الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٣٨
الحديث رقم ٥٦٣٨ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ
٥٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ:
⦗١١٤⦘
أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ، فَأخرجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ. فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَوَهَبَهُ لَهُ.
٥٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ: "رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا".
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ تَبَرُّكًا بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ دَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يَقَعُ فِي خَيَالِهِ أَنَّ الشُّرْبَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ، وَمَا تَرَكَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ، لِأَنَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الصَّدَقَةِ هُوَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ مُقْنِعٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ جِنْسِ الْأَوْقَافِ الْمُطْلَقَةِ، يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَتُقَرُّ تَحْتَ يَدِ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَ سَهْلٍ قَدَحٌ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ آخَرُ، وَالْجُبَّةُ عِنْدَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَلَامُ سَلَامٍ مُخَفَّفَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَلَا) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلْعَرْضِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْجَوْنِيَّةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ نُونٍ فِي قِصَّةِ اسْتِعَاذَتِهَا لَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: فَنَزَلَتْ فِي أُجُمٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ هُوَ بِنَاءٌ يُشْبِهُ الْقَصْرَ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِ الْمَدِينَةِ، وَالْجَمْعُ آجَامٌ مِثْلُ أُطُمٍ وَآطَامٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأُطُمُ وَالْأُجُمُ بِمَعْنًى، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الْآجَامُ الْأَشْجَارُ وَالْحَوَائِطُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: الْأُجُمُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَجَمَةٍ وَهِيَ الْغَيْضَةُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ) لَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلْ مُرَادُهَا إِثْبَاتُ الشَّقَاءِ لَهَا لِمَا فَاتَهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَةُ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالْخِلَافَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْقِنَا لِسَهْلٍ أَيْ قَالَ لِسَهْلٍ اسْقِنَا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ: اسْقِنَا يَا أَبَا سَعْدٍ، وَالَّذِي أَعْرِفُهُ فِي كُنْيَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ، فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ يَا ابْنَ سَعْدٍ فَتَحَرَّفَتْ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَازِمٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ) كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَئِذٍ قَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَتِ الْهِبَةُ هُنَا حَقِيقَةً، بَلْ مِنْ جِهَةِ
الِاخْتِصَاصِ. وَفِي الْحَدِيثِ التَّبَسُّطُ عَلَى الصَّاحِبِ وَاسْتِدْعَاءُ مَا عِنْدِهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَتَعْظِيمُهُ بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ، وَالتَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَاسْتِيهَابُ الصِّدِّيقِ مَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ هِبَتُهُ، وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِبُ مَا يَسُدُّ بِهِ حَاجَتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ رَغْبَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا سَهْلًا أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْقَدَحَ الْمَذْكُورَ لِيَشْرَبُوا فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَتَرَكَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) كَذَا أَخْرَجَ هُنَا، وَفِي غَيْرِه مَوْضِعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ بِوَاسِطَةٍ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَالْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ كَانَ صِهْرَ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ فَكَانَ عِنْدَهُ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَا وَجَدَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ إِسْنَادًا غَيْرَ إِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ فَأَخْرَجَهُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ حَدِيثُهُ، يَعْنِي أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرِبْتُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَنَا رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرَّبْتُ مِنْهُ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: رَأَيْتَ هَذَا الْقَدَحَ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبْتُ مِنْهُ، وَكَانَ اشْتَرَى مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أَيِ انْشَقَّ.
قَوْلُهُ: (فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ) أَيْ وَصَلَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ أَنَسٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ إِنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ لَكِنْ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ انْصَدَعَ فَجَعَلْتُ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ - يَعْنِي أَنَسًا - هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، فَمَا أَدْرِي مَنْ قَالَهُ مِنْ رُوَاتِهِ هَلْ هُوَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ أَوْ غَيْرُهُ. قُلْتُ: لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ قَالَ هَذَا وَهُوَ جَعَلْتُ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرُ الْقَائِلِ وَهُوَ أَنَسٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُعِلَتْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فَتُسَاوِي الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ. وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ رَأَيْتُ عِنْدَ أَنَسٍ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ. وَالشَّعْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّدْعُ، وَكَأَنَّهُ سَدَّ الشُّقُوقَ بِخُيُوطٍ مِنْ فِضَّةٍ فَصَارَتْ مِثْلَ السِّلْسِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ) الْقَائِلُ هُوَ عَاصِمٌ رَاوِيهِ، وَالْعَرِيضُ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَطَاوِلٍ بَلْ يَكُونُ طُولُهُ أَقْصَرَ مِنْ عُمْقِهِ، وَالنُّضَارُ بِضَمِّ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْخَالِصُ مِنَ الْعُودِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ شَجَرِ النَّبْعِ، وَقِيلَ: مِنَ الْأَثْلِ، وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ: هُوَ أَجْوَدُ الْخَشَبِ لِلْآنِيَةِ. وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ النُّضَارُ التِّبْرُ وَالْخَشَبُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ عَاصِمٌ (قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَةُ النَّبِيذِ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُهُ، وَأَنَّهُ نَقِيعُ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ عَاصِمٌ (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) هُوَ مُحَمَّدٌ، وَقَدْ فَصَّلَ أَبُو عَوَانَةَ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ مَا حَمَلَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَنَسٍ مِمَّا حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ الْمَاضِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّرَدُّدُ مِنْ أَنَسٍ عِنْدَ إِرَادَةِ ذَلِكَ أَوِ اسْتِشَارَتُهُ أَبَا طَلْحَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَشَرِبْنَا مِنْهُ) تبرُّكًا به ﷺ (قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ) لمَّا كان أميرًا بالمدينةِ -زادها الله شرفًا، ورزقني الوفاةَ بها في عافيةٍ بلا محنةٍ- من سهلٍ (فَوَهَبَهُ لَهُ) قال في «الفتح»: وليستِ الهبة حقيقية بل من جهةِ الاختصاصِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ».
٥٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) بفتح الحاء في الأول وضم الميم وكسر الراء في الثَّاني، الطَّحَّان أبو عليٍّ البصريُّ الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ مولاهم، ختنُ أبي عَوَانة قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان أبي عبد الرَّحمن، البصريِّ الحافظ، أنَّه (قَالَ (١): رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وفي «مختصر البخاري» للقرطبيِّ: أنَّ في بعض النَّسخ القديمة من البخاريِّ: «قال أبو عبدِ الله البخاريُّ: رأيتُ هذا القدح بالبصرةِ وشربتُ فيه، وكان اشتُرِي من ميراثِ النَّضر بن أنسٍ بثمان مئة ألف» (وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أي: انشقَّ (فَسَلْسَلَهُ) ﷺ أو أنس، أي: وصل بعضه ببعضٍ (بِفِضَّةٍ. قَالَ) عاصم: (وَهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ
عَرِيضٌ) ليس بمتطاولٍ بل طوله أقصرُ من عمقه (مِنْ) خشب (نُضَارٍ) بنون مضمومة ومعجمة مخففة، والنُّضار: الخالصُ من كلِّ شيءٍ، وقد قيل: إنَّه عودٌ أصفرُ يشبه لون الذَّهب، وقيل: إنَّه من الأَثْل، وقيل: من شجرِ النَّبْع (١) (قَالَ) عاصم (٢): (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا) ولمسلم من طريق ثابت، عن أنسٍ: «لقد سقيتُ رسولَ الله ﷺ بقدحِي هذا الشَّراب كلَّه العسل والنَّبيذَ والماءَ واللَّبن» (قَالَ) عاصم: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ) في القدح (حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ) بسكون اللام كاللَّاحقة (فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ: فِضَّةٍ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أو (٣) هو تردُّد من أنسٍ عند إرادةِ ذلك (٤) (فَقَالَ لَهُ (٥) أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ زوج أمِّ أنس: (لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَهُ) وقوله: تغيرَنَّ: بفتح الراء ونون التوكيد (٦) الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا تغير» بصيغة النَّهي من غير تأكيدٍ، وفي الحديث: جوازُ اتِّخاذ ضبَّة الفضة والسِّلسلة والحلقة أيضًا ممَّا اختلف فيه، ومنع ذلك مطلقًا جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وهو قولُ مالك واللَّيث، وعن مالك: يجوزُ من الفضة إذا كان يسيرًا، وكرهه الشَّافعي قال: لئلا يكون شاربًا على فضَّة، وأخذ بعضُهم أنَّ الكراهة تختصُّ بما إذا كانت الفضةُ موضع الشُّرب وبذلك صرَّح الحنفيَّة، وقال به أحمد، والَّذي تقرَّر عند الشَّافعيَّة: تحريمُ ضبَّة الفضة إذا كانت كبيرةً للزينةِ، وجوازها إذا كانت صغيرةً لحاجةٍ، أو صغيرةً لزينةٍ، أو كبيرةً لحاجةٍ، وتحريمُ ضبَّة الذَّهب مطلقًا، وأصل ضبَّة الإناءُ: ما يصلح بها خلله من صفيحةٍ أو غيرها، وإطلاقُها على ما هو للزِّينة توسُّعٌ، ومرجعُ الكبيرةِ والصَّغيرة (٧) العرف على الأصح، وقيل وهو الأشهر:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ، فَأخرجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ. فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَوَهَبَهُ لَهُ.
٥٦٣٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ: "رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا".
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ تَبَرُّكًا بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ دَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يَقَعُ فِي خَيَالِهِ أَنَّ الشُّرْبَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ، وَمَا تَرَكَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ، لِأَنَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الصَّدَقَةِ هُوَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ مُقْنِعٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ جِنْسِ الْأَوْقَافِ الْمُطْلَقَةِ، يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَتُقَرُّ تَحْتَ يَدِ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَ سَهْلٍ قَدَحٌ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ آخَرُ، وَالْجُبَّةُ عِنْدَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ، وَلَامُ سَلَامٍ مُخَفَّفَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَلَا) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلْعَرْضِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْجَوْنِيَّةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ نُونٍ فِي قِصَّةِ اسْتِعَاذَتِهَا لَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ: فَنَزَلَتْ فِي أُجُمٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ هُوَ بِنَاءٌ يُشْبِهُ الْقَصْرَ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِ الْمَدِينَةِ، وَالْجَمْعُ آجَامٌ مِثْلُ أُطُمٍ وَآطَامٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأُطُمُ وَالْأُجُمُ بِمَعْنًى، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الْآجَامُ الْأَشْجَارُ وَالْحَوَائِطُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: الْأُجُمُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَجَمَةٍ وَهِيَ الْغَيْضَةُ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ) لَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلْ مُرَادُهَا إِثْبَاتُ الشَّقَاءِ لَهَا لِمَا فَاتَهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَةُ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالْخِلَافَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْقِنَا لِسَهْلٍ أَيْ قَالَ لِسَهْلٍ اسْقِنَا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ: اسْقِنَا يَا أَبَا سَعْدٍ، وَالَّذِي أَعْرِفُهُ فِي كُنْيَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ، فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ يَا ابْنَ سَعْدٍ فَتَحَرَّفَتْ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ.
قَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَازِمٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ) كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَئِذٍ قَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَتِ الْهِبَةُ هُنَا حَقِيقَةً، بَلْ مِنْ جِهَةِ
الِاخْتِصَاصِ. وَفِي الْحَدِيثِ التَّبَسُّطُ عَلَى الصَّاحِبِ وَاسْتِدْعَاءُ مَا عِنْدِهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَتَعْظِيمُهُ بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ، وَالتَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَاسْتِيهَابُ الصِّدِّيقِ مَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ هِبَتُهُ، وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِبُ مَا يَسُدُّ بِهِ حَاجَتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ رَغْبَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا سَهْلًا أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْقَدَحَ الْمَذْكُورَ لِيَشْرَبُوا فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَتَرَكَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) كَذَا أَخْرَجَ هُنَا، وَفِي غَيْرِه مَوْضِعٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ بِوَاسِطَةٍ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَالْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ كَانَ صِهْرَ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ فَكَانَ عِنْدَهُ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَلَا وَجَدَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ إِسْنَادًا غَيْرَ إِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ فَأَخْرَجَهُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ حَدِيثُهُ، يَعْنِي أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرِبْتُ مِنْهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَنَا رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرَّبْتُ مِنْهُ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَدِيمَةِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: رَأَيْتَ هَذَا الْقَدَحَ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبْتُ مِنْهُ، وَكَانَ اشْتَرَى مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أَيِ انْشَقَّ.
قَوْلُهُ: (فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ) أَيْ وَصَلَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ هُوَ أَنَسٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ إِنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ لَكِنْ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ انْصَدَعَ فَجَعَلْتُ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ - يَعْنِي أَنَسًا - هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، فَمَا أَدْرِي مَنْ قَالَهُ مِنْ رُوَاتِهِ هَلْ هُوَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ أَوْ غَيْرُهُ. قُلْتُ: لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ قَالَ هَذَا وَهُوَ جَعَلْتُ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرُ الْقَائِلِ وَهُوَ أَنَسٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُعِلَتْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فَتُسَاوِي الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي الصَّحِيحِ. وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمٍ رَأَيْتُ عِنْدَ أَنَسٍ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ. وَالشَّعْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّدْعُ، وَكَأَنَّهُ سَدَّ الشُّقُوقَ بِخُيُوطٍ مِنْ فِضَّةٍ فَصَارَتْ مِثْلَ السِّلْسِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ) الْقَائِلُ هُوَ عَاصِمٌ رَاوِيهِ، وَالْعَرِيضُ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَطَاوِلٍ بَلْ يَكُونُ طُولُهُ أَقْصَرَ مِنْ عُمْقِهِ، وَالنُّضَارُ بِضَمِّ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْخَالِصُ مِنَ الْعُودِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ شَجَرِ النَّبْعِ، وَقِيلَ: مِنَ الْأَثْلِ، وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ: هُوَ أَجْوَدُ الْخَشَبِ لِلْآنِيَةِ. وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ النُّضَارُ التِّبْرُ وَالْخَشَبُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ عَاصِمٌ (قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ صِفَةُ النَّبِيذِ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُهُ، وَأَنَّهُ نَقِيعُ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ عَاصِمٌ (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) هُوَ مُحَمَّدٌ، وَقَدْ فَصَّلَ أَبُو عَوَانَةَ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ مَا حَمَلَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَنَسٍ مِمَّا حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ الْمَاضِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّرَدُّدُ مِنْ أَنَسٍ عِنْدَ إِرَادَةِ ذَلِكَ أَوِ اسْتِشَارَتُهُ أَبَا طَلْحَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ زَوْجُ أُمِّ سُلَيْمٍ وَالِدَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَشَرِبْنَا مِنْهُ) تبرُّكًا به ﷺ (قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ) لمَّا كان أميرًا بالمدينةِ -زادها الله شرفًا، ورزقني الوفاةَ بها في عافيةٍ بلا محنةٍ- من سهلٍ (فَوَهَبَهُ لَهُ) قال في «الفتح»: وليستِ الهبة حقيقية بل من جهةِ الاختصاصِ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ».
٥٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) بفتح الحاء في الأول وضم الميم وكسر الراء في الثَّاني، الطَّحَّان أبو عليٍّ البصريُّ الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ مولاهم، ختنُ أبي عَوَانة قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان أبي عبد الرَّحمن، البصريِّ الحافظ، أنَّه (قَالَ (١): رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وفي «مختصر البخاري» للقرطبيِّ: أنَّ في بعض النَّسخ القديمة من البخاريِّ: «قال أبو عبدِ الله البخاريُّ: رأيتُ هذا القدح بالبصرةِ وشربتُ فيه، وكان اشتُرِي من ميراثِ النَّضر بن أنسٍ بثمان مئة ألف» (وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أي: انشقَّ (فَسَلْسَلَهُ) ﷺ أو أنس، أي: وصل بعضه ببعضٍ (بِفِضَّةٍ. قَالَ) عاصم: (وَهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ
عَرِيضٌ) ليس بمتطاولٍ بل طوله أقصرُ من عمقه (مِنْ) خشب (نُضَارٍ) بنون مضمومة ومعجمة مخففة، والنُّضار: الخالصُ من كلِّ شيءٍ، وقد قيل: إنَّه عودٌ أصفرُ يشبه لون الذَّهب، وقيل: إنَّه من الأَثْل، وقيل: من شجرِ النَّبْع (١) (قَالَ) عاصم (٢): (قَالَ أَنَسٌ) ﵁: (لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذَا القَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا) ولمسلم من طريق ثابت، عن أنسٍ: «لقد سقيتُ رسولَ الله ﷺ بقدحِي هذا الشَّراب كلَّه العسل والنَّبيذَ والماءَ واللَّبن» (قَالَ) عاصم: (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ) في القدح (حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ) بسكون اللام كاللَّاحقة (فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ: فِضَّةٍ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أو (٣) هو تردُّد من أنسٍ عند إرادةِ ذلك (٤) (فَقَالَ لَهُ (٥) أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ زوج أمِّ أنس: (لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَرَكَهُ) وقوله: تغيرَنَّ: بفتح الراء ونون التوكيد (٦) الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا تغير» بصيغة النَّهي من غير تأكيدٍ، وفي الحديث: جوازُ اتِّخاذ ضبَّة الفضة والسِّلسلة والحلقة أيضًا ممَّا اختلف فيه، ومنع ذلك مطلقًا جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وهو قولُ مالك واللَّيث، وعن مالك: يجوزُ من الفضة إذا كان يسيرًا، وكرهه الشَّافعي قال: لئلا يكون شاربًا على فضَّة، وأخذ بعضُهم أنَّ الكراهة تختصُّ بما إذا كانت الفضةُ موضع الشُّرب وبذلك صرَّح الحنفيَّة، وقال به أحمد، والَّذي تقرَّر عند الشَّافعيَّة: تحريمُ ضبَّة الفضة إذا كانت كبيرةً للزينةِ، وجوازها إذا كانت صغيرةً لحاجةٍ، أو صغيرةً لزينةٍ، أو كبيرةً لحاجةٍ، وتحريمُ ضبَّة الذَّهب مطلقًا، وأصل ضبَّة الإناءُ: ما يصلح بها خلله من صفيحةٍ أو غيرها، وإطلاقُها على ما هو للزِّينة توسُّعٌ، ومرجعُ الكبيرةِ والصَّغيرة (٧) العرف على الأصح، وقيل وهو الأشهر: