«ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٧٠

الحديث رقم ٥٦٧٠ من كتاب «كتاب المرضى» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٧٠ في صحيح البخاري

«ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.»

بَابُ تَمَنِّي

⦗١٢١⦘

الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

إسناد حديث البخاري رقم ٥٦٧٠

٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْجُعَيْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٧٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ -، عَنْ الْجُعَيْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ الْمَرِيضِ لِيُدْعَى لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِيَدْعُوَ لَهُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْجُعَيْدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالسَّائِبُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَشْرُوحًا فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ خَالَةَ السَّائِبِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهَا، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى خُصُوصِ الْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْمَرِيضِ وَالدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٩ - بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

٥٦٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ النَّبِيُّ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي.

[الحديث ٥٦٧١ - طرفاه في: ٦٣٥١، ٧٢٣٣]

٥٦٧٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً إِلاَّ التُّرَابَ وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطاً لَهُ فَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلاَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ".

[الحديث ٥٦٧٢ - أطرافه في: ٦٣٤٩، ٦٣٥٠، ٦٤٣٠، ٦٤٣١، ٧٢٣٤]

٥٦٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْراً وَإِمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ".

٥٦٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى".

قَوْلُهُ: (بَابُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ) أَيْ هَلْ يُمْنَعُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ فِي حَالَةٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَهْيُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ أَنَسٍ

قَوْلُهُ: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ) الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ، وَالْمُرَادُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، وَقَوْلُهُ: مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى الضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ، فَإِنْ وَجَدَ الضر الْأُخْرَوِيَّ بِأَنْ خَشِيَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنَّ فِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ أَمْرٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَسٍ وَيُقَالُ: عَابِسٌ الْغِفَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي. فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ الْكِنْدِيُّ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا، إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ : مَا عَمَّرَ الْمُسْلِمُ كَانَ خَيْرًا لَهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ الْجَوَابُ نَحْوَهُ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْقَوْلِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمِ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ: فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلِ … إِلَخْ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ، لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدْرِ الْمَحْتُومِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ إِلَخْ، فِيهِ مَا يَصْرِفُ الْأَمْرَ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ. الْحَدِيثَ، أَيِ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى اللُّقَيْمَاتِ فَلِيَقْتَصِرْ عَلَى الثُّلُثِ، فَهُوَ إِذْنٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الثُّلُثِ، لَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا الِاسْتِحْبَابَ.

قَوْلُهُ: (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ) عَبَّرَ فِي الْحَيَاةِ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَتْ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ، فَحَسَنٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالصِّيغَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصَافِ بِالْحَيَاةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْوَفَاةُ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ حَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يشمل مَا إِذَا كَانَ الضُّرُّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا، وَسَيَأْتِي فِي التَّمَنِّي مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ، فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مِنَ التَّمَنِّي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ خَبَّابٍ

قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) لِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ) فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ: وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَقِيَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَقِيتُ، أَيْ: مِنَ الْوَجَعِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَحَكَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْبَلَاءِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَجِدُ دِرْهَمًا، كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أَجِدُ دِرْهَمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي نَاحِيَةِ بَيْتِي أَرْبَعُونَ أَلْفًا، يَعْنِي الْآنَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَكْثَرَ مَالًا مِنْهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا لَقِيَ مِنَ التَّعْذِيبِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنَ

الْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اتِّسَاعَ الدُّنْيَا عَلَيْهِ يَكُونُ ثَوَابَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ لَوْ بَقِيَ لَهُ أَجْرُهُ مُوَفَّرًا فِي الْآخِرَةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا فَعَلَ مِنَ الْكَيِّ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نُهِينَا عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا، أَخْرَجَهُ (١) قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ. وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكَيِّ قَرِيبًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا) زَادَ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ شَيْئًا أَيْ: لَمْ تَنْقُصْ أُجُورُهُمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجَّلُوهَا فِي الدُّنْيَا، بَلْ بَقِيَتْ مُوَفَّرَةً لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَكَأَنَّهُ عَنَى بِأَصْحَابِهِ بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ فَأَمَّا مَنْ عَاشَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمُ اتَّسَعَتْ لَهُمُ الْفُتُوحُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ وَفِي الْمَغَازِي أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى جَمِيعَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّسَعَتْ لَهُ الدُّنْيَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِمَّا لِكَثْرَةِ إِخْرَاجِهِمُ الْمَالَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَكَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذْ ذَاكَ كَثِيرًا، فَكَانَتْ تَقَعُ لَهُمُ الْمَوْقِعُ، ثُمَّ لَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ جِدًّا وَشَمَلَ الْعَدْلَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ اسْتَغْنَى النَّاسُ بِحَيْثُ صَارَ الْغَنِيُّ لَا يَجِدُ مُحْتَاجًا يَضَعُ بِرَّهُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ خَبَّابٌ: وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ أَيِ الْإِنْفَاقَ فِي الْبُنْيَانِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: أَرَادَ خَبَّابٌ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَوْتَ، أَيْ: لَا يَجِدُ لِلْمَالِ الَّذِي أَصَابَهُ إِلَّا وَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَرَدَّهُ فَأَصَابَ، وَقَالَ: بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا أَصَابُوا مِنَ الْمَالِ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا التُّرَابَ، وَكَانَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَوَّلُهُ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ أَخَصُّ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَكُلُّ دُعَاءٍ تَمَنّي مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ)، هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ تَكْرَارُ الْمَجِيءِ، وَهُوَ أَحْفَظُ الْجَمِيعِ، فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ بِنَاءِ الْحَائِطِ كَانَتْ سَبَبَ قَوْلِهِ أَيْضًا: وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمُسْلِمَ لِيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ) أَيِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْبُنْيَانِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ)

هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ جَمِيعًا عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَهُوَ يُعَالِجُ حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا مَا يَجْعَلُهُ فِي التُّرَابِ، وَعُمَرُ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَزْهَرَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ; هَكَذَا اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ: رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ أَوْلَى

بِالصَّوَابِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ، يَعْنِي وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)، الْحَدِيثَ. يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُفْرَدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قَصْدًا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يَتَمَنَّى … إِلَخْ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَمَنَّى)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ لَفْظُ نَفْيٍ بِمَعْنَى النَّهْيِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَتَمَنَّ، عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ: لَا يَتَمَنَّى، لِلْأَكْثَرِ، وَبِلَفْظِ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ: وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَهُوَ قَيْدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَمَنِّيهِ رِضًا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَا مِنْ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا كَانَ أَكْثَرُ اسْتِحْضَارِهِ وَإِيثَارِهِ لِلْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ. وَقَدْ خَفِيَ صَنِيعُهُ هَذَا عَلَى مَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ مُعَارِضًا لِأَحَادِيثِ الْبَابِ أَوْ نَاسِخًا لَهَا، وَقَوِيَ ذَلِكَ بِقَوْلِ يُوسُفَ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: إِنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ، فَذَكَرَهُ، وَبِقَوْلِ سُلَيْمَانَ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ، وَبِدُعَاءِ عُمَرَ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارَبَ الْمَوْتَ.

قُلْتُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُرَادِ يُوسُفَ ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ إِلَّا يُوسُفُ حِينَ تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ، وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْلُ اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ مُرَادُهُ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِي، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَكَذَلِكَ مُرَادُ سُلَيْمَانَ . وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحَمْلِ عل قَالَ قَتَادَةُ: فَهُوَ لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا النَّهْيُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْمَوْتِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَكَمْ مَنِ انْتَهَى إِلَى غَايَةٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَوْتِ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهَا ثُمَّ عَاشَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَالَ مَنْ يَتَمَنَّى نُزُولَهُ بِهِ وَيَرْضَاهُ أَنْ لَوْ وَقَعَ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَى مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيَرْضَى بِهِ وَلَا يَقْلَقُ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقِ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ.

قَوْلُهُ: (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أَيْ يَرْجِعُ عَنْ مُوجِبِ الْعَتْبِ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءِ بِهِ هُوَ انْقِطَاعُ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ يَتَسَبَّبُ مِنْهَا الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ إِلَّا اسْتِمْرَارُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ. وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِارْتِدَادُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَالْإِيمَانُ بَعْدَ أَنْ تُخَالِطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ - وَقَدْ وَقَعَ لَكِنْ نَادِرًا - فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ خَاتِمَةُ السُّوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ، فَتَعْجِيلُهُ بِطَلَبِ الْمَوْتِ لَا خَيْرَ لَهُ فِيهِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِسَعْدٍ: يَا سَعْدُ إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِنْ عُمْرِكَ أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ: وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ قَدْ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ فَيَزِيدُهُ عُمُرُهُ شَرًّا، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا حَمْلُ الْمُؤْمِنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسكون الدال وفتح العين، وللكُشمِيهنيِّ: «ليَدْعُوَ» (لَهُ) بفتح التحتية وضم العين (١) بعدها واو مفتوحة.

٥٦٧٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، أبو إسحاقَ الزُّبيريُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة (-هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ-) الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنِ الجُعَيْدِ) بضم الجيم وفتح العين مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن الكنديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ) بن يزيد الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي (٢) خَالَتِي) لم تُسَمَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبَةَ -بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة مفتوحة- بنتَ شُريحٍ (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم. قال السَّائبُ: (فَمَسَحَ) (رَأْسِي) بيدهِ المباركةِ (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، الماءُ الَّذي توضَّأ به تبرُّكًا (وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «النُّبوَّة» (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ) بيتٌ كالقُبَّة يزيَّن للعروس ذات عُرا وأوتادٍ (٣) ويُعرفُ بالبَشخانةِ.

والمطابقةُ واضحةٌ (٤). ومرَّ الحديثُ في «الطَّهارةِ» [خ¦١٩٠] وفي «المناقبِ النَّبويَّةِ» عند ذكرِ «خاتَم النُّبوَّة» [خ¦٣٥٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدَّعواتِ» بعون الله وقوَّته [خ¦٦٣٥٢].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥٦٧٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ -، عَنْ الْجُعَيْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ ذَهَبَ بِالصَّبِيِّ الْمَرِيضِ لِيُدْعَى لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِيَدْعُوَ لَهُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْجُعَيْدِ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالسَّائِبُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَشْرُوحًا فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّ خَالَةَ السَّائِبِ لَا يُعْرَفُ اسْمُهَا، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى خُصُوصِ الْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْمَرِيضِ وَالدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٩ - بَاب تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ

٥٦٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ النَّبِيُّ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي.

[الحديث ٥٦٧١ - طرفاه في: ٦٣٥١، ٧٢٣٣]

٥٦٧٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: "دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمْ الدُّنْيَا وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعاً إِلاَّ التُّرَابَ وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطاً لَهُ فَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلاَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ".

[الحديث ٥٦٧٢ - أطرافه في: ٦٣٤٩، ٦٣٥٠، ٦٤٣٠، ٦٤٣١، ٧٢٣٤]

٥٦٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَنْ يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْراً وَإِمَّا مُسِيئاً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ".

٥٦٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى".

قَوْلُهُ: (بَابُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ) أَيْ هَلْ يُمْنَعُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ فِي حَالَةٍ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نَهْيُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُ تَمَنِّي الْمَرِيضِ. وَذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ أَنَسٍ

قَوْلُهُ: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ) الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ، وَالْمُرَادُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، وَقَوْلُهُ: مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى الضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ، فَإِنْ وَجَدَ الضر الْأُخْرَوِيَّ بِأَنْ خَشِيَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنَّ فِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ أَمْرٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَسٍ وَيُقَالُ: عَابِسٌ الْغِفَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي. فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ الْكِنْدِيُّ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا، إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ : مَا عَمَّرَ الْمُسْلِمُ كَانَ خَيْرًا لَهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ الْجَوَابُ نَحْوَهُ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْقَوْلِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمِ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ: فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلِ … إِلَخْ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ، لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدْرِ الْمَحْتُومِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ إِلَخْ، فِيهِ مَا يَصْرِفُ الْأَمْرَ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لَا يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ. الْحَدِيثَ، أَيِ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى اللُّقَيْمَاتِ فَلِيَقْتَصِرْ عَلَى الثُّلُثِ، فَهُوَ إِذْنٌ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الثُّلُثِ، لَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلَا الِاسْتِحْبَابَ.

قَوْلُهُ: (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ) عَبَّرَ فِي الْحَيَاةِ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَتْ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ، فَحَسَنٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالصِّيغَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصَافِ بِالْحَيَاةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْوَفَاةُ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ حَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يشمل مَا إِذَا كَانَ الضُّرُّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا، وَسَيَأْتِي فِي التَّمَنِّي مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُهُ، فَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ مِنَ التَّمَنِّي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ خَبَّابٍ

قَوْلُهُ: (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) لِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ) فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ: وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ لَقِيَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَقِيتُ، أَيْ: مِنَ الْوَجَعِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَحَكَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْبَلَاءِ مَا فُتِحَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَجِدُ دِرْهَمًا، كَمَا وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ حَارِثَةَ الْمَذْكُورَةِ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أَجِدُ دِرْهَمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي نَاحِيَةِ بَيْتِي أَرْبَعُونَ أَلْفًا، يَعْنِي الْآنَ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَكْثَرَ مَالًا مِنْهُ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا لَقِيَ مِنَ التَّعْذِيبِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنَ

الْمُشْرِكِينَ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اتِّسَاعَ الدُّنْيَا عَلَيْهِ يَكُونُ ثَوَابَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ لَوْ بَقِيَ لَهُ أَجْرُهُ مُوَفَّرًا فِي الْآخِرَةِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا فَعَلَ مِنَ الْكَيِّ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: نُهِينَا عَنِ الْكَيِّ فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا، أَخْرَجَهُ (١) قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ. وَكَذَلِكَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْكَيِّ قَرِيبًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا) زَادَ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ شَيْئًا أَيْ: لَمْ تَنْقُصْ أُجُورُهُمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَجَّلُوهَا فِي الدُّنْيَا، بَلْ بَقِيَتْ مُوَفَّرَةً لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَكَأَنَّهُ عَنَى بِأَصْحَابِهِ بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ فَأَمَّا مَنْ عَاشَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمُ اتَّسَعَتْ لَهُمُ الْفُتُوحُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقَدْ مَضَى فِي الْجَنَائِزِ وَفِي الْمَغَازِي أَيْضًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى جَمِيعَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّسَعَتْ لَهُ الدُّنْيَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ إِمَّا لِكَثْرَةِ إِخْرَاجِهِمُ الْمَالَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَكَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذْ ذَاكَ كَثِيرًا، فَكَانَتْ تَقَعُ لَهُمُ الْمَوْقِعُ، ثُمَّ لَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ جِدًّا وَشَمَلَ الْعَدْلَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ اسْتَغْنَى النَّاسُ بِحَيْثُ صَارَ الْغَنِيُّ لَا يَجِدُ مُحْتَاجًا يَضَعُ بِرَّهُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ خَبَّابٌ: وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ أَيِ الْإِنْفَاقَ فِي الْبُنْيَانِ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: أَرَادَ خَبَّابٌ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَوْتَ، أَيْ: لَا يَجِدُ لِلْمَالِ الَّذِي أَصَابَهُ إِلَّا وَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَرَدَّهُ فَأَصَابَ، وَقَالَ: بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا أَصَابُوا مِنَ الْمَالِ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ لِأَحْمَدَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا التُّرَابَ، وَكَانَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَأَوَّلُهُ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ أَخَصُّ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَكُلُّ دُعَاءٍ تَمَنّي مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ)، هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ تَكْرَارُ الْمَجِيءِ، وَهُوَ أَحْفَظُ الْجَمِيعِ، فَزِيَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ بِنَاءِ الْحَائِطِ كَانَتْ سَبَبَ قَوْلِهِ أَيْضًا: وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلَّا التُّرَابَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمُسْلِمَ لِيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ إِلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ) أَيِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْبُنْيَانِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ)

هَكَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ جَمِيعًا عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ نَعُودُهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَهُوَ يُعَالِجُ حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا مَا يَجْعَلُهُ فِي التُّرَابِ، وَعُمَرُ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) هُوَ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَزْهَرَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ; هَكَذَا اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ: رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ أَوْلَى

بِالصَّوَابِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ، يَعْنِي وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا.

قَوْلُهُ: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)، الْحَدِيثَ. يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مُفْرَدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا لَا قَصْدًا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يَتَمَنَّى … إِلَخْ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَمَنَّى)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ لَفْظُ نَفْيٍ بِمَعْنَى النَّهْيِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَتَمَنَّ، عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ: لَا يَتَمَنَّى، لِلْأَكْثَرِ، وَبِلَفْظِ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ: وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَهُوَ قَيْدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَمَنِّيهِ رِضًا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَا مِنْ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا كَانَ أَكْثَرُ اسْتِحْضَارِهِ وَإِيثَارِهِ لِلْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى شَحْذًا لِلْأَذْهَانِ. وَقَدْ خَفِيَ صَنِيعُهُ هَذَا عَلَى مَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ مُعَارِضًا لِأَحَادِيثِ الْبَابِ أَوْ نَاسِخًا لَهَا، وَقَوِيَ ذَلِكَ بِقَوْلِ يُوسُفَ : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: إِنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ يُوسُفَ، فَذَكَرَهُ، وَبِقَوْلِ سُلَيْمَانَ: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ، وَبِدُعَاءِ عُمَرَ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارَبَ الْمَوْتَ.

قُلْتُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُرَادِ يُوسُفَ ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ إِلَّا يُوسُفُ حِينَ تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ، وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْلُ اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ مُرَادُهُ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِي، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَكَذَلِكَ مُرَادُ سُلَيْمَانَ . وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحَمْلِ عل قَالَ قَتَادَةُ: فَهُوَ لَيْسَ مِنْ شَرْعِنَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا النَّهْيُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْمَوْتِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَكَمْ مَنِ انْتَهَى إِلَى غَايَةٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَوْتِ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهَا ثُمَّ عَاشَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ حَالُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَالَ مَنْ يَتَمَنَّى نُزُولَهُ بِهِ وَيَرْضَاهُ أَنْ لَوْ وَقَعَ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَى مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيَرْضَى بِهِ وَلَا يَقْلَقُ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقِ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ.

قَوْلُهُ: (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أَيْ يَرْجِعُ عَنْ مُوجِبِ الْعَتْبِ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءِ بِهِ هُوَ انْقِطَاعُ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ يَتَسَبَّبُ مِنْهَا الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ إِلَّا اسْتِمْرَارُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ. وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِارْتِدَادُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ، وَالْإِيمَانُ بَعْدَ أَنْ تُخَالِطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ - وَقَدْ وَقَعَ لَكِنْ نَادِرًا - فَمَنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ خَاتِمَةُ السُّوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ، فَتَعْجِيلُهُ بِطَلَبِ الْمَوْتِ لَا خَيْرَ لَهُ فِيهِ.

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِسَعْدٍ: يَا سَعْدُ إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِنْ عُمْرِكَ أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ: وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ عُمْرَهُ إِلَّا خَيْرًا، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ قَدْ يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ فَيَزِيدُهُ عُمُرُهُ شَرًّا، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا حَمْلُ الْمُؤْمِنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وسكون الدال وفتح العين، وللكُشمِيهنيِّ: «ليَدْعُوَ» (لَهُ) بفتح التحتية وضم العين (١) بعدها واو مفتوحة.

٥٦٧٠ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي المعجمة، أبو إسحاقَ الزُّبيريُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة (-هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ-) الكوفيُّ، سكن المدينة (عَنِ الجُعَيْدِ) بضم الجيم وفتح العين مصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن الكنديِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ) بن يزيد الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي (٢) خَالَتِي) لم تُسَمَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبَةَ -بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة مفتوحة- بنتَ شُريحٍ (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم. قال السَّائبُ: (فَمَسَحَ) (رَأْسِي) بيدهِ المباركةِ (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، الماءُ الَّذي توضَّأ به تبرُّكًا (وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «النُّبوَّة» (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ) بيتٌ كالقُبَّة يزيَّن للعروس ذات عُرا وأوتادٍ (٣) ويُعرفُ بالبَشخانةِ.

والمطابقةُ واضحةٌ (٤). ومرَّ الحديثُ في «الطَّهارةِ» [خ¦١٩٠] وفي «المناقبِ النَّبويَّةِ» عند ذكرِ «خاتَم النُّبوَّة» [خ¦٣٥٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدَّعواتِ» بعون الله وقوَّته [خ¦٦٣٥٢].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله