وَ) عن (القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَسَالِمٍ) وهو: ابنُ عبد الله بن عمر، ممَّا رواه أبو عُبيد في «كتاب النِّكاح» له عن هُشيم، ويزيد بن هارون، كلاهما عن يحيى بن سعيدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمَّدٍ، وسالمُ بن عبد الله، وعمرُ بن عبد العزيز، لا يرون الطَّلاق قبل النِّكاح. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وقد سقط لأبي ذرٍّ قوله: «والقاسم وسالم».

(وَ) عن (طَاوُسٍ) ممَّا أخرجه عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، قال: كتبَ الوليدُ بن يزيد إلى أمراء الأمصار أن يكتبوا إليه بالطَّلاق قبل النِّكاح، وكان قد ابتُلي بذلك فكتب إلى عامله باليمن، فدعا ابن طاوس، وإسماعيل بن شَرُوس، وسماك بن الفضل، فأخبرهُم ابن طاوس، عن أبيه، وإسماعيل بن شَرُوس، عن عطاء، وسِمَاك بن الفضل، عن وهب بن منبِّه، أنَّهم قالوا: لا طلاقَ قبل نكاحٍ. قال سِمَاك من عنده: إنَّما النِّكاح عُقدةٌ تُعقد والطَّلاق يحلُّها، فكيف تحلُّ عقدةٌ قبل أن تُعقد (وَ) عن (الحَسَنِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بلفظِ: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عتقَ قبل المِلك» (وَ) عن (عِكْرِمَةَ) فيما رواهُ (١) الأثرمُ عن الفضل بنِ دكين، عن سويد بن نجيحٍ، قال:

سألت عِكرمة مولى ابن عبَّاسٍ، قلت: رجل قالوا له: تزوَّج فلانةً، قال: هي يوم أتزوَّجها طالقٌ كذا وكذا، قال: إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح (وَ) عن (عَطَاءٍ) ممَّا رواه الطَّبرانيُّ (١) في «الأوسط» عنه: عن جابرٍ: أنَّ رسول الله قال: «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ، ولَا عتقَ إلَّا بعدَ مِلكٍ».

(وَ) عن (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ (٢)) هو البجليُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ كما قاله في «الفتح»، وجزم الكِرمانيُّ: أنَّه ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ. قال ابن حجرٍ: وفيه نظرٌ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ صاحب «رجال الصَّحيحين» لم يذكر عامرَ بن سعد البجليَّ، فالظَّاهر أنَّه ابنُ أبي وقَّاصٍ، ولم يقفْ على إسنادِ هذا الأثر.

(وَ) عن (جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشَّعثاء البصريِّ ممَّا رواه سعيدُ بن منصورٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ هنا: «وسالم» أي: ابن عبد الله بن عمر، وقد سبق.

(وَ) عن (نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابن مُطعمٍ (وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظيِّ ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبةَ عنهما، أنَّهما قالا: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.

(وَ) عن (سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ممَّا وصله سعيد بنُ منصور (وَ) عن (مُجَاهِدٍ) ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة، عن الحسن بن الرَّمَّاح، سألت سعيد بن المسيَّب ومجاهدًا، وعطاءً عن (٣) رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانةً فهي طالقٌ، فكلُّهم قال: ليس بشيءٍ. وزاد سعيدٌ: أيكون سيلٌ قبل مطرٍ.

(وَ) عن (القَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن مسعودٍ ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة بلفظ: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.

(وَ) عن (عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ) بفتح العين في الأوَّل، والهاء وكسر الراء والصَّرف في الثاني، الأزديِّ، من أتباع التَّابعين ممَّا قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على مقالتهِ موصولةً إلَّا في (٤) كلام بعضِ الشُّرَّاح: أنَّ أبا عُبيدٍ أخرجه من طريقهِ.

(وَ) عن (الشَّعْبِيِّ) عامر بن شُرَاحيل (أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ) لكن رواه وكيعٌ في «مصنفه» عن الشَّعبيِّ

قال: إن قال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجها فهي طالقٌ فليس بشيءٍ فإذا وقَّت لزمه، وقال الكِرمانيُّ: ومقصودُ البخاريِّ من تعداد هذه الجماعة الثَّلاثة والعشرين من الفقهاء الأفاضل الإشعار بأنَّه يكاد أن يكون إجماعًا على أنَّه لا تُطلَّق المرأةُ قبل النِّكاح. وقال في «الفتح»: وقد تجوَّز البخاريُّ في نسبةِ جميع مَن (١) ذكر عنهم إلى القولِ بعدم الوقوعِ مطلقًا مع أنَّ بعضَهم يفصِّل وبعضهم يختلف عليه، ولعلَّ ذلك هو النُّكتةُ بتصديرهِ النَّقل عنهم بصيغةِ التَّمريض، والمسألة من الخِلافيَّات (٢) الشَّهيرة، وللعلماء فيها مذاهب: الوقوع مطلقًا، وعدم الوقوع مطلقًا، والتَّفصيل بين ما إذا عمَّم أو عيَّن، والجمهور -وهو قول الشَّافعيِّ- على عدمِ الوقوع. نعم حكى ابن الرِّفعة في «كفايته» (٣) عن «أمالي أبي الفرج» وكتاب الحنَّاطي: أنَّ منهم من أثبت وقوعَ الطَّلاق، قال: واعلم أنَّ بعض الشَّارحين للمسألةِ استدلَّ بقوله : «لَا طلَاقَ قبلَ النِّكاحِ» مُقتصرًا على ذلك، وهو غير كافٍ لأنَّ مَن قال بوقوع الطَّلاق يقول بموجبهِ، فإنَّه يقول الطَّلاق إنَّما يقع بعد النِّكاح. انتهى.

وأبو حنيفة وأصحابه بالوقوع مطلقًا لأنَّ التَّعليق بالشَّرط يمينٌ، فلا تتوقَّف صحَّته على وجود مُلك المحلِّ كاليمين بالله تعالى، وهذا لأنَّ اليمين تصرُّفٌ من الحالف في ذمَّة نفسه لأنَّه يوجبُ البرَّ على نفسه والمحلوف به ليس بطلاقٍ؛ لأنَّه لا يكون طلاقًا إلَّا بعد الوصول إلى المحلِّ، وعند ذلك الملك واجبٌ، وقال بالتَّفصيل جمهور المالكيَّة: فإن سمَّى امرأةً، أو طائفةً، أو قبيلةً، أو مكانًا، أو زمانًا يمكن أن يعيشَ إليه لَزِمه، واحترزوا بذلك عمَّا لو قال: إلى مئتي سنةٍ لا (٤) يلزمه شيءٌ. وقال الشَّيخ خليلٌ في «توضيحه»: ولو قال لأجنبيةٍ: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا (٥) شيءَ عليه لعدم عِصمتها، ولو قال: إن تزوَّجتُك فأنت طالقٌ، فالمشهورُ اعتباره. وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ: أنَّه لا يلزمه. قال في «الاستذكار»: ورُوي على نحو هذا القول أحاديث إلَّا أنَّها عند أهل الحديث معلولةٌ، ومنهم من يصحِّح بعضها، وأحسنها ما خرَّج قاسمٌ: قال

رسول الله : «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ» ولأبي داود: «لَا طلَاقَ (١) إلَّا فيمَا يملِكُ».

قال البخاريُّ: وهو أصحُّ شيءٍ في الطَّلاق قبل النِّكاح. وأُجيب عنها بأنَّا نقول بموجبها لأنَّ الَّذي دلَّ عليه الحديث إنَّما هو انتفاءُ وقوع الطَّلاق قبل النِّكاح، ونحن نقول به، ومحلُّ النِّزاع إنَّما هو التزام الطَّلاق.

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) من طلاقٍ ولا ظهارٍ (قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (لِسَارَةَ) زوجته أمِّ إسحاقَ لمَّا طلبها ذلك الجبَّار وخاف أن يقتله (هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ ﷿ وكان من شأنهم أن لا يقربوا الخليَّة إلَّا بخطبةٍ ورضا بخلاف المتزوِّجة، فكانوا يغتصِبُونها من زَوجها إذا (٢) أحبُّوا ذلك.

(١١) (بابُ) بيان حكم (الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة آخره قاف، وهو الإكراه، وسمِّي به لأنَّ المُكره كأنَّه يُغلق عليه الباب ويضيقُ عليه حتى يطلِّق، وقيل: العمل في الغضب، وتمسَّك بهذا التَّفسير بعضُ متأخِّري الحنابلةِ القائلين بأنَّ الطَّلاق في الغضبِ لا يقع، ولم يوجد عن أحدٍ من متقدِّميهم، لكن ردَّ هذا التَّفسير المطرِّزيُّ والفارسيُّ بأنَّ طلاق النَّاس غالبًا إنَّما هو في حالِ الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاقِ الغضبان لكان لكلِّ أحدٍ أن يقول: كنت غضبان، فلا يقع عليَّ طلاقٌ (وَ) حكم (المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وفي «اليونينيَّة»: «والكُرْه» بغير ميم وضم الكاف وسكون الراء (وَ) حكم (السَّكْرَانِ وَ) حكم (المَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا) هل هو واحدٌ أو مختلفٌ؟ (وَ) حكم (الغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ) الواقعين (فِي الطَّلَاقِ وَ) حكم (الشِّرْكِ) إذا وقع من المُكلَّف ما يقتضيهِ غلطًا أو نسيانًا هل يُحكم به أم لا؟ وإذا كان لا يحكم عليه به فالطَّلاق كذلك (وَغَيْرِهِ) أي: غير الشِّرك ممَّا هو دونه أو غير ما ذكر نحو الخطأ وسبق اللِّسان والهزل. وحكى ابن الملقِّن: أنَّ في بعض النُّسخ: «والشَّكِّ» بدل: والشِّرك. قال الزَّركشيُّ: وهو أَلْيَقُ. وقال ابن بطَّالٍ: وهو الصَّواب، لكن قالَ الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يرها في شيءٍ من النُّسخ الَّتي وقف عليها (لِقَوْلِ النَّبِيِّ : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) فإنَّما يعتبرُ ما ذُكر من الإكراهِ وغيره ممَّا (١) سبق بالنِّية، وإنَّما يتوجَّه على العاقلِ المختار العامد الذَّاكر.

(وَتَلَا الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحِيْل؛ قرأَ قوله تعالى مُستدلًّا لعدمِ وقوعِ طلاقِ المخطئ والنَّاسي: (﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) وهذا وصلَه هَنَّادُ بنُ السَّريِّ الصَّغير في «فوائده» (وَ) بيان (مَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ) بسينين مهملتين وفتح الواو الأولى وكسر الثانية.

(وَقَالَ النَّبِيُّ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ) بالزِّنا: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) فقال: لا، الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في «الحدودِ» [خ¦٦٨١٥] بمباحثه بعون الله وفضلهِ.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) : (بَقَرَ) بالموحدة والقاف المخففة، شقَّ (حَمْزَةُ) بن عبد المطَّلب (خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) بفتح الفاء وتشديد التحتية، تثنية شارفٍ: النَّاقة المسنَّة (فَطَفِقَ) شرعَ أو جعل (النَّبِيُّ يَلُومُ حَمْزَةَ) على فعله ذلك (فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ) بفتح المثلثة وكسر الميم، سَكِر مبتدأ وخبر (مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ) خبرٌ بعد خبرٍ (ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ) : (هَلْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وهل» (أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ) سَكِر (فَخَرَجَ) من عند حمزة (وَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: ولم يؤاخذهُ، فتمسَّك به من قال بعدمِ مؤاخذة السَّكران بما يقعُ منه حال سُكره من طلاقٍ وغيره.

وقد سبق هذا الحديث موصولًا في «غزوة بدرٍ» من «المغازي» [خ¦٤٠٠٣].

(وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان : (لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وصلَه ابنُ أبي شيبة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله سعيد بنُ منصورٍ، وابنُ أبي شيبة بمعناه: (طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) أي: ليس بواقعٍ؛ إذ لا عقلَ للسَّكران المغلوب على عقلهِ، ولا اختيارَ للمستكرَه.

(وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيُّ: (لَا يَجُوزُ) أي: لا يقعُ (طَلَاقُ المُوَسْوِسِ) لأنَّ الوسوسةَ حديث النَّفس، ولا مؤاخذةَ (١) بما يقعُ في حديث النَّفس.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، ممَّا سبق في «الشُّروط في الطَّلاق» [خ¦٥٤/ ١١ - ٤٢٥٩] (إِذَا) أراد أن يطلِّق و (بَدَأ بِالطَّلَاقِ) قبل الشُّروط (٢) بأن قال: أنت طالقٌ إن دخلت الدَّار (فَلَهُ شَرْطُهُ) كما في العكس، بأن يقول: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا يلزم تقديم الشَّرط على الإطلاقِ بل يصحُّ سابقًا ولاحقًا، وإن قال ابتداءً من غير ذكر شرطٍ مُقتصرًا عليه: فأنت طالقٌ، وقال: أردت الشَّرط فسبق لساني إلى الجزاء لم يُقبل منه ظاهرًا لأنَّه متَّهمٌ وقد خاطبها بصريحِ الطَّلاق، والفاء تُزاد في غيرِ الشَّرط، وإن قال: إن دخلتِ الدَّار أنت طالقٌ -بحذف الفاء- فهو تعليقٌ.

(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر لابن عمرَ: إذا (طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ (١)) نصبٌ على المصدرِ، أي: طلاقًا بائنًا (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار ما حُكمه (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) : (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار (فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ) بضم الموحدة وتشديد الفوقية الأولى، أي: انقطعتْ منه فلا رجعةَ له فيها، ولأبي ذرٍّ: «إن خرجْتِ فقد بِنْتِ» بموحدة مكسورة فنون ساكنة ففوقية مكسورة (وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن لم تخرجي منها» (فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لعدمِ وجود الشَّرط.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثلاثًا يُسْألُ عَمَّا قَالَ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ) بضم الجيم وكسر العين (ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أي: يدين فيما بينهُ وبين الله تعالى، قال في «الفتح»: أخرجَهُ عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ مختصرًا، ولفظه: في الرَّجلين يحلفان بالطَّلاق والعِتاق على أمرٍ يختلفان فيه، ولم تقمْ على واحدٍ منها (٣) بيِّنةٌ على قوله قال: يدينان ويحمَّلان من ذلك ما تحمَّلا.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ) تعتبَر (نِيَّتُهُ) فإن نوى الطَّلاق طُلِّقت وإلَّا فلا، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) عجميًّا أو غيره، وهذا وصلَه ابن أبي شيبة أيضًا. وقال في «الروضة»: ترجمة لفظ الطَّلاق بالعجميَّة وسائر اللُّغات صريحٌ على المذهب لشهرةِ استعمالها في معناها عندَ أهل تلك اللُّغات كشهرة العربيَّة عند أهلها، وقيل: وجهان ثانيهما أنَّها كناية.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة: (إِذَا قَالَ) الرَّجل لامرأتهِ: (إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، يَغْشَاهَا) أي: يجامعها (عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) واحدةً (فَإِنِ اسْتَبَانَ) ظهر (حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ) طلِّقت (مِنْهُ) ثلاثًا وهو قول الجمهور، وقال المالكيَّة: يحنثُ بالوطء من (٤) بعد

التَّعليق استبان بها حملٌ أم لا. رواه ابنُ القاسم لأنَّ الحملَ موقوفٌ على سببٍ، والسَّبب بيد الحالفِ إن شاء أوقعَهُ وإن شاءَ لم يوقعْه؛ وهو الوطءُ، واختلفَ بعد الوطء فقال في «المدوَّنة»: يعجَّل عليه الطَّلاق بأثرِ الوطء. وقال ابنُ الماجِشُون: لا يعجَّل عليه ويُنْتظر ثمَّ يطؤها في كلِّ طهرٍ مرَّةً، وقال أشهبُ: لا شيءَ عليه حتَّى يكون ما شرط، وقال ابنُ يونس: فوجه قول ابن القاسم أنَّه إذا وطِئها صار حملها مشكوكًا فيه، فيعجَّلُ الطَّلاق لأنَّ كلَّ مَن شكَّ هل حنثَ أم لا فهو حانثٌ (١)، وَوَجْهُ قولِ أشهبَ أنَّ مِنْ أصْلِه: أنَّه لا يطلِّق إلَّا على مَن علَّق على آتٍ لا بدَّ منه، ووجه قولِ ابن الماجِشُون أنَّه لا يحصلُ الحمل من كلِّ وطءٍ، فوجب أن لا تُطلَّق عليه حتَّى يختبر أمر هذا الوطءِ ويُمسك عن وطئها؛ إذ لا يدري هل حملتْ منه أم لا، وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «منه» وهذا وصلَه ابنُ أبي شيبة.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (إِذَا قَالَ) لامرأتهِ: (الحَقِي) بكسر أوله وفتح ثالثه، وقيل عكسه (بِأَهْلِكِ. نِيَّتُهُ) إن نوى الطَّلاق وقع، وإلَّا فلا.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ) بفتحتين، حاجة، فلا يطلِّق الرَّجل إلَّا عند الحاجة كالنُّشوز (وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فهو مطلوبٌ دائمًا.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي) تعتبر (نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهْوَ مَا نَوَى) وهذا وصله ابنُ أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن مَعمر، عن الزُّهريِّ، وكذا من طريق قتادة لكنَّه قال: إذا واجهها (٢) به وأرادَ الطَّلاق فواحدة، وقال الحنفيَّة: إذا قال: لست لي بامرأةٍ، وما أنا لك بزوجٍ، ونوى الطَّلاق يقع عندَ أبي حنيفة. وقال صاحباهُ: لا لأنَّ نفيَ النِّكاح ليس بطلاقٍ (٣)، بل كذبٌ، فهو كقوله: واللهِ لم أتزوَّجك، أو والله ما أنت لي بامرأةٍ. وقال المالكيَّة: إن قال لامرأتهِ (٤): لست لي بامرأةٍ، أو ما أنت لي بامرأةٍ، أو لم أتزوَّجك فلا شيءَ عليه في ذلك (٥) إلَّا أن ينويَ به الطَّلاق.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) فيما وصلَه البغويُّ في «الجعديَّات» عن عليِّ بن الجعدِ، عن شُعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس: أنَّ عمرَ أُتي بمجنونةٍ قد زنتْ وهي حُبلى، فأراد أن يرجمَها، فقال له عليٌّ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ألم ترَ» (أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ (١)) وفي «الجعديَّات»: «أمَّا بلغك أنَّ القلم قد وُضع» (عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) من جنونهِ (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ) الحُلُم (وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) من نومه. ورواه جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، فصرَّح فيه بالرَّفع، أخرجه أبو داود وابن حبَّان من طريقه، وأخرجه النَّسائيُّ من وجهين آخرين، عن أبي ظَبْيان، عن عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا، ورُجِّح الموقوف على المرفوعِ، وقد أخذ بمقتضَى هذا الحديث الجمهورُ فشرطوا في المطلِّق -ولو بالتَّعليق- أن يكون مكلَّفًا فلا يصحُّ من غيرهِ.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» أيضًا: (وَكُلُّ الطَّلَاقِ) ولأبي ذرٍّ: «وكلُّ طلاقٍ» (جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الفوقية وبعد الواو هاء، وفيه حديثٌ مرفوعٌ عند التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كلُّ طلاقٍ جائِزٌ إلَّا طلَاقَ المعتُوهِ المغلُوبِ علَى عقلِهِ» لكنَّه من رواية عطاء بن عجلانَ، وهو ضعيفٌ جدًا. والمعتوهُ كالمجنون في نقصِ العقل فمنه الطِّفل والمجنون والسَّكران، وقيل: المعتوهُ: القليلُ الفَهم، المختلطُ الكلام، الفاسدُ التَّدبير، فهو كالمجنون، لكنَّه لا يضربُ ولا يشتمُ بخلافِ المجنون. والعاقل: مَن يستقيمُ كلامه وأفعاله إلَّا نادرًا، والمجنون ضدُّه، والمعتوه من (٢) يكون ذلك منه على السَّواء. وهذا يؤدِّي إلى أن لا يحكم على أحدٍ بالعَتَهِ، والقول بأنَّه القليل الفَهم إلى آخره أولى، وقيل: من يفعلُ (٣) فعلَ المجانين عن قصدٍ مع ظهورِ الفساد، والمجنون بلا قصدٍ والعاقل خلافهما، وقد يفعلُ فعلَ المجانين على (٤) ظنِّ الصَّلاح أحيانًا، وقد علم أنَّ التَّصرُّفات لا تنفذُ إلَّا ممَّن له أهليَّة التَّصرُّف، ومدارها العقلُ والبلوغ، خصوصًا ما هو دائرٌ بين

الضَّرر والنَّفع، خُصوصًا ما لا يحلُّ إلَّا لانتفاءِ مصلحةِ ضدِّهِ القائمِ كالطَّلاق فإنَّه يستدعي تمام العقل ليُحْكِمَ به التَّمييز في ذلك الأمر، ولم يكفِ (١) عقلُ الصَّبي العاقلِ لأنَّه لم يبلغِ الاعتدال، بخلافِ ما هو حسنٌ لذاتهِ بحيث لا يقبلُ حُسْنه السُّقوط وهو الإيمان، حتَّى صحَّ من الصَّبيِّ العاقل، ولو فُرض لبعض الصِّبيان المراهقين عقلٌ جيِّدٌ لا يعتبر في التَّصرفات لأنَّ المدارَ البلوغُ لانضباطهِ فتعلَّق به الحكم، وبهذا يبعدُ ما نُقل عن ابن المسيَّب أنَّه إذا عَقَل الصَّبيُّ الطَّلاق جازَ طلاقه، وعن ابنِ عمر جواز طلاق الصَّبيِّ ومرادُه العاقل، ومثلُه عن (٢) الإمامِ أحمد، والله أعلم بصحَّة هذه (٣) النُّقول، قاله الشَّيخ كمال الدِّين ابن الهمام رحمه الله تعالى.

وعن ابن عبَّاسٍ عند ابنِ أبي شَيبة: «لا يجوزُ طلاق الصَّبيِّ» وسبقَ في هذا الباب قول عثمان: «ليس لمجنونٍ، ولا لسكرانَ طلاقٌ». وزيادة ابن عبَّاسٍ: «المستكرَه». وفي مسألة السَّكران خلافٌ عالٍ (٤) بين التَّابعين ومَن بعدهم، فقال بوقوعهِ من التَّابعين: سعيد بن المسيَّب، وعطاء، والحسن البصريُّ، وإبراهيم النَّخعيُّ، وابنُ سيرين، ومجاهدٌ، بل قال به من الصَّحابة عثمانُ وابنُ عبَّاسٍ كما مرَّ، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ مشهورةٍ عنه والحنفيَّة، فيصحُّ منه مع أنَّه غير مكلَّفٍ تغليظًا عليه، ولأنَّ صحَّته من قبيلِ ربط الأحكامِ بالأسبابِ كما قاله الغزاليُّ في «المستصفى»، وأجابَ عن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الَّذي استندَ إليه الجُوينيُّ وغيره في تكليفِ السَّكران لأنَّ المرادَ به من هو في أوائل السُّكر، وهو المنتشِي لبقاءِ عقله، وانتفاءِ تكليف السَّكران (٥) لانتفاء الفَهم الَّذي هو شرط التَّكليف، والمراد بالسَّكران الَّذي يصحُّ طلاقُه ونكاحُه، ونحوهما من زالَ عقلهُ بما أثمَ به من شُربٍ مُسكرٍ متعدٍّ بشربه.

وقال ابن الهمام: وكونُ (٦) زوالِ عقلِه بسببٍ هو معصيةٌ لا أثرَ له، وإلَّا صحَّتْ ردَّتُه، ولا

تصحُّ. قلنا: لمَّا خاطبه الشَّرع في حالِ سُكره بالأمر والنَّهي بحكمٍ فرعيٍّ عَرفنا أنَّه اعتبرهُ كقائم العقلِ تشديدًا عليه في الأحكامِ الفرعيَّة، وعقلنا أنَّ ذلك يناسبُ كونه تسبَّب في زوالِ عقله بسببٍ محظورٍ وهو مختارٌ فيه، وعلى هذا اتَّفق فتاوى مشايخ المذهبين من الشَّافعيَّة والحنفيَّة بوقوع طلاقِ من غابَ عقله بأكل الحشيشةِ وهي المسمَّاة (١) بورق القِنَّب لفتواهم بحرمتها (٢) بعد أن اختلفوا فيها، فأفتى المُزنيُّ بحرمتها، وأفتى أسد بن عَمرو بحلِّها لأنَّ المتقدِّمين لم يتكلَّموا فيها بشيءٍ لعدم ظهور شأنها فيهم، فلمَّا ظهر من أمرها (٣) من الفساد كثيرٌ (٤) وفشا عادَ مشايخُ المذهبين إلى حُرمتها، وأفتوا بوقوع الطَّلاق ممَّن زال عقلُه بها إذا استعملها مختارًا.

أمَّا إذا أُكره على شرب مُسكرٍ، ولم يعلم أنَّه مُسكرٌ فلا يقعُ طلاقه لعدم تعدِّيه، والرُّجوع في معرفة السُّكر إلى العُرف. ولو قال: إنَّما شربتُ الخمر مُكرهًا وثمَّ قرينة، أو لم أعلم أنَّ ما شربتُه مُسكرٌ صدِّق بيمينهِ، قاله الأذرعيُّ. وأمَّا المُكره فعند الشَّافعيَّة لا يصحُّ طلاقُه لحديث: «ومَا استكرهُوا عليهِ» وحديث: «لَا طلَاقَ فِي إغلَاقٍ» أي: إكراهٍ. رواه أبو داود والحاكمُ وصحَّح إسناده. وحدُّ الإكراهِ أن يُهدِّد المكرَه قادرٌ على الإكراهِ بولايةٍ أو تَغَلُّبٍ عاجلًا ظلمًا، وعجزَ المكرَه عن دفعهِ بهربٍ وغيرهِ كاستغاثةٍ بغيرهِ، وَظَنَّهُ أنَّه إن امتنعَ من فعلِ ما أُكره عليه حقَّق ما هدَّدهُ به، ويحصلُ بتخويفٍ بمحذورٍ كضربٍ شديدٍ، أو إتلافِ مالٍ، ويختلفُ باختلافِ طبقات النَّاس وأحوالهِم، فلا يحصلُ الإكراهُ بالتَّخويف بالعقوبةِ الآجلة، كقوله: لأضربنَّك غدًا، ولا بالتَّخويف المستحقِّ، كقوله لمَن له عليه قصاصٌ: طلِّقها وإلَّا اقتصصتُ منك، فإن ظهرَ من المكَرهِ قرينة اختيار منه للطَّلاق كأن أُكْره على ثلاثٍ من الطَّلْقات (٥)، أو على صريحٍ، أو تعليقٍ، أو طلاقِ مُبهمةٍ، فخالفَ بأن وحَّد، أو ثنَّى، أو كنَّى، أو نجَّز، أو طلَّق مُعيَّنةً وقعَ الطَّلاق، وقال الحنفيَّة: يقعُ طلاقُ المُكره لأنَّ المكره مختارٌ في التَّكلُّم اختيارًا كاملًا في السَّبب إلَّا أنَّه غير راضٍ بالحكمِ لأنَّه عرف الشَّرَّين فاختارَ أهونهما عليهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة، والمَغْرَاء -بفتح الميم والراء بينهما غين ساكنة ممدود- البِيْكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُحِبُّ العَسَلَ وَالحَلْوَاءَ) بالهمز والمدِّ، ولأبي ذرٍّ: «والحلوى» بالقصرِ. قال في «القاموس»: والحلواء وتقصر. وعند الثَّعالبيِّ في «فقه اللُّغة»: أنَّ حلوى النَّبيِّ الَّتي كان يحبُّها هي المَجِيْع -بالجيم- بوزن عظيمٍ. قال في «القاموس»: تمرٌ يُعجن بلبنٍ. وليس هذا من عطفِ العامِّ على الخاصِّ (١) وإنَّما العامُّ الَّذي يدخل فيه الحُلو (٢)؛ بضم أوَّله (وَكَانَ) (إِذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ) أي: من صلاة العصر (دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْ إِحْدَاهُنَّ) بأن يقبِّلها ويباشرها من غير جماعٍ، كما في روايةٍ أخرى، وفي رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عند (٣) عبدِ بن حُميدٍ: أنَّ ذلك إذا انصرفَ من صلاةِ الفجر. لكنَّها كما في «الفتح» روايةٌ شاذَّةٌ، وعلى تسليمها فيُحتمل أنَّ الَّذي كان يفعلُه أوَّل النَّهار سلامٌ ودعاءٌ محضٌ، والَّذي في آخره معه جلوسٌ ومحادثةٌ (فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ) فأقام عندها (أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي) في حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ عائشة قالت لجويريَّة حبشيَّةٌ عندها -يقال لها: خضراء-: إذا دخل على حفصةَ فادخلِي عليها فانظرِي ماذا (٤) يصنعُ»، فقالت: (أَهْدَتْ لَهَا) أي: لحفصةَ (امْرَأَةٌ (٥) مِنْ قَوْمِهَا) لم أعرف اسمها (عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ) سقط الجار لأبي ذرٍّ، وزاد ابنُ عبَّاس: «مِن الطَّائف» (فَسَقَتِ النَّبِيَّ مِنْهُ شَرْبَةً) وفي الرِّواية السَّابقة من هذا الباب أنَّ شربَ العسل كان عندَ زينب بنت جحشٍ، وفي هذه عند حفصةَ، وقد قدمنَا أنَّ روايةَ ابن عبَّاسٍ عند ابنِ مَرْدويه أنَّه كان عند سَوْدة، وأنَّ عائشةَ وحفصة هما اللَّتان تواطأتا (٦) كما في

رواية عُبيد بن عُمير المرويَّة أوَّل هذا الباب، وإن اختلفتَا (١) في صاحبةِ العسل، وحمله على التَّعدُّد إذ لا يمتنعُ تعدُّد السَّبب للشَّيء الواحدِ، أو رواية عبيد أثبت لموافقةِ ابن عبَّاسٍ لها على أنَّ المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدَّم (٢) في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٣] فلو كانت حفصةُ صاحبةَ العسل لم تقرنْ في المظاهرة بعائشة، لكن يمكنُ تعدُّد القصَّة التِّي في شرب العسلِ وتحريمه، واختصاص النُّزول بالقصَّة الَّتي فيها أنَّ عائشةَ وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكنُ أن تكون القصَّة الَّتي وقع فيها الشُّرب عند حفصة كانت سابقةً، والرَّاجح أيضًا أنَّ صاحبةَ العسل زينب لا سودة؛ لأنَّ طريق عُبيد أثبتُ من طريقِ ابن أبي مُليكة، ويؤيِّده أنَّ (٣) في «الهبة» [خ¦٢٥٨١]: أنَّ نساءَ النَّبيِّ كنَّ حزبين: عائشة، وسَودة، وحَفصة، وصفيَّة في حزبٍ، وزينب بنتُ جحشٍ، وأمُّ سلمة، والباقيات في حزبٍ، ولذا غارتْ عائشة منها لكونها من غيرِ حزبها، وممَّن ذهب إلى التَّرجيح عياضٌ، فقال: رواية عُبيد بن عُمير أولى لموافقتِها ظاهر القرآن لأنَّ فيه ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] فهما ثنتان (٤) لا أكثر، قال: فكأنَّ الأسماءَ انقلبتْ على راوي الرِّواية الأُخرى، لكن اعترضَه الكِرمانيُّ فقال: متى جوَّزنا هذا ارتفعَ الوثوقُ بأكثر الرِّوايات، وفي «تفسير السُّدِّيِّ»: أنَّ شرب العسل كان عند أمِّ سلمة. أخرجه الطَّبريُّ وغيره، وهو مرجوحٌ لإرسالهِ وشُذوذه. انتهى ملخَّصًا من «الفتح».

قالت عائشة: (فَقُلْتُ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ) أي: لأجلهِ (فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: إنَّهُ (٥)) (سَيَدْنُو) أي: يقرب (مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ فَقُولِي) له: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟) وسقطَ لفظ «منك» لأبي ذرٍّ (فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ) بفتح الجيم والراء والسين المهملة، أي: رَعَت (نَحْلُهُ) أي: نحل هذا العسل الَّذي شربتَهُ (العُرْفُطَ) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة، الشَّجر الَّذي صَمْغه المغافير (وَسَأَقُولُ)

أنا له (ذَلِكَ وَقُولِي) له (أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ) بنت حُييٍّ (ذَاكِ) بكسر الكاف بلا لامٍ، ولأبي ذرٍّ: «ذلك» أي: قولي الكلام الَّذي علَّمته لسودةَ، زاد يزيدُ بن رومان، عن ابن عبَّاسٍ: «وكان رسولُ الله أشدَّ عليه أن توجدَ منه ريحٌ كريهةٌ» لأنَّه يأتيهِ الملك (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ) لي (١): (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَامَ) (عَلَى البَابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِئهُ) بالموحدة من المبادأة بالهمز، ولابنِ عساكرَ: «أناديه» بالنون بدل الموحدة (بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ) (٢) من أن أقولَ له: أكلتَ مَغافير (فَرَقًا) بفتح الفاء والراء، خوفًا (مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا) (مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا) ما أكلتُها (قَالَتْ) له: (فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ) ها (مِنْكَ؟ قَالَ) : (سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ) وسقطَ لابن عساكرَ «عسل» (فَقَالَتْ) سودة: (جَرَسَتْ) رَعَت (نَحْلُهُ العُرْفُطَ) شجر المغافير، وقالتْ عائشة: (فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (قُلْتُ لَهُ) ، وسقط لأبي ذرٍّ «له» (٣) (نَحْوَ ذَلِكَ) القول الَّذي قلت لسودةَ أن تقولَه له (فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ، قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) عبَّر بقولهِ نحو ذلك في إسنادِ القول لعائشة، وبقولهِ مثل ذلك في إسنادهِ (٤) لصفيَّة لأنَّ عائشة لمَّا كانت المبتكرة لذلك عبَّرت عنه بأيِّ لفظ أرادت، وأمَّا صفيَّة فإنَّها مأمورةٌ بقول ذلك فليس لها أن تتصرَّف فيه، لكن وقع التَّعبير بلفظ «مثل» في الموضعين في رواية أبي أسامة [خ¦٦٩٧٢] فيُحتمل أن يكون ذلك من تصرُّف الرُّواة (فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَة) في اليوم الآخر (قَالَتْ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ أَلا) بالتَّخفيف (أَسْقِيكَ مِنْهُ؟) من العسل (قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) لِما وقع من توارد النِّسوة الثَّلاث على أنَّه نشأت له من شربه ريحٌ كريهةٌ، فتركه حسمًا للمادَّة (قَالَتْ) عائشة: (تَقُولُ سَوْدَةُ: وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ) بتخفيف الراء، منعناه من العسل. قالتْ عائشة: (قُلْتُ لَهَا) أي: لسودة: (اسْكُتِي) لئلَّا يفشو ذلك فيظهر ما دبَّرته لحفصة، وهذا منها على مقتضى طبيعة النِّساء في الغيرة، وليس بكبيرةٍ بل صغيرةٌ معفوٌّ عنها مكفَّرة.

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ) لو (١) قال لأجنبيَّةٍ: إن تزوَّجتك فأنت طالقٌ فلغوٌ للحديث المرويِّ عند أبي داودَ وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيح: «لا طلاق إلَّا بعد نكاحٍ»، وللحاكم من رواية جابر: «لا طلاقَ لمن لا يملكُ» وقال: صحيحٌ على شرطهما، أي: لا طلاق واقعٌ (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) أي: تزوَّجتم، والنِّكاح هو الوطءُ في الأصل، وتسميةُ العقد نِكاحًا لملابسته (٢) له من حيث إنَّه طريقٌ له كتسميةِ الخمر إثمًا لأنَّها سببه، ولم يردْ لفظ النِّكاح في القرآنِ إلَّا في معنى العقدِ لأنَّه في معنى الوطءِ من باب التَّصريح به، ومنْ آداب القرآن الكناية عنه (﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]) فلا (٣) تمسكوهنَّ ضرارًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «باب» إلى آخر قوله: «وقول الله تعالى» وثبتَ عنده: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾» لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ لفظ الباب أيضًا ثابتٌ عندهُ، وذكر الآية إلى قوله: «﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾» وحذف الباقي وقال: «الآيةَ». قلت: وكذا هو ثابتٌ في «اليونينيَّة» (٤).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما أخرجه أحمدُ: (جَعَلَ اللهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ) وروى ابنُ خُزيمة والبيهقيُّ من طريقهِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: «سئل ابنُ عبَّاسٍ عن الرَّجل يقول: إنْ تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ، فقال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق لما ملكَ (٥)، قالوا: فابن مسعودٍ كان يقول: إذا

وقَّت وقتًا فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرَّحمن لو كان كما قال لقال الله: إذا طلَّقتم المؤمنات ثمَّ نكحتموهنَّ».

(وَيُرْوَى) ولابن عساكرَ: «ورُوي» (فِي ذَلِكَ) أي: في أنْ لا طلاق (١) قبل النِّكاح (عَنْ عَلِيٍّ) فيما رواه عبد الرَّزَّاق برجالٍ ثقاتٍ من طريق الحسن البصريِّ قال: «سألَ رجلٌ عليًّا قال: قلت: إن تزوَّجتُ فلانة فهي طالقٌ، فقال عليٌّ: ليس بشيءٍ»، لكنَّ الحسن لم يسمع من عليٍّ، وقد روي مرفوعًا فيما أخرجه البيهقيُّ، وأبو داود عن عليٍّ، قال: حفظتُ من رسولِ الله : «لا طلاقَ إلَّا مِن بعدِ نكَاحٍ، وَلا يُتم بعدَ احتلَامٍ» (وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن جُريجٍ، بلفظ: أخبرني عبدُ الكريم الجزريُّ أنَّه سأل سعيدَ بن المسيَّب وسعيدَ بن جُبير (٢) وعطاءَ بن أبي رباحٍ عن طلاق الرَّجل ما لم ينكح، فكلُّهم قال (٣): لا طلاقَ قبل أن ينكِح إن سمَّاها وإن لم يسمِّها (وَ) عن (عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام ممَّا (٤) رواه سعيد بنُ منصورٍ بسندٍ صحيح: حدَّثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ: أنَّ أباه كان يقول: كلُّ طلاقٍ أو عتقٍ قبل المِلك فهو باطلٌ (وَ) عن (أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بنِ هشامٍ (وَعُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ، فيما رواه يعقوبُ ابن سفيان والبيهقيُّ من طريقهِ من رواية ابن الهادِ، عن (٥) المنذرِ بن أبي (٦) عليِّ بنِ الحكم: أنَّ ابنَ أخيهِ خطبَ ابنة عمِّه، فتشاجروا في بعض الأمرِ، فقال الفتى: هي طالقٌ إنْ نكحتها حتَّى آكل الغضيضَ. قال: والغضيضُ: طلعُ النَّخل الذَّكرِ، ثمَّ ندموا على ما كان من الأمرِ، فقال المنذر: أنا آتيكُم بالبيانِ من ذلك، فانطلقَ إلى سعيد بن المسيَّب فذكرَ له، فقال ابنُ المسيَّب: ليس عليه شيءٌ طلَّق ما لا يملكُ. قال: ثمَّ إنِّي سألت عروةَ بن الزُّبير، فقال مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن فقالَ مثل ذلك، ثمَّ سألتُ أبا بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ فقال مثل

ذلك، ثمَّ سألتُ عُبيد الله بن عبد الله بنِ عُتبة بنِ مسعودٍ فقال مثلَ ذلك، ثمَّ سألتُ عمر بن عبد العزيز، فقال: هل سألتَ أحدًا؟ قلتُ: نعم، فسمَّاهم. قال: ثمَّ رجعتُ إلى القومِ فأخبرتهم.

(وَ) عن (أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ) لكن قال الحافظُ ابن حَجرٍ: لم أقفْ على إسناد إليه بذلك (وَ) عن (عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين، ممَّا أخرجه في «الغيلانيات» بلفظ: «لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ».

(وَ) عن (شُرَيْحٍ) القاضي فيما رواه سعيد بن منصورٍ، وابنُ أبي شيبة من طريق سعيد بن جبيرٍ، عنه، قال: «لا طلاقَ قبل نكاحٍ» وسندهُ صحيحٌ.

(وَ) عن (سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة: أنَّه قال في الرَّجل يقول: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح. ورواه الدَّارقطنيُّ مرفوعًا من طريق أبي هاشم الرُّمانيِّ عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ أنَّه سئل عن رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالقٌ، فقال: «طلَّقَ مَا لَا يملِكُ» وفي سندهِ أبو خالدٍ الواسطيُّ، وهو واهٍ.

(وَ) عن (القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق (وَسَالِمٍ) وهو: ابنُ عبد الله بن عمر، ممَّا رواه أبو عُبيد في «كتاب النِّكاح» له عن هُشيم، ويزيد بن هارون، كلاهما عن يحيى بن سعيدٍ، قال: كان القاسمُ بن محمَّدٍ، وسالمُ بن عبد الله، وعمرُ بن عبد العزيز، لا يرون الطَّلاق قبل النِّكاح. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وقد سقط لأبي ذرٍّ قوله: «والقاسم وسالم».

(وَ) عن (طَاوُسٍ) ممَّا أخرجه عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، قال: كتبَ الوليدُ بن يزيد إلى أمراء الأمصار أن يكتبوا إليه بالطَّلاق قبل النِّكاح، وكان قد ابتُلي بذلك فكتب إلى عامله باليمن، فدعا ابن طاوس، وإسماعيل بن شَرُوس، وسماك بن الفضل، فأخبرهُم ابن طاوس، عن أبيه، وإسماعيل بن شَرُوس، عن عطاء، وسِمَاك بن الفضل، عن وهب بن منبِّه، أنَّهم قالوا: لا طلاقَ قبل نكاحٍ. قال سِمَاك من عنده: إنَّما النِّكاح عُقدةٌ تُعقد والطَّلاق يحلُّها، فكيف تحلُّ عقدةٌ قبل أن تُعقد (وَ) عن (الحَسَنِ) فيما رواه عبدُ الرَّزَّاق بلفظِ: «لا طلاق قبل النِّكاح، ولا عتقَ قبل المِلك» (وَ) عن (عِكْرِمَةَ) فيما رواهُ (١) الأثرمُ عن الفضل بنِ دكين، عن سويد بن نجيحٍ، قال:

سألت عِكرمة مولى ابن عبَّاسٍ، قلت: رجل قالوا له: تزوَّج فلانةً، قال: هي يوم أتزوَّجها طالقٌ كذا وكذا، قال: إنَّما الطَّلاق بعد النِّكاح (وَ) عن (عَطَاءٍ) ممَّا رواه الطَّبرانيُّ (١) في «الأوسط» عنه: عن جابرٍ: أنَّ رسول الله قال: «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ، ولَا عتقَ إلَّا بعدَ مِلكٍ».

(وَ) عن (عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ (٢)) هو البجليُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ كما قاله في «الفتح»، وجزم الكِرمانيُّ: أنَّه ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ. قال ابن حجرٍ: وفيه نظرٌ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ صاحب «رجال الصَّحيحين» لم يذكر عامرَ بن سعد البجليَّ، فالظَّاهر أنَّه ابنُ أبي وقَّاصٍ، ولم يقفْ على إسنادِ هذا الأثر.

(وَ) عن (جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشَّعثاء البصريِّ ممَّا رواه سعيدُ بن منصورٍ، وفي رواية أبي ذرٍّ هنا: «وسالم» أي: ابن عبد الله بن عمر، وقد سبق.

(وَ) عن (نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي: ابن مُطعمٍ (وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظيِّ ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبةَ عنهما، أنَّهما قالا: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.

(وَ) عن (سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ممَّا وصله سعيد بنُ منصور (وَ) عن (مُجَاهِدٍ) ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة، عن الحسن بن الرَّمَّاح، سألت سعيد بن المسيَّب ومجاهدًا، وعطاءً عن (٣) رجلٍ قال: يوم أتزوَّج فلانةً فهي طالقٌ، فكلُّهم قال: ليس بشيءٍ. وزاد سعيدٌ: أيكون سيلٌ قبل مطرٍ.

(وَ) عن (القَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الله بن مسعودٍ ممَّا رواه ابنُ أبي شيبة بلفظ: لا طلاقَ إلَّا بعد نكاحٍ.

(وَ) عن (عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ) بفتح العين في الأوَّل، والهاء وكسر الراء والصَّرف في الثاني، الأزديِّ، من أتباع التَّابعين ممَّا قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على مقالتهِ موصولةً إلَّا في (٤) كلام بعضِ الشُّرَّاح: أنَّ أبا عُبيدٍ أخرجه من طريقهِ.

(وَ) عن (الشَّعْبِيِّ) عامر بن شُرَاحيل (أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ) لكن رواه وكيعٌ في «مصنفه» عن الشَّعبيِّ

قال: إن قال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجها فهي طالقٌ فليس بشيءٍ فإذا وقَّت لزمه، وقال الكِرمانيُّ: ومقصودُ البخاريِّ من تعداد هذه الجماعة الثَّلاثة والعشرين من الفقهاء الأفاضل الإشعار بأنَّه يكاد أن يكون إجماعًا على أنَّه لا تُطلَّق المرأةُ قبل النِّكاح. وقال في «الفتح»: وقد تجوَّز البخاريُّ في نسبةِ جميع مَن (١) ذكر عنهم إلى القولِ بعدم الوقوعِ مطلقًا مع أنَّ بعضَهم يفصِّل وبعضهم يختلف عليه، ولعلَّ ذلك هو النُّكتةُ بتصديرهِ النَّقل عنهم بصيغةِ التَّمريض، والمسألة من الخِلافيَّات (٢) الشَّهيرة، وللعلماء فيها مذاهب: الوقوع مطلقًا، وعدم الوقوع مطلقًا، والتَّفصيل بين ما إذا عمَّم أو عيَّن، والجمهور -وهو قول الشَّافعيِّ- على عدمِ الوقوع. نعم حكى ابن الرِّفعة في «كفايته» (٣) عن «أمالي أبي الفرج» وكتاب الحنَّاطي: أنَّ منهم من أثبت وقوعَ الطَّلاق، قال: واعلم أنَّ بعض الشَّارحين للمسألةِ استدلَّ بقوله : «لَا طلَاقَ قبلَ النِّكاحِ» مُقتصرًا على ذلك، وهو غير كافٍ لأنَّ مَن قال بوقوع الطَّلاق يقول بموجبهِ، فإنَّه يقول الطَّلاق إنَّما يقع بعد النِّكاح. انتهى.

وأبو حنيفة وأصحابه بالوقوع مطلقًا لأنَّ التَّعليق بالشَّرط يمينٌ، فلا تتوقَّف صحَّته على وجود مُلك المحلِّ كاليمين بالله تعالى، وهذا لأنَّ اليمين تصرُّفٌ من الحالف في ذمَّة نفسه لأنَّه يوجبُ البرَّ على نفسه والمحلوف به ليس بطلاقٍ؛ لأنَّه لا يكون طلاقًا إلَّا بعد الوصول إلى المحلِّ، وعند ذلك الملك واجبٌ، وقال بالتَّفصيل جمهور المالكيَّة: فإن سمَّى امرأةً، أو طائفةً، أو قبيلةً، أو مكانًا، أو زمانًا يمكن أن يعيشَ إليه لَزِمه، واحترزوا بذلك عمَّا لو قال: إلى مئتي سنةٍ لا (٤) يلزمه شيءٌ. وقال الشَّيخ خليلٌ في «توضيحه»: ولو قال لأجنبيةٍ: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا (٥) شيءَ عليه لعدم عِصمتها، ولو قال: إن تزوَّجتُك فأنت طالقٌ، فالمشهورُ اعتباره. وروى ابن وهبٍ عن مالكٍ: أنَّه لا يلزمه. قال في «الاستذكار»: ورُوي على نحو هذا القول أحاديث إلَّا أنَّها عند أهل الحديث معلولةٌ، ومنهم من يصحِّح بعضها، وأحسنها ما خرَّج قاسمٌ: قال

رسول الله : «لَا طلَاقَ إلَّا بعدَ نكَاحٍ» ولأبي داود: «لَا طلَاقَ (١) إلَّا فيمَا يملِكُ».

قال البخاريُّ: وهو أصحُّ شيءٍ في الطَّلاق قبل النِّكاح. وأُجيب عنها بأنَّا نقول بموجبها لأنَّ الَّذي دلَّ عليه الحديث إنَّما هو انتفاءُ وقوع الطَّلاق قبل النِّكاح، ونحن نقول به، ومحلُّ النِّزاع إنَّما هو التزام الطَّلاق.

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) من طلاقٍ ولا ظهارٍ (قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ) الخليل (لِسَارَةَ) زوجته أمِّ إسحاقَ لمَّا طلبها ذلك الجبَّار وخاف أن يقتله (هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللهِ ﷿ وكان من شأنهم أن لا يقربوا الخليَّة إلَّا بخطبةٍ ورضا بخلاف المتزوِّجة، فكانوا يغتصِبُونها من زَوجها إذا (٢) أحبُّوا ذلك.

(١١) (بابُ) بيان حكم (الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة آخره قاف، وهو الإكراه، وسمِّي به لأنَّ المُكره كأنَّه يُغلق عليه الباب ويضيقُ عليه حتى يطلِّق، وقيل: العمل في الغضب، وتمسَّك بهذا التَّفسير بعضُ متأخِّري الحنابلةِ القائلين بأنَّ الطَّلاق في الغضبِ لا يقع، ولم يوجد عن أحدٍ من متقدِّميهم، لكن ردَّ هذا التَّفسير المطرِّزيُّ والفارسيُّ بأنَّ طلاق النَّاس غالبًا إنَّما هو في حالِ الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاقِ الغضبان لكان لكلِّ أحدٍ أن يقول: كنت غضبان، فلا يقع عليَّ طلاقٌ (وَ) حكم (المُكْرَهِ) بضم الميم وفتح الراء، وفي «اليونينيَّة»: «والكُرْه» بغير ميم وضم الكاف وسكون الراء (وَ) حكم (السَّكْرَانِ وَ) حكم (المَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا) هل هو واحدٌ أو مختلفٌ؟ (وَ) حكم (الغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ) الواقعين (فِي الطَّلَاقِ وَ) حكم (الشِّرْكِ) إذا وقع من المُكلَّف ما يقتضيهِ غلطًا أو نسيانًا هل يُحكم به أم لا؟ وإذا كان لا يحكم عليه به فالطَّلاق كذلك (وَغَيْرِهِ) أي: غير الشِّرك ممَّا هو دونه أو غير ما ذكر نحو الخطأ وسبق اللِّسان والهزل. وحكى ابن الملقِّن: أنَّ في بعض النُّسخ: «والشَّكِّ» بدل: والشِّرك. قال الزَّركشيُّ: وهو أَلْيَقُ. وقال ابن بطَّالٍ: وهو الصَّواب، لكن قالَ الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه لم يرها في شيءٍ من النُّسخ الَّتي وقف عليها (لِقَوْلِ النَّبِيِّ : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) فإنَّما يعتبرُ ما ذُكر من الإكراهِ وغيره ممَّا (١) سبق بالنِّية، وإنَّما يتوجَّه على العاقلِ المختار العامد الذَّاكر.

(وَتَلَا الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحِيْل؛ قرأَ قوله تعالى مُستدلًّا لعدمِ وقوعِ طلاقِ المخطئ والنَّاسي: (﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) وهذا وصلَه هَنَّادُ بنُ السَّريِّ الصَّغير في «فوائده» (وَ) بيان (مَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ) بسينين مهملتين وفتح الواو الأولى وكسر الثانية.

(وَقَالَ النَّبِيُّ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ) بالزِّنا: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) فقال: لا، الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في «الحدودِ» [خ¦٦٨١٥] بمباحثه بعون الله وفضلهِ.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) : (بَقَرَ) بالموحدة والقاف المخففة، شقَّ (حَمْزَةُ) بن عبد المطَّلب (خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) بفتح الفاء وتشديد التحتية، تثنية شارفٍ: النَّاقة المسنَّة (فَطَفِقَ) شرعَ أو جعل (النَّبِيُّ يَلُومُ حَمْزَةَ) على فعله ذلك (فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ) بفتح المثلثة وكسر الميم، سَكِر مبتدأ وخبر (مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ) خبرٌ بعد خبرٍ (ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ) : (هَلْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «وهل» (أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لأَبِي؟! فَعَرَفَ النَّبِيُّ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ) سَكِر (فَخَرَجَ) من عند حمزة (وَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: ولم يؤاخذهُ، فتمسَّك به من قال بعدمِ مؤاخذة السَّكران بما يقعُ منه حال سُكره من طلاقٍ وغيره.

وقد سبق هذا الحديث موصولًا في «غزوة بدرٍ» من «المغازي» [خ¦٤٠٠٣].

(وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان : (لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وصلَه ابنُ أبي شيبة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله سعيد بنُ منصورٍ، وابنُ أبي شيبة بمعناه: (طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) أي: ليس بواقعٍ؛ إذ لا عقلَ للسَّكران المغلوب على عقلهِ، ولا اختيارَ للمستكرَه.

(وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيُّ: (لَا يَجُوزُ) أي: لا يقعُ (طَلَاقُ المُوَسْوِسِ) لأنَّ الوسوسةَ حديث النَّفس، ولا مؤاخذةَ (١) بما يقعُ في حديث النَّفس.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح، ممَّا سبق في «الشُّروط في الطَّلاق» [خ¦٥٤/ ١١ - ٤٢٥٩] (إِذَا) أراد أن يطلِّق و (بَدَأ بِالطَّلَاقِ) قبل الشُّروط (٢) بأن قال: أنت طالقٌ إن دخلت الدَّار (فَلَهُ شَرْطُهُ) كما في العكس، بأن يقول: إن دخلتِ الدَّار فأنت طالقٌ، فلا يلزم تقديم الشَّرط على الإطلاقِ بل يصحُّ سابقًا ولاحقًا، وإن قال ابتداءً من غير ذكر شرطٍ مُقتصرًا عليه: فأنت طالقٌ، وقال: أردت الشَّرط فسبق لساني إلى الجزاء لم يُقبل منه ظاهرًا لأنَّه متَّهمٌ وقد خاطبها بصريحِ الطَّلاق، والفاء تُزاد في غيرِ الشَّرط، وإن قال: إن دخلتِ الدَّار أنت طالقٌ -بحذف الفاء- فهو تعليقٌ.

(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر لابن عمرَ: إذا (طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ (١)) نصبٌ على المصدرِ، أي: طلاقًا بائنًا (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار ما حُكمه (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) : (إِنْ خَرَجَتْ) أي: من الدَّار (فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ) بضم الموحدة وتشديد الفوقية الأولى، أي: انقطعتْ منه فلا رجعةَ له فيها، ولأبي ذرٍّ: «إن خرجْتِ فقد بِنْتِ» بموحدة مكسورة فنون ساكنة ففوقية مكسورة (وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن لم تخرجي منها» (فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لعدمِ وجود الشَّرط.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ ابن شهابٍ (فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثلاثًا يُسْألُ عَمَّا قَالَ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ) بضم الجيم وكسر العين (ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أي: يدين فيما بينهُ وبين الله تعالى، قال في «الفتح»: أخرجَهُ عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، عن الزُّهريِّ مختصرًا، ولفظه: في الرَّجلين يحلفان بالطَّلاق والعِتاق على أمرٍ يختلفان فيه، ولم تقمْ على واحدٍ منها (٣) بيِّنةٌ على قوله قال: يدينان ويحمَّلان من ذلك ما تحمَّلا.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ) تعتبَر (نِيَّتُهُ) فإن نوى الطَّلاق طُلِّقت وإلَّا فلا، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) عجميًّا أو غيره، وهذا وصلَه ابن أبي شيبة أيضًا. وقال في «الروضة»: ترجمة لفظ الطَّلاق بالعجميَّة وسائر اللُّغات صريحٌ على المذهب لشهرةِ استعمالها في معناها عندَ أهل تلك اللُّغات كشهرة العربيَّة عند أهلها، وقيل: وجهان ثانيهما أنَّها كناية.

(وَقَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة: (إِذَا قَالَ) الرَّجل لامرأتهِ: (إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، يَغْشَاهَا) أي: يجامعها (عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً) واحدةً (فَإِنِ اسْتَبَانَ) ظهر (حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ) طلِّقت (مِنْهُ) ثلاثًا وهو قول الجمهور، وقال المالكيَّة: يحنثُ بالوطء من (٤) بعد

التَّعليق استبان بها حملٌ أم لا. رواه ابنُ القاسم لأنَّ الحملَ موقوفٌ على سببٍ، والسَّبب بيد الحالفِ إن شاء أوقعَهُ وإن شاءَ لم يوقعْه؛ وهو الوطءُ، واختلفَ بعد الوطء فقال في «المدوَّنة»: يعجَّل عليه الطَّلاق بأثرِ الوطء. وقال ابنُ الماجِشُون: لا يعجَّل عليه ويُنْتظر ثمَّ يطؤها في كلِّ طهرٍ مرَّةً، وقال أشهبُ: لا شيءَ عليه حتَّى يكون ما شرط، وقال ابنُ يونس: فوجه قول ابن القاسم أنَّه إذا وطِئها صار حملها مشكوكًا فيه، فيعجَّلُ الطَّلاق لأنَّ كلَّ مَن شكَّ هل حنثَ أم لا فهو حانثٌ (١)، وَوَجْهُ قولِ أشهبَ أنَّ مِنْ أصْلِه: أنَّه لا يطلِّق إلَّا على مَن علَّق على آتٍ لا بدَّ منه، ووجه قولِ ابن الماجِشُون أنَّه لا يحصلُ الحمل من كلِّ وطءٍ، فوجب أن لا تُطلَّق عليه حتَّى يختبر أمر هذا الوطءِ ويُمسك عن وطئها؛ إذ لا يدري هل حملتْ منه أم لا، وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «منه» وهذا وصلَه ابنُ أبي شيبة.

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق: (إِذَا قَالَ) لامرأتهِ: (الحَقِي) بكسر أوله وفتح ثالثه، وقيل عكسه (بِأَهْلِكِ. نِيَّتُهُ) إن نوى الطَّلاق وقع، وإلَّا فلا.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : (الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ) بفتحتين، حاجة، فلا يطلِّق الرَّجل إلَّا عند الحاجة كالنُّشوز (وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ) فهو مطلوبٌ دائمًا.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (إِنْ قَالَ) لامرأته: (مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي) تعتبر (نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهْوَ مَا نَوَى) وهذا وصله ابنُ أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن مَعمر، عن الزُّهريِّ، وكذا من طريق قتادة لكنَّه قال: إذا واجهها (٢) به وأرادَ الطَّلاق فواحدة، وقال الحنفيَّة: إذا قال: لست لي بامرأةٍ، وما أنا لك بزوجٍ، ونوى الطَّلاق يقع عندَ أبي حنيفة. وقال صاحباهُ: لا لأنَّ نفيَ النِّكاح ليس بطلاقٍ (٣)، بل كذبٌ، فهو كقوله: واللهِ لم أتزوَّجك، أو والله ما أنت لي بامرأةٍ. وقال المالكيَّة: إن قال لامرأتهِ (٤): لست لي بامرأةٍ، أو ما أنت لي بامرأةٍ، أو لم أتزوَّجك فلا شيءَ عليه في ذلك (٥) إلَّا أن ينويَ به الطَّلاق.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) فيما وصلَه البغويُّ في «الجعديَّات» عن عليِّ بن الجعدِ، عن شُعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس: أنَّ عمرَ أُتي بمجنونةٍ قد زنتْ وهي حُبلى، فأراد أن يرجمَها، فقال له عليٌّ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ألم ترَ» (أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ (١)) وفي «الجعديَّات»: «أمَّا بلغك أنَّ القلم قد وُضع» (عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) من جنونهِ (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ) الحُلُم (وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) من نومه. ورواه جرير بن حازمٍ، عن الأعمش، فصرَّح فيه بالرَّفع، أخرجه أبو داود وابن حبَّان من طريقه، وأخرجه النَّسائيُّ من وجهين آخرين، عن أبي ظَبْيان، عن عليٍّ مرفوعًا وموقوفًا، ورُجِّح الموقوف على المرفوعِ، وقد أخذ بمقتضَى هذا الحديث الجمهورُ فشرطوا في المطلِّق -ولو بالتَّعليق- أن يكون مكلَّفًا فلا يصحُّ من غيرهِ.

(وَقَالَ عَلِيٌّ) فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» أيضًا: (وَكُلُّ الطَّلَاقِ) ولأبي ذرٍّ: «وكلُّ طلاقٍ» (جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الفوقية وبعد الواو هاء، وفيه حديثٌ مرفوعٌ عند التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كلُّ طلاقٍ جائِزٌ إلَّا طلَاقَ المعتُوهِ المغلُوبِ علَى عقلِهِ» لكنَّه من رواية عطاء بن عجلانَ، وهو ضعيفٌ جدًا. والمعتوهُ كالمجنون في نقصِ العقل فمنه الطِّفل والمجنون والسَّكران، وقيل: المعتوهُ: القليلُ الفَهم، المختلطُ الكلام، الفاسدُ التَّدبير، فهو كالمجنون، لكنَّه لا يضربُ ولا يشتمُ بخلافِ المجنون. والعاقل: مَن يستقيمُ كلامه وأفعاله إلَّا نادرًا، والمجنون ضدُّه، والمعتوه من (٢) يكون ذلك منه على السَّواء. وهذا يؤدِّي إلى أن لا يحكم على أحدٍ بالعَتَهِ، والقول بأنَّه القليل الفَهم إلى آخره أولى، وقيل: من يفعلُ (٣) فعلَ المجانين عن قصدٍ مع ظهورِ الفساد، والمجنون بلا قصدٍ والعاقل خلافهما، وقد يفعلُ فعلَ المجانين على (٤) ظنِّ الصَّلاح أحيانًا، وقد علم أنَّ التَّصرُّفات لا تنفذُ إلَّا ممَّن له أهليَّة التَّصرُّف، ومدارها العقلُ والبلوغ، خصوصًا ما هو دائرٌ بين

الضَّرر والنَّفع، خُصوصًا ما لا يحلُّ إلَّا لانتفاءِ مصلحةِ ضدِّهِ القائمِ كالطَّلاق فإنَّه يستدعي تمام العقل ليُحْكِمَ به التَّمييز في ذلك الأمر، ولم يكفِ (١) عقلُ الصَّبي العاقلِ لأنَّه لم يبلغِ الاعتدال، بخلافِ ما هو حسنٌ لذاتهِ بحيث لا يقبلُ حُسْنه السُّقوط وهو الإيمان، حتَّى صحَّ من الصَّبيِّ العاقل، ولو فُرض لبعض الصِّبيان المراهقين عقلٌ جيِّدٌ لا يعتبر في التَّصرفات لأنَّ المدارَ البلوغُ لانضباطهِ فتعلَّق به الحكم، وبهذا يبعدُ ما نُقل عن ابن المسيَّب أنَّه إذا عَقَل الصَّبيُّ الطَّلاق جازَ طلاقه، وعن ابنِ عمر جواز طلاق الصَّبيِّ ومرادُه العاقل، ومثلُه عن (٢) الإمامِ أحمد، والله أعلم بصحَّة هذه (٣) النُّقول، قاله الشَّيخ كمال الدِّين ابن الهمام رحمه الله تعالى.

وعن ابن عبَّاسٍ عند ابنِ أبي شَيبة: «لا يجوزُ طلاق الصَّبيِّ» وسبقَ في هذا الباب قول عثمان: «ليس لمجنونٍ، ولا لسكرانَ طلاقٌ». وزيادة ابن عبَّاسٍ: «المستكرَه». وفي مسألة السَّكران خلافٌ عالٍ (٤) بين التَّابعين ومَن بعدهم، فقال بوقوعهِ من التَّابعين: سعيد بن المسيَّب، وعطاء، والحسن البصريُّ، وإبراهيم النَّخعيُّ، وابنُ سيرين، ومجاهدٌ، بل قال به من الصَّحابة عثمانُ وابنُ عبَّاسٍ كما مرَّ، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ مشهورةٍ عنه والحنفيَّة، فيصحُّ منه مع أنَّه غير مكلَّفٍ تغليظًا عليه، ولأنَّ صحَّته من قبيلِ ربط الأحكامِ بالأسبابِ كما قاله الغزاليُّ في «المستصفى»، وأجابَ عن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الَّذي استندَ إليه الجُوينيُّ وغيره في تكليفِ السَّكران لأنَّ المرادَ به من هو في أوائل السُّكر، وهو المنتشِي لبقاءِ عقله، وانتفاءِ تكليف السَّكران (٥) لانتفاء الفَهم الَّذي هو شرط التَّكليف، والمراد بالسَّكران الَّذي يصحُّ طلاقُه ونكاحُه، ونحوهما من زالَ عقلهُ بما أثمَ به من شُربٍ مُسكرٍ متعدٍّ بشربه.

وقال ابن الهمام: وكونُ (٦) زوالِ عقلِه بسببٍ هو معصيةٌ لا أثرَ له، وإلَّا صحَّتْ ردَّتُه، ولا

تصحُّ. قلنا: لمَّا خاطبه الشَّرع في حالِ سُكره بالأمر والنَّهي بحكمٍ فرعيٍّ عَرفنا أنَّه اعتبرهُ كقائم العقلِ تشديدًا عليه في الأحكامِ الفرعيَّة، وعقلنا أنَّ ذلك يناسبُ كونه تسبَّب في زوالِ عقله بسببٍ محظورٍ وهو مختارٌ فيه، وعلى هذا اتَّفق فتاوى مشايخ المذهبين من الشَّافعيَّة والحنفيَّة بوقوع طلاقِ من غابَ عقله بأكل الحشيشةِ وهي المسمَّاة (١) بورق القِنَّب لفتواهم بحرمتها (٢) بعد أن اختلفوا فيها، فأفتى المُزنيُّ بحرمتها، وأفتى أسد بن عَمرو بحلِّها لأنَّ المتقدِّمين لم يتكلَّموا فيها بشيءٍ لعدم ظهور شأنها فيهم، فلمَّا ظهر من أمرها (٣) من الفساد كثيرٌ (٤) وفشا عادَ مشايخُ المذهبين إلى حُرمتها، وأفتوا بوقوع الطَّلاق ممَّن زال عقلُه بها إذا استعملها مختارًا.

أمَّا إذا أُكره على شرب مُسكرٍ، ولم يعلم أنَّه مُسكرٌ فلا يقعُ طلاقه لعدم تعدِّيه، والرُّجوع في معرفة السُّكر إلى العُرف. ولو قال: إنَّما شربتُ الخمر مُكرهًا وثمَّ قرينة، أو لم أعلم أنَّ ما شربتُه مُسكرٌ صدِّق بيمينهِ، قاله الأذرعيُّ. وأمَّا المُكره فعند الشَّافعيَّة لا يصحُّ طلاقُه لحديث: «ومَا استكرهُوا عليهِ» وحديث: «لَا طلَاقَ فِي إغلَاقٍ» أي: إكراهٍ. رواه أبو داود والحاكمُ وصحَّح إسناده. وحدُّ الإكراهِ أن يُهدِّد المكرَه قادرٌ على الإكراهِ بولايةٍ أو تَغَلُّبٍ عاجلًا ظلمًا، وعجزَ المكرَه عن دفعهِ بهربٍ وغيرهِ كاستغاثةٍ بغيرهِ، وَظَنَّهُ أنَّه إن امتنعَ من فعلِ ما أُكره عليه حقَّق ما هدَّدهُ به، ويحصلُ بتخويفٍ بمحذورٍ كضربٍ شديدٍ، أو إتلافِ مالٍ، ويختلفُ باختلافِ طبقات النَّاس وأحوالهِم، فلا يحصلُ الإكراهُ بالتَّخويف بالعقوبةِ الآجلة، كقوله: لأضربنَّك غدًا، ولا بالتَّخويف المستحقِّ، كقوله لمَن له عليه قصاصٌ: طلِّقها وإلَّا اقتصصتُ منك، فإن ظهرَ من المكَرهِ قرينة اختيار منه للطَّلاق كأن أُكْره على ثلاثٍ من الطَّلْقات (٥)، أو على صريحٍ، أو تعليقٍ، أو طلاقِ مُبهمةٍ، فخالفَ بأن وحَّد، أو ثنَّى، أو كنَّى، أو نجَّز، أو طلَّق مُعيَّنةً وقعَ الطَّلاق، وقال الحنفيَّة: يقعُ طلاقُ المُكره لأنَّ المكره مختارٌ في التَّكلُّم اختيارًا كاملًا في السَّبب إلَّا أنَّه غير راضٍ بالحكمِ لأنَّه عرف الشَّرَّين فاختارَ أهونهما عليهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله