«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَمَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٥٢

الحديث رقم ٦٦٥٢ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من حلف بملة سوى ملة الإسلام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٥٢ في صحيح البخاري

«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ.»

بَابٌ: لَا يَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ

إسناد حديث رقم ٦٦٥٢ من صحيح البخاري

٦٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٥٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«سوى ملَّةِ الإسلام» كاليهوديَّةِ والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة والصَّابئة وأهلِ الأديان والدُّهريَّة والمعطِّلة وعبدةِ الشَّياطين والملائكة، هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟ (وَقَالَ النَّبِيُّ ) في الحديث السَّابق [خ¦٦٦٥٠] قبلُ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ) (إِلَى الكُفْرِ) لأنَّه اقتصرَ على الأمرِ بقول (١): «لا إلهِ إلَّا الله» ولو كان ذلك يقتضِي الكفر؛ لأَمَرهُ بتمامِ الشَّهادتين.

٦٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ أبو الهيثم، الحافظُ أخو بُهْزٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة، عبدِ الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ، وهو ممَّن بايعَ تحت الشَّجرةِ ، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ) كأن يقول: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبيِّ ، ولمسلم: «مَن حلَفَ علَى يمينٍ بملَّةٍ غيرِ الإسْلَام» و «على» بمعنى الباء، أو التَّقدير (٢): مَن حلَفَ على شيءٍ بيمينٍ، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ: «على» بعد حذف الباء، وفي «كتاب الجنائز» من البخاريِّ [خ¦١٣٦٣]، من طريق خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة: «من حلفَ بملَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا متعمِّدًا» وجواب الشَّرط قوله: (فَهْوَ كَمَا قَالَ) و «هو» مبتدأٌ، و «كما قال» في موضعِ الخبرِ، أي: فهو كائنٌ كما قال، وظاهرُه أنَّه يكفرُ بذلك، ويحتملُ أن يكون المراد التَّهديد والمبالغة في الوعيدِ لا الحكم، كأنَّه قال: فهو مستحقٌّ مثل عذابِ من اعتقدَ ما قال، والتَّحقيق أنَّه لا تنعقدُ يمينهُ ولا يكفرُ إن قصدَ تبعيدَ نفسهِ عن الفعلِ، أو أطلقَ، كما اقتضاهُ كلام النَّوويِّ في «الأذكار»: وليقل: لا إله إلَّا الله، ويستغفرُ ولا كفَّارة عليه، وهل يحرمُ ذلك عليه (٣) أو يكره

تنزيهًا؟ المشهور الثَّاني، وإن قصد الرِّضا بذلك إذا فعله فهو كافرٌ في الحال، وقوله: «كاذبًا متعمِّدًا» يستفادُ منه أنَّ الحالفَ المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيمِ ما لا يعتقدُ تعظيمهُ لم يكفرْ، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملَّة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرَّد التَّعظيم لها باعتبارِ ما كان قبلَ النَّسخ فلا يكفرُ.

(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) ولمسلم: «بحديدَةٍ» (عُذِّبَ بِهِ) بذلك الَّذي قتلَ نفسه به (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهو من باب مجانسَةِ العقوباتِ الأُخْرويَّة للجناياتِ الدُّنيويَّة، وفيه أنَّ جنايةَ الإنسان على نفسهِ كجنايتهِ على غيرِه في الإثمِ؛ لأنَّ نفسَه ليستْ ملكًا له (١) مطلقًا، بل هي للَّهِ، فلا يتصرَّف فيها إلَّا فيما أَذِنَ فيه (وَلَعْنُ المُؤْمِنِ) بأن يدعوَ عليه باللَّعن (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم أو العقابِ، وأبدَى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في ذلك سؤالًا، وهو أن يقال: إمَّا أن يكون كقتلهِ في أحكام الدُّنيا، أو في أحكامِ الآخرةِ، لا سبيلَ إلى الأوَّل؛ لأنَّ قتلَه يوجبُ القصاصَ، ولعنُه لا يوجبُ ذلك، وأمَّا أحكامُ الآخرة فإمَّا أن يرادَ التَّساوي في الإثمِ، أو في العقابِ، وكلاهما مشكلٌ؛ لأنَّ الإثمَ يتفاوتُ بتفاوتِ مَفْسَدةِ الفعل، وليس إذهابُ الرُّوح في المفسدةِ كمفسدةِ الأذى باللَّعن، وكذلك العقابُ يتفاوتُ بحسب تفاوتِ الجرائمِ، وقال المازَريُّ -فيما نقله عنه القاضِي عياض-: الظَّاهر من الحديث تشبيههُ في الإثمِ وهو تشبيهٌ واقعٌ؛ لأنَّ اللَّعنة قطعٌ عن الرَّحمة، والموت قطعٌ عن التَّصرُّف.

قال القاضِي عياض: وقيل: لَعْنُه يقتضِي قصدَ إخراجهِ من المسلمين، ومنعَهم منافعَهُ، وتكثيرَ عددِهم به، كما لو قتلهُ، وقيل: لعنهُ يقتضِي قطعَ منافعهِ الأخرويَّة عنه، وبُعْدَه بإجابةِ لعنه، وهو كمن قُتِلَ في الدُّنيا وقُطِعَت عنه منافعُه فيها، وقيل: معناهُ: استواؤهما في التَّحريم.

قال في «المصابيح»: هذا يحتاجُ إلى تخليصٍ ونظرٍ، فأمَّا ما حكاهُ عن المازَرِيِّ من أنَّ الظَّاهر من الحديثِ تشبيههُ في الإثمِ، وكذلك ما حكاهُ من أنَّ معناهُ: استواؤهمَا في التَّحريم، فهذَا يحتملُ أمرين، أحدُهما: أنَّ يقعَ التَّشبيه والاستواء في أصلِ التَّحريم والإثم، والثَّاني:

أن يقعَ في مقدار الإثم، فأمَّا الأوَّل فلا ينبغي أن يحملَ عليه؛ لأنَّ كلَّ معصيةِ قلَّتْ أو عظمَتْ فهي مشابهةٌ ومساويةٌ للقتلِ في أصلِ التَّحريم، ولا يَبقى في الحديثِ كبيرُ فائدةٍ مع أنَّ المفهوم منه تعظيمُ أمر اللَّعنة بتشبيهها بالقتلِ، وأمَّا الثَّاني فقد بيَّنَّا ما فيهِ من الإشكالِ، وهو التَّفاوت في المفسدةِ بين إزهاقِ الرَّوح وبين الأذَى باللَّعنةِ.

وأمَّا ما حكاهُ الإمام المازَريُّ من أنَّ اللَّعنة قطعُ الرَّحمة، والموت قطعُ التَّصرُّف، فالكلامُ عليه من وجهين: أحدهما: أن نقول: اللَّعنة قد تطلقُ على نفسِ الإبعاد الَّذي هو فعلُ الله، وعلى هذا يقعُ فيه التَّشبيه، والثَّاني: أن تطلقَ اللَّعنةُ على فعل اللَّاعن، وهو طلبه لذلك الإبعادِ، فقوله: «لعنهُ الله» مثلًا ليس بقطع عن الرَّحمة بنفسهِ ما لم تتَّصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطعِ التَّصرُّف، ويكون نظيرُهُ التَّسبُّب إلى القتلِ، غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التَّسبُّب إلى القتل بمباشرةِ مقدِّمات تقضِي إلى الموت بمطَّرد العادة، فلو كانتْ مباشرة اللَّعنة مقتضية إلى الإبعادِ الَّذي هو اللَّعن دائمًا؛ لاستوى اللَّعن مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ أو زاد عليه (١)، وبهذا يتبيَّنُ لك الإيرادُ على ما حكاهُ القاضِي من أنَّ لعنهُ له يقتضِي قصدَ إخراجهِ عن جماعةِ المسلمين كما لو قتلَه، فإنَّ قصدَ إخراجهِ لا يستلزمُ إخراجَه، كما تستلزمُ مقدِّمات القتلِ (٢)، وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنه يقتضِي قطعَ منافعهِ الأُخرويَّة عنه إنَّما يحصلُ ذلك بإجابةِ الدَّعوة، وقد لا يجابُ في كثيرٍ من الأوقاتِ، فلا يحصلُ انقطاعُه عن منافعهِ، كما يحصُلُ بقتلهِ، ولا يستوي القصدُ (٣) إلى القطعِ بطلبِ الإجابةِ مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ المفضيةِ إليه في مُطَّرد العادةِ، والَّذي يُمكن أن يُقَرَّر به ظاهرُ الحديثِ في استوائهمَا في الإثمِ أنَّا نقولُ: لا نسلِّم أنَّ مفسدةَ اللَّعنِ مُجرَّدُ أذاهُ بل فيها مع ذلكَ تعريضُهُ لإجابةِ الدَّعوة فيه بمُوافقةِ ساعَةٍ لا يسألُ الله فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ، كما دلَّ عليهِ الحديثُ من قولهِ : «لا تدعُوا على أنفسِكُم، ولَا تدعُوا على أموالِكُم، ولَا تدعُوا على أولادِكُم، لا توافقوا (٤) ساعة» الحديث، وإذا كان عرَّضَه (٥)

باللَّعنة لذلك (١) ووقعت الإجابةُ وإبعادُه من رحمة الله، كان ذلك أعظمَ من قتلهِ؛ لأنَّ القتلَ تفويتُ الحياةِ الفانيةِ قطعًا، والإبعادُ من رحمةِ الله أعظمُ ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظمُ الضَّررين على سبيلِ الاحتمالِ مساويًا ومقاربًا لأخَفِّهما على سبيلِ التَّحقيق، ومقاديرُ المصالحِ والمفاسدِ، وأعدادُهُما أمرٌ لا سبيل للبشرِ إلى الاطِّلاع على حقائقهِ. انتهى.

وزاد في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] من البخاريِّ من طريق عليِّ بن المبارك، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي قلابةَ: «وليسَ على ابنِ آدمَ نذرٌ فيمَا لا يملكُ» ولمسلم: «ومَن حلَفَ علَى يمينِ صَبْرٍ، وهو فيهَا فاجرٌ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، لقيَ اللهَ يوم القيامةِ وهوَ عليهِ غضبان، ومَن ادَّعى دَعوى كاذبةٍ ليتكثَّرَ (٢) بها لم يزدْه اللهُ إلَّا قلَّة» (وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ).

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يَقُولُ) الشَّخص في كلامه: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) بفتح التاء في الفرعِ كأصلهِ، وفي غيرِهما بضمِّها على صيغةِ المتكلِّم من الماضِي، وإنَّما منعَ من ذلك؛ لأنَّ فيه تشريكًا في مشيئةِ الله تعالى، وهي منفردةٌ بالله بالحقيقةِ، وإذا نُسِبَتْ لغيرهِ فبطريق المجاز، وفي حديث النَّسائيِّ وابنِ ماجه من روايةِ يزيدَ بن الأصمِّ، عن ابن عبَّاس رفعه: «إذا حلَفَ أحدُكُم فلَا يقُلْ: مَا شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ يقولُ: مَا شاءَ اللهُ ثمَّ شئتَ» قال الخطَّابيُّ: أرشدَهم إلى الأدبِ في تقديمِ مشيئةِ الله على مشيئةِ من سواهُ، واختارها بـ «ثمَّ» الَّتي هي للنَّسق والتَّراخي، بخلاف الواو الَّتي هي للاشتراكِ (وَهَلْ يَقُولُ) الشَّخص: (أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟) نعم يجوزُ؛ لأنَّ «ثمَّ» اقتضتْ سبقيَّة مشيئةِ الله على مشيئةِ غيرهِ (٣).

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«سوى ملَّةِ الإسلام» كاليهوديَّةِ والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة والصَّابئة وأهلِ الأديان والدُّهريَّة والمعطِّلة وعبدةِ الشَّياطين والملائكة، هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟ (وَقَالَ النَّبِيُّ ) في الحديث السَّابق [خ¦٦٦٥٠] قبلُ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ) (إِلَى الكُفْرِ) لأنَّه اقتصرَ على الأمرِ بقول (١): «لا إلهِ إلَّا الله» ولو كان ذلك يقتضِي الكفر؛ لأَمَرهُ بتمامِ الشَّهادتين.

٦٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ أبو الهيثم، الحافظُ أخو بُهْزٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة، عبدِ الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ، وهو ممَّن بايعَ تحت الشَّجرةِ ، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ) كأن يقول: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبيِّ ، ولمسلم: «مَن حلَفَ علَى يمينٍ بملَّةٍ غيرِ الإسْلَام» و «على» بمعنى الباء، أو التَّقدير (٢): مَن حلَفَ على شيءٍ بيمينٍ، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ: «على» بعد حذف الباء، وفي «كتاب الجنائز» من البخاريِّ [خ¦١٣٦٣]، من طريق خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة: «من حلفَ بملَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا متعمِّدًا» وجواب الشَّرط قوله: (فَهْوَ كَمَا قَالَ) و «هو» مبتدأٌ، و «كما قال» في موضعِ الخبرِ، أي: فهو كائنٌ كما قال، وظاهرُه أنَّه يكفرُ بذلك، ويحتملُ أن يكون المراد التَّهديد والمبالغة في الوعيدِ لا الحكم، كأنَّه قال: فهو مستحقٌّ مثل عذابِ من اعتقدَ ما قال، والتَّحقيق أنَّه لا تنعقدُ يمينهُ ولا يكفرُ إن قصدَ تبعيدَ نفسهِ عن الفعلِ، أو أطلقَ، كما اقتضاهُ كلام النَّوويِّ في «الأذكار»: وليقل: لا إله إلَّا الله، ويستغفرُ ولا كفَّارة عليه، وهل يحرمُ ذلك عليه (٣) أو يكره

تنزيهًا؟ المشهور الثَّاني، وإن قصد الرِّضا بذلك إذا فعله فهو كافرٌ في الحال، وقوله: «كاذبًا متعمِّدًا» يستفادُ منه أنَّ الحالفَ المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيمِ ما لا يعتقدُ تعظيمهُ لم يكفرْ، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملَّة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرَّد التَّعظيم لها باعتبارِ ما كان قبلَ النَّسخ فلا يكفرُ.

(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) ولمسلم: «بحديدَةٍ» (عُذِّبَ بِهِ) بذلك الَّذي قتلَ نفسه به (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهو من باب مجانسَةِ العقوباتِ الأُخْرويَّة للجناياتِ الدُّنيويَّة، وفيه أنَّ جنايةَ الإنسان على نفسهِ كجنايتهِ على غيرِه في الإثمِ؛ لأنَّ نفسَه ليستْ ملكًا له (١) مطلقًا، بل هي للَّهِ، فلا يتصرَّف فيها إلَّا فيما أَذِنَ فيه (وَلَعْنُ المُؤْمِنِ) بأن يدعوَ عليه باللَّعن (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم أو العقابِ، وأبدَى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في ذلك سؤالًا، وهو أن يقال: إمَّا أن يكون كقتلهِ في أحكام الدُّنيا، أو في أحكامِ الآخرةِ، لا سبيلَ إلى الأوَّل؛ لأنَّ قتلَه يوجبُ القصاصَ، ولعنُه لا يوجبُ ذلك، وأمَّا أحكامُ الآخرة فإمَّا أن يرادَ التَّساوي في الإثمِ، أو في العقابِ، وكلاهما مشكلٌ؛ لأنَّ الإثمَ يتفاوتُ بتفاوتِ مَفْسَدةِ الفعل، وليس إذهابُ الرُّوح في المفسدةِ كمفسدةِ الأذى باللَّعن، وكذلك العقابُ يتفاوتُ بحسب تفاوتِ الجرائمِ، وقال المازَريُّ -فيما نقله عنه القاضِي عياض-: الظَّاهر من الحديث تشبيههُ في الإثمِ وهو تشبيهٌ واقعٌ؛ لأنَّ اللَّعنة قطعٌ عن الرَّحمة، والموت قطعٌ عن التَّصرُّف.

قال القاضِي عياض: وقيل: لَعْنُه يقتضِي قصدَ إخراجهِ من المسلمين، ومنعَهم منافعَهُ، وتكثيرَ عددِهم به، كما لو قتلهُ، وقيل: لعنهُ يقتضِي قطعَ منافعهِ الأخرويَّة عنه، وبُعْدَه بإجابةِ لعنه، وهو كمن قُتِلَ في الدُّنيا وقُطِعَت عنه منافعُه فيها، وقيل: معناهُ: استواؤهما في التَّحريم.

قال في «المصابيح»: هذا يحتاجُ إلى تخليصٍ ونظرٍ، فأمَّا ما حكاهُ عن المازَرِيِّ من أنَّ الظَّاهر من الحديثِ تشبيههُ في الإثمِ، وكذلك ما حكاهُ من أنَّ معناهُ: استواؤهمَا في التَّحريم، فهذَا يحتملُ أمرين، أحدُهما: أنَّ يقعَ التَّشبيه والاستواء في أصلِ التَّحريم والإثم، والثَّاني:

أن يقعَ في مقدار الإثم، فأمَّا الأوَّل فلا ينبغي أن يحملَ عليه؛ لأنَّ كلَّ معصيةِ قلَّتْ أو عظمَتْ فهي مشابهةٌ ومساويةٌ للقتلِ في أصلِ التَّحريم، ولا يَبقى في الحديثِ كبيرُ فائدةٍ مع أنَّ المفهوم منه تعظيمُ أمر اللَّعنة بتشبيهها بالقتلِ، وأمَّا الثَّاني فقد بيَّنَّا ما فيهِ من الإشكالِ، وهو التَّفاوت في المفسدةِ بين إزهاقِ الرَّوح وبين الأذَى باللَّعنةِ.

وأمَّا ما حكاهُ الإمام المازَريُّ من أنَّ اللَّعنة قطعُ الرَّحمة، والموت قطعُ التَّصرُّف، فالكلامُ عليه من وجهين: أحدهما: أن نقول: اللَّعنة قد تطلقُ على نفسِ الإبعاد الَّذي هو فعلُ الله، وعلى هذا يقعُ فيه التَّشبيه، والثَّاني: أن تطلقَ اللَّعنةُ على فعل اللَّاعن، وهو طلبه لذلك الإبعادِ، فقوله: «لعنهُ الله» مثلًا ليس بقطع عن الرَّحمة بنفسهِ ما لم تتَّصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطعِ التَّصرُّف، ويكون نظيرُهُ التَّسبُّب إلى القتلِ، غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التَّسبُّب إلى القتل بمباشرةِ مقدِّمات تقضِي إلى الموت بمطَّرد العادة، فلو كانتْ مباشرة اللَّعنة مقتضية إلى الإبعادِ الَّذي هو اللَّعن دائمًا؛ لاستوى اللَّعن مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ أو زاد عليه (١)، وبهذا يتبيَّنُ لك الإيرادُ على ما حكاهُ القاضِي من أنَّ لعنهُ له يقتضِي قصدَ إخراجهِ عن جماعةِ المسلمين كما لو قتلَه، فإنَّ قصدَ إخراجهِ لا يستلزمُ إخراجَه، كما تستلزمُ مقدِّمات القتلِ (٢)، وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنه يقتضِي قطعَ منافعهِ الأُخرويَّة عنه إنَّما يحصلُ ذلك بإجابةِ الدَّعوة، وقد لا يجابُ في كثيرٍ من الأوقاتِ، فلا يحصلُ انقطاعُه عن منافعهِ، كما يحصُلُ بقتلهِ، ولا يستوي القصدُ (٣) إلى القطعِ بطلبِ الإجابةِ مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ المفضيةِ إليه في مُطَّرد العادةِ، والَّذي يُمكن أن يُقَرَّر به ظاهرُ الحديثِ في استوائهمَا في الإثمِ أنَّا نقولُ: لا نسلِّم أنَّ مفسدةَ اللَّعنِ مُجرَّدُ أذاهُ بل فيها مع ذلكَ تعريضُهُ لإجابةِ الدَّعوة فيه بمُوافقةِ ساعَةٍ لا يسألُ الله فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ، كما دلَّ عليهِ الحديثُ من قولهِ : «لا تدعُوا على أنفسِكُم، ولَا تدعُوا على أموالِكُم، ولَا تدعُوا على أولادِكُم، لا توافقوا (٤) ساعة» الحديث، وإذا كان عرَّضَه (٥)

باللَّعنة لذلك (١) ووقعت الإجابةُ وإبعادُه من رحمة الله، كان ذلك أعظمَ من قتلهِ؛ لأنَّ القتلَ تفويتُ الحياةِ الفانيةِ قطعًا، والإبعادُ من رحمةِ الله أعظمُ ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظمُ الضَّررين على سبيلِ الاحتمالِ مساويًا ومقاربًا لأخَفِّهما على سبيلِ التَّحقيق، ومقاديرُ المصالحِ والمفاسدِ، وأعدادُهُما أمرٌ لا سبيل للبشرِ إلى الاطِّلاع على حقائقهِ. انتهى.

وزاد في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] من البخاريِّ من طريق عليِّ بن المبارك، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي قلابةَ: «وليسَ على ابنِ آدمَ نذرٌ فيمَا لا يملكُ» ولمسلم: «ومَن حلَفَ علَى يمينِ صَبْرٍ، وهو فيهَا فاجرٌ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، لقيَ اللهَ يوم القيامةِ وهوَ عليهِ غضبان، ومَن ادَّعى دَعوى كاذبةٍ ليتكثَّرَ (٢) بها لم يزدْه اللهُ إلَّا قلَّة» (وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ).

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يَقُولُ) الشَّخص في كلامه: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) بفتح التاء في الفرعِ كأصلهِ، وفي غيرِهما بضمِّها على صيغةِ المتكلِّم من الماضِي، وإنَّما منعَ من ذلك؛ لأنَّ فيه تشريكًا في مشيئةِ الله تعالى، وهي منفردةٌ بالله بالحقيقةِ، وإذا نُسِبَتْ لغيرهِ فبطريق المجاز، وفي حديث النَّسائيِّ وابنِ ماجه من روايةِ يزيدَ بن الأصمِّ، عن ابن عبَّاس رفعه: «إذا حلَفَ أحدُكُم فلَا يقُلْ: مَا شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ يقولُ: مَا شاءَ اللهُ ثمَّ شئتَ» قال الخطَّابيُّ: أرشدَهم إلى الأدبِ في تقديمِ مشيئةِ الله على مشيئةِ من سواهُ، واختارها بـ «ثمَّ» الَّتي هي للنَّسق والتَّراخي، بخلاف الواو الَّتي هي للاشتراكِ (وَهَلْ يَقُولُ) الشَّخص: (أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟) نعم يجوزُ؛ لأنَّ «ثمَّ» اقتضتْ سبقيَّة مشيئةِ الله على مشيئةِ غيرهِ (٣).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله