الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٨٢
الحديث رقم ٦٧٨٢ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب السارق حين يسرق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَخْرَجَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ أَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ مِرَارٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ خَلِيعٌ، فَقَالَ: أَمَّا إِذْ خَلَّعْتَنِي فَلَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ.
قَوْلُهُ: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَقَامَ لِيَضْرِبَهُ وَهُوَ تَصْحِيف؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: فَقَالَ: اضْرِبُوهُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّكْرَ بِمُجَرَّدِهِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ: سَهَا فَسَجَدَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هَلْ سَكِرَ مِنْ مَاءِ عِنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا هَلْ شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي التَّفْرِقَةِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ.
٦ - بَاب السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[الحديث ٦٧٨٢ - طرفه في: ٦٨٠٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي أَوَّلِ الْحُدُودِ مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ، وَسَقَطَ لَفْظُ السَّارِقِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِسَنَدِهِ فِيهِ: وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْتَزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ؟ قَالَ: هَكَذَا فَإِنْ تَابَ رَاجَعَهُ الْإِيمَانُ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ.
٧ - بَاب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
٦٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْاوَي دَرَاهِمَ.
[الحديث ٦٧٨٣ - طرفه في: ٦٧٩٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ) أَيْ إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ، إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مَضَى تَقْرِيرُهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي تَعْيِينُ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَمُوَاجَهَتُهُمْ بِاللَّعْنِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْعَنَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ رَدْعًا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ انْتِهَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لِمُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقْنَطَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ وَقَالَ: لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَرْتَدِعَ مَنْ سَمِعَهُ عَنِ السَّرِقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَادَ
بِهِ حَقِيقَةُ اللَّعْنِ بَلِ التَّنْفِيرُ فَقَطْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هُنَا الْمُرَادَ بِاللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي أَحْقَرِ شَيْءٍ خَذَلَهُ اللَّهُ حَتَّى قُطِعَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: جَوَّزَ بَعْضُهُمْ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَعْنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَإِذَا فَعَلُوهَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَغْلَظَ لَهُ وَلَعَنَهُ تَأْدِيبًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ شَرْطِهِ حَيْثُ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ لَعْنِي لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَدَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ كَمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ تَوْبَةِ السَّارِقِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ.
قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنْ سَرَقَ بَيْضَةً قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَعْمَشُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (كَانُوا يَرَوْنَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الرَّأْيِ وَبِضَمِّهِ مِنَ الظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَيْضَةُ الْحَدِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ) وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَسْوَى، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّثْرِيبِ: أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ، هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِيرُ سُوءِ مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنَ الْمَالِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَهَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ.
قُلْتُ: وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ ﵊ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ: إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ، فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ، وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا: قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ; وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى.
وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ: حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ بِمَكَّةَ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ، قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ
أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ الَّذِي طَعَنَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَبَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ وَنِهَايَةً فِي غُلُوِّ الْقِيمَةِ فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنَ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، بَلِ الْبَيْضَةُ مِنَ الْحَدِيدِ رُبَّمَا اشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّارِقَ يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْجَلِيلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَقِيرَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَةَ فِي الْحَدِيثِ ببَيْضَةَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَابَ الْقَطْعِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ، وَأَرَادَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَنَظِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه - وَسَلَّمَ -: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا، قَالَ: وَمِنْهُ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَةَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلَ حَبْلُ السُّفُنِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ لَا الْكَثِيرَ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَتُهُ لَا بِأَكْثَرَ، وَالصَّوَابُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيلِ أَمْرِهِ وَتَهْجِينِ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
وَأَجَابَ بَعْضُ مَنِ انْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجْمَلَةً قَبْلَ بَيَانِ نِصَابِ الْقَطْعِ انْتَهَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ:
لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ
وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا:
تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا … وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ
وَيُقَالُ فِي الْمَدْحِ أَيْضًا: بَيْضَةُ الْقَوْمِ، أَيْ: وَسَطُهُمْ، وَبَيْضَةُ السَّنَامِ أَيْ: شَحْمَتُهُ، فَلَّمَا كَانَتِ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيلُ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: يَسْرِقُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ، فَيُقْطَعُ، فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ.
وَأَمَّا الْحَبْلُ فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِمْ: مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا اعْتَادَ السَّرِقَةَ، لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَأَيْضًا فَالْعَارُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِقَوْلِهِ:
صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين، أي: ابنُ بحرٍ الصيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بنِ عامرٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة مصغَّرًا، و «غَزْوان» بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الكوفيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إيمانًا كاملًا، أو يُحمَل على المستحلِّ مع العلم بالحرمَة في الشَّرع (وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ) في «يسرقُ» ضمير مستتر مرفوعٌ راجعٌ إلى السَّارق الدَّالّ عليه (١) قوله: «يسرق» بالالتزام؛ لأنَّ «يسرق» يستلزم سارقًا، وحسَّنَ ذلك تقدُّم نظيره وهو: «لا يزني الزَّاني»، وليس يرجع إلى الزَّاني لفساد المعنَى، ولأبي ذرٍّ: «ولا يسرقُ السَّارق حينَ يسرق» (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) وسبق في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٧٥] عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: وجدت بخطِّ أبي جعفر -يعني: ورَّاق البخاريِّ-: قال أبو عبد الله البخاريُّ: تفسيرهُ أن يُنزع منه، يريد نور الإيمان. انتهى.
والإيمان: هو التَّصديق بالجنانِ والإقرارُ باللِّسان، ونوره الأعمال الصَّالحة واجتنابُ المناهي، فإذا زنى أو شربَ الخمر أو سرقَ ذهبَ نوره، وبقي في الظُّلمةِ، فإن تابَ رجعَ إليه.
والحديث مرَّ في «المظالمِ» [خ¦٢٤٧٥] و «الحدود» [خ¦٦٧٧٢] وغيرهما.
(٧) (باب) حكم (لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ) أي: لم يعيَّن.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَخْرَجَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى رِجَالُهَا ثِقَاتٌ أَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ مِرَارٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ خَلِيعٌ، فَقَالَ: أَمَّا إِذْ خَلَّعْتَنِي فَلَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَدِينِيِّ.
قَوْلُهُ: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فَقَامَ لِيَضْرِبَهُ وَهُوَ تَصْحِيف؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ضَمْرَةَ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: فَقَالَ: اضْرِبُوهُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّكْرَ بِمُجَرَّدِهِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ: سَهَا فَسَجَدَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هَلْ سَكِرَ مِنْ مَاءِ عِنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا هَلْ شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي التَّفْرِقَةِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَشْرِبَةِ.
٦ - بَاب السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
[الحديث ٦٧٨٢ - طرفه في: ٦٨٠٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فِي أَوَّلِ الْحُدُودِ مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ، وَسَقَطَ لَفْظُ السَّارِقِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ بِسَنَدِهِ فِيهِ: وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْتَزَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ؟ قَالَ: هَكَذَا فَإِنْ تَابَ رَاجَعَهُ الْإِيمَانُ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ.
٧ - بَاب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
٦٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْاوَي دَرَاهِمَ.
[الحديث ٦٧٨٣ - طرفه في: ٦٧٩٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ) أَيْ إِذَا لَمْ يُعَيَّنْ، إِشَارَةً إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مَضَى تَقْرِيرُهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي تَعْيِينُ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَمُوَاجَهَتُهُمْ بِاللَّعْنِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْعَنَ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ رَدْعًا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ انْتِهَاكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لِمُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقْنَطَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادَ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ لَعْنِ الشَّارِبِ وَقَالَ: لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ قَرِيبًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِيَرْتَدِعَ مَنْ سَمِعَهُ عَنِ السَّرِقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَادَ
بِهِ حَقِيقَةُ اللَّعْنِ بَلِ التَّنْفِيرُ فَقَطْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هُنَا الْمُرَادَ بِاللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي أَحْقَرِ شَيْءٍ خَذَلَهُ اللَّهُ حَتَّى قُطِعَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: جَوَّزَ بَعْضُهُمْ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ مَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ اللَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ أَوْلَى، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ لَعْنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي كَانَ تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَإِذَا فَعَلُوهَا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَغْلَظَ لَهُ وَلَعَنَهُ تَأْدِيبًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُمُومِ شَرْطِهِ حَيْثُ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَ لَعْنِي لَهُ كَفَّارَةً وَرَحْمَةً. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَدَرَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ كَمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِي الْحُنَيْنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ تَوْبَةِ السَّارِقِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَدْ سَلِمَ مِنْ تَدْلِيسِ الْأَعْمَشِ قُلْتُ: وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الْأَعْمَشُ، أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ.
قَوْلُهُ: (لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنْ سَرَقَ بَيْضَةً قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ سَرَقَ حَبْلًا قُطِعَتْ يَدُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَعْمَشُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (كَانُوا يَرَوْنَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الرَّأْيِ وَبِضَمِّهِ مِنَ الظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بَيْضَةُ الْحَدِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ) وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ يَسْوَى، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهَا وَالْحَقُّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لَكِنْ بِقِلَّةٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأْوِيلُ الْأَعْمَشِ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالشَّائِعِ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ مِنَ اللَّوْمِ وَالتَّثْرِيبِ: أَخْزَى اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي مَالٍ لَهُ قَدْرٌ وَمَزِيَّةٌ وَفِي عَرَضٍ لَهُ قِيمَةٌ إِنَّمَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي مِثْلِهِ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ، هَذَا حُكْمُ الْعُرْفِ الْجَارِي فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلُهُ ذَمُّ السَّرِقَةِ وَتَهْجِينُ أَمْرِهَا وَتَحْذِيرُ سُوءِ مَغَبَّتِهَا فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ مِنَ الْمَالِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ سَرِقَةَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ وَالْحَبْلِ الْخَلَقِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ إِذَا تَعَاطَاهُ فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ يَيْأَسْ أَنْ يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا فَوْقَهَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَلْيَحْذَرْ هَذَا الْفِعْلَ وَلْيَتَوَقَّهُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهُ الْعَادَةُ وَيَمْرُنَ عَلَيْهَا لِيَسْلَمَ مِنْ سُوءِ مَغَبَّتِهِ وَوَخِيمِ عَاقِبَتِهِ.
قُلْتُ: وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ ﵊ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ: إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ، فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ، وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا: قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ; وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى.
وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ وَفِيهِ: حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ بِمَكَّةَ قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَيُعْجَبُ بِهِ وَيُبْدِئُ وَيُعِيدُ، قَالَ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ
أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ الَّذِي طَعَنَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَبَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَيْسَتْ عَلَمًا فِي كَثْرَةِ الثَّمَنِ وَنِهَايَةً فِي غُلُوِّ الْقِيمَةِ فَتَجْرِي مَجْرَى الْعِقْدِ مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْجِرَابِ مِنَ الْمِسْكِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا يُسَاوِيَانِ الْأُلُوفَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، بَلِ الْبَيْضَةُ مِنَ الْحَدِيدِ رُبَّمَا اشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَإِنَّمَا مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّارِقَ يُعَرِّضُ قَطْعَ يَدِهِ بِمَا لَا غِنَى لَهُ بِهِ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ مِنَ السِّلَاحِ لَا يَسْتَغْنِي بِهَا أَحَدٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ أَنَّ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْجَلِيلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَقِيرَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، فَكَأَنَّهُ تَعْجِيزٌ لَهُ وَتَضْعِيفٌ لِاخْتِيَارِهِ لِكَوْنِهِ بَاعَ يَدَهُ بِقَلِيلِ الثَّمَنِ وَكَثِيرِهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ الْبَيْضَةَ فِي الْحَدِيثِ ببَيْضَةَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي نِصَابَ الْقَطْعِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَحِقَرِ مَا حَصَلَ، وَأَرَادَ مِنْ جِنْسِ الْبَيْضَةِ وَالْحَبْلِ مَا يَبْلُغُ النِّصَابَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَنَظِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صلى الله عليه - وَسَلَّمَ -: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، فَإِنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَفْحَصَ الْقَطَاةِ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَحْضُنُ فِيهِ بَيْضَهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا، قَالَ: وَمِنْهُ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ وَهُوَ مِمَّا لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْبَيْضَةَ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ، وَالْحَبْلَ حَبْلُ السُّفُنِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي ذَمَّ مَنْ أَخَذَ الْقَلِيلَ لَا الْكَثِيرَ، وَالْخَبَرُ إِنَّمَا وَرَدَ لِتَعْظِيمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَقِلُّ بِهِ قِيمَتُهُ لَا بِأَكْثَرَ، وَالصَّوَابُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْلِيلِ أَمْرِهِ وَتَهْجِينِ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ فِي هَذَا الْقَدْرِ جَرَّتْهُ عَادَتُهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
وَأَجَابَ بَعْضُ مَنِ انْتَصَرَ لِتَأْوِيلِ الْأَعْمَشِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُجْمَلَةً قَبْلَ بَيَانِ نِصَابِ الْقَطْعِ انْتَهَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي بَيْضَةِ حَدِيدٍ ثَمَنُهَا رُبْعُ دِينَارٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ التَّأْوِيلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْأَعْمَشُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْبَيْضَةُ فِي اللُّغَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ وَفِي الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بَيْضَةُ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فَرْدًا فِي الْعَظَمَةِ وَكَذَا فِي الِاحْتِقَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَخَاهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي مَرْثِيَّتِهَا لَهُ:
لَكِنَّ قَاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ … مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيمًا بَيْضَةَ الْبَلَدِ
وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الْآخَرِ يَهْجُو قَوْمًا:
تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تُبْدِيَ لَكُمْ نَسَبًا … وَابْنَا نِزَارٍ فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ
وَيُقَالُ فِي الْمَدْحِ أَيْضًا: بَيْضَةُ الْقَوْمِ، أَيْ: وَسَطُهُمْ، وَبَيْضَةُ السَّنَامِ أَيْ: شَحْمَتُهُ، فَلَّمَا كَانَتِ الْبَيْضَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ حَسُنَ التَّمْثِيلُ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: يَسْرِقُ الْجَلِيلَ وَالْحَقِيرَ، فَيُقْطَعُ، فَرُبَّ أَنَّهُ عُذِرَ بِالْجَلِيلِ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْحَقِيرِ.
وَأَمَّا الْحَبْلُ فَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ كَقَوْلِهِمْ: مَا تَرَكَ فُلَانٌ عِقَالًا وَلَا ذَهَبَ مِنْ فُلَانٍ عِقَالٌ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا اعْتَادَ السَّرِقَةَ، لَمْ يَتَمَالَكْ مَعَ غَلَبَةِ الْعَادَةِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ، وَأَيْضًا فَالْعَارُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْقَطْعِ لَا يُسَاوِي مَا حَصَلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ جَلِيلًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِقَوْلِهِ:
صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا … صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمَعَرِّيِّ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين، أي: ابنُ بحرٍ الصيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بنِ عامرٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة مصغَّرًا، و «غَزْوان» بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الكوفيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إيمانًا كاملًا، أو يُحمَل على المستحلِّ مع العلم بالحرمَة في الشَّرع (وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ) في «يسرقُ» ضمير مستتر مرفوعٌ راجعٌ إلى السَّارق الدَّالّ عليه (١) قوله: «يسرق» بالالتزام؛ لأنَّ «يسرق» يستلزم سارقًا، وحسَّنَ ذلك تقدُّم نظيره وهو: «لا يزني الزَّاني»، وليس يرجع إلى الزَّاني لفساد المعنَى، ولأبي ذرٍّ: «ولا يسرقُ السَّارق حينَ يسرق» (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) وسبق في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٧٥] عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: وجدت بخطِّ أبي جعفر -يعني: ورَّاق البخاريِّ-: قال أبو عبد الله البخاريُّ: تفسيرهُ أن يُنزع منه، يريد نور الإيمان. انتهى.
والإيمان: هو التَّصديق بالجنانِ والإقرارُ باللِّسان، ونوره الأعمال الصَّالحة واجتنابُ المناهي، فإذا زنى أو شربَ الخمر أو سرقَ ذهبَ نوره، وبقي في الظُّلمةِ، فإن تابَ رجعَ إليه.
والحديث مرَّ في «المظالمِ» [خ¦٢٤٧٥] و «الحدود» [خ¦٦٧٧٢] وغيرهما.
(٧) (باب) حكم (لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ) أي: لم يعيَّن.