(ح). ٦٧٧٣ (م) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٧٣

الحديث رقم ٦٧٧٣ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في ضرب شارب الخمر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧٧٣ في صحيح البخاري

(ح).

٦٧٧٣ (م) - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ

⦗١٥٨⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.»

بَابُ مَنْ أَمَرَ بِضَرْبِ الْحَدِّ فِي الْبَيْتِ

إسناد حديث رقم ٦٧٧٣ من صحيح البخاري

بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧٧٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَغْصُوبُ نِصَابًا، وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِيهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اشْتُهِرَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ سَرِقَةً مَا دُونَ النِّصَابِ حَرَامًا.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَلَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى إِرَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخَمْرِ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشُّرْبِ مِنَ الْمَحْذُورِ مِنِ اخْتِلَالِ الْعَقْلِ أَفْحَشَ مِنْ شُرْبِ مَا لَا يَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْعَقْلُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِنَقْصِ الْكَمَالِ مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِانْتِهَابَ كُلَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِيمَا أَذِنَ مَالِكُهُ كَالنِّثَارِ فِي الْعُرْسِ، وَلَكِنْ صَرَّحَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ كَمَا قَالُوا، وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَبَاحَهُ وَغَرَضُهُ تَسَاوِيهِمْ أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي، فَإِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنْهُمْ يَغْلِبُ الضَّعِيفَ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَمِنَ التَّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مِنَ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لِكَوْنِ الْأَخْذِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِيهِ فَضْلُ قُوَّةٍ أَوْ قِلَّةُ حَيَاءٍ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرَظٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ فَأَمَّا الْعِرْسَانُ فَلَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي جَوَازِ أَخْذِ مَا يُنْثَرُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ قَدْ عَلِمَ اخْتِلَافَ حَالِهِمْ فِي الْأَخْذِ كَمَا عَلِمَ النَّبِيُّ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهِ فِي أَخْذِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النِّثَارِ.

قُلْتُ: بَلْ فِيهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْذُونِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا الْغَايَةَ فِي الْوَرَعِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُمْ.

٢ - بَاب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ . ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.

[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَتَعَيَّنُ الْجَلْدُ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي كَمِّيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَوَقْتِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَحَقِيقَتِهَا وَهَلْ هِيَ مُشْتَقَّةٌ وَهَلْ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا أَخْرَجَاهَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ الْحَسَنِ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَأَنَسٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ كَذَا ذَكَرَ طَرِيقَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ وَتَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ (١) فَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا اللَّفْظِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن».

(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم.

(٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ).

٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ . «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

النَّبيَّ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر».

وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ : أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ.

قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ، ورآه عليٌّ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣).

واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة:

أحدها: أنَّ النَّبيَّ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَغْصُوبُ نِصَابًا، وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَطْلَقَ فِيهَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اشْتُهِرَ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِيهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ سَرِقَةً مَا دُونَ النِّصَابِ حَرَامًا.

وَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ أَخْذِ حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَلَا يُقْسِمُ إِلَّا عَلَى إِرَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ دَخَلَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَمْ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخَمْرِ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشُّرْبِ مِنَ الْمَحْذُورِ مِنِ اخْتِلَالِ الْعَقْلِ أَفْحَشَ مِنْ شُرْبِ مَا لَا يَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْعَقْلُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَا إِشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِنَقْصِ الْكَمَالِ مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِانْتِهَابَ كُلَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِيمَا أَذِنَ مَالِكُهُ كَالنِّثَارِ فِي الْعُرْسِ، وَلَكِنْ صَرَّحَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ بِأَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ كَمَا قَالُوا، وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَبَاحَهُ وَغَرَضُهُ تَسَاوِيهِمْ أَوْ مُقَارَبَةُ التَّسَاوِي، فَإِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنْهُمْ يَغْلِبُ الضَّعِيفَ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَمِنَ التَّابِعِينَ النَّخَعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ يَكْرَهُوهُ مِنَ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ لِكَوْنِ الْأَخْذِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ فِيهِ فَضْلُ قُوَّةٍ أَوْ قِلَّةُ حَيَاءٍ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرَظٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ مُعَاذٍ رَفَعَهُ: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ فَأَمَّا الْعِرْسَانُ فَلَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي جَوَازِ أَخْذِ مَا يُنْثَرُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ قَدْ عَلِمَ اخْتِلَافَ حَالِهِمْ فِي الْأَخْذِ كَمَا عَلِمَ النَّبِيُّ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهِ فِي أَخْذِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرَهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنًى إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النِّثَارِ.

قُلْتُ: بَلْ فِيهَا مَعْنًى لَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَأْذُونِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا الْغَايَةَ فِي الْوَرَعِ وَالْإِنْصَافِ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُمْ.

٢ - بَاب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ

٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ . ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.

[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَتَعَيَّنُ الْجَلْدُ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي كَمِّيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَوَقْتِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَحَقِيقَتِهَا وَهَلْ هِيَ مُشْتَقَّةٌ وَهَلْ يَجُوزُ تَذْكِيرُهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا أَخْرَجَاهَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ الْحَسَنِ بَيْنَ قَتَادَةَ، وَأَنَسٍ الَّتِي أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ كَذَا ذَكَرَ طَرِيقَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ وَتَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ (١) فَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الْآتِي بَعْدَ بَابٍ عَنْ شَيْخٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا اللَّفْظِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن».

(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم.

(٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ).

٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ . «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

النَّبيَّ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر».

وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ : أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ.

قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ، ورآه عليٌّ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣).

واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة:

أحدها: أنَّ النَّبيَّ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله