الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٤
الحديث رقم ٥٤ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء أن الأعمال بالنية.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَدْفِنُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتَ. وَأَمَّا النَّقِيرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْلَ النَّخْلَةِ ثُمَّ يَنْبِذُونَ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتَ. وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَجِرَارٌ كَانَتْ تُحْمَلُ إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْرُ.
وَأَمَّا الْمُزَفَّتُ فَهَذِهِ الْأَوْعِيَةُ الَّتِي فِيهَا الزِّفْتُ، انْتَهَى. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ. وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ بِخُصُوصِهَا لِأَنَّهُ يُسْرِعُ فِيهَا الْإِسْكَارُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي كُلِّ وِعَاءٍ مَعَ النَّهْيِ عَنْ شُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ) بِفَتْحِ مَنْ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، وَوَرَاءَكُمْ يَشْمَلُ مَنْ جَاءُوا مِنْ عِنْدِهِمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ، وَيَشْمَلُ مَنْ يَحْدُثُ لَهُمْ مِنَ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، فَيُحْتَمَلُ إِعْمَالُهَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا حَقِيقَةً وَمَجَازًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ الِاعْتِمَادَ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤١ - بَاب مَا جَاءَ إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالْأَحْكَامُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ عَلَى نِيَّتِهِ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ وَقَالَ: وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: أخبرنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
[انظر الحديث رقم ١]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ) أَيْ: بَابُ بَيَانِ مَا وَرَدَ دَالًّا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْحِسْبَةِ طَلَبُ الثَّوَابِ، وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ لَفْظُهُ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَبِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْحِسْبَةِ، وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى هُوَ بَعْضُ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّةِ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ قَوْلَهُ وَالْحِسْبَةُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ فِيهِ) هُوَ مِنْ مَقُولِ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ بَقِيَّةً مِمَّا وَرَدَ. وَقَدْ أَفْصَحَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي رِوَايَتِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْمُصَنِّفَ - وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ يَعُودُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ. وَتَوْجِيهُ دُخُولِ النِّيَّةِ فِي الْإِيمَانِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ - مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ - لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ تُمَيِّزُهَا ; لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُمَيِّزُ الْعَمَلَ لِلَّهِ عَنِ الْعَمَلِ لِغَيْرِهِ رِيَاءً، وَتُمَيِّزُ مَرَاتِبَ الْأَعْمَالِ كَالْفَرْضِ عَنِ النَّدْبِ، وَتُمَيِّزُ الْعِبَادَةَ عَنِ الْعَادَةِ كَالصَّوْمِ عَنِ الْحَمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوُضُوءُ) أَشَارَ بِهِ إِلَى خِلَافِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ النِّيَّةَ كَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ وَسِيلَةً إِلَى عِبَادَةٍ كَالصَّلَاةِ، وَنُوقِضُوا بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّمَا تَسْقُطُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة شُبْرُمَة (وَ) كذا (الصَّوْمُ) خلافًا لمذهب عطاءٍ ومجاهدٍ وزُفَرَ: أنَّ الصَّحيح المقيمَ في رمضان لا يحتاج إلى نيَّةٍ لأنَّه لا يصحُّ النَّفل في رمضان، وعند الأربعة: تلزم النِّيَّة. نعم؛ تعيين الرَّمضانيَّة لا يُشترَط عند الحنفيَّة (وَ) كذا (الأَحْكَامُ) من المُناكَحَات والمُعامَلَات والجراحات؛ إذ يُشترَط في كلِّها القصد، فلو سبق لسانه إلى «بِعتُ» أو «وهبتُ» أو «نكحتُ» أو «طلَّقتُ» لَغَا؛ لانتفاء القصد إليه، ولا يُصدَّق ظاهرًا إلَّا بقرينةٍ؛ كأن دعا زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهرٌ، فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالقٌ (وَقَالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» وللأَصيليِّ وكريمة: «﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» أي: كلُّ أحدٍ (﴿يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]) أي: (عَلَى نِيَّتِهِ) وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ ومعاوية بن قرَّةَ المزنيِّ وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ عنهم، وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ أي: طريقته ومذهبه، وحذف المؤلِّف أداة التَّفسير (ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ) حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ «يحتسبها»: حالٌ متوسِّطٌّ بين المُبتدَأ والخبر، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي: «نفقة الرَّجل» بحذف الواو، وجملة: «نفقة الرَّجل» إلى آخرها ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ في حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ عند المؤلِّف مُسنَدًا: «لا هجرة بعد الفتح» (وَلَكِنْ) طلب الخير (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) وسقط لغير الأربعة «وقال (١) النَّبيُّ ﷺ».
٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة (١)، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر «واقعٌ» أَوْلى من تقديره بـ «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قَطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً وعقدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ فلا تُحذَف، وكذا (٢) منع الرُّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ، أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز. انتهى.
وأُجِيب بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك للتَّعظيم، وقد يكون للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] وقوله ﵊: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة (١): «إلى دنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا» لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و «أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل مِنَ الدُّنوِّ، و «أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما:
أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ … هو المسكُ ما كرَّرته يَتَضوَّعُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَدْفِنُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتَ. وَأَمَّا النَّقِيرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْلَ النَّخْلَةِ ثُمَّ يَنْبِذُونَ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتَ. وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَجِرَارٌ كَانَتْ تُحْمَلُ إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْرُ.
وَأَمَّا الْمُزَفَّتُ فَهَذِهِ الْأَوْعِيَةُ الَّتِي فِيهَا الزِّفْتُ، انْتَهَى. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ. وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ بِخُصُوصِهَا لِأَنَّهُ يُسْرِعُ فِيهَا الْإِسْكَارُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي كُلِّ وِعَاءٍ مَعَ النَّهْيِ عَنْ شُرْبِ كُلِّ مُسْكِرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ) بِفَتْحِ مَنْ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، وَوَرَاءَكُمْ يَشْمَلُ مَنْ جَاءُوا مِنْ عِنْدِهِمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ، وَيَشْمَلُ مَنْ يَحْدُثُ لَهُمْ مِنَ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ، فَيُحْتَمَلُ إِعْمَالُهَا فِي الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا حَقِيقَةً وَمَجَازًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ الِاعْتِمَادَ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤١ - بَاب مَا جَاءَ إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالْأَحْكَامُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ عَلَى نِيَّتِهِ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ وَقَالَ: وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قال: أخبرنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
[انظر الحديث رقم ١]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ) أَيْ: بَابُ بَيَانِ مَا وَرَدَ دَالًّا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْحِسْبَةِ طَلَبُ الثَّوَابِ، وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ لَفْظُهُ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَبِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْحِسْبَةِ، وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى هُوَ بَعْضُ حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّةِ. وَإِنَّمَا أَدْخَلَ قَوْلَهُ وَالْحِسْبَةُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَدَخَلَ فِيهِ) هُوَ مِنْ مَقُولِ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ بَقِيَّةً مِمَّا وَرَدَ. وَقَدْ أَفْصَحَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي رِوَايَتِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْمُصَنِّفَ - وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ يَعُودُ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ. وَتَوْجِيهُ دُخُولِ النِّيَّةِ فِي الْإِيمَانِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ - مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ - لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ تُمَيِّزُهَا ; لِأَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُمَيِّزُ الْعَمَلَ لِلَّهِ عَنِ الْعَمَلِ لِغَيْرِهِ رِيَاءً، وَتُمَيِّزُ مَرَاتِبَ الْأَعْمَالِ كَالْفَرْضِ عَنِ النَّدْبِ، وَتُمَيِّزُ الْعِبَادَةَ عَنِ الْعَادَةِ كَالصَّوْمِ عَنِ الْحَمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوُضُوءُ) أَشَارَ بِهِ إِلَى خِلَافِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ النِّيَّةَ كَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ وَسِيلَةً إِلَى عِبَادَةٍ كَالصَّلَاةِ، وَنُوقِضُوا بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ وَقَدِ اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ النِّيَّةَ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّمَا تَسْقُطُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة شُبْرُمَة (وَ) كذا (الصَّوْمُ) خلافًا لمذهب عطاءٍ ومجاهدٍ وزُفَرَ: أنَّ الصَّحيح المقيمَ في رمضان لا يحتاج إلى نيَّةٍ لأنَّه لا يصحُّ النَّفل في رمضان، وعند الأربعة: تلزم النِّيَّة. نعم؛ تعيين الرَّمضانيَّة لا يُشترَط عند الحنفيَّة (وَ) كذا (الأَحْكَامُ) من المُناكَحَات والمُعامَلَات والجراحات؛ إذ يُشترَط في كلِّها القصد، فلو سبق لسانه إلى «بِعتُ» أو «وهبتُ» أو «نكحتُ» أو «طلَّقتُ» لَغَا؛ لانتفاء القصد إليه، ولا يُصدَّق ظاهرًا إلَّا بقرينةٍ؛ كأن دعا زوجته بعد طهرها من الحيض إلى فراشه، وأراد أن يقول: أنت طاهرٌ، فسبق لسانه، وقال: أنت الآن طالقٌ (وَقَالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» وللأَصيليِّ وكريمة: «﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾» أي: كلُّ أحدٍ (﴿يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]) أي: (عَلَى نِيَّتِهِ) وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ ومعاوية بن قرَّةَ المزنيِّ وقتادة، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ والطَّبريُّ عنهم، وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ أي: طريقته ومذهبه، وحذف المؤلِّف أداة التَّفسير (ونَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ) حال كونه مريدًا بها وجه الله تعالى، فـ «يحتسبها»: حالٌ متوسِّطٌّ بين المُبتدَأ والخبر، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي: «نفقة الرَّجل» بحذف الواو، وجملة: «نفقة الرَّجل» إلى آخرها ساقطةٌ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر (وَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ في حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ عند المؤلِّف مُسنَدًا: «لا هجرة بعد الفتح» (وَلَكِنْ) طلب الخير (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) وسقط لغير الأربعة «وقال (١) النَّبيُّ ﷺ».
٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو إمام الأئمَّة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁: (أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الأَعْمَالُ) تجزئ (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد وحذفِ «إنَّما»، واتفق المحققون على إفادة الحصر من هذه الصِّيغة كالمُصَدَّرة بـ «إنَّما»، وهو من حصر المُبتدَأ في الخبر، والتَّقدير: كلُّ الأعمال بالنِّيَّة. نعم؛ خرج من العموم جزئيَّاتٌ بدليلٍ، والجارّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، قدَّره بعضهم: قبول الأعمال واقعٌ بالنِّيَّة (١)، وفيه حذف المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإقامة المُضَاف إليه مقامه، ثمَّ حُذِفَ الخبر؛ وهو «واقعٌ»، والأحسن تقدير مَنْ قَدَّر: الأعمال صحيحةٌ أو مُجزِئةٌ، وقِيلَ: تقدير الخبر «واقعٌ» أَوْلى من تقديره بـ «مُعتَبرٌ»؛ لأنَّهم أبدًا لا يضمرون إلَّا ما يدلُّ عليه الظَّرف؛ وهو واقعٌ أو استقرَّ، وهي قاعدةٌ مطَّرِدةٌ عندهم، وأُجِيب بأنَّه مُسَلَّمٌ في تقدير ما يتعلَّق به الظَّرف مُطلَقًا، مع قَطع النَّظر عن صورةٍ خاصَّةٍ، أمَّا الصُّورة المخصوصة فلا يُقدَّر فيها إلَّا ما يليق بها، ممَّا يدلُّ عليه المعنى أو السِّياق، وإنَّما قُدِّر هذا خبرًا لتقدير المُبتدَأ؛ وهو «قبولُ»، وإذا قدَّرنا ذلك نفس الخبر، لم يَحْتَجْ إلى حذف المُبتدَأ (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي: الذي نواه إذا كان المحلُّ قابلًا، كما سبق تقريره (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) نيَّةً وعقدًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) حكمًا وشرعًا، كذا قاله ابن دقيقٍ العيد، وردَّه الزَّركشيُّ: بأنَّ المُقدَّر حينئذٍ حالٌ مبيِّنةٌ فلا تُحذَف، وكذا (٢) منع الرُّنديُّ في «شرح الجمل» جعل «بسم الله» متعلِّقًا بحالٍ محذوفةٍ، أي: أبتدئ مُتبرِّكًا، قال: لأنَّ حذف الحال لا يجوز. انتهى.
وأُجِيب بمنع أنَّ المُقدَّر حالٌ، بل هو تمييزٌ، ويجوز حذف التَّمييز إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ نحو:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أي: رجلًا، ويمكن أن يُقَال: لم يُرِدْ بتقدير نيَّةً وعقدًا في الأوَّل، وحكمًا وشرعًا في الثَّاني أنَّ هناك لفظًا محذوفًا، بل أراد بيان المعنى ومُغايَرَة الأوَّل للثَّاني، وتأوَّله بعضهم على إرادة المعهود المُستقرِّ في النُّفوس، فإنَّ المُبتدَأ والخبر، وكذلك الشَّرط والجزاء، قد يتَّحدان لبيان الشُّهرة وعدم التَّغيير، وإرادة المعهود المستقرِّ في النَّفس، ويكون ذلك للتَّعظيم، وقد يكون للتَّحقير، وذلك بحسب المقامات والقرائن، فَمِنَ الأوَّل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] وقوله ﵊: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ومن الثَّاني قوله: (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) وفي روايةٍ لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر وكريمة (١): «إلى دنيا» (يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) أي: إلى ما ذكر، واستُشكِل: استعمال «دنيا» لأنَّها في الأصل مُؤنَّث «أدنى»، و «أدنى» «أَفْعَلْ» تفضيل مِنَ الدُّنوِّ، و «أَفْعَل» التَّفضيل إذا نُكِّر لزم الإفراد والتَّذكير، وامتنع تأنيثه وجمعه، ففي استعمال «دنيا» بالتَّأنيث مع كونه مُنكَّرًا إشكالٌ؛ ولهذا لا يُقَال: قُصْوَى ولا كُبْرَى، وأجاب ابن مالكٍ بأنَّ «دنيا» خُلِعَت عن الوصفيَّة غالبًا، وأُجْرِيتْ مجرى ما لم يكن قطُّ وصفًا ممَّا وزنه «فُعْلَى»، كرُجْعَى وبُهْمَى فلهذا ساغ فيها ذلك. ثمَّ إنَّ غرض المؤلِّف من إيراد هذا الحديث هنا الرَّدُّ على من زعم من المرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القلب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بدَّ له من نيَّةٍ واعتقاد قلبٍ، فافهم. وإنَّما أبرز الضَّمير في الجملة الأولى لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله، وعِظَمِ شأنهما:
أَعِدْ ذكرَ نعمانَ لنا إنَّ ذكرَهُ … هو المسكُ ما كرَّرته يَتَضوَّعُ