الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٩٣
الحديث رقم ٥٣٩٣ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المؤمن يأكل في معى واحد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ مَقْرُونًا بِأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ فَقَطْ، فَلَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، ثُمَّ لَا أَدْرِي لِمَ خَصَّهُ بِتَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ، مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ أَيْضًا، وَلَعَلَّ ابْنَ الْمُنِيرِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ اب نَ وَهْبٍ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ قَطْعًا، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ قَصَّرَ بِنَسَبِةِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَصَرَّحَ بِطَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَمُرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي الطَّبَرَانِيِّ.
١٢ - بَاب الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ.
٥٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْمُنَافِقَ فَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ"
[الحديث ٥٣٩٣ - طرفاه في: ٥٣٩٤، ٥٣٩٥]
٥٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَقَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"
٥٣٩٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
[الحديث ٥٣٩٦ - طرفه في: ٥٣٩٧]
٥٣٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُؤْمِنِ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) الْمِعَى بِكَسْرِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ، وَفِي لُغَةٍ حَكَاهَا فِي الْمُحْكَمِ بِسُكُونِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، وَالْجَمْعُ أَمْعَاءٌ مَمْدُودٌ، وَهِيَ الْمَصَارِينُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي شِعْرِ الْقُطَامِيِّ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ فِي الْجَمْعِ، فَقَالَ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ حَكَاهَا أَبُو حَاتِمٍ: حَوَالِبَ غُزْرًا وَمِعًى جِيَاعًا. وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ وَإِنَّمَا عَدَّى يَأْكُلُ بِفِي؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى يُوقِعُ الْأَكْلِ فِيهَا، وَيَجْعَلُهَا ظَرْفًا لِلْمَأْكُولِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أَيْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السَّجِسْتَانِيُّ: الْمِعَى مُذَكَّرٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مَنْ أَثِقُ بِهِ يُؤَنِّثُهُ، فَيَقُولُ: مِعًى وَاحِدَةٌ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يَوْثُقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مَنْسُوبًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا) لَعَلَّهُ أَبُو نَهِيكٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (لَا تُدْخِلُ هَذَا عَلَيَّ) وَذَكَرَ الْحَدِيثُ هَكَذَا، حَمَلَ ابْنُ عُمَرَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَرِهَ دُخُولَهُ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَآهُ مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْكَافِرُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُؤْمِنِ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ضَمُّ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى تَرْجَمَةِ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَإِيرَادُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِطُرُقِهِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطَرِيقَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا التَّعْلِيقَ، وَهَذَا أَوْجَهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِإِعَادَةِ التَّرْجَمَةِ بِلَفْظِهَا مَعْنًى، وَكَذَا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّرْجَمَةِ، ثُمَّ إِيرَادَهُ فِيهَا مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْكَافِرَ، أَوِ الْمُنَافِقَ، فَلَا أَدْرِي أَيُّهَمَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هَذَا الشَّكُّ مِنْ عَبْدَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْكَافِرِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ، مِمَّنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا أَنَّهُ وَرَدَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بِلَفْظِ: الْمُنَافِقِ بَدَلَ الْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ) هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَوَقَعَ لَنَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: الْمُسْلِمِ، فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: مِثْلُهُ أَيْ: مِثْلُ أَصْلِ الْحَدِيثِ، لَا خُصُوصِ الشَّكِّ الْوَاقِعِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِهِ لِسُفْيَانَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَبُو نَهِيكٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (رَجُلًا أَكُولًا) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا نَهِيكٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ إِلَخْ وَمِنْ ثَمَّ أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ في الطريق الأخرى: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ - بِسُكُونِ اللَّامِ - الْأَشْجَعِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ سَلَمَةَ بْنَ دِينَارٍ الزَّاهِدَ؛ فَإِنَّهُ أَصْغَرُ مِنَ الْأَشْجَعِيِّ، وَلَمْ يُدْرِكْ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكَلَا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى، ثُمَّ أُخْرَى، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الرَّجُلُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جَهْجَاهَ الْغِفَارِيَّ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي، فَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طَوِيلًا لَا يُقْدِمُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا فَأَتَيْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَلَبَ لِي آخَرَ، حَتَّى حَلَبَ سَبْعَةَ أَعْنُزٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيتُ بِصَنِيعِ بُرْمَةٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَجَاعَ اللَّهُ مَنْ أَجَاعَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَهْ يَا أُمَّ أَيْمَنَ؛ أَكَلَ رِزْقَهُ، وَرِزْقُنَا عَلَى اللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ وَصَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ صَنَعَ مَا صَنَعَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا وَرُوِيتُ وَشَبِعْتُ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا؟! قَالَ: إِنَّهُ أَكَلَ فِي مِعًى وَاحِدٍ اللَّيْلَةَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَأَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ وَفِي إِسْنَادِ الْجَمِيعِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَةُ رِجَالٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَجُلًا وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: أَبُو غَزْوَانَ. قَالَ فَحَلَبَ لَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ فَشَرِبَ لَبَنَهَا كُلَّهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا غَزْوَانَ أَنْ تُسْلِمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَسْلَمَ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَلَبَ لَهُ شَاةً وَاحِدَةً فَلَمْ يُتِمَّ لَبَنَهَا، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا غَزْوَانَ؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ نَبِيًّا لَقَدْ رُوِيتُ.
قَالَ: إِنَّكَ أَمْسِ كَانَ لَكَ سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ وَلَيْسَ لَكَ الْيَوْمَ إِلَّا مِعًى وَاحِدٌ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَقْوَى مِنْ طَرِيقِ جَهْجَاهَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ كُنْيَتَهُ، لَكِنْ يُقَوِّي التَّعَدُّدَ أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرْتُ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَحَلَبَ لِي شُوَيْهَةً كَانَ يَحْلُبُهَا لِأَهْلِهِ فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَسْلَمْتُ حَلَبَ لِي فَشَرِبْتُ مِنْهَا فَرُوِيتُ، فَقَالَ: أَرُوِيتَ؟ قُلْتُ: قَدْ رُوِيتُ مَا لَا رُوِيتُ قَبْلَ الْيَوْمِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَا يُفَسَّرُ بِهِ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، لَكِنْ لَيْسَ فِي قِصَّتِهِ خُصُوصُ الْعَدَدِ. وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا وَلِأَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَقَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ وَالْبَغَوِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ الْغِفَارِيِّ حَدَّثَنِي جَدِّي نَضْلَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَقْبَلْتُ فِي لِقَاحٍ لِي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ أَخَذْتُ عُلْبَةً فَحَلَبْتُ فِيهَا فَشَرِبَتهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَشْرَبُهَا مِرَارًا لَا أَمْتَلِئُ وَفِي لَفْظٍ إِنْ كُنْتُ لَأَشْرَبُ السَّبْعَةَ، فَمَا أَمْتَلِئُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ مُبْهَمُ حَدِيثِ الْبَابِ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقِ. وَوَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّهُ نَضْرَةُ بْنُ نَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَعَتْ لَهُ قِصَّةٌ تُشْبِهُ قِصَّةَ جَهْجَاهَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ، وَبِهِ صَدَّرَ الْمَازِرِيُّ كَلَامَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ وَزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْكَافِرِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْمُؤْمِنُ لِتَقَلُّلِهِ مِنَ الدُّنْيَا يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِيهَا وَاسْتِكْثَارِهِ مِنْهَا يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْأَمْعَاءِ وَلَا خُصُوصَ الْأَكْلِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّقَلُّلُ مِنَ الدُّنْيَا وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهَا، فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ تَنَاوُلِ الدُّنْيَا بِالْأَكْلِ وَعَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ بِالْأَمْعَاءِ، وَوَجْهُ الْعَلَاقَةِ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ الْحَلَالَ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ الْحَرَامَ، وَالْحَلَالُ أَقَلُّ مِنَ الْحَرَامِ فِي الْوُجُودِ نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ فَقَالَ: حَمَلَ قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ يَأْكُلُ
الدُّنْيَا أَكْلًا أَيْ يَرْغَبُ فِيهَا وَيَحْرِصُ عَلَيْهَا، فَمَعْنَى الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ أَيْ يَزْهَدُ فِيهَا فَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَالْكَافِرُ فِي سَبْعَةٍ أَيْ يَرْغَبُ فِيهَا فَيَسْتَكْثِرُ مِنْهَا. وَقِيلَ الْمُرَادُ حَضُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ صِفَةُ الْكَافِرِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَنْفِرُ مِنَ الِاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْكَافِرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ لَا جِنْسِيَّةٌ، جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ، فَكَمْ مِنْ كَافِرٍ يَكُونُ أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِنٍ وَعَكْسُهُ، وَكَمْ مِنْ كَافِرٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِقْدَارُ أَكْلِهِ، قَالَ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ مَالِكٌ الْحَدِيثَ الْمُطْلَقَ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا إِذَا كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَكَفَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِمَّا كَانَ يَكْفِيهِ وَهُوَ كَافِرٌ اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ فَقَالَ: قِيلَ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ فِي كَافِرٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الَّذِي شَرِبَ حِلَابَ السَّبْعِ شِيَاهٍ، قَالَ: وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدَنَا مَحْمَلٌ غَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ، وَالسَّابِقُ إِلَى ذَلِكَ أَوَّلًا أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْحَمْلُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَهِمَ مِنْهُ الْعُمُومَ فَلِذَلِكَ مَنَعَ الَّذِي رَآهُ يَأْكُلُ كَثِيرًا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ. ثُمَّ كَيْفَ يَتَأَتَّى حَمْلُهُ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَيُورِدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَقِبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي حَقِّ الَّذِي وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ مُرَادَةً، قَالُوا تَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْثِيرِ كَمَا في قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ التَّقَلُّلَ مِنَ الْأَكْلِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَةِ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ مِنَ الْأَكْلِ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ وَيُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَلِخَشْيَتِهِ أَيْضًا مِنْ حِسَابِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ مَعَ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ مُسْتَرْسِلٌ فِيهَا غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ تَبَعَاتِ الْحَرَامِ، فَصَارَ أَكْلُ الْمُؤْمِنِ - لِمَا ذَكَرْتُهُ - إِذَا نُسِبَ إِلَى أَكْلِ الْكَافِرِ كَأَنَّهُ بِقَدْرِ السُّبْعِ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اطِّرَادُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَأْكُلُ كَثِيرًا إِمَّا بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَإِمَّا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ بَاطِنٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ فِي الْكُفَّارِ مَنْ يَأْكُلُ قَلِيلًا إِمَّا لِمُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ عَلَى رَأْي الْأَطِبَّاءِ، وَإِمَّا لِلرِّيَاضَةِ عَلَى رَأْيِ الرُّهْبَانِ، وَإِمَّا لِعَارِضٍ كَضَعْفِ الْمَعِدَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمُحَصَّلُ الْقَوْلِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الْحِرْصُ عَلَى الزَّهَادَةِ وَالِاقْتِنَاعِ بِالْبُلْغَةِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِذَا وُجِدَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنَ الزَّانِي نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَمِنَ الزَّانِيَةِ نِكَاحُ الْحُرِّ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّامُّ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَمُلَ إِيمَانُهُ اشْتَغَلَ فِكْرُهُ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ فَيَمْنَعُهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَكَثْرَةُ الْفِكْرِ وَالْإِشْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنِ اسْتِيفَاءِ شَهْوَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ مَنْ كَثُرَ تَفَكُّرُهُ قَلَّ طُعْمُهُ، وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّرُهُ كَثُرَ طُعْمُهُ وَقَسَا قَلْبُهُ وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّحِيحُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ، مَنْ يَقْتَصِدُ فِي مَطْعَمِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمِنْ شَأْنِهِ الشَّرَهُ فَيَأْكُلُ بِالنَّهَمِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ وَلَا يَأْكُلُ بِالْمَصْلَحَةِ لِقِيَامِ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: قَدْ ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَفَاضِلِ السَّلَفِ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بين الحديثين أنَّ مُطلق طعامِ القليل يَكفي الكثير، وكون طعام الواحد يَكفي الاثنين يؤخذُ منه أنَّ طعام الاثنين يَكفي الثَّلاثة بطريقِ الأولى بخلافِ (١) عكسهِ.
وعند ابن ماجه من حديثِ عمر ﵁: «طعامُ الواحدِ يَكفي الاثنين، وإن طعامَ الاثنين يَكفي الثَّلاثة والأربعة، وإنَّ طعامَ الأربعةِ يَكفي الخمسة والسِّتَّة».
وقيل: المرادُ بهذهِ الأحاديث الحضُّ على المكارمِ والتَّقنُّع بالكفايةِ، وليس المراد الحصرَ في المقدارِ، وإنَّما (٢) المرادُ المواساة وأنَّه ينبغِي للاثنين إدخالُ ثالثٍ لطعامهما وإدخالُ رابعٍ أيضًا بحسبِ من يحضر، ففيه: أنَّه لا يستحقرُ ما عنده فإنَّ القليلَ قد يحصلُ به الاكتفاء.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: يذكرُ فيه (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم وتنوين العين مقصورًا، جمعُه أمعاء -بالمدِّ- وهي (٣) المصارين، وإنَّما عدَّى الأكلَ بفي على مَعنى: أوقعَ الأكلَ فيها وجعلها مكانًا للمأكولِ، كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: ملءَ بُطونهم (فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ).
٥٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ الملقَّب ببُنْدَار قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف والدال المهملة، ابن زيد (٢) بنِ عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى) بضم التَّحتية وفتح الفوقية (بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا) هو أبو (٣) نَهِيْكٍ كما أخرجَه المصنِّف من وجهٍ آخر في هذا الباب [خ¦٥٣٩٥] (يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ) ابن عُمر: (يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ) أي: لما فيه من الاتِّصاف بصفةِ الكافر، وهي كثرةُ الأكل، ونفسُ المؤمن تنفرُ ممَّن هو متَّصفٌ بصفةِ الكافر، ثمَّ استدلَّ لذلك بقولهِ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم والقصر (٤) (وَالكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) وممَّا يؤيِّد أنَّ كثرةَ الأكل صفةُ الكافرِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وتخصيصُ السَّبعة قيل: للمبالغةِ والتَّكثير، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] فيكون المرادُ أنَّ المؤمنَ يقلُّ حرصُه وشرهه على الطَّعام، ويبارك له في مأكلهِ ومشربهِ فيشبعُ بالقليلِ، والكافرُ يكون كثير الحرص شديد الشَّره، لا يطمحُ بصره إلَّا إلى المطاعمِ والمشارب كالأنعامِ، فمثل ما بينهما من التَّفاوت في الشَّره بما بين من يأكلُ في مِعًى واحدٍ، ومَن يأكلُ في سبعة أمعاءٍ، وهذا باعتبار الأعمِّ الأغلبِ، وفي معنى سبعة أمعاء أقوالٌ أُخر تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(١٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ) كذا ثبتَ لأبي ذرٍّ وسقطَ ذلك للباقين وهو أَولى؛ إذْ لا فائدةَ في إعادتهِ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَكِنْ أَخْرَجَ لَهُ مَقْرُونًا بِأَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ فَقَطْ، فَلَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، ثُمَّ لَا أَدْرِي لِمَ خَصَّهُ بِتَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ، مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ أَيْضًا، وَلَعَلَّ ابْنَ الْمُنِيرِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ اب نَ وَهْبٍ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ قَطْعًا، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ قَصَّرَ بِنَسَبِةِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ وَصَرَّحَ بِطَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَمُرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا فِي الطَّبَرَانِيِّ.
١٢ - بَاب الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٣٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ؛ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ.
٥٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْمُنَافِقَ فَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ"
[الحديث ٥٣٩٣ - طرفاه في: ٥٣٩٤، ٥٣٩٥]
٥٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ كَانَ أَبُو نَهِيكٍ رَجُلًا أَكُولًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَقَالَ فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"
٥٣٩٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
[الحديث ٥٣٩٦ - طرفه في: ٥٣٩٧]
٥٣٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُؤْمِنِ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) الْمِعَى بِكَسْرِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ، وَفِي لُغَةٍ حَكَاهَا فِي الْمُحْكَمِ بِسُكُونِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ، وَالْجَمْعُ أَمْعَاءٌ مَمْدُودٌ، وَهِيَ الْمَصَارِينُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي شِعْرِ الْقُطَامِيِّ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ فِي الْجَمْعِ، فَقَالَ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ حَكَاهَا أَبُو حَاتِمٍ: حَوَالِبَ غُزْرًا وَمِعًى جِيَاعًا. وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ وَإِنَّمَا عَدَّى يَأْكُلُ بِفِي؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى يُوقِعُ الْأَكْلِ فِيهَا، وَيَجْعَلُهَا ظَرْفًا لِلْمَأْكُولِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أَيْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السَّجِسْتَانِيُّ: الْمِعَى مُذَكَّرٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مَنْ أَثِقُ بِهِ يُؤَنِّثُهُ، فَيَقُولُ: مِعًى وَاحِدَةٌ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يَوْثُقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مَنْسُوبًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ كَثِيرًا) لَعَلَّهُ أَبُو نَهِيكٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (لَا تُدْخِلُ هَذَا عَلَيَّ) وَذَكَرَ الْحَدِيثُ هَكَذَا، حَمَلَ ابْنُ عُمَرَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَرِهَ دُخُولَهُ عَلَيْهِ؛ لِمَا رَآهُ مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْكَافِرُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُؤْمِنِ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا ثَبَتَ هَذَا الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ضَمُّ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ إِلَى تَرْجَمَةِ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَإِيرَادُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِطُرُقِهِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطَرِيقَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا التَّعْلِيقَ، وَهَذَا أَوْجَهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِإِعَادَةِ التَّرْجَمَةِ بِلَفْظِهَا مَعْنًى، وَكَذَا ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّرْجَمَةِ، ثُمَّ إِيرَادَهُ فِيهَا مَوْصُولًا مِنْ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدَةُ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْكَافِرَ، أَوِ الْمُنَافِقَ، فَلَا أَدْرِي أَيُّهَمَا قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هَذَا الشَّكُّ مِنْ عَبْدَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْكَافِرِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ، مِمَّنْ رَوَى الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا أَنَّهُ وَرَدَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بِلَفْظِ: الْمُنَافِقِ بَدَلَ الْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ) هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَوَقَعَ لَنَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: الْمُسْلِمِ، فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: مِثْلُهُ أَيْ: مِثْلُ أَصْلِ الْحَدِيثِ، لَا خُصُوصِ الشَّكِّ الْوَاقِعِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِهِ لِسُفْيَانَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ أَبُو نَهِيكٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (رَجُلًا أَكُولًا) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا نَهِيكٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: فَأَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا أُومِنُ بِاللَّهِ إِلَخْ وَمِنْ ثَمَّ أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (يَأْكُلُ الْمُسْلِمُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ في الطريق الأخرى: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ - بِسُكُونِ اللَّامِ - الْأَشْجَعِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ سَلَمَةَ بْنَ دِينَارٍ الزَّاهِدَ؛ فَإِنَّهُ أَصْغَرُ مِنَ الْأَشْجَعِيِّ، وَلَمْ يُدْرِكْ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (إنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكَلَا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى، ثُمَّ أُخْرَى، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا الْحَدِيثَ، وَهَذَا الرَّجُلُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جَهْجَاهَ الْغِفَارِيَّ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ قَدِمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ، فَحَضَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي، فَكُنْتُ رَجُلًا عَظِيمًا طَوِيلًا لَا يُقْدِمُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا فَأَتَيْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَلَبَ لِي آخَرَ، حَتَّى حَلَبَ سَبْعَةَ أَعْنُزٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيتُ بِصَنِيعِ بُرْمَةٍ فَأَتَيْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَجَاعَ اللَّهُ مَنْ أَجَاعَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَهْ يَا أُمَّ أَيْمَنَ؛ أَكَلَ رِزْقَهُ، وَرِزْقُنَا عَلَى اللَّهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ وَصَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ صَنَعَ مَا صَنَعَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، فَحَلَبَ لِي عَنْزًا وَرُوِيتُ وَشَبِعْتُ، فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: أَلَيْسَ هَذَا ضَيْفَنَا؟! قَالَ: إِنَّهُ أَكَلَ فِي مِعًى وَاحِدٍ اللَّيْلَةَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَأَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ وَفِي إِسْنَادِ الْجَمِيعِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَةُ رِجَالٍ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَجُلًا وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: أَبُو غَزْوَانَ. قَالَ فَحَلَبَ لَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ فَشَرِبَ لَبَنَهَا كُلَّهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا غَزْوَانَ أَنْ تُسْلِمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَسْلَمَ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَلَبَ لَهُ شَاةً وَاحِدَةً فَلَمْ يُتِمَّ لَبَنَهَا، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا غَزْوَانَ؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ نَبِيًّا لَقَدْ رُوِيتُ.
قَالَ: إِنَّكَ أَمْسِ كَانَ لَكَ سَبْعَةُ أَمْعَاءٍ وَلَيْسَ لَكَ الْيَوْمَ إِلَّا مِعًى وَاحِدٌ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَقْوَى مِنْ طَرِيقِ جَهْجَاهَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ كُنْيَتَهُ، لَكِنْ يُقَوِّي التَّعَدُّدَ أَنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرْتُ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَحَلَبَ لِي شُوَيْهَةً كَانَ يَحْلُبُهَا لِأَهْلِهِ فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَسْلَمْتُ حَلَبَ لِي فَشَرِبْتُ مِنْهَا فَرُوِيتُ، فَقَالَ: أَرُوِيتَ؟ قُلْتُ: قَدْ رُوِيتُ مَا لَا رُوِيتُ قَبْلَ الْيَوْمِ الْحَدِيثَ، وَهَذَا لَا يُفَسَّرُ بِهِ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، لَكِنْ لَيْسَ فِي قِصَّتِهِ خُصُوصُ الْعَدَدِ. وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا وَلِأَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَقَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ وَالْبَغَوِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ نَضْلَةَ الْغِفَارِيِّ حَدَّثَنِي جَدِّي نَضْلَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَقْبَلْتُ فِي لِقَاحٍ لِي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ أَخَذْتُ عُلْبَةً فَحَلَبْتُ فِيهَا فَشَرِبَتهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَشْرَبُهَا مِرَارًا لَا أَمْتَلِئُ وَفِي لَفْظٍ إِنْ كُنْتُ لَأَشْرَبُ السَّبْعَةَ، فَمَا أَمْتَلِئُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ مُبْهَمُ حَدِيثِ الْبَابِ لِاخْتِلَافِ السِّيَاقِ. وَوَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّهُ نَضْرَةُ بْنُ نَضْرَةَ الْغِفَارِيُّ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَعَتْ لَهُ قِصَّةٌ تُشْبِهُ قِصَّةَ جَهْجَاهَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ، وَبِهِ صَدَّرَ الْمَازِرِيُّ كَلَامَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ وَزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْكَافِرِ وَحِرْصِهِ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْمُؤْمِنُ لِتَقَلُّلِهِ مِنَ الدُّنْيَا يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِيهَا وَاسْتِكْثَارِهِ مِنْهَا يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْأَمْعَاءِ وَلَا خُصُوصَ الْأَكْلِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّقَلُّلُ مِنَ الدُّنْيَا وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهَا، فَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ تَنَاوُلِ الدُّنْيَا بِالْأَكْلِ وَعَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ بِالْأَمْعَاءِ، وَوَجْهُ الْعَلَاقَةِ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ الْحَلَالَ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ الْحَرَامَ، وَالْحَلَالُ أَقَلُّ مِنَ الْحَرَامِ فِي الْوُجُودِ نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ فَقَالَ: حَمَلَ قَوْمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ يَأْكُلُ
الدُّنْيَا أَكْلًا أَيْ يَرْغَبُ فِيهَا وَيَحْرِصُ عَلَيْهَا، فَمَعْنَى الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعي وَاحِدٍ أَيْ يَزْهَدُ فِيهَا فَلَا يَتَنَاوَلُ مِنْهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَالْكَافِرُ فِي سَبْعَةٍ أَيْ يَرْغَبُ فِيهَا فَيَسْتَكْثِرُ مِنْهَا. وَقِيلَ الْمُرَادُ حَضُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ إِذَا عُلِمَ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ صِفَةُ الْكَافِرِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَنْفِرُ مِنَ الِاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْكَافِرِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَاللَّامُ عَهْدِيَّةٌ لَا جِنْسِيَّةٌ، جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَدْفَعُهُ، فَكَمْ مِنْ كَافِرٍ يَكُونُ أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِنٍ وَعَكْسُهُ، وَكَمْ مِنْ كَافِرٍ أَسْلَمَ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِقْدَارُ أَكْلِهِ، قَالَ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِهِ مَالِكٌ الْحَدِيثَ الْمُطْلَقَ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا إِذَا كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ عُوفِيَ وَبُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَكَفَاهُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِمَّا كَانَ يَكْفِيهِ وَهُوَ كَافِرٌ اهـ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ فَقَالَ: قِيلَ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ فِي كَافِرٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الَّذِي شَرِبَ حِلَابَ السَّبْعِ شِيَاهٍ، قَالَ: وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدَنَا مَحْمَلٌ غَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ، وَالسَّابِقُ إِلَى ذَلِكَ أَوَّلًا أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تُعُقِّبَ هَذَا الْحَمْلُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَهِمَ مِنْهُ الْعُمُومَ فَلِذَلِكَ مَنَعَ الَّذِي رَآهُ يَأْكُلُ كَثِيرًا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ. ثُمَّ كَيْفَ يَتَأَتَّى حَمْلُهُ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَيُورِدُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَقِبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي حَقِّ الَّذِي وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَيْسَتْ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ مُرَادَةً، قَالُوا تَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْثِيرِ كَمَا في قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ التَّقَلُّلَ مِنَ الْأَكْلِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَسْبَابِ الْعِبَادَةِ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ مِنَ الْأَكْلِ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ وَيُمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَلِخَشْيَتِهِ أَيْضًا مِنْ حِسَابِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ مَعَ مَقْصُودِ الشَّرْعِ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِشَهْوَةِ نَفْسِهِ مُسْتَرْسِلٌ فِيهَا غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ تَبَعَاتِ الْحَرَامِ، فَصَارَ أَكْلُ الْمُؤْمِنِ - لِمَا ذَكَرْتُهُ - إِذَا نُسِبَ إِلَى أَكْلِ الْكَافِرِ كَأَنَّهُ بِقَدْرِ السُّبْعِ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اطِّرَادُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَأْكُلُ كَثِيرًا إِمَّا بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَإِمَّا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مَرَضٍ بَاطِنٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ فِي الْكُفَّارِ مَنْ يَأْكُلُ قَلِيلًا إِمَّا لِمُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ عَلَى رَأْي الْأَطِبَّاءِ، وَإِمَّا لِلرِّيَاضَةِ عَلَى رَأْيِ الرُّهْبَانِ، وَإِمَّا لِعَارِضٍ كَضَعْفِ الْمَعِدَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمُحَصَّلُ الْقَوْلِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ الْحِرْصُ عَلَى الزَّهَادَةِ وَالِاقْتِنَاعِ بِالْبُلْغَةِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِذَا وُجِدَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنَ الزَّانِي نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَمِنَ الزَّانِيَةِ نِكَاحُ الْحُرِّ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّامُّ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَمُلَ إِيمَانُهُ اشْتَغَلَ فِكْرُهُ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ فَيَمْنَعُهُ شِدَّةُ الْخَوْفِ وَكَثْرَةُ الْفِكْرِ وَالْإِشْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنِ اسْتِيفَاءِ شَهْوَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ مَنْ كَثُرَ تَفَكُّرُهُ قَلَّ طُعْمُهُ، وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّرُهُ كَثُرَ طُعْمُهُ وَقَسَا قَلْبُهُ وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّحِيحُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ، مَنْ يَقْتَصِدُ فِي مَطْعَمِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَمِنْ شَأْنِهِ الشَّرَهُ فَيَأْكُلُ بِالنَّهَمِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ وَلَا يَأْكُلُ بِالْمَصْلَحَةِ لِقِيَامِ الْبِنْيَةِ، وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: قَدْ ذُكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَفَاضِلِ السَّلَفِ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِمْ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بين الحديثين أنَّ مُطلق طعامِ القليل يَكفي الكثير، وكون طعام الواحد يَكفي الاثنين يؤخذُ منه أنَّ طعام الاثنين يَكفي الثَّلاثة بطريقِ الأولى بخلافِ (١) عكسهِ.
وعند ابن ماجه من حديثِ عمر ﵁: «طعامُ الواحدِ يَكفي الاثنين، وإن طعامَ الاثنين يَكفي الثَّلاثة والأربعة، وإنَّ طعامَ الأربعةِ يَكفي الخمسة والسِّتَّة».
وقيل: المرادُ بهذهِ الأحاديث الحضُّ على المكارمِ والتَّقنُّع بالكفايةِ، وليس المراد الحصرَ في المقدارِ، وإنَّما (٢) المرادُ المواساة وأنَّه ينبغِي للاثنين إدخالُ ثالثٍ لطعامهما وإدخالُ رابعٍ أيضًا بحسبِ من يحضر، ففيه: أنَّه لا يستحقرُ ما عنده فإنَّ القليلَ قد يحصلُ به الاكتفاء.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الأطعمةِ»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ».
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: يذكرُ فيه (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم وتنوين العين مقصورًا، جمعُه أمعاء -بالمدِّ- وهي (٣) المصارين، وإنَّما عدَّى الأكلَ بفي على مَعنى: أوقعَ الأكلَ فيها وجعلها مكانًا للمأكولِ، كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أي: ملءَ بُطونهم (فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ).
٥٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) العبديُّ الملقَّب ببُنْدَار قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ التَّنُّوريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف والدال المهملة، ابن زيد (٢) بنِ عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى) بضم التَّحتية وفتح الفوقية (بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا) هو أبو (٣) نَهِيْكٍ كما أخرجَه المصنِّف من وجهٍ آخر في هذا الباب [خ¦٥٣٩٥] (يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ) ابن عُمر: (يَا نَافِعُ، لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ) أي: لما فيه من الاتِّصاف بصفةِ الكافر، وهي كثرةُ الأكل، ونفسُ المؤمن تنفرُ ممَّن هو متَّصفٌ بصفةِ الكافر، ثمَّ استدلَّ لذلك بقولهِ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) بكسر الميم والقصر (٤) (وَالكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) وممَّا يؤيِّد أنَّ كثرةَ الأكل صفةُ الكافرِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وتخصيصُ السَّبعة قيل: للمبالغةِ والتَّكثير، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] فيكون المرادُ أنَّ المؤمنَ يقلُّ حرصُه وشرهه على الطَّعام، ويبارك له في مأكلهِ ومشربهِ فيشبعُ بالقليلِ، والكافرُ يكون كثير الحرص شديد الشَّره، لا يطمحُ بصره إلَّا إلى المطاعمِ والمشارب كالأنعامِ، فمثل ما بينهما من التَّفاوت في الشَّره بما بين من يأكلُ في مِعًى واحدٍ، ومَن يأكلُ في سبعة أمعاءٍ، وهذا باعتبار الأعمِّ الأغلبِ، وفي معنى سبعة أمعاء أقوالٌ أُخر تأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(١٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (المُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ. فِيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ) كذا ثبتَ لأبي ذرٍّ وسقطَ ذلك للباقين وهو أَولى؛ إذْ لا فائدةَ في إعادتهِ.