الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٢٨
الحديث رقم ٦٢٢٨ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٢٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الَّلاتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ.
٦٢٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٦٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ إِذْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَكْتُمُونَ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِئْنَاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا؛ الِاسْتِئْذَانُ بِتَنَحْنُحٍ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا تَتَنَحْنَحُوا أَوْ تَتَنَخَّمُوا، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الدَّارَ اسْتَأْنَسَ يَتَكَلَّمُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا السَّلَامُ، فَمَا الِاسْتِئْنَاسُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ وَيَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الِاسْتِئْنَاسُ هُوَ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا، فَالْأُولَى لِيَسْمَعَ، وَالثَّانِيَةُ لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ، وَالثَّالِثَةُ إِنْ شَاءُوا أَذِنُوا لَهُ وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا. وَالِاسْتِئْنَاسُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْإِينَاسِ وَهُوَ مِنَ الْأُنْسِ بِالضَّمِّ ضِدُّ الْوَحْشَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ، وَفِيهِ: فَقُلْتُ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَلَسَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَعْنَى تَسْتَأْنِسُوا تَسْتَبْصِرُوا لِيَكُونَ الدُّخُولُ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَا يُصَادِفُ حَالَةً يَكْرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهَا. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَّاءِ قَالَ: الِاسْتِئْنَاسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ انْظُرُوا مَنْ فِي الدَّارِ. وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ: مَعْنَاهُ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا بِأَنْ تُسَلِّمُوا. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ فِي لُغَةِ الْيَمَنِ الِاسْتِئْذَانُ وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَانَ يَقْرَأُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَيَقُولُ: أَخْطَأَ الْكَاتِبُ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ
طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَشْكَلَهُ وَكَذَا طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَنَاهَا عَلَى قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلَقَّاهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَّا اتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِالسِّينِ فَلِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ الَّذِي وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ عَمَّا يُوَافِقُهُ، وَكَانَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ مِنَ الْأَحْرُفِ الَّتِي تُرِكَتْ لِلْقِرَاءَةِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، يَعْنِي وَلَمْ يَطَّلِعِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ) هُوَ الْبَصْرِيُّ أَخُو الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَسَنِ) أَيْ لِأَخِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَ الْعَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُءُوسَهُنَّ، قَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: اصْرِفْ بَصَرَكَ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إِلَخْ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَكُونُ الْحَسَنُ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ قَتَادَةَ تَفْسِيرًا لَهَا، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ تَكُونُ تَرْجَمَةً مُسْتَأْنَفَةً وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْحَالَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ وُقُوعِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يُرِيدُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ النَّظَرَ إِلَيْهِ لَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَأَثَرُ قَتَادَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قَالَ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ تَخَلَّلَ أَثَرُ قَتَادَةَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَسَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الْآيَتَيْنِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الْآيَة، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
قَوْلُهُ: (خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ مِنِ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ نُونِ نُهِيَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَسَقَطَ لَفْظُ مِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ تَمُرُّ بِهِ أَوْ يَدْخُلُ بَيْتًا هِيَ فِيهِ فَإِذَا فُطِنَ لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَوَدُّ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا لَو زَنَى بِهَا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَعْنَى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ النَّظْرَةَ الْمُسْتَرِقَةَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَأَمَّا خَائِنَةُ الْأَعْيُنُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ فَهِيَ الْإِشَارَةُ بِالْعَيْنِ إِلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ لَكِنْ عَلَى خِلَافِ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا السُّكُوتُ الْمُشْعِرُ بِالتَّقْرِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عَنْهُ فَيَقْتُلُهُ، فَقَالُوا: هَلَّا أَوْمَأْتَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْصَرَ مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَذَرَ إِنْ رَأَى ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى يَشُدُّ بَعْضُهَا
بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يشتهي النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ لَا يَصْلُحُ إِلَخْ وَقَالَ: النَّظَرُ إِلَيْهِنَّ، وَسَقَطَ هَذَا الْأَثَرُ وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الْجَوَارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الْجَوَارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَوَصَلَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَزَادَ: اللَّاتِي يُطَافُ بِهِنَّ حَوْلَ الْبَيْتِ. قَالَ الْفَاكِهِيُّ: زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَبِّسُونَ الْجَارِيَةَ وَيَطُوفُونَ بِهَا مُسْفِرَةً حَوْلَ الْبَيْتِ لِيُشْهِرُوا أَمْرَهَا وَيُرَغِّبُوا النَّاسَ فِي شِرَائِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْفَضْلَ) هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِغَضِّ الْبَصَرِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ، قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ وَجْهَ الْفَضْلِ حَتَّى أَدْمَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِإِعْجَابِهِ بِهَا فَخَشِيَ الْفِتْنَةَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَفِيهِ مُغَالَبَةُ طِبَاعِ الْبَشَرِ لِابْنِ آدَمَ وَضَعْفُهُ عَمَّا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِنَّ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحِجَابِ مَا يَلْزَمُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَثْعَمِيَّةَ بِالِاسْتِتَارِ وَلَمَا صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا لَيْسَ فَرْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ رَآهُ الْغُرَبَاءُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ عَلَى الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ.
قُلْتُ: وَفِي اسْتِدْلَالِهِ بِقِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ لِمَا ادَّعَاهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً، وقَوْلُهُ: عَجُزُ رَاحِلَتِهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ بَعْدهَا زَايٌ أَيْ مُؤَخَّرُهَا، وقَوْلُهُ: وَضِيئًا: أَيْ لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَنَظَافَةِ صُورَتِهِ، وقَوْلُهُ: فَأَخْلَفَ يَدَهُ: أَيْ أَدَارَهَا مِنْ خَلْفِهِ، وقَوْلُهُ: بِذَقَنِ الْفَضْلِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا نُونٌ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ حِينَئِذٍ أَمْرَدَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا؛ فَإِنْ قِيلَ سَمَّاهُ رَجُلًا بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، قُلْنَا: بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصَفَ حَالَتَهُ حِينَئِذٍ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالْفَضْلُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ رَاهَقَ الِاحْتِلَامَ. قُلْتُ: وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَمَّهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْفَضْلَ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ لِيُصِيبَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا لِحْيَةَ لَهُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عَامِرٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَكَأَنَّ لِأَبِي عَامِرٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ زُهَيْرٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زُهَيْرٍ، وَقَدْ مَضَى فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (إِيَّاكُمْ) هُوَ لِلتَّحْذِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُلُوسَ) بِالنَّصْبِ، وقَوْلُهُ بِالطُّرُقَاتِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَهِيَ جَمْعُ الطُّرُقِ بِضَمَّتَيْنِ، وَطُرُقٌ جَمْعُ طَرِيقٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ جَمْعُ فِنَاءٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَنُونٍ وَمَدٍّ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الدَّارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ فَقَالَ: مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ، بِضَمِّ الصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ صَعِيدٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، زَادَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَإِنَّهَا سَبِيلٌ مِنْ سَبِيلِ الشَّيْطَانِ أَوِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا)، قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّرْغِيبِ وَالْأَوْلَى، إِذْ لَوْ فَهِمُوا الْوُجُوبَ لَمْ يُرَاجِعُوهُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةَ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْأَوَامِرَ عَلَى الْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا رَجَوْا وُقُوعَ النَّسْخِ تَخْفِيفًا لِمَا شَكَوْا مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهَا عَزْمَةٌ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: فَقَالُوا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ قَعَدْنَا نَتَحَدَّثُ وَنَتَذَاكَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِذَا أَبَيْتُمْ بِحَذْفِ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمَجْلِسَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا بِلَفْظِ إِلَّا بِالتَّشْدِيدِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ: فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَتَيْتُمْ وَبِتَخْفِيفِ اللَّامِ مِنْ إِلَى، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ لِلْجَمِيعِ هُنَاكَ هَكَذَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ كَالَّذِي هُنَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: إِمَّا لَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَلَا نَافِيَةٌ وَهِيَ مُمَالَةٌ فِي الرِّوَايَةِ وَيَجُوزُ تَرْكُ الْإِمَالَةِ.
وَمَعْنَاهُ إِلَّا تَتْرُكُوا ذَلِكَ فَافْعَلُوا كَذَا، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:
افْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ كَذَا،
وَدَخَلَتْ مَا صِلَةٌ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا، وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ: حَقَّهَا، وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَمَنْ جَلَسَ مِنْكُمْ عَلَى الصَّعِيدِ فَلْيُعْطِهِ حَقَّهُ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟) فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهُ.
قَوْلُهُ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، وَزَادَ: وَحُسْنُ الْكَلَامِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ وَزَادَ: وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتُهْدُوا الضَّالَّ، وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّارِ بِلَفْظِ: وَإِرْشَادُ الضَّالِّ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: اهْدُوا السَّبِيلَ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَأَعِينُوا عَلَى الْحَمُولَةِ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَفِي حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَاهْدُوا الْأَغْبِيَاءَ وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ. وَمَجْمُوعُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمْتُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ وَهِيَ:
جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا
افْشُ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّـ … ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا واهْدِ حَيْرَانَا
بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَعْنَى عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ بِخُطُورِ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ وَخَوْفِ مَا يَلْحَقُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُمْنَعِ النِّسَاءُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الشَّوَارِعِ لِحَوَائِجِهِنَّ، وَمِنَ التَّعَرُّضِ لِحُقُوقِ اللَّهِ
وَلِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ وَحَيْثُ لَا يَنْفَرِدُ أَوْ يَشْتَغِلُ بِمَا يَلْزَمهُ، وَمِنْ رُؤْيَةِ الْمَنَاكِيرِ وَتَعْطِيلِ الْمَعَارِفِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عِنْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا يَتَعَرَّضُ لِمَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ فَيَعْجِزُ عَنِ الرَّدِّ عَلَى كُلِّ مَارٍّ، وَرَدُّهُ فَرْضٌ فَيَأْثَمُ، وَالْمَرْءُ مَأْمُورٌ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْفِتَنِ وَإِلْزَامِ نَفْسِهِ مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ، فَنَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ ضَرُورَتَهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ تَعَاهُدِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُذَاكَرَتِهِمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَتَرْوِيحِ النُّفُوسِ بِالْمُحَادَثَةِ فِي الْمُبَاحِ دَلَّهُمْ عَلَى مَا يُزِيلُ الْمَفْسَدَةَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْآدَابِ الْمَذْكُورَةِ شَوَاهِدُ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى: فَأَمَّا إِفْشَاءُ السَّلَامِ فَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَأَمَّا إِحْسَانُ الْكَلَامِ فَقَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ نَدْبٌ إِلَى حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِنَّ الْجَالِسَ عَلَى الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِمْ وَوَجْهِ طُرُقِهِمْ فَيَجِبُ أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَا يَتَلَقَّاهُمْ بِالضَّجَرِ وَخُشُونَةِ اللَّفْظِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَفِّ الْأَذَى.
قُلْتُ: وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ هَانِئٍ رَفَعَهُ: مِنْ مُوجِبَاتِ الْجَنَّةِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: فِي الْجَنَّةِ غُرَفٌ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ. الْحَدِيثَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَفَعَهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدٌ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
وَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فَمَضَى مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ فَسَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا، وَأَمَّا الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْحَمْلِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ: وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَيْهَا وَيَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةً، وَأَمَّا إِعَانَةُ الْمَظْلُومِ فَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَرِيبًا، وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَأَمَّا إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِيهِ: وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةَ الْمَلْهُوفَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ.
وَأَخْرَجَ الْمُرْهِبِيُّ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ فِي حَدِيثِ: وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلَحَ مِنْهُ: وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ، وَأَمَّا إِرْشَادُ السَّبِيلِ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ صَدَقَةٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ: مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً أَوْ هَدَّى زُقَاقًا كَانَ لَهُ عِدْلُ عِتْقِ نَسَمَةٍ، وَهَدَّى بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، وَالزُّقَاقُ بِضَمِّ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَآخِرَهُ قَافٌ مَعْرُوفٌ، وَالْمُرَادُ مَنْ دَلَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ عَلَيْهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى دُخُولِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: وَيُسْمِعُ الْأَصَمَّ وَيَهْدِي الْأَعْمَى وَيَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَأَمَّا هِدَايَةُ الْحَيْرَانِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَفِيهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا: وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَأَمَّا كَفُّ الْأَذَى فَالْمُرَادُ بِهِ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْمَارَّةِ بِأَنْ لَا يَجْلِسَ حَيْثُ يَضِيقُ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ أَوْ عَلَى بَابِ مَنْزِلِ مَنْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ أَوْ حَيْثُ يَكْشِفُ عِيَالَهُ أَوْ مَا يُرِيدُ التَّسَتُّرَ بِهِ مِنْ حَالِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَفَّ أَذَى النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
انْتَهَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ: فَكُفَّ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَكَ الصَّدَقَةُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَأَمَّا غَضُّ الْبَصَرِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَمَّا كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ فَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ يَأْتِي بَعْضُهَا فِي الدَّعَوَاتِ.
٣ - بَاب السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة المخففة، قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أركبه (يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ) في حجَّة الوداع، و «عَجُز» بفتح العين المهملة وضم الجيم بعدها زاي، أي: مؤخِّرها (وَكَانَ الفَضْلُ) ﵁ (رَجُلًا وَضِيئًا) من الوضاءةِ، وهي الجمالُ والحسن (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة، قبيلةٌ مشهورةٌ (وَضِيئَةٌ) لحسنها وجمالها (تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَفِقَ الفَضْلُ) فجعلَ الفضل (يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ) ﵊ (بِيَدِهِ) بهمزة مفتوحة وخاء معجمة ساكنة وبعد اللام فاء، أي: مدَّها إلى خلفهِ (فَأَخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ) بفتح الذال المعجمة والقاف (فَعَدَلَ) بتخفيف الدال (وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا) حين علمَ بإدامةِ نظرهِ إليها أنَّه أعجبه حُسنها، فخشيَ عليه فتنةَ الشَّيطان، ففيه حرمة النَّظر إلى الأجنبيَّات (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو بهذه الصِّفة، وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: وإن شددتُه على الرَّاحلة خشيتُ أن أقتلَه (فَهَلْ يَقْضِي) يَجزِي (عَنْهُ) الحجُّ (أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟) نيابةً (قَالَ: نَعَمْ) يجزي. وفي الحديث: غضُّ البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنَّه إذا أَمِنَت الفتنة لم يمتنع؛ لأنَّه لم يحوِّل وجه الفضل حتَّى أدمن النَّظر إليها؛ لإعجابهِ بها فخُشي عليه الفتنة.
والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «باب الحجِّ (١) عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٤].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الَّلاتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ.
٦٢٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٦٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ إِذْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَكْتُمُونَ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِئْنَاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا؛ الِاسْتِئْذَانُ بِتَنَحْنُحٍ وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا تَتَنَحْنَحُوا أَوْ تَتَنَخَّمُوا، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الدَّارَ اسْتَأْنَسَ يَتَكَلَّمُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا السَّلَامُ، فَمَا الِاسْتِئْنَاسُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ وَيَتَنَحْنَحُ فَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الِاسْتِئْنَاسُ هُوَ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا، فَالْأُولَى لِيَسْمَعَ، وَالثَّانِيَةُ لِيَتَأَهَّبُوا لَهُ، وَالثَّالِثَةُ إِنْ شَاءُوا أَذِنُوا لَهُ وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا. وَالِاسْتِئْنَاسُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْإِينَاسِ وَهُوَ مِنَ الْأُنْسِ بِالضَّمِّ ضِدُّ الْوَحْشَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ اعْتِزَالِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ، وَفِيهِ: فَقُلْتُ أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَلَسَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَعْنَى تَسْتَأْنِسُوا تَسْتَبْصِرُوا لِيَكُونَ الدُّخُولُ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَلَا يُصَادِفُ حَالَةً يَكْرَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهَا. وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَّاءِ قَالَ: الِاسْتِئْنَاسُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ انْظُرُوا مَنْ فِي الدَّارِ. وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ: مَعْنَاهُ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا بِأَنْ تُسَلِّمُوا. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ فِي لُغَةِ الْيَمَنِ الِاسْتِئْذَانُ وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَانَ يَقْرَأُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَيَقُولُ: أَخْطَأَ الْكَاتِبُ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا.
وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ
طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنُوا وَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَشْكَلَهُ وَكَذَا طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَنَاهَا عَلَى قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلَقَّاهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَّا اتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِالسِّينِ فَلِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ الَّذِي وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ عَمَّا يُوَافِقُهُ، وَكَانَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ مِنَ الْأَحْرُفِ الَّتِي تُرِكَتْ لِلْقِرَاءَةِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ، يَعْنِي وَلَمْ يَطَّلِعِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ) هُوَ الْبَصْرِيُّ أَخُو الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَسَنِ) أَيْ لِأَخِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ نِسَاءَ الْعَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُءُوسَهُنَّ، قَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: اصْرِفْ بَصَرَكَ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إِلَخْ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَكُونُ الْحَسَنُ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ. وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ قَتَادَةَ تَفْسِيرًا لَهَا، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ تَكُونُ تَرْجَمَةً مُسْتَأْنَفَةً وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْحَالَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ وُقُوعِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يُرِيدُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ النَّظَرَ إِلَيْهِ لَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ النَّظَرُ إِلَى النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَأَثَرُ قَتَادَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قَالَ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ تَخَلَّلَ أَثَرُ قَتَادَةَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَسَقَطَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الْآيَتَيْنِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الْآيَة، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
قَوْلُهُ: (خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ مِنِ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ نُونِ نُهِيَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَسَقَطَ لَفْظُ مِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ تَمُرُّ بِهِ أَوْ يَدْخُلُ بَيْتًا هِيَ فِيهِ فَإِذَا فُطِنَ لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَوَدُّ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا لَو زَنَى بِهَا، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مَعْنَى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ النَّظْرَةَ الْمُسْتَرِقَةَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ، وَأَمَّا خَائِنَةُ الْأَعْيُنُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ فَهِيَ الْإِشَارَةُ بِالْعَيْنِ إِلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ لَكِنْ عَلَى خِلَافِ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا السُّكُوتُ الْمُشْعِرُ بِالتَّقْرِيرِ فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدَيَّ عَنْهُ فَيَقْتُلُهُ، فَقَالُوا: هَلَّا أَوْمَأْتَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْصَرَ مِنْهُ وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَذَرَ إِنْ رَأَى ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى يَشُدُّ بَعْضُهَا
بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يشتهي النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ لَا يَصْلُحُ إِلَخْ وَقَالَ: النَّظَرُ إِلَيْهِنَّ، وَسَقَطَ هَذَا الْأَثَرُ وَالَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الْجَوَارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ الْجَوَارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَوَصَلَهُ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَزَادَ: اللَّاتِي يُطَافُ بِهِنَّ حَوْلَ الْبَيْتِ. قَالَ الْفَاكِهِيُّ: زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يُلَبِّسُونَ الْجَارِيَةَ وَيَطُوفُونَ بِهَا مُسْفِرَةً حَوْلَ الْبَيْتِ لِيُشْهِرُوا أَمْرَهَا وَيُرَغِّبُوا النَّاسَ فِي شِرَائِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْفَضْلَ) هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِغَضِّ الْبَصَرِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ، قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ وَجْهَ الْفَضْلِ حَتَّى أَدْمَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِإِعْجَابِهِ بِهَا فَخَشِيَ الْفِتْنَةَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَفِيهِ مُغَالَبَةُ طِبَاعِ الْبَشَرِ لِابْنِ آدَمَ وَضَعْفُهُ عَمَّا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِنَّ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحِجَابِ مَا يَلْزَمُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَثْعَمِيَّةَ بِالِاسْتِتَارِ وَلَمَا صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا لَيْسَ فَرْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ رَآهُ الْغُرَبَاءُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ عَلَى الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ.
قُلْتُ: وَفِي اسْتِدْلَالِهِ بِقِصَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ لِمَا ادَّعَاهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً، وقَوْلُهُ: عَجُزُ رَاحِلَتِهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ بَعْدهَا زَايٌ أَيْ مُؤَخَّرُهَا، وقَوْلُهُ: وَضِيئًا: أَيْ لِحُسْنِ وَجْهِهِ وَنَظَافَةِ صُورَتِهِ، وقَوْلُهُ: فَأَخْلَفَ يَدَهُ: أَيْ أَدَارَهَا مِنْ خَلْفِهِ، وقَوْلُهُ: بِذَقَنِ الْفَضْلِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ بَعْدَهَا نُونٌ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ حِينَئِذٍ أَمْرَدَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا؛ فَإِنْ قِيلَ سَمَّاهُ رَجُلًا بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، قُلْنَا: بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصَفَ حَالَتَهُ حِينَئِذٍ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالْفَضْلُ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ رَاهَقَ الِاحْتِلَامَ. قُلْتُ: وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَمَّهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْفَضْلَ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ لِيُصِيبَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا لِحْيَةَ لَهُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا. الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عَامِرٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَكَأَنَّ لِأَبِي عَامِرٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ زُهَيْرٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زُهَيْرٍ، وَقَدْ مَضَى فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (إِيَّاكُمْ) هُوَ لِلتَّحْذِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُلُوسَ) بِالنَّصْبِ، وقَوْلُهُ بِالطُّرُقَاتِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَهِيَ جَمْعُ الطُّرُقِ بِضَمَّتَيْنِ، وَطُرُقٌ جَمْعُ طَرِيقٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ جَمْعُ فِنَاءٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَنُونٍ وَمَدٍّ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ أَمَامَ الدَّارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ فَقَالَ: مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ، بِضَمِّ الصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ صَعِيدٍ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، زَادَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَإِنَّهَا سَبِيلٌ مِنْ سَبِيلِ الشَّيْطَانِ أَوِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا)، قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ التَّرْغِيبِ وَالْأَوْلَى، إِذْ لَوْ فَهِمُوا الْوُجُوبَ لَمْ يُرَاجِعُوهُ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةَ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْأَوَامِرَ عَلَى الْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا رَجَوْا وُقُوعَ النَّسْخِ تَخْفِيفًا لِمَا شَكَوْا مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهَا عَزْمَةٌ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: فَقَالُوا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ قَعَدْنَا نَتَحَدَّثُ وَنَتَذَاكَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِذَا أَبَيْتُمْ بِحَذْفِ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا الْمَجْلِسَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا بِلَفْظِ إِلَّا بِالتَّشْدِيدِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَظَالِمِ بِلَفْظِ: فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ بِالْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَتَيْتُمْ وَبِتَخْفِيفِ اللَّامِ مِنْ إِلَى، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ لِلْجَمِيعِ هُنَاكَ هَكَذَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَاكَ كَالَّذِي هُنَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: إِمَّا لَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَلَا نَافِيَةٌ وَهِيَ مُمَالَةٌ فِي الرِّوَايَةِ وَيَجُوزُ تَرْكُ الْإِمَالَةِ.
وَمَعْنَاهُ إِلَّا تَتْرُكُوا ذَلِكَ فَافْعَلُوا كَذَا، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:
افْعَلْ كَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلُ كَذَا،
وَدَخَلَتْ مَا صِلَةٌ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا، وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ: حَقَّهَا، وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَمَنْ جَلَسَ مِنْكُمْ عَلَى الصَّعِيدِ فَلْيُعْطِهِ حَقَّهُ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟) فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهُ.
قَوْلُهُ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، وَزَادَ: وَحُسْنُ الْكَلَامِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ وَزَادَ: وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا فِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتُهْدُوا الضَّالَّ، وَهُوَ عِنْدَ الْبَزَّارِ بِلَفْظِ: وَإِرْشَادُ الضَّالِّ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ: اهْدُوا السَّبِيلَ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَأَعِينُوا عَلَى الْحَمُولَةِ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَفِي حَدِيثِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَاهْدُوا الْأَغْبِيَاءَ وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ. وَمَجْمُوعُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَدَبًا وَقَدْ نَظَمْتُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ وَهِيَ:
جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا
افْشُ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّـ … ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا واهْدِ حَيْرَانَا
بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَعْنَى عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ بِخُطُورِ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ وَخَوْفِ مَا يَلْحَقُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُمْنَعِ النِّسَاءُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الشَّوَارِعِ لِحَوَائِجِهِنَّ، وَمِنَ التَّعَرُّضِ لِحُقُوقِ اللَّهِ
وَلِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ وَحَيْثُ لَا يَنْفَرِدُ أَوْ يَشْتَغِلُ بِمَا يَلْزَمهُ، وَمِنْ رُؤْيَةِ الْمَنَاكِيرِ وَتَعْطِيلِ الْمَعَارِفِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عِنْدَ ذَلِكَ.
فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا يَتَعَرَّضُ لِمَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ فَيَعْجِزُ عَنِ الرَّدِّ عَلَى كُلِّ مَارٍّ، وَرَدُّهُ فَرْضٌ فَيَأْثَمُ، وَالْمَرْءُ مَأْمُورٌ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْفِتَنِ وَإِلْزَامِ نَفْسِهِ مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ، فَنَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلَى تَرْكِ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ ضَرُورَتَهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ تَعَاهُدِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُذَاكَرَتِهِمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَصَالِحِ الدُّنْيَا وَتَرْوِيحِ النُّفُوسِ بِالْمُحَادَثَةِ فِي الْمُبَاحِ دَلَّهُمْ عَلَى مَا يُزِيلُ الْمَفْسَدَةَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْآدَابِ الْمَذْكُورَةِ شَوَاهِدُ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى: فَأَمَّا إِفْشَاءُ السَّلَامِ فَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَأَمَّا إِحْسَانُ الْكَلَامِ فَقَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ نَدْبٌ إِلَى حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِنَّ الْجَالِسَ عَلَى الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِمْ وَوَجْهِ طُرُقِهِمْ فَيَجِبُ أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ بِالْجَمِيلِ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَا يَتَلَقَّاهُمْ بِالضَّجَرِ وَخُشُونَةِ اللَّفْظِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كَفِّ الْأَذَى.
قُلْتُ: وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ هَانِئٍ رَفَعَهُ: مِنْ مُوجِبَاتِ الْجَنَّةِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: فِي الْجَنَّةِ غُرَفٌ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ. الْحَدِيثَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَفَعَهُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدٌ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
وَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فَمَضَى مَبْسُوطًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ، وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ فَسَيَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا، وَأَمَّا الْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْحَمْلِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. الْحَدِيثَ؛ وَفِيهِ: وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَيْهَا وَيَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةً، وَأَمَّا إِعَانَةُ الْمَظْلُومِ فَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَرِيبًا، وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَأَمَّا إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِيهِ: وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةَ الْمَلْهُوفَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ.
وَأَخْرَجَ الْمُرْهِبِيُّ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ فِي حَدِيثِ: وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلَحَ مِنْهُ: وَاللَّهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ، وَأَمَّا إِرْشَادُ السَّبِيلِ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ صَدَقَةٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ: مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً أَوْ هَدَّى زُقَاقًا كَانَ لَهُ عِدْلُ عِتْقِ نَسَمَةٍ، وَهَدَّى بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ، وَالزُّقَاقُ بِضَمِّ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ وَآخِرَهُ قَافٌ مَعْرُوفٌ، وَالْمُرَادُ مَنْ دَلَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ عَلَيْهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى دُخُولِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: وَيُسْمِعُ الْأَصَمَّ وَيَهْدِي الْأَعْمَى وَيَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وَأَمَّا هِدَايَةُ الْحَيْرَانِ فَلَهُ شَاهِدٌ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَفِيهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا: وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَأَمَّا كَفُّ الْأَذَى فَالْمُرَادُ بِهِ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْمَارَّةِ بِأَنْ لَا يَجْلِسَ حَيْثُ يَضِيقُ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقُ أَوْ عَلَى بَابِ مَنْزِلِ مَنْ يَتَأَذَّى بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ أَوْ حَيْثُ يَكْشِفُ عِيَالَهُ أَوْ مَا يُرِيدُ التَّسَتُّرَ بِهِ مِنْ حَالِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَفَّ أَذَى النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
انْتَهَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ: فَكُفَّ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَكَ الصَّدَقَةُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَأَمَّا غَضُّ الْبَصَرِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، وَأَمَّا كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ فَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ يَأْتِي بَعْضُهَا فِي الدَّعَوَاتِ.
٣ - بَاب السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة المخففة، قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أركبه (يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ) في حجَّة الوداع، و «عَجُز» بفتح العين المهملة وضم الجيم بعدها زاي، أي: مؤخِّرها (وَكَانَ الفَضْلُ) ﵁ (رَجُلًا وَضِيئًا) من الوضاءةِ، وهي الجمالُ والحسن (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة، قبيلةٌ مشهورةٌ (وَضِيئَةٌ) لحسنها وجمالها (تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَفِقَ الفَضْلُ) فجعلَ الفضل (يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ) ﵊ (بِيَدِهِ) بهمزة مفتوحة وخاء معجمة ساكنة وبعد اللام فاء، أي: مدَّها إلى خلفهِ (فَأَخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ) بفتح الذال المعجمة والقاف (فَعَدَلَ) بتخفيف الدال (وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا) حين علمَ بإدامةِ نظرهِ إليها أنَّه أعجبه حُسنها، فخشيَ عليه فتنةَ الشَّيطان، ففيه حرمة النَّظر إلى الأجنبيَّات (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو بهذه الصِّفة، وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: وإن شددتُه على الرَّاحلة خشيتُ أن أقتلَه (فَهَلْ يَقْضِي) يَجزِي (عَنْهُ) الحجُّ (أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟) نيابةً (قَالَ: نَعَمْ) يجزي. وفي الحديث: غضُّ البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنَّه إذا أَمِنَت الفتنة لم يمتنع؛ لأنَّه لم يحوِّل وجه الفضل حتَّى أدمن النَّظر إليها؛ لإعجابهِ بها فخُشي عليه الفتنة.
والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «باب الحجِّ (١) عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٤].