«أَتَيْتُهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْنُ. فَدَنَوْتُ فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٠٨

الحديث رقم ٦٧٠٨ من كتاب «كتاب كفارات الأيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب كفارات الأيمان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧٠٨ في صحيح البخاري

«أَتَيْتُهُ يَعْنِي النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْنُ. فَدَنَوْتُ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ» وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ.

بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ مَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٧٠٨

٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَطَّالٍ: وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: هَلْ يَدْخُلُ، أَيْ: هَلْ يَصِحُّ الْيَمِينُ أَوِ النَّذْرُ عَلَى الْأَعْيَانِ، مِثْلُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ هَذِهِ الشَّمْلَةَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْأَرْضُ لِلَّهِ وَنَحْوِهُ. قُلْتُ: وَالَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَوْلَى، فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ اخْتُصَّ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الزَّكَاةُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ: يَتَصَدَّقُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَوَاشِي لَا فِيمَا مَلَكَهُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِينَ وَالدُّورِ وَمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَمِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ، ثُمَّ نَقَلَ بَقِيَّةَ الْمَذَاهِبِ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْتُهُ فِي بَابُ مَنْ أَهْدَى مَالَهُ فَعَلَى هَذَا فَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الْمَالَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ إِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَى أَوْ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى عُرْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ أَعْرَابِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَبْوَابِ الْوَقْفِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ وَالثِّيَابَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَالْمَتَاعُ بِالْعَطْفِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي تَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى لُغَةِ دَوْسٍ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَمْوَالَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا فَتَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَوا غَنِمُوا الْعَيْنَ، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ غَنِمُوا الْمَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ غَيْرُ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقَوْلُهُ: الضُّبَيْبُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُكَرَّرَةٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَمِدْعَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: سَهْمٌ عَائِرٌ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ مِنْ سُيُورِ النَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِإِعَانَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

٨٤ - كِتَاب كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾

وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ: أَوْ أَوْ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ.

٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْنُ فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.

وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: بَابُ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْكَفَّارَاتِ، وَسُمِّيَتْ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ، أَيْ: تَسْتُرُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلزَّارِعِ كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْبَذْرَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْكَفَّارَةُ مَا يُعْطِي الْحَانِثُ فِي الْيَمِينِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَهُوَ مِنَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ سَتْرُ الْفِعْلِ وَتَغْطِيَتُهُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُعْمَلْ، قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ إِزَالَةَ الْكُفْرِ نَحْوَ التَّمْرِيضِ فِي إِزَالَةِ الْمَرَضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أَيْ: أَزَلْنَاهَا، وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ، يُقَالُ: كَفَرَتِ الشَّمْسُ النُّجُومَ: سَتَرَتْهَا، وَيُسَمَّى السَّحَابُ الَّذِي يَسْتُرُ الشَّمْسَ كَافِرًا، وَيُسَمَّى اللَّيْلُ كَافِرًا ; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ عَنِ الْعُيُونِ، وَتَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِالسِّلَاحِ إِذَا تَسَتَّرَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يُرِيدُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: بِتَعَيُّنِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَوْ أَعْطَى مَا يَجِبُ لِلْعَشَرَةِ وَاحِدًا كَفَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلِمَنْ قَالَ كَذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْعَشَرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمَوْصُولِ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ) يَعْنِي كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ، وَمَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَهُوَ عَلَى الْوَلَاءِ، أَيْ: عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا أَثَرُ عَطَاءٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُ شَاءَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ الْأَصْلِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

وَأَمَّا أَثَرُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلْيَتَخَيَّرْ، أَيَّ: الْكَفَّارَاتِ شَاءَ، فَإِذَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْإِطْعَامِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ بِمُدِّ الشَّارِعِ وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا هُوَ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ نِصْفِ صَاعٍ، وَالْحُجَّةُ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي كَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ فِي رَمَضَانَ بِإِطْعَامِ مُدٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ كَعْبٍ هُنَا مِنْ أَجْلِ آيَةِ التَّخْيِيرِ فَإِنَّهَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَمَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ وَافَقَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَوْرَدَ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّنْصِيصُ فِي خَبَرِ كَعْبٍ عَلَى نِصْفِ صَاعٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَدْرِ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ فَحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.

قُلْتُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الفِدْيَةِ) على ما يأتِي إن شاءَ الله تعالى الآن (١) [خ¦٦٧٠٨].

٦٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبدِ الله بن يونسَ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الأصغَر الحنَّاط -بالمهملة والنون- الأسديُّ، ويقال له (٢): الهذليُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو، عبد الله، واسم جدِّه: أَرْطَبَان البصريُّ (٣) (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جبرٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللَّامين، الأنصاريِّ المدنيِّ ثمَّ الكوفيِّ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء، ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُهُ يَعْنِي: النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْنُ) أي: اقرُب (فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ) ولأبي ذرٍّ: «أتُؤْذيك» بالفوقية بدل التَّحتيَّة (هَوَامُّكَ) بتشديد الميم للسَّاكنين (٤)، جمع: هامَّة -بالتَّشديد- تطلق على كلِّ (٥) ما يدبُّ من الحيوان، كالقملِ وشبهه، وكان القملُ يتناثرُ على وجههِ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (نَعَمْ. قَالَ): احلِق رأسكَ وعليكَ (فِدْيَةٌ) مرفوع مبتدأ خبرُه محذوفٌ؛ أي: عليكَ (٦) فديةٌ، أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي (٧): فالواجبُ عليكَ فديةٌ (مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).

قال أبو شهابٍ -بالسَّند الأوَّل-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ، أنَّه (قَالَ: صِيَامُ (٨) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالمَسَاكِينُ سِتَّةٌ) أي: إطعامُ ستَّة مساكينَ.

قال ابنُ بطَّال: وإنَّما ذكر البخاريُّ حديث كعبٍ هنا من أجل التَّخييرِ، فإنَّها وردتْ في كفَّارة اليمين كما وردت في كفَّارة الأَذى. وقال ابنُ المُنَيِّر: يحتملُ أن يكون البخاريُّ أدخلَ حديث كعبٍ هنا موافقةً لمن قال: إنَّ الطَّعام (١) نصف صاعٍ في الكفَّارة كالفديَة (٢)، فنبَّه على حملِ المطلقِ على المقيَّد؛ لأنَّ النَّبيَّ نصَّ في الفدية على أنَّها نصفُ صاعٍ، ولم يثبتْ عنه نصٌّ في قدر طعام الكفَّارة، وهذا من إنصاف البخاريِّ؛ لأنَّه كثيرًا ما يخالفُ الكوفيِّين إلَّا أن يظهر الحقُّ معهم. انتهى.

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه التَّخيير، كما في كفَّارة الأيمان.

والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨١٤].

(٢) (باب قولهِ (٣) تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾) ما تحلِّلُونها به، وهي (٤) الكفَّارة (﴿وَاللهُ مَوْلَاكُمْ﴾) سيِّدُكم ومتولِّي أُموركم، وقيل: مولاكُم أولى بكمْ من أنفُسِكم، فكانتْ نصيحتهُ أنفع لكم من نصائِحكم (٥) لأنفُسكم (﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾) بما يصلِحُكم فيشرِّعه لكم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]) فيما أحلَّ وحرَّم. (٦) (مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلَى الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ؟) ولأبي ذرٍّ: «باب (٧) متى تجب الكفَّارة على الغنيِّ والفقيرِ؟ وقول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَطَّالٍ: وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ تَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: هَلْ يَدْخُلُ، أَيْ: هَلْ يَصِحُّ الْيَمِينُ أَوِ النَّذْرُ عَلَى الْأَعْيَانِ، مِثْلُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ هَذِهِ الشَّمْلَةَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْأَرْضُ لِلَّهِ وَنَحْوِهُ. قُلْتُ: وَالَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَوْلَى، فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ اخْتُصَّ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الزَّكَاةُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ: يَتَصَدَّقُ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَوَاشِي لَا فِيمَا مَلَكَهُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الْأَرْضِينَ وَالدُّورِ وَمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَمِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ، ثُمَّ نَقَلَ بَقِيَّةَ الْمَذَاهِبِ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّمْتُهُ فِي بَابُ مَنْ أَهْدَى مَالَهُ فَعَلَى هَذَا فَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الْمَالَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ إِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَى أَوْ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى عُرْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ أَعْرَابِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِ عُمَرَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا أَيْضًا هُنَاكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَبْوَابِ الْوَقْفِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ وَالثِّيَابَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَالْمَتَاعُ بِالْعَطْفِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي تَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى لُغَةِ دَوْسٍ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَمْوَالَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْقَطِعًا فَتَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ، كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ نَغْنَمْ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَوا غَنِمُوا الْعَيْنَ، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ غَنِمُوا الْمَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ غَيْرُ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقَوْلُهُ: الضُّبَيْبُ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُكَرَّرَةٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وَمِدْعَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: سَهْمٌ عَائِرٌ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ، وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ مِنْ سُيُورِ النَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِإِعَانَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

٨٤ - كِتَاب كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾

وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ: أَوْ أَوْ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ.

٦٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْنُ فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.

وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، كِتَابُ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: بَابُ، وَلَهُ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: كِتَابُ الْكَفَّارَاتِ، وَسُمِّيَتْ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ، أَيْ: تَسْتُرُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلزَّارِعِ كَافِرٌ ; لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْبَذْرَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْكَفَّارَةُ مَا يُعْطِي الْحَانِثُ فِي الْيَمِينِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَهُوَ مِنَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ سَتْرُ الْفِعْلِ وَتَغْطِيَتُهُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُعْمَلْ، قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ إِزَالَةَ الْكُفْرِ نَحْوَ التَّمْرِيضِ فِي إِزَالَةِ الْمَرَضِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أَيْ: أَزَلْنَاهَا، وَأَصْلُ الْكُفْرِ السَّتْرُ، يُقَالُ: كَفَرَتِ الشَّمْسُ النُّجُومَ: سَتَرَتْهَا، وَيُسَمَّى السَّحَابُ الَّذِي يَسْتُرُ الشَّمْسَ كَافِرًا، وَيُسَمَّى اللَّيْلُ كَافِرًا ; لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ عَنِ الْعُيُونِ، وَتَكَفَّرَ الرَّجُلُ بِالسِّلَاحِ إِذَا تَسَتَّرَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يُرِيدُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: بِتَعَيُّنِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَوْ أَعْطَى مَا يَجِبُ لِلْعَشَرَةِ وَاحِدًا كَفَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلِمَنْ قَالَ كَذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْعَشَرَةَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمَوْصُولِ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الْفِدْيَةِ) يَعْنِي كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ، وَمَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَهُوَ عَلَى الْوَلَاءِ، أَيْ: عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا أَثَرُ عَطَاءٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُ شَاءَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ الْأَصْلِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.

وَأَمَّا أَثَرُ عِكْرِمَةَ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلْيَتَخَيَّرْ، أَيَّ: الْكَفَّارَاتِ شَاءَ، فَإِذَا كَانَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْإِطْعَامِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ بِمُدِّ الشَّارِعِ وَفَرَّقَ مَالِكٌ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَاعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا هُوَ وَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إِطْعَامُ نِصْفِ صَاعٍ، وَالْحُجَّةُ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي كَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ فِي رَمَضَانَ بِإِطْعَامِ مُدٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ كَعْبٍ هُنَا مِنْ أَجْلِ آيَةِ التَّخْيِيرِ فَإِنَّهَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ كَمَا وَرَدَتْ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ وَافَقَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَوْرَدَ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّنْصِيصُ فِي خَبَرِ كَعْبٍ عَلَى نِصْفِ صَاعٍ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَدْرِ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ فَحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.

قُلْتُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ كَعْبًا فِي الفِدْيَةِ) على ما يأتِي إن شاءَ الله تعالى الآن (١) [خ¦٦٧٠٨].

٦٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبدِ الله بن يونسَ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الأصغَر الحنَّاط -بالمهملة والنون- الأسديُّ، ويقال له (٢): الهذليُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو، عبد الله، واسم جدِّه: أَرْطَبَان البصريُّ (٣) (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جبرٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللَّامين، الأنصاريِّ المدنيِّ ثمَّ الكوفيِّ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء، ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُهُ يَعْنِي: النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْنُ) أي: اقرُب (فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ) ولأبي ذرٍّ: «أتُؤْذيك» بالفوقية بدل التَّحتيَّة (هَوَامُّكَ) بتشديد الميم للسَّاكنين (٤)، جمع: هامَّة -بالتَّشديد- تطلق على كلِّ (٥) ما يدبُّ من الحيوان، كالقملِ وشبهه، وكان القملُ يتناثرُ على وجههِ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (نَعَمْ. قَالَ): احلِق رأسكَ وعليكَ (فِدْيَةٌ) مرفوع مبتدأ خبرُه محذوفٌ؛ أي: عليكَ (٦) فديةٌ، أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي (٧): فالواجبُ عليكَ فديةٌ (مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).

قال أبو شهابٍ -بالسَّند الأوَّل-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ، أنَّه (قَالَ: صِيَامُ (٨) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالمَسَاكِينُ سِتَّةٌ) أي: إطعامُ ستَّة مساكينَ.

قال ابنُ بطَّال: وإنَّما ذكر البخاريُّ حديث كعبٍ هنا من أجل التَّخييرِ، فإنَّها وردتْ في كفَّارة اليمين كما وردت في كفَّارة الأَذى. وقال ابنُ المُنَيِّر: يحتملُ أن يكون البخاريُّ أدخلَ حديث كعبٍ هنا موافقةً لمن قال: إنَّ الطَّعام (١) نصف صاعٍ في الكفَّارة كالفديَة (٢)، فنبَّه على حملِ المطلقِ على المقيَّد؛ لأنَّ النَّبيَّ نصَّ في الفدية على أنَّها نصفُ صاعٍ، ولم يثبتْ عنه نصٌّ في قدر طعام الكفَّارة، وهذا من إنصاف البخاريِّ؛ لأنَّه كثيرًا ما يخالفُ الكوفيِّين إلَّا أن يظهر الحقُّ معهم. انتهى.

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه التَّخيير، كما في كفَّارة الأيمان.

والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨١٤].

(٢) (باب قولهِ (٣) تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾) ما تحلِّلُونها به، وهي (٤) الكفَّارة (﴿وَاللهُ مَوْلَاكُمْ﴾) سيِّدُكم ومتولِّي أُموركم، وقيل: مولاكُم أولى بكمْ من أنفُسِكم، فكانتْ نصيحتهُ أنفع لكم من نصائِحكم (٥) لأنفُسكم (﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾) بما يصلِحُكم فيشرِّعه لكم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]) فيما أحلَّ وحرَّم. (٦) (مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلَى الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ؟) ولأبي ذرٍّ: «باب (٧) متى تجب الكفَّارة على الغنيِّ والفقيرِ؟ وقول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله