الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٣٠
الحديث رقم ٥٦٣٠ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النهي عن التنفس في الإناء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ
٥٦٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَحَمَلَ أَحَادِيثَ الرُّخْصَةِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ صَاحِبُ أَحْمَدَ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ نَاسِخَةٌ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ دُخُولُ الْحَيَّةِ فِي بَطْنِ الَّذِي شَرِبَ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ فَنُسِخَ الْجَوَازُ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الشَّمَائِلِ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْمَعَانِي لِلطَّحَاوِيِّ، قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُلِ بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً وَالشُّرْبُ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِنَ الشُّرْبِ مِنْ مُطْلَقِ الْقِرْبَةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي أَخْبَارِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَحْدَهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ سَبَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ ﷺ فِي حَالِ ضَرُورَةٍ، إِمَّا عِنْدَ الْحَرْبِ وَإِمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنَاءِ أَوْ مَعَ وُجُودِهِ، لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِشُغْلِهِ مِنَ التَّفْرِيغِ مِنَ السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرِبَ مِنَ إِدَاوَةٍ، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْقِرْبَةُ كَبِيرَةً لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ وُجُودِ الْهَوَامِّ، كَذَا قَالَ، وَالْقِرْبَةُ الصَّغِيرَةُ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنَ الْهَوَامِّ فِيهَا، وَالضَّرَرُ يَحْصُلُ بِهِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٥ - بَاب النَّهْيِ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ
٥٦٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ) زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ النَّهْيُ عَنِ النَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِيهِ وَجَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ تَغَيُّرٌ مِنَ النَّفَسِ إِمَّا لِكَوْنِ الْمُتَنَفِّسِ كَانَ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ مَثَلًا، أَوْ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ لِأَنَّ النَّفَسَ يَصْعَدُ بِبُخَارِ الْمَعِدَةِ، وَالنَّفْخُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَشَدُّ مِنَ التَّنَفُّسِ.
٢٦ - بَاب الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ
٥٦٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) كَذَا تَرْجَمَ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ كَانَ يَتَنَفَّسُ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ ظَاهِرَهُمَا التَّعَارُضُ، إِذِ الْأَوَّلُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ وَالثَّانِي يُثْبِتُ التَّنَفُّسَ، فَحَمَلَهُمَا عَلَى حَالَتَيْنِ: فَحَالَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّنَفُّسِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، وَحَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى مَنْ تَنَفَّسَ خَارِجَهُ، فَالْأَوَّلُ: عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ النَّهْيِ، وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي حَالَةِ الشُّرْبِ مِنَ الْإِنَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَوْرَدَ ابْنُ بَطَّالٍ سُؤَالَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَجَابَ بالجمع بَيْنَهُمَا فَأَطْنَبَ، وَلَقَدِ أَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ: فَجَعَلَ الْإِنَاءَ فِي الْأَوَّلِ ظَرْفًا لِلتَّنَفُّسِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِاسْتِقْذَارِهِ، وَقَالَ فِي الثَّانِي الشُّرْبُ بِنَفَسَيْنِ فَجَعَلَ النَّفَسَ الشُّرْبَ، أَيْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَفَسٍ وَاحِدٍ بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَ الشُّرْبَيْنِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ خَارِجَ الْإِنَاءِ. فَعُرِفَ بِذَلِكَ انْتِفَاءُ التَّعَارُضِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ أَيْ عَلَى الشَّرَابِ لَا فِيهِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا صَارَ الْحَدِيثَانِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا لَا مَحَالَةَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ، قَالَ: أَهْرِقْهَا.
قَالَ: فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: فَأَبِنِ الْقَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ثُمَّ لْيَعُدِ إِنْ كَانَ يُرِيدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ وَعَلَى اخْتِيَارِ الثَّلَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ أَنْ لَا يَجْعَلَ نَفَسَهُ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَتَنَفَّسَ خَارِجَهُ طَلَبَ الرَّاحَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْجَوَازَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ التَّنَفُّسِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَنَفَّسْ فَإِنْ شَاءَ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ ابْنُ ثَابِتٍ، هُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ أَنْصَارِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَغَيْرِهِمَا، فَهَذَا الْإِسْنَادُ لَهُ حُكْمُ الثُّلَاثِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ شَيْخُ تَابِعِيهِ فِيهِ تَابِعِيًّا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَأَنَّهُ كَانَ ﷺ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَرَّةِ، بَلِ إِنْ رُوِيَ مِنْ نَفَسَيْنِ اكْتَفَى بِهِمَا وَإِلَّا فَثَلَاثٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلشَّكِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَزْرَةَ بِلَفْظِ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُلْ أَوْ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: لَا تَشْرَبُوا وَاحِدَةً كَمَا يَشْرَبُ الْبَعِيرُ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ يُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْوِيعِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ وَهَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الشُّرْبِ فَيَكُونُ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَكَتَ عَنِ التَّنَفُّسِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: هُوَ أَرْوَى وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَهْنَأُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَرْوَى، وَقَوْلُهُ: أَرْوَى هُوَ مِنَ الرِّيِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْ أَكْثَرُ الري، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ مَهْمُوزًا لِلْمُشَاكَلَةِ، وَأَمْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْمَرَاءَةِ، يُقَالُ مَرَأَ الطَّعَامُ بِفَتْحِ الرَّاءِ يَمْرَأُ بِفَتْحِهَا وَيَجُوزُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يخالطُ الماء من ريق الشَّارب، فيؤول إلى إضاعةِ المال. قال ابنُ العربيِّ: واحدة ممَّا ذُكر تَكفي في ثبوتِ الكراهة، ومجموعها يقوِّي (١) الكراهة جدًّا. وقال ابنُ أبي جمرة (٢): الَّذي يقتضيهِ الفقه أنَّه لا يبعدُ أن يكون النَّهي بمجموعِ هذه الأمور، وفيها ما يقتضِي الكراهة وما يقتضِي التَّحريم، والقاعدةُ في مثل ذلك ترجيحُ القول بالتَّحريم. انتهى.
وقول النَّوويِّ: يؤيِّد كون النَّهي للتَّنزيه أحاديث الرُّخصة في ذلك. تعقبه في «الفتح» بأنَّه لم ير في شيءٍ من الأحاديث المرفوعةِ ما يدلُّ على الجواز إلَّا من فعله ﷺ، وأحاديثُ النَّهي كلها من قولهِ فهي أرجح إذا نظرنَا إلى علة النَّهي عن ذلك، فإنَّ جميع ما ذكروه في ذلك يقتضِي أنَّه مأمونٌ منه ﷺ أمَّا أوَّلًا فلعصمتهِ وطيبِ نكهتهِ (٣)، وأما خوف دخول شيءٍ من الهوامِّ في الجوفِ فقد سبق ما فيهِ.
وهذا الحديث أخرجه ابنُ ماجه في «الأشربةِ».
(٢٥) (بابُ التَّنَفُّسِ) أي: حكمه، ولأبي ذرٍّ: «باب النَّهي عن التَّنفس» (فِي الإِنَاءِ).
٥٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيرَه (فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي) داخل (الإِنَاءِ) خوف ما ذكره من تقذُّرٍ (٤) في الباب السَّابق، فلو كان وحدَه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَحَمَلَ أَحَادِيثَ الرُّخْصَةِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ صَاحِبُ أَحْمَدَ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ نَاسِخَةٌ لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ دُخُولُ الْحَيَّةِ فِي بَطْنِ الَّذِي شَرِبَ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ فَنُسِخَ الْجَوَازُ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الشَّمَائِلِ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْمَعَانِي لِلطَّحَاوِيِّ، قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُلِ بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَوَازِ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَةَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً وَالشُّرْبُ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَخَصُّ مِنَ الشُّرْبِ مِنْ مُطْلَقِ الْقِرْبَةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي أَخْبَارِ الْجَوَازِ عَلَى الرُّخْصَةِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَحْدَهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى النَّسْخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ سَبَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى نَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ ﷺ فِي حَالِ ضَرُورَةٍ، إِمَّا عِنْدَ الْحَرْبِ وَإِمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِنَاءِ أَوْ مَعَ وُجُودِهِ، لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِشُغْلِهِ مِنَ التَّفْرِيغِ مِنَ السِّقَاءِ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرِبَ مِنَ إِدَاوَةٍ، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْقِرْبَةُ كَبِيرَةً لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ وُجُودِ الْهَوَامِّ، كَذَا قَالَ، وَالْقِرْبَةُ الصَّغِيرَةُ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ شَيْءٍ مِنَ الْهَوَامِّ فِيهَا، وَالضَّرَرُ يَحْصُلُ بِهِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٥ - بَاب النَّهْيِ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ
٥٦٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ) زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ النَّهْيُ عَنِ النَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِيهِ وَجَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ تَغَيُّرٌ مِنَ النَّفَسِ إِمَّا لِكَوْنِ الْمُتَنَفِّسِ كَانَ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ مَثَلًا، أَوْ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، أَوْ لِأَنَّ النَّفَسَ يَصْعَدُ بِبُخَارِ الْمَعِدَةِ، وَالنَّفْخُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَشَدُّ مِنَ التَّنَفُّسِ.
٢٦ - بَاب الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ
٥٦٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) كَذَا تَرْجَمَ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ كَانَ يَتَنَفَّسُ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ ظَاهِرَهُمَا التَّعَارُضُ، إِذِ الْأَوَّلُ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ وَالثَّانِي يُثْبِتُ التَّنَفُّسَ، فَحَمَلَهُمَا عَلَى حَالَتَيْنِ: فَحَالَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّنَفُّسِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، وَحَالَةُ الْفِعْلِ عَلَى مَنْ تَنَفَّسَ خَارِجَهُ، فَالْأَوَّلُ: عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ النَّهْيِ، وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي حَالَةِ الشُّرْبِ مِنَ الْإِنَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَوْرَدَ ابْنُ بَطَّالٍ سُؤَالَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَجَابَ بالجمع بَيْنَهُمَا فَأَطْنَبَ، وَلَقَدِ أَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ لَفْظِ التَّرْجَمَةِ: فَجَعَلَ الْإِنَاءَ فِي الْأَوَّلِ ظَرْفًا لِلتَّنَفُّسِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِاسْتِقْذَارِهِ، وَقَالَ فِي الثَّانِي الشُّرْبُ بِنَفَسَيْنِ فَجَعَلَ النَّفَسَ الشُّرْبَ، أَيْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَفَسٍ وَاحِدٍ بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَ الشُّرْبَيْنِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ خَارِجَ الْإِنَاءِ. فَعُرِفَ بِذَلِكَ انْتِفَاءُ التَّعَارُضِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ أَيْ عَلَى الشَّرَابِ لَا فِيهِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا صَارَ الْحَدِيثَانِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا لَا مَحَالَةَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ، قَالَ: أَهْرِقْهَا.
قَالَ: فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: فَأَبِنِ الْقَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ثُمَّ لْيَعُدِ إِنْ كَانَ يُرِيدُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ وَعَلَى اخْتِيَارِ الثَّلَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ أَنْ لَا يَجْعَلَ نَفَسَهُ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَتَنَفَّسَ خَارِجَهُ طَلَبَ الرَّاحَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْجَوَازَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَطَائِفَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ التَّنَفُّسِ دَاخِلَ الْإِنَاءِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَنَفَّسْ فَإِنْ شَاءَ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ ابْنُ ثَابِتٍ، هُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ أَنْصَارِيُّ أَصْلُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَغَيْرِهِمَا، فَهَذَا الْإِسْنَادُ لَهُ حُكْمُ الثُّلَاثِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ شَيْخُ تَابِعِيهِ فِيهِ تَابِعِيًّا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَأَنَّهُ كَانَ ﷺ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَرَّةِ، بَلِ إِنْ رُوِيَ مِنْ نَفَسَيْنِ اكْتَفَى بِهِمَا وَإِلَّا فَثَلَاثٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلشَّكِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَزْرَةَ بِلَفْظِ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُلْ أَوْ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: لَا تَشْرَبُوا وَاحِدَةً كَمَا يَشْرَبُ الْبَعِيرُ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ يُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْوِيعِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ وَهَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ فِي أَثْنَاءِ الشُّرْبِ فَيَكُونُ قَدْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَكَتَ عَنِ التَّنَفُّسِ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: هُوَ أَرْوَى وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَهْنَأُ بَدَلَ قَوْلِهِ أَرْوَى، وَقَوْلُهُ: أَرْوَى هُوَ مِنَ الرِّيِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ أَيْ أَكْثَرُ الري، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ مَهْمُوزًا لِلْمُشَاكَلَةِ، وَأَمْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْمَرَاءَةِ، يُقَالُ مَرَأَ الطَّعَامُ بِفَتْحِ الرَّاءِ يَمْرَأُ بِفَتْحِهَا وَيَجُوزُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يخالطُ الماء من ريق الشَّارب، فيؤول إلى إضاعةِ المال. قال ابنُ العربيِّ: واحدة ممَّا ذُكر تَكفي في ثبوتِ الكراهة، ومجموعها يقوِّي (١) الكراهة جدًّا. وقال ابنُ أبي جمرة (٢): الَّذي يقتضيهِ الفقه أنَّه لا يبعدُ أن يكون النَّهي بمجموعِ هذه الأمور، وفيها ما يقتضِي الكراهة وما يقتضِي التَّحريم، والقاعدةُ في مثل ذلك ترجيحُ القول بالتَّحريم. انتهى.
وقول النَّوويِّ: يؤيِّد كون النَّهي للتَّنزيه أحاديث الرُّخصة في ذلك. تعقبه في «الفتح» بأنَّه لم ير في شيءٍ من الأحاديث المرفوعةِ ما يدلُّ على الجواز إلَّا من فعله ﷺ، وأحاديثُ النَّهي كلها من قولهِ فهي أرجح إذا نظرنَا إلى علة النَّهي عن ذلك، فإنَّ جميع ما ذكروه في ذلك يقتضِي أنَّه مأمونٌ منه ﷺ أمَّا أوَّلًا فلعصمتهِ وطيبِ نكهتهِ (٣)، وأما خوف دخول شيءٍ من الهوامِّ في الجوفِ فقد سبق ما فيهِ.
وهذا الحديث أخرجه ابنُ ماجه في «الأشربةِ».
(٢٥) (بابُ التَّنَفُّسِ) أي: حكمه، ولأبي ذرٍّ: «باب النَّهي عن التَّنفس» (فِي الإِنَاءِ).
٥٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن ربعيٍّ الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ) ماءً أو غيرَه (فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي) داخل (الإِنَاءِ) خوف ما ذكره من تقذُّرٍ (٤) في الباب السَّابق، فلو كان وحدَه