«قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١١٧

الحديث رقم ٦١١٧ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحياء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦١١٧ في صحيح البخاري

«قَالَ النَّبِيُّ : الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ.»

إسناد حديث رقم ٦١١٧ من صحيح البخاري

٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦١١٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَفْسَدَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْغَضَبِ الدُّنْيَوِيِّ لَا الْغَضَبِ الدِّينِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُعِينُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ مَا جَاءَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ مِنَ الْفَضْلِ، وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَةِ ثَمَرَةِ الْغَضَبِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَأَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَطِيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطُّوفِيُّ: أَقْوَى الْأَشْيَاءِ فِي دَفْعِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ، وَكُلُّ فَاعِلٍ غَيْرُهُ فَهُوَ آلَةٌ لَهُ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّنْ ذَلِكَ الْغَيْرَ مِنْهُ انْدَفَعَ غَضَبُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ غَضَبُهُ عَلَى رَبِّهِ - جَلَّ وَعَلَا - وَهُوَ خِلَافُ الْعُبُودِيَّةِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي أَمْرِهِ الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ أَمْكَنَهُ اسْتِحْضَارُ مَا ذُكِرَ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ الشَّيْطَانُ مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الْوَسْوَسَةِ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ اسْتِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٧ - بَاب الْحَيَاءِ

٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟

٦١١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ النَّبِيُّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ. فَقال رسول الله : "دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ".

٦١١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَيَاءِ) بِالْمَدِّ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَقَعَ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ أَصْلَ الْحَيَاءِ الِامْتِنَاعُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الِانْقِبَاضِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاءِ وَلَازِمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ أَصْلَهُ، وَلَمَّا كَانَ الِامْتِنَاعُ لَازِمَ الْحَيَاءِ كَانَ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى مُلَازَمَةِ الْحَيَاءِ حَضٌّ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ فِعْلِ مَا يُعَابُ، وَالْحَيَاء بِالْقَصْرِ الْمَطَرُ. وذكر فيه ثلاثة أحاديث:

الأول: قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، وَخَالَفَهُمْ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ فَقَالَ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ بَدَلَ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَوَقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَيْضًا لِلْعَلَاءِ بن زِيَادٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ اسْمُهُ حُرَيْثٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ حُجَيْرُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْدَ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ

وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ.

قَوْلُهُ: (بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةُ مُصَغَّرٌ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الدَّعَوَاتِ.

قَوْلُهُ: (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: إنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ بِالشَّكِّ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَصْلِ إِصَابَةُ الْحَقِّ بِالْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ السَّكِينَةُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ إِنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُتَعَيِّنَةٌ وَمِنْ أَجْلِهَا غَضِبَ عِمْرَانُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي ذِكْرِ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يُنَافِي كَوْنَهُ خَيْرًا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَضِبَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّبْعِيضَ يُفْهِمُ أَنَّ مِنْهُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ، وَهُوَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى كَلَامِ بُشَيْرٍ أَنَّ مِنَ الْحَيَاءِ مَا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الْوَقَارِ بِأَنْ يُوَقِّرَ غَيْرَهُ وَيَتَوَقَّرَ هُوَ فِي نَفْسِهِ. وَمِنْهُ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَرَّك النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِذِي الْمُرُوءَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عِمْرَانُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَاقَهُ فِي مَعْرِضِ مَنْ يُعَارِضُ كَلَامَ الرَّسُولِ بِكَلَامِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لكَوْنَهُ خَافَ أَنْ يَخْلِطَ السُّنَّةَ بِغَيْرِهَا. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى حُسْنُ التَّوْجِيهِ السَّابِقِ.

قَوْلُهُ: (وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: لَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتُعَارِضُ فِيهِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِحَدِيثِ الْكُتُبِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ لِبُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ هَذَا قِصَّةً مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ عَنْ كُلِّ مَنْ لَقِيَهُ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ الْمَاجِشُونُ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ النَّبِيُّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ شَرْحِهِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الرَّجُلِ وَلَا اسْمَ أَخِيهِ إِلَى الْآنِ، وَالْمُرَادُ بِوَعْظِهِ أَنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُلَازَمَتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ) حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِعُ بِحَيَائِهِ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقِيَّةٌ، فَصَارَ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَاكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خَيْرًا كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَشْكَلَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدُّ صَاحِبَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَيَاءٌ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُشِيرَ إِلَى أن مَنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقَهُ أَنَّ الْخَيْرَ يَكُونُ فِيهِ أَغْلَبُ فَيَضْمَحِلُّ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ مِنْهُ مِمَّا ذكَرُ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحَيَاءِ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ لِكَوْنِهِ إِذَا صَارَ عَادَةً وَتَخَلَّقَ بِهِ صَاحِبُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِجَلْبِ الْخَيْرِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْهُ الْخَيْرُ بِالذَّاتِ وَالسَّبَبِ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: الْحَيَاءُ الْمُكْتَسَبُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ دُونَ الْغَرِيزِيِّ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ غَرِيزَةً مِنْهُ فَإِنَّهَا تُعِينُهُ عَلَى الْمُكْتَسَبِ، وَقَدْ يَنْطَبِعُ بِالْمُكْتَسَبِ حَتَّى يَصِيرَ غَرِيزِا، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ جُمِعَ لَهُ النَّوْعَانِ فَكَانَ فِي الْغَرِيزِيِّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أساءَ إليك، وأنلْهُ فضلك (١) يُمْنح بحسنِ خُلُقكَ حبَّك، وأرغمِ الشَّيطان بالمبالغةِ في الإحسان (٢)، فإنَّه متى علم الشَّيطان منك أنَّه كلَّما وسوس إليك بجفاءٍ بادرت الوفاءَ صار أكثر كيده، أنَّه (٣) لا يأتيكَ كي يمنعكَ مخالفتهُ، ومتى ضررت عدوَّك بما ضرَّ دينك فبنفسكَ بدأتَ، فاخترْ لنفسكَ ما يحلو، وبالله التَّوفيق والمستعان.

والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «البِرِّ».

(٧٧) (بابُ) فضلِ (الحَيَاءِ) بالمد، وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوفِ ما يعابُ به ويُذمُّ، وفي الشَّرع خلقٌ يبعث على اجتناب القبيحِ، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ.

٦١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة والواو المشددة بعد الألف راء، حسَّان بن حُرَيثٍ -بضم الحاء المهملة آخره مثلثة- مصغَّرًا (العَدَوِيِّ (٤) قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخُزاعيَّ أبا نُجَيد أسلم مع أبي هريرةَ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) لأنَّه يحجزُ صاحبَهُ عن ارتكابِ المحارم، ولذا كان من الإيمانِ، كما في الحديث الآخر [خ¦٦١١٨] لأنَّ الإيمان ينقسمُ إلى ائتمارٍ بما (٥) أمرَ الله به، وانتهاءٍ عمَّا نَهى عنه، وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر

عن عمرانِ بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنَّة». فإن قيل: الحياءُ من الغرائزِ فكيف جعلَ من الإيمان. أُجيب بأنَّه قد يكون غريزةً وقد يكون تخلُّقًا، ولكنَّ استعماله على وفقِ الشَّرع يحتاجُ إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فهو من الإيمانِ لهذا؛ لكونهِ باعثًا على فعل الطَّاعة وحاجزًا عن المعصيةِ، ولا يقال: رُبَّ حياءٍ يمنعُ عن قولِ الحقِّ أو فعل الخير؛ لأنَّ ذلك ليس شرعيًّا (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، العَدَويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل: (مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ) قال في «الكواكب»: هي العلم الَّذي يبحثُ فيه أحوال حقائقِ الموجوداتِ، وقيل: العلم المُتْقَنُ الوافي (إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا) حلمًا ورزانةً (وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً) دعةً وسكونًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «السَّكينة» بزيادة الألف واللام (فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) وفي رواية أبي قتادة (١) العدويِّ، عن عمران «أنَّ منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضَعْفٌ» وهذه الزِّيادةُ متعيِّنةٌ، ولأجلها غضبَ عمران، كما قاله في «الفتح». وقال في «الكواكب»: إنَّما غضبَ لأنَّ الحجَّة إنَّما هي في سنَّة رسول الله لا فيما (٢) يروى عن كتب الحكمةِ؛ لأنَّه لا يدري ما في حقيقتَها ولا يعرف صدقَها. وقال القرطبيُّ: إنَّما أنكرَ عليه من حيثُ إنَّه ساقه في معرضِ من يُعارض كلام النُّبوَّة بكلام غيره، وقيل: لكونه خاف أن يَخْلِط السُّنَّة بغيرها، وإلَّا فليس في ذكر السَّكينة والوقارِ ما يُنافي كونه خيرًا، وفي رواية أبي قتادة: فغضب عمران حتَّى احمرَّت عيناهُ، وقال: ألا أراني أحدِّثك عن رسولِ الله وتعارض فيه. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد ذكر مسلمٌ في «مقدِّمة صحيحه» لبُشَير بن كعبٍ هذا قصَّة مع ابن عبَّاس تشعرُ بأنَّه كان يتساهلُ في الأخذِ عن كلِّ من لقيهُ. انتهى.

قلت: ولفظُ مسلمٍ عن مجاهد قال: جاء بُشَيرٌ العدويُّ إلى ابن عبَّاس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ، قال رسول الله (٣)، فجعل لا يأذَنُ لحديثهِ ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عبَّاس ما لي لا أراك تسمعُ لحديثِي، أحدِّثك عن رسولِ الله ولا تسمعُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَفْسَدَةِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْغَضَبِ الدُّنْيَوِيِّ لَا الْغَضَبِ الدِّينِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُعِينُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ مَا جَاءَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ مِنَ الْفَضْلِ، وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَةِ ثَمَرَةِ الْغَضَبِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، وَأَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَطِيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطُّوفِيُّ: أَقْوَى الْأَشْيَاءِ فِي دَفْعِ الْغَضَبِ اسْتِحْضَارُ التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ، وَكُلُّ فَاعِلٍ غَيْرُهُ فَهُوَ آلَةٌ لَهُ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّنْ ذَلِكَ الْغَيْرَ مِنْهُ انْدَفَعَ غَضَبُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ غَضَبُهُ عَلَى رَبِّهِ - جَلَّ وَعَلَا - وَهُوَ خِلَافُ الْعُبُودِيَّةِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ السِّرُّ فِي أَمْرِهِ الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى اللَّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ أَمْكَنَهُ اسْتِحْضَارُ مَا ذُكِرَ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ الشَّيْطَانُ مُتَلَبِّسًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الْوَسْوَسَةِ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ اسْتِحْضَارُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٧ - بَاب الْحَيَاءِ

٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنْ الْحَيَاءِ سَكِينَةً. فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ؟

٦١١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ النَّبِيُّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ. فَقال رسول الله : "دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الإِيمَانِ".

٦١١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَيَاءِ) بِالْمَدِّ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَوَقَعَ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ أَصْلَ الْحَيَاءِ الِامْتِنَاعُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الِانْقِبَاضِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاءِ وَلَازِمُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ أَصْلَهُ، وَلَمَّا كَانَ الِامْتِنَاعُ لَازِمَ الْحَيَاءِ كَانَ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى مُلَازَمَةِ الْحَيَاءِ حَضٌّ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ فِعْلِ مَا يُعَابُ، وَالْحَيَاء بِالْقَصْرِ الْمَطَرُ. وذكر فيه ثلاثة أحاديث:

الأول: قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، وَخَالَفَهُمْ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ فَقَالَ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ بَدَلَ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَوَقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَيْضًا لِلْعَلَاءِ بن زِيَادٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ اسْمُهُ حُرَيْثٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ حُجَيْرُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْدَ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ

وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: الْحَيَاءُ مِنَ الدِّينِ؟ فَقَالَ: بَلْ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ.

قَوْلُهُ: (بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةُ مُصَغَّرٌ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الدَّعَوَاتِ.

قَوْلُهُ: (مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: إنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ بِالشَّكِّ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَصْلِ إِصَابَةُ الْحَقِّ بِالْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ السَّكِينَةُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْعَدَوِيِّ إِنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُتَعَيِّنَةٌ وَمِنْ أَجْلِهَا غَضِبَ عِمْرَانُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي ذِكْرِ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ مَا يُنَافِي كَوْنَهُ خَيْرًا، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَضِبَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْهُ ; لِأَنَّ التَّبْعِيضَ يُفْهِمُ أَنَّ مِنْهُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ، وَهُوَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى كَلَامِ بُشَيْرٍ أَنَّ مِنَ الْحَيَاءِ مَا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى الْوَقَارِ بِأَنْ يُوَقِّرَ غَيْرَهُ وَيَتَوَقَّرَ هُوَ فِي نَفْسِهِ. وَمِنْهُ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَتَحَرَّك النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِذِي الْمُرُوءَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عِمْرَانُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَاقَهُ فِي مَعْرِضِ مَنْ يُعَارِضُ كَلَامَ الرَّسُولِ بِكَلَامِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ لكَوْنَهُ خَافَ أَنْ يَخْلِطَ السُّنَّةَ بِغَيْرِهَا. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى حُسْنُ التَّوْجِيهِ السَّابِقِ.

قَوْلُهُ: (وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: لَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَتُعَارِضُ فِيهِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِحَدِيثِ الْكُتُبِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ لِبُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ هَذَا قِصَّةً مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ عَنْ كُلِّ مَنْ لَقِيَهُ.

الحديث الثاني:

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ الْمَاجِشُونُ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ النَّبِيُّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ شَرْحِهِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الرَّجُلِ وَلَا اسْمَ أَخِيهِ إِلَى الْآنِ، وَالْمُرَادُ بِوَعْظِهِ أَنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُلَازَمَتِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ) حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَمَالُ الْإِيمَانِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحِي يَنْقَطِعُ بِحَيَائِهِ عَنِ الْمَعَاصِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقِيَّةٌ، فَصَارَ كَالْإِيمَانِ الْقَاطِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعَاصِي. قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ وَاكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خَيْرًا كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَشْكَلَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَصُدُّ صَاحِبَهُ عَنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَيَاءٌ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُشِيرَ إِلَى أن مَنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْ خُلُقَهُ أَنَّ الْخَيْرَ يَكُونُ فِيهِ أَغْلَبُ فَيَضْمَحِلُّ مَا لَعَلَّهُ يَقَعُ مِنْهُ مِمَّا ذكَرُ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحَيَاءِ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ لِكَوْنِهِ إِذَا صَارَ عَادَةً وَتَخَلَّقَ بِهِ صَاحِبُهُ يَكُونُ سَبَبًا لِجَلْبِ الْخَيْرِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ مِنْهُ الْخَيْرُ بِالذَّاتِ وَالسَّبَبِ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: الْحَيَاءُ الْمُكْتَسَبُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ دُونَ الْغَرِيزِيِّ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ غَرِيزَةً مِنْهُ فَإِنَّهَا تُعِينُهُ عَلَى الْمُكْتَسَبِ، وَقَدْ يَنْطَبِعُ بِالْمُكْتَسَبِ حَتَّى يَصِيرَ غَرِيزِا، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ جُمِعَ لَهُ النَّوْعَانِ فَكَانَ فِي الْغَرِيزِيِّ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أساءَ إليك، وأنلْهُ فضلك (١) يُمْنح بحسنِ خُلُقكَ حبَّك، وأرغمِ الشَّيطان بالمبالغةِ في الإحسان (٢)، فإنَّه متى علم الشَّيطان منك أنَّه كلَّما وسوس إليك بجفاءٍ بادرت الوفاءَ صار أكثر كيده، أنَّه (٣) لا يأتيكَ كي يمنعكَ مخالفتهُ، ومتى ضررت عدوَّك بما ضرَّ دينك فبنفسكَ بدأتَ، فاخترْ لنفسكَ ما يحلو، وبالله التَّوفيق والمستعان.

والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «البِرِّ».

(٧٧) (بابُ) فضلِ (الحَيَاءِ) بالمد، وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوفِ ما يعابُ به ويُذمُّ، وفي الشَّرع خلقٌ يبعث على اجتناب القبيحِ، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ.

٦١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي السَّوَّارِ) بفتح السين المهملة والواو المشددة بعد الألف راء، حسَّان بن حُرَيثٍ -بضم الحاء المهملة آخره مثلثة- مصغَّرًا (العَدَوِيِّ (٤) قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخُزاعيَّ أبا نُجَيد أسلم مع أبي هريرةَ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) لأنَّه يحجزُ صاحبَهُ عن ارتكابِ المحارم، ولذا كان من الإيمانِ، كما في الحديث الآخر [خ¦٦١١٨] لأنَّ الإيمان ينقسمُ إلى ائتمارٍ بما (٥) أمرَ الله به، وانتهاءٍ عمَّا نَهى عنه، وعند الطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر

عن عمرانِ بن حصين: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنَّة». فإن قيل: الحياءُ من الغرائزِ فكيف جعلَ من الإيمان. أُجيب بأنَّه قد يكون غريزةً وقد يكون تخلُّقًا، ولكنَّ استعماله على وفقِ الشَّرع يحتاجُ إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فهو من الإيمانِ لهذا؛ لكونهِ باعثًا على فعل الطَّاعة وحاجزًا عن المعصيةِ، ولا يقال: رُبَّ حياءٍ يمنعُ عن قولِ الحقِّ أو فعل الخير؛ لأنَّ ذلك ليس شرعيًّا (فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغَّرًا، العَدَويُّ البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل: (مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ) قال في «الكواكب»: هي العلم الَّذي يبحثُ فيه أحوال حقائقِ الموجوداتِ، وقيل: العلم المُتْقَنُ الوافي (إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا) حلمًا ورزانةً (وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً) دعةً وسكونًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «السَّكينة» بزيادة الألف واللام (فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ) وفي رواية أبي قتادة (١) العدويِّ، عن عمران «أنَّ منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضَعْفٌ» وهذه الزِّيادةُ متعيِّنةٌ، ولأجلها غضبَ عمران، كما قاله في «الفتح». وقال في «الكواكب»: إنَّما غضبَ لأنَّ الحجَّة إنَّما هي في سنَّة رسول الله لا فيما (٢) يروى عن كتب الحكمةِ؛ لأنَّه لا يدري ما في حقيقتَها ولا يعرف صدقَها. وقال القرطبيُّ: إنَّما أنكرَ عليه من حيثُ إنَّه ساقه في معرضِ من يُعارض كلام النُّبوَّة بكلام غيره، وقيل: لكونه خاف أن يَخْلِط السُّنَّة بغيرها، وإلَّا فليس في ذكر السَّكينة والوقارِ ما يُنافي كونه خيرًا، وفي رواية أبي قتادة: فغضب عمران حتَّى احمرَّت عيناهُ، وقال: ألا أراني أحدِّثك عن رسولِ الله وتعارض فيه. قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد ذكر مسلمٌ في «مقدِّمة صحيحه» لبُشَير بن كعبٍ هذا قصَّة مع ابن عبَّاس تشعرُ بأنَّه كان يتساهلُ في الأخذِ عن كلِّ من لقيهُ. انتهى.

قلت: ولفظُ مسلمٍ عن مجاهد قال: جاء بُشَيرٌ العدويُّ إلى ابن عبَّاس فجعل يحدِّث ويقول: قال رسول الله ، قال رسول الله (٣)، فجعل لا يأذَنُ لحديثهِ ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عبَّاس ما لي لا أراك تسمعُ لحديثِي، أحدِّثك عن رسولِ الله ولا تسمعُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد