«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ⦗١١٠⦘فَحَلَبْتُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦١٢

الحديث رقم ٥٦١٢ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شوب اللبن بالماء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦١٢ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ

⦗١١٠⦘

فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللهِ مِنَ الْبِئْرِ، فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ.»

إسناد حديث رقم ٥٦١٢ من صحيح البخاري

٥٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦١٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّالِحُونَ. وَلَيْسَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ الْمِلْحِ فَضِيلَةٌ، قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اسْتِطَابَةَ الْأَطْعِمَةِ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ نَزَلَ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِامْتِنَاعَ مِنْ لَذَائِذِ الْمَطَاعِمِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَنَاوُلَهُ مَا امْتَنَّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، بَلْ نَهْيُهُ عَنْ تَحْرِيمِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُمْ تَنَاوَلَهَا لِيُقَابِلُوا نِعْمَتَهُ بِهَا عَلَيْهِمْ بِالشُّكْرِ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُهُ لَا يُكَافِئُهَا شُكْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَمَّا أَنَّ اسْتِعْذَابَ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالْوَرَعَ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ فَبَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ الْبُسْتَانِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. قُلْتُ: الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِمَا اقْتَضَاهُ الْعُرْفُ مِنَ الْمُسَامَحَةِ بِذَلِكَ، وَثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَظَرٌ. وقَوْلُهُ: ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ أَوْ رَابِحٌ الْأَوَّلُ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ وَالْحَاءُ مُهْمَلَةٌ فِيهِمَا، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْرَهُ يَرُوحُ إِلَى صَاحِبِهِ أَيْ يَصِلُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ، وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ كَثِيرُ الرِّبْحِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صِفَةُ صَاحِبِهِ الْمُتَصَدِّقِ بِهِ.

وَقَوْلُهُ: شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَقَوْلُهُ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَرَايِحٌ فِي رِوَايَتِهِمَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ مُصَرِّحًا فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَرِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كَذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

١٤ - بَاب شربِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ

٥٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ الْبِئْرِ فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ.

٥٦١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : "إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وَإِلَا كَرَعْنَا" قَالَ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمَا فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ قَالَ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ".

[الحديث ٥٦١٣ - طرفه في: ٥٦٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ) أَيْ مَمْزُوجًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالشُّرْبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الْخَلْطِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ غِشٌّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْوَاوِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَالشَّوْبُ الْخَلْطُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَقْصُودُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فَائِدَةِ تَقْيِيدِهِ الْخَلِيطَيْنِ بِالْمُسْكِرِ، أَيْ إِنَّمَا يُنْهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ

مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ مَا يُسْكِرُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَمْزُجُونَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِأَنَّ اللَّبَنَ عِنْدَ الْحَلبِ يَكُونُ حَارًّا وَتِلْكَ الْبِلَادُ فِي الْغَالِبِ حَارَّةٌ، فَكَانُوا يَكْسِرُونَ حَرَّ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَينِ: الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ) أَيْ دَارَ أَنَسٍ، وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ رَآهُ حِينَ أَتَى دَارَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ فِي دَارِنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا شَاةً لَنَا.

قَوْلُهُ: (فَحَلَبْتُ) عَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْحَلْبَ، وَقَوْلُهُ: فَشُبْتُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الشَّوْبِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الْهِبَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ عُمَرُ وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً لِمُلُوكِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرُؤَسَائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ فِي الشُّرْبِ، حَتَّى قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:

وَكَانَ الْكَأْسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا

فَخَشِيَ عُمَرُ لِذَلِكَ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى أَبِي بِكْرٍ فِي الشُّرْبِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ يُؤْثِرُ تَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ، فَتَصِيرَ السُّنَّةُ تَقْدِيمَ الْأَفْضَلِ فِي الشُّرْبِ عَلَى الْأَيْمَنِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ أَنَّ تِلْكَ الْعَادَةَ لَمْ تُغَيِّرْهَا السُّنَّةُ، وَأَنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ، وَأَنَّ الْأَيْمَنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَفْضَلِ فِي ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حَطُّ رُتْبَةِ الْأَفْضَلِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ.

قَوْلُهُ: (فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أَيِ اللَّبَنَ الَّذِي فَضَلَ مِنْهُ بَعْدَ شُرْبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ ذِكْرُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَنَّهُ وَهِمَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ دَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِقُبَاءَ وَتِلْكَ فِي دَارِ أَنَسٍ أَيْضًا فَهُوَ أَنْصَارِيٌّ، وَلَا يُقَالُ لَهُ أَعْرَابِيٌّ، كَمَا اسْتُبْعِدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَقَالَ بِالْوَاوِ بَدَلَ ثُمَّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ الْأَيْمَنُونَ فَالْأَيْمَنُونَ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ الْأَيْمَنُونَ مُقَدَّمُونَ أَوْ أَحقُّ أَوْ يُقَدَّمُ الْأَيْمَنُونَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالنَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ قَدِّمُوا أَوِ أَعْطُوا. وَوَقَعَ فِي الْهِبَةِ بِلَفْظِ: أَلَا فَيَمِّنُوا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَكْرَارِ الْأَيْمَنِ أَنَّ السُّنَّةَ إِعْطَاءُ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَرِبَ بَعْدَ الْأَعْرَابِيِّ، ثُمَّ شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، لَكِنِ الظَّاهِرُ عَنْ عُمَرَ إِيثَارُهُ أَبَا بَكْرٍ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِسِ عِلْمٍ أَوْ مَجْلِسِ رَئِيسٍ لَا يُنَحَّى مِنْهُ لِمَجِيءِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، بَلْ يَجْلِسُ الْآتِي حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ، لَكِنْ إِنْ آثَرَهُ السَّابِقُ جَازَ، وَأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا لَمْ يُدْفَعْ عَنْهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ إِذْنُهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْجُلَسَاءَ شُرَكَاءُ فِيمَا يَقْرُبُ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْفَضْلِ لَا اللُّزُومِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ لَا تَجِبُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ فَالتَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ لَهُ. وَفِيهِ دُخُولُ الْكَبِيرِ بَيْتَ خَادِمِهِ وَصَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ صَغِيرَ السِّنِّ وَتَنَاوُلُهُ مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ.

وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو

عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) كُنْتُ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، عَنْ فُلَيْحٍ فِي أَوَّلِ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ أَتَى قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَعُودُ مَرِيضًا لَهُمْ، وَقِصَّةُ أَبِي الْهَيْثَمِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْتَوْعَبَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ التَّكَاثُرِ طُرُقَهُ فَزَادَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَسِيبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عُبَادَةَ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى الْمُسْتَنَدِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ وَلَزِمْتُ بَابَهُ، فَكُنْتُ آتِيهِ بِالْمَاءِ مِنْ بِئْرِ جَاشِمٍ - وَهِيَ بِئْرُ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ وَكَانَ مَاؤُهَا طَيِّبًا - وَلَقَدْ دَخَلَ يَوْمًا صَائِفًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَبِي الْهَيْثَمِ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ؟ فَأَتَاهُ بِشَجْبٍ فِيهِ مَاءٌ كَأَنَّهُ الثَّلْجُ، فَصَبَّهُ عَلَى لَبَنِ عَنْزٍ لَهُ وَسَقَاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ لَنَا عَرِيشًا بَارِدًا فَقِلْ فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَنَا، فَدَخَلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَتَى أَبُو الْهَيْثَمِ بِأَلْوَانٍ مِنَ الرُّطَبِ الْحَدِيثَ. وَالشَّجْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ يُتَّخَذُ مِنْ شَنَّةٍ تُقْطَعُ وَيُخْرَزُ رَأْسُهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ صَاحِبُهُ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ قَبْلِ هَذَا وَإِلَى جَانِبِهِ مَاءٌ فِي رَكِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَبَعْدَهَا شِدَّةُ الْبِئْرِ الْمَطْوِيَّةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ سَتَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ فَسَلَّمَ النَّبِيُّ وَصَاحِبُهُ فَرَدَّ الرَّجُلُ - أَيْ عَلَيْهِمَا - السَّلَامَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ الْقِرْبَةُ الْخَلِقَةُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ الَّتِي زَالَ شَعْرُهَا مِنَ الْبِلَى. قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ الْبَائِتِ أَنَّهُ يَكُونُ أَبْرَدَ وَأَصْفَى، وَأَمَّا مَزْجُ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الرَّاعِي. قُلْتُ: لَكِنِ الْقِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَصَنِيعُ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ بِاللَّبَنِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَصَنِيعُ الْأَنْصَارِيِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَسْقِيَ النَّبِيَّ مَاءً صِرْفًا فَأَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ اللَّبَنَ فَأَحْضَرَ لَهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي رِوَايَةِ الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرٍ قَبْلُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مِثْلَ الثَّلْجِ.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا كَرَعْنَا) فِيهِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: فَاسْقِنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ كَرَعْنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ التَّصْرِيحُ بِطَلَبِ السَّقْيِ. وَالْكَرْعُ بِالرَّاءِ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِالْفَمِ مِنْ غَيْرِ إِنَاءٍ وَلَا كَفٍّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ حَكَى أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ الشُّرْبُ بِالْيَدَيْنِ مَعًا، قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى خِلَافِهِ. قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَةٍ فَجَعَلْنَا نَكْرَعُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَكْرَعُوا وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا بِهَا الْحَدِيثَ. وَلَكِنْ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالنَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ، وَالْفِعْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ قِصَّةُ جَابِرٍ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوِ النَّهْيُ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْفِعْلُ كَانَ لِضَرُورَةِ شُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِبَارِدٍ فَيَشْرَبُ بِالْكَرْعِ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ لِئَلَّا تَكْرَهَهُ نَفْسُهُ إِذَا تَكَرَّرَتِ الْجَرْعَ، فَقَدْ لَا يَبْلُغُ الْغَرَضَ مِنَ الرِّيِّ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشُّرْبِ بِالْفَمِ كَرْعٌ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبَهَائِمِ لِشُرْبِهَا بِأَفْوَاهِهَا وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُدْخِلُ أَكَارِعَهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَشْرَبَ عَلَى بُطُونِنَا وَهُوَ الْكَرْعُ، وَسَنَدُهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ، فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِبُ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى الشُّرْبِ بِالْفَمِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِانْبِطَاحِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَإِلَّا تَجَرَّعْنَا بِمُثَنَّاةٍ وَجِيمٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ شَرِبْنَا جَرْعَةً جَرْعَةً، وَهَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ) أَيْ يَنْقُلُ الْمَاءَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْبُسْتَانِ لِيَعُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبدُ الله بنُ عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بنِ مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ شَرِبَ (١) لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ) أي: دارَ أنسٍ، والجملة حاليَّة، أي: رآه حين أتى دارهُ (فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ) بضم الشين المعجمة، أي: خلطت (لِرَسُولِ اللهِ ) اللَّبن الَّذي حلبتُه بماء (مِنَ البِئْرِ) ليبرد (فَتَنَاوَلَ) (القَدَحَ فَشَرِبَ) منه (وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) زاد في رواية أبي طُوَالة السَّابقة في «الهبة» «وعمر تُجَاهه» [خ¦٢٥٧١]. وفي «الشُّرب» من طريقِ شعيب عن الزُّهريِّ في هذا الحديث: «فقال عمرُ وخافَ أن يعطيَه الأعرابيَّ: أعطَ أبا بكر» [خ¦٢٣٥٢] وفي رواية أبي طُوَالة: «فقال عمرُ: هذا أبو بكر» (فَأَعْطَى) (الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أي: اللَّبن الَّذي فضل منه بعد شربه (ثُمَّ قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقال» بالواو بدل ثمَّ، قَدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) والنَّصب (٢) على الحالِ، أي: اشربوا مترتِّبين على هذا النَّمط، ويجوز الرَّفع، أي: الأيمن مقدَّم، أو أحق بالشُّرب من غيرهِ. وفي الحديث: أنَّ السُّنة تقديم الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يلزم من ذلك حط رتبةِ (٣) الفاضل، ولعلَّ عمر كان احتملَ عنده أنَّه يقدِّم أبا بكرٍ، فيكون سنَّة في تقديمِ الأفضلِ في الشُّرب على الأيمنِ، فلذا ذكرَ أبا بكر، فبيَّن له أنَّ السُّنَّة تقديمُ الأيمن على الأفضلِ.

وهذا الحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٧١].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّالِحُونَ. وَلَيْسَ فِي شُرْبِ الْمَاءِ الْمِلْحِ فَضِيلَةٌ، قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اسْتِطَابَةَ الْأَطْعِمَةِ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ نَزَلَ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِامْتِنَاعَ مِنْ لَذَائِذِ الْمَطَاعِمِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَنَاوُلَهُ مَا امْتَنَّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، بَلْ نَهْيُهُ عَنْ تَحْرِيمِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُمْ تَنَاوَلَهَا لِيُقَابِلُوا نِعْمَتَهُ بِهَا عَلَيْهِمْ بِالشُّكْرِ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُهُ لَا يُكَافِئُهَا شُكْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَمَّا أَنَّ اسْتِعْذَابَ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالْوَرَعَ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ فَبَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ الْبُسْتَانِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. قُلْتُ: الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِمَا اقْتَضَاهُ الْعُرْفُ مِنَ الْمُسَامَحَةِ بِذَلِكَ، وَثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ نَظَرٌ. وقَوْلُهُ: ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ أَوْ رَابِحٌ الْأَوَّلُ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ وَالْحَاءُ مُهْمَلَةٌ فِيهِمَا، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْرَهُ يَرُوحُ إِلَى صَاحِبِهِ أَيْ يَصِلُ إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ، وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ كَثِيرُ الرِّبْحِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صِفَةُ صَاحِبِهِ الْمُتَصَدِّقِ بِهِ.

وَقَوْلُهُ: شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَقَوْلُهُ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَرَايِحٌ فِي رِوَايَتِهِمَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ مُصَرِّحًا فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَرِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كَذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.

١٤ - بَاب شربِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ

٥٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ، فَحَلَبْتُ شَاةً، فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ الْبِئْرِ فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ.

٥٦١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : "إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وَإِلَا كَرَعْنَا" قَالَ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيشِ قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمَا فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ قَالَ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ".

[الحديث ٥٦١٣ - طرفه في: ٥٦٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ) أَيْ مَمْزُوجًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالشُّرْبِ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الْخَلْطِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ غِشٌّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْوَاوِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَالشَّوْبُ الْخَلْطُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَقْصُودُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فَائِدَةِ تَقْيِيدِهِ الْخَلِيطَيْنِ بِالْمُسْكِرِ، أَيْ إِنَّمَا يُنْهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ

مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ مَا يُسْكِرُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَمْزُجُونَ اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِأَنَّ اللَّبَنَ عِنْدَ الْحَلبِ يَكُونُ حَارًّا وَتِلْكَ الْبِلَادُ فِي الْغَالِبِ حَارَّةٌ، فَكَانُوا يَكْسِرُونَ حَرَّ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَينِ: الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ شَرِبَ لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ) أَيْ دَارَ أَنَسٍ، وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ رَآهُ حِينَ أَتَى دَارَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي طُوَالَةَ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ فِي دَارِنَا هَذِهِ فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا شَاةً لَنَا.

قَوْلُهُ: (فَحَلَبْتُ) عَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الْحَلْبَ، وَقَوْلُهُ: فَشُبْتُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ الشَّوْبِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: (وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي الْهِبَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ عُمَرُ وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً لِمُلُوكِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرُؤَسَائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْأَيْمَنِ فِي الشُّرْبِ، حَتَّى قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:

وَكَانَ الْكَأْسُ مَجْرَاهَا الْيَمِينَا

فَخَشِيَ عُمَرُ لِذَلِكَ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى أَبِي بِكْرٍ فِي الشُّرْبِ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ يُؤْثِرُ تَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ، فَتَصِيرَ السُّنَّةُ تَقْدِيمَ الْأَفْضَلِ فِي الشُّرْبِ عَلَى الْأَيْمَنِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ أَنَّ تِلْكَ الْعَادَةَ لَمْ تُغَيِّرْهَا السُّنَّةُ، وَأَنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ، وَأَنَّ الْأَيْمَنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَفْضَلِ فِي ذَلِكَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حَطُّ رُتْبَةِ الْأَفْضَلِ، وَكَانَ ذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ.

قَوْلُهُ: (فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أَيِ اللَّبَنَ الَّذِي فَضَلَ مِنْهُ بَعْدَ شُرْبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ ذِكْرُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَنَّهُ وَهِمَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ، وَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ دَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ، وَلَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِهِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بِقُبَاءَ وَتِلْكَ فِي دَارِ أَنَسٍ أَيْضًا فَهُوَ أَنْصَارِيٌّ، وَلَا يُقَالُ لَهُ أَعْرَابِيٌّ، كَمَا اسْتُبْعِدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَقَالَ بِالْوَاوِ بَدَلَ ثُمَّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طُوَالَةَ الْأَيْمَنُونَ فَالْأَيْمَنُونَ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ الْأَيْمَنُونَ مُقَدَّمُونَ أَوْ أَحقُّ أَوْ يُقَدَّمُ الْأَيْمَنُونَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالنَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ قَدِّمُوا أَوِ أَعْطُوا. وَوَقَعَ فِي الْهِبَةِ بِلَفْظِ: أَلَا فَيَمِّنُوا وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَكْرَارِ الْأَيْمَنِ أَنَّ السُّنَّةَ إِعْطَاءُ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شَرِبَ بَعْدَ الْأَعْرَابِيِّ، ثُمَّ شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، لَكِنِ الظَّاهِرُ عَنْ عُمَرَ إِيثَارُهُ أَبَا بَكْرٍ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَجْلِسِ عِلْمٍ أَوْ مَجْلِسِ رَئِيسٍ لَا يُنَحَّى مِنْهُ لِمَجِيءِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ، بَلْ يَجْلِسُ الْآتِي حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ، لَكِنْ إِنْ آثَرَهُ السَّابِقُ جَازَ، وَأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا لَمْ يُدْفَعْ عَنْهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ إِذْنُهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْجُلَسَاءَ شُرَكَاءُ فِيمَا يَقْرُبُ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْفَضْلِ لَا اللُّزُومِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِذَلِكَ لَا تَجِبُ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ فَالتَّصَرُّفُ فِي ذَلِكَ لَهُ. وَفِيهِ دُخُولُ الْكَبِيرِ بَيْتَ خَادِمِهِ وَصَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ صَغِيرَ السِّنِّ وَتَنَاوُلُهُ مِمَّا عِنْدَهُمْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ.

وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ، وَأَبُو

عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) كُنْتُ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى، عَنْ فُلَيْحٍ فِي أَوَّلِ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ أَتَى قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَعُودُ مَرِيضًا لَهُمْ، وَقِصَّةُ أَبِي الْهَيْثَمِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْتَوْعَبَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ التَّكَاثُرِ طُرُقَهُ فَزَادَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي عَسِيبٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عُبَادَةَ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى الْمُسْتَنَدِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ وَلَزِمْتُ بَابَهُ، فَكُنْتُ آتِيهِ بِالْمَاءِ مِنْ بِئْرِ جَاشِمٍ - وَهِيَ بِئْرُ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ وَكَانَ مَاؤُهَا طَيِّبًا - وَلَقَدْ دَخَلَ يَوْمًا صَائِفًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَبِي الْهَيْثَمِ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ؟ فَأَتَاهُ بِشَجْبٍ فِيهِ مَاءٌ كَأَنَّهُ الثَّلْجُ، فَصَبَّهُ عَلَى لَبَنِ عَنْزٍ لَهُ وَسَقَاهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ لَنَا عَرِيشًا بَارِدًا فَقِلْ فِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَنَا، فَدَخَلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَأَتَى أَبُو الْهَيْثَمِ بِأَلْوَانٍ مِنَ الرُّطَبِ الْحَدِيثَ. وَالشَّجْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ يُتَّخَذُ مِنْ شَنَّةٍ تُقْطَعُ وَيُخْرَزُ رَأْسُهَا.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ صَاحِبُهُ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ قَبْلِ هَذَا وَإِلَى جَانِبِهِ مَاءٌ فِي رَكِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَبَعْدَهَا شِدَّةُ الْبِئْرِ الْمَطْوِيَّةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ سَتَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ فَسَلَّمَ النَّبِيُّ وَصَاحِبُهُ فَرَدَّ الرَّجُلُ - أَيْ عَلَيْهِمَا - السَّلَامَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ الْقِرْبَةُ الْخَلِقَةُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هِيَ الَّتِي زَالَ شَعْرُهَا مِنَ الْبِلَى. قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ الْبَائِتِ أَنَّهُ يَكُونُ أَبْرَدَ وَأَصْفَى، وَأَمَّا مَزْجُ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ الرَّاعِي. قُلْتُ: لَكِنِ الْقِصَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَصَنِيعُ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ بِاللَّبَنِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ، وَصَنِيعُ الْأَنْصَارِيِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَسْقِيَ النَّبِيَّ مَاءً صِرْفًا فَأَرَادَ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ اللَّبَنَ فَأَحْضَرَ لَهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي رِوَايَةِ الْهَيْثَمِ بْنِ نَصْرٍ قَبْلُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مِثْلَ الثَّلْجِ.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا كَرَعْنَا) فِيهِ حَذَفٌ تَقْدِيرُهُ: فَاسْقِنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ كَرَعْنَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ التَّصْرِيحُ بِطَلَبِ السَّقْيِ. وَالْكَرْعُ بِالرَّاءِ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِالْفَمِ مِنْ غَيْرِ إِنَاءٍ وَلَا كَفٍّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ حَكَى أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ الشُّرْبُ بِالْيَدَيْنِ مَعًا، قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى خِلَافِهِ. قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَةٍ فَجَعَلْنَا نَكْرَعُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَكْرَعُوا وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا بِهَا الْحَدِيثَ. وَلَكِنْ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالنَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ، وَالْفِعْلُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ قِصَّةُ جَابِرٍ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوِ النَّهْيُ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْفِعْلُ كَانَ لِضَرُورَةِ شُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِبَارِدٍ فَيَشْرَبُ بِالْكَرْعِ لِضَرُورَةِ الْعَطَشِ لِئَلَّا تَكْرَهَهُ نَفْسُهُ إِذَا تَكَرَّرَتِ الْجَرْعَ، فَقَدْ لَا يَبْلُغُ الْغَرَضَ مِنَ الرِّيِّ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشُّرْبِ بِالْفَمِ كَرْعٌ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبَهَائِمِ لِشُرْبِهَا بِأَفْوَاهِهَا وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُدْخِلُ أَكَارِعَهَا حِينَئِذٍ فِي الْمَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَشْرَبَ عَلَى بُطُونِنَا وَهُوَ الْكَرْعُ، وَسَنَدُهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ، فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصًّا بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِبُ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ، وَيُحْمَلُ حَدِيثُ جَابِرٍ عَلَى الشُّرْبِ بِالْفَمِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِانْبِطَاحِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَإِلَّا تَجَرَّعْنَا بِمُثَنَّاةٍ وَجِيمٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ شَرِبْنَا جَرْعَةً جَرْعَةً، وَهَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ) أَيْ يَنْقُلُ الْمَاءَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْبُسْتَانِ لِيَعُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبدُ الله بنُ عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بنِ مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ شَرِبَ (١) لَبَنًا وَأَتَى دَارَهُ) أي: دارَ أنسٍ، والجملة حاليَّة، أي: رآه حين أتى دارهُ (فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ) بضم الشين المعجمة، أي: خلطت (لِرَسُولِ اللهِ ) اللَّبن الَّذي حلبتُه بماء (مِنَ البِئْرِ) ليبرد (فَتَنَاوَلَ) (القَدَحَ فَشَرِبَ) منه (وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) زاد في رواية أبي طُوَالة السَّابقة في «الهبة» «وعمر تُجَاهه» [خ¦٢٥٧١]. وفي «الشُّرب» من طريقِ شعيب عن الزُّهريِّ في هذا الحديث: «فقال عمرُ وخافَ أن يعطيَه الأعرابيَّ: أعطَ أبا بكر» [خ¦٢٣٥٢] وفي رواية أبي طُوَالة: «فقال عمرُ: هذا أبو بكر» (فَأَعْطَى) (الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أي: اللَّبن الَّذي فضل منه بعد شربه (ثُمَّ قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقال» بالواو بدل ثمَّ، قَدِّموا (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) والنَّصب (٢) على الحالِ، أي: اشربوا مترتِّبين على هذا النَّمط، ويجوز الرَّفع، أي: الأيمن مقدَّم، أو أحق بالشُّرب من غيرهِ. وفي الحديث: أنَّ السُّنة تقديم الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يلزم من ذلك حط رتبةِ (٣) الفاضل، ولعلَّ عمر كان احتملَ عنده أنَّه يقدِّم أبا بكرٍ، فيكون سنَّة في تقديمِ الأفضلِ في الشُّرب على الأيمنِ، فلذا ذكرَ أبا بكر، فبيَّن له أنَّ السُّنَّة تقديمُ الأيمن على الأفضلِ.

وهذا الحديث سبق في «الهبة» [خ¦٢٥٧١].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل