«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٧١

الحديث رقم ٥٩٧١ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أحق الناس بحسن الصحبة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٩٧١ في صحيح البخاري

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ.

بَابٌ:

⦗٣⦘

لَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَبَوَيْنِ

إسناد حديث رقم ٥٩٧١ من صحيح البخاري

٥٩٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٩٧١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَخْبَارِ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ. وَاقْتَضَتِ الْآيَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَمْرَ بِطَاعَتِهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، إِلَّا إِذَا أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَتَجِبُ مَعْصِيَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَفِيهَا بَيَانُ مَا أُجْمِلَ فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، مِنَ الْأَمْرِ بِبِرِّهِمَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ الْعَيْزَارُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي أَوَّلِهِ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَقْدِيمُ الْبِرِّ عَلَى الْجِهَادِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّعْدِيَةُ إِلَى نَفْعِ الْغَيْرِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ يَرَى أَنَّهُ مُكَافَأَةٌ عَلَى فِعْلِهِمَا، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَنَبَّهَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِتَوَقُّفِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ اسْتِئْذَانُهُمَا فِي الْجِهَادِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.

٢ - بَاب مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟

٥٩٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ.

وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ) الصُّحْبَةُ وَالصَّحَابَةُ مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُصَاحَبَةُ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.

قَوْلُهُ: (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ رِوَايَةِ عُمَارَةَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَارَةَ حَسْبَ.

قَوْلِهِ: (جَاءَ رَجُلٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمُّكَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عُمَارَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ مِثْلَ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فَقَالَ نَعَمْ وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا وَزَادَ فِيهِ حَدِيثَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَبِّئْنِي بِأَحَقِّ النَّاسِ مِنِّي صُحْبَةً وَوَجَدْتُهُ فِي النُّسْخَةِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ بَدَلَ وَأَبِيكَ فَلَعَلَّهَا تَصَحَّفَتْ، وَقَوْلُهُ: وَأَبِيكَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَسَمَ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي لِإِرَادَةِ تَثْبِيتِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالنَّصْبِ، وَفِي آخَرِهِ ثُمَّ أَبَاكَ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَيَخْرُجُ الثَّانِي عَلَى

إِضْمَارِ فِعْلٍ. وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا وَقَعَ تَكْرَارُ الْأُمِّ ثَلَاثًا وَذِكْرُ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: بِرَّ أَبَاكَ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ خِدَاشٍ أَبِي سَلَامَةَ رَفَعَهُ أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأَبِيهِ، أُوصِي امْرَءًا بِمَوْلَاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَذًى يُؤْذِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْأَبِ مِنَ الْبِرِّ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْلِ ثُمَّ الْوَضْعِ ثُمَّ الرَّضَاعِ، فَهَذِهِ تَنْفَرِدُ بِه الْأُمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الْأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْوِصَايَةِ، وَخَصَّ الْأُمَّ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّ عَلَى الْوَلَدِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنَ الْبِرِّ، وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْأَبِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ تَفْضُلُ الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ، وَقِيلَ: يَكُونُ بِرُّهُمَا سَوَاءً، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: إِلَى الثَّانِي ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ طَلَبَنِي أَبِي فَمَنَعَتْنِي أُمِّي، قَالَ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى بِرَّهُمَا سَوَاءً، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بِوَاضِحَةٍ، قَالَ: وَسُئِلَ اللَّيْثُ يَعْنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فَقَالَ: أَطِعْ أُمَّكَ فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي لَمْ يَتَكَرَّرْ ذِكْرُ الْأُمِّ فِيهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ.

وَقَدْ وَقْعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الْبَابِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا وقع فِي آخِرِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةً انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، ثُمَّ أُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ هَكَذَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْمُرَادُ بِالدُّنُوِّ الْقُرْبُ إِلَى الْبَارِّ. قَالَ عِيَاضٌ: تَرَدَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَدِّ وَالْأَخِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَدِّ. قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: يُقَدَّمُ الْجَدُّ ثُمَّ الْأَخُ، ثُمَّ يُقَدَّمُ مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِوَاحِدٍ، ثُمَّ تُقَدَّمُ الْقَرَابَةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْمَحَارِمُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ، ثُمَّ الْمُصَاهَرَةُ ثُمَّ الْوَلَاءُ، ثُمَّ الْجَارُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدُ.

وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُ الْبِرِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَهُوَ وَاضِحٌ، وَجَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَعَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: أُمُّهُ وَيؤَيِّدُ تَقْدِيمِ الْأُمِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي كَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فَتَوَصَّلَتْ لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهَا فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ) أَمَّا ابْنُ شُبْرُمَةَ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بها الفضلُ المطلقُ، فالمرادُ من أفضلِ الأعمالِ، فحُذِفتْ من وهي مُرَادة، والمرادُ الأعمال البدنيَّة فلا تعارضَ بين ذلك وبين حديثِ أبي هُريرة «أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ بالله» [خ¦٢٦].

وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧].

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ).

٥٩٧١ - وبه قال (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ حذف «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء وفتح الميم، ابن أخِي عبد الله بن شُبْرمة الضَّبيِّ الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وابن شبرمة» بزيادة واو. قال في «الفتح»: والصَّواب حذفها، فإنَّ رواية ابنِ شُبْرمة قد علَّقها المصنِّف عقبَ (١) رواية عُمارة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو معاويةُ بن حَيْدة (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «إلى النَّبيِّ» (٢) ( فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) بفتح الصاد، مصدرٌ، كالصُّحبة بمعنى المصاحبة، ولأبي ذرٍّ: «مَن أحقُّ الناسِ بحسنِ صَحَابتي» (قَالَ:) أحقُّ النَّاس بحسنِ صحابتكَ (أُمُّكَ. قَالَ) الرَّجل: يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك». (قَالَ): يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك» كرَّر الأمَّ ثلاثًا لمزيدِ حقِّها (قَالَ) الرَّجل: (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) في الرَّابعة: (ثُمَّ أَبُوكَ) وفي تكريرِ ذكرِ الأمِّ ثلاثًا إشارة إلى أنَّ الأمَّ تَستحقُّ على ولدها النَّصيب الأوفر من البرِّ، بل مقتضاهُ -كما قال ابن بطَّال-: أن يكون لها ثلاثة أمثالِ ما للأبِ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْأَخْبَارِ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ. وَاقْتَضَتِ الْآيَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَمْرَ بِطَاعَتِهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، إِلَّا إِذَا أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَتَجِبُ مَعْصِيَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَفِيهَا بَيَانُ مَا أُجْمِلَ فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، مِنَ الْأَمْرِ بِبِرِّهِمَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ الْعَيْزَارُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي أَوَّلِهِ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: تَقْدِيمُ الْبِرِّ عَلَى الْجِهَادِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّعْدِيَةُ إِلَى نَفْعِ الْغَيْرِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ يَرَى أَنَّهُ مُكَافَأَةٌ عَلَى فِعْلِهِمَا، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَنَبَّهَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِتَوَقُّفِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ، إِذْ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ اسْتِئْذَانُهُمَا فِي الْجِهَادِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.

٢ - بَاب مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟

٥٩٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ.

وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ) الصُّحْبَةُ وَالصَّحَابَةُ مَصْدَرَانِ بِمَعْنًى، وَهُوَ الْمُصَاحَبَةُ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ.

قَوْلُهُ: (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَدْ عَلَّقَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ رِوَايَةِ عُمَارَةَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَارَةَ حَسْبَ.

قَوْلِهِ: (جَاءَ رَجُلٌ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَهُوَ جَدُّ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمُّكَ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ، عَنْ عُمَارَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ مِثْلَ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فَقَالَ نَعَمْ وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا وَزَادَ فِيهِ حَدِيثَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَبِّئْنِي بِأَحَقِّ النَّاسِ مِنِّي صُحْبَةً وَوَجَدْتُهُ فِي النُّسْخَةِ بِلَفْظِ فَقَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ بَدَلَ وَأَبِيكَ فَلَعَلَّهَا تَصَحَّفَتْ، وَقَوْلُهُ: وَأَبِيكَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَسَمَ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي لِإِرَادَةِ تَثْبِيتِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِالنَّصْبِ، وَفِي آخَرِهِ ثُمَّ أَبَاكَ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَيَخْرُجُ الثَّانِي عَلَى

إِضْمَارِ فِعْلٍ. وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا وَقَعَ تَكْرَارُ الْأُمِّ ثَلَاثًا وَذِكْرُ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: بِرَّ أَبَاكَ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ خِدَاشٍ أَبِي سَلَامَةَ رَفَعَهُ أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأُمِّهِ، أُوصِي امْرَءًا بِأَبِيهِ، أُوصِي امْرَءًا بِمَوْلَاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ أَذًى يُؤْذِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ مَا لِلْأَبِ مِنَ الْبِرِّ، قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْلِ ثُمَّ الْوَضْعِ ثُمَّ الرَّضَاعِ، فَهَذِهِ تَنْفَرِدُ بِه الْأُمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الْأَبَ فِي التَّرْبِيَةِ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْوِصَايَةِ، وَخَصَّ الْأُمَّ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّ الْأُمَّ تَسْتَحِقُّ عَلَى الْوَلَدِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنَ الْبِرِّ، وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْأَبِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأُمَّ تَفْضُلُ الْبِرِّ عَلَى الْأَبِ، وَقِيلَ: يَكُونُ بِرُّهُمَا سَوَاءً، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: إِلَى الثَّانِي ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ نَقَلَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ طَلَبَنِي أَبِي فَمَنَعَتْنِي أُمِّي، قَالَ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى بِرَّهُمَا سَوَاءً، كَذَا قَالَ. وَلَيْسَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بِوَاضِحَةٍ، قَالَ: وَسُئِلَ اللَّيْثُ يَعْنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا فَقَالَ: أَطِعْ أُمَّكَ فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّتِي لَمْ يَتَكَرَّرْ ذِكْرُ الْأُمِّ فِيهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ.

وَقَدْ وَقْعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الْبَابِ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا وقع فِي آخِرِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةً انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، ثُمَّ أُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ هَكَذَا، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْمُرَادُ بِالدُّنُوِّ الْقُرْبُ إِلَى الْبَارِّ. قَالَ عِيَاضٌ: تَرَدَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَدِّ وَالْأَخِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَقْدِيمِ الْجَدِّ. قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: يُقَدَّمُ الْجَدُّ ثُمَّ الْأَخُ، ثُمَّ يُقَدَّمُ مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِوَاحِدٍ، ثُمَّ تُقَدَّمُ الْقَرَابَةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْمَحَارِمُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ، ثُمَّ الْمُصَاهَرَةُ ثُمَّ الْوَلَاءُ، ثُمَّ الْجَارُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدُ.

وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُ الْبِرِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَهُوَ وَاضِحٌ، وَجَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَعَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: أُمُّهُ وَيؤَيِّدُ تَقْدِيمِ الْأُمِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي كَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ. فَتَوَصَّلَتْ لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهَا فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ مِثْلَهُ) أَمَّا ابْنُ شُبْرُمَةَ فَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بها الفضلُ المطلقُ، فالمرادُ من أفضلِ الأعمالِ، فحُذِفتْ من وهي مُرَادة، والمرادُ الأعمال البدنيَّة فلا تعارضَ بين ذلك وبين حديثِ أبي هُريرة «أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ بالله» [خ¦٢٦].

وهذا الحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧].

(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ).

٥٩٧١ - وبه قال (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ حذف «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ بْنِ شُبْرُمَةَ) بضم الشين المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء وفتح الميم، ابن أخِي عبد الله بن شُبْرمة الضَّبيِّ الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وابن شبرمة» بزيادة واو. قال في «الفتح»: والصَّواب حذفها، فإنَّ رواية ابنِ شُبْرمة قد علَّقها المصنِّف عقبَ (١) رواية عُمارة (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو معاويةُ بن حَيْدة (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «إلى النَّبيِّ» (٢) ( فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) بفتح الصاد، مصدرٌ، كالصُّحبة بمعنى المصاحبة، ولأبي ذرٍّ: «مَن أحقُّ الناسِ بحسنِ صَحَابتي» (قَالَ:) أحقُّ النَّاس بحسنِ صحابتكَ (أُمُّكَ. قَالَ) الرَّجل: يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك». (قَالَ): يا رسولَ الله (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: ثمَّ أمُّك» كرَّر الأمَّ ثلاثًا لمزيدِ حقِّها (قَالَ) الرَّجل: (ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ) في الرَّابعة: (ثُمَّ أَبُوكَ) وفي تكريرِ ذكرِ الأمِّ ثلاثًا إشارة إلى أنَّ الأمَّ تَستحقُّ على ولدها النَّصيب الأوفر من البرِّ، بل مقتضاهُ -كما قال ابن بطَّال-: أن يكون لها ثلاثة أمثالِ ما للأبِ من

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله