الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨١٧
الحديث رقم ٦٨١٧ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب للعاهر الحجر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِهَا عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوْ أَنَّ سُكْرَهُ وَقَعَ عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُقِرَّ بِالزِّنَا إِذَا أَقَرَّ يُتْرَكُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ فَذَاكَ وَإِلَّا اتُّبِعَ وَرُجِمَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَدَلَالَتُهُ مِنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ لَوْ رَجَعَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ: لَا يُتْرَكُ إِذَا هَرَبَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ تُرِكَ، وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنْ أُخِذَ فِي الْحَالِ كُمِّلَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أُخِذَ بَعْدَ أَيَّامٍ تُرِكَ.
وَعَنْ أَشْهَبَ: إِنْ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَلُ تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَحَكَى الْكَجِّيُّ عَنْهُ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ إِقْرَارِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الَّذِينَ رَجَمُوهُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ أَنْ هَرَبَ لَمْ يُلْزَمُوا بِدِيَتِهِ، فَلَوْ شُرِعَ تَرْكُهُ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ حَدَّ الرَّجْمِ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْهَرَبِ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالرَّجْمِ فِي حَدِّ مَنْ أُحْصِرَ مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَأَنَّ الْمُصَلَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ، وَأَنَّ الْمَرْجُومَ فِي الْحَدِّ لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ بِالْحَدِّ وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ أَيْضًا قَرِيبًا، وَأَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِنْ جِهَةِ اسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ كَذَا قَالَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِوُجُودِ تُهْمَتِهِ عَلَى مَا يُظْهِرُهُ مِنْ عَدَمِ الْعَقْلِ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي غَيْرِ الطَّافِحِ أَنَّ طَلَاقَهُ لَازِمٌ، قَالَ وَمَذْهَبُنَا الْتِزَامُهُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَثْنَى مَنْ أُكْرِهَ وَمَنْ شَرِبَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ وَوَافَقَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا صِحَّةُ إِقْرَارِ السَّكْرَان وَنُفُوذُ أَقْوَالِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، قَالَ: وَالسُّؤَالُ عَنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَكْرَانَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَذَا أَطْلَقَ فَأَلْزَمَ التَّنَاقُضَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُرَادَهُ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الظَّرِيفَةِ فِيهِ قَوْلُ اللَّيْثِ: يُعْمَلُ بِأَفْعَالِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِأَقْوَالِهِ لِأَنَّهُ يَلْتَذُّ بِفِعْلِهِ وَيَشْفِي غَيْظَهُ وَلَا يَفْقَهُ أَكْثَرَ مَا يَقُولُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
٢٣ - بَاب لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
٦٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ، وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ. زَادَ لَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ اللَّيْثِ: وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
٦٨١٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أراد حضور رجمهِ فرجمناهُ (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) بالذال المعجمة والقاف أصابته بحدِّها وبلغت منه الجهد حتَّى قلق، وجواب «لمَّا» قوله: (هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، موضعٌ ذو حجارةٍ سود ظاهر المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد مَعمر في روايته الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى (١) [خ¦٦٨٢٠]: «حتَّى مات». قال في «مقدِّمة الفتح»: والَّذي رجمهُ لمَّا هرب فقتله عبد الله بن أُنَيس (٢)، وحكى الحاكم عن ابن جريج أنَّه عمر، وكان أبو بكر الصِّدِّيق رأس الَّذين رجموهُ ذكره ابن سعدٍ، وفي حديث نعيم بن هزَّال: «هلَّا تركتمُوه لعلَّه يتوبُ فيتوبَ الله عليه»، أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم والتِّرمذيُّ، وهو حجَّة للشَّافعيِّ ومن وافقه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُسقط عن نفسه الرَّجم، وعند المالكيَّة: لا يتركُ إذا هربَ بل يُتبع ويُرْجم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يلزمْهم ديتَه مع أنَّهم قتلوهُ بعد هربه. وأُجيب بأنَّه لم يصرِّح بالرُّجوع وقد ثبتَ عليه الحدُّ، وعند أبي داود من حديث بُرَيدة، قال: «كنَّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدَّث أنَّ ماعزًا والغامِديَّة لو رجعا لم يطلبْهما».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِلْعَاهِرِ) أي: للزَّاني (الحَجَرُ).
٦٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاص (وَابْنُ زَمْعَةَ) عبد في ابنِ وليدةِ زَمْعة، وكان عتبة عهدَ إلى أخيه سعد أنَّ ابنَ وليدة زَمْعة منِّي فاقبضْه إليك، فلمَّا كان عام الفتحِ أخذه سعدٌ،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور.
قَوْله: (فَأخْبرنَا) بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (من سمع) فَاعل أخبرنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: من سمع قيل يشبه أَن يكون ذَلِك هُوَ أَبُو سَلمَة لما صرح باسمه فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. قَوْله: (بالمصلى) أَي: مصلى الْجَنَائِز وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد. قَوْله: (فَلَمَّا أذلقته) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وبالقاف أَي: فَلَمَّا أقلقته وأصابته بحرها. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وَالْمَدينَة بَين حرتين.
٣٢ - (بابٌ لِلْعاهِرِ الحَجَرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ للعاهر أَي: للزاني الْحجر أَي: الخيبة والحرمان، وَقيل: الرَّجْم.
٧١٨٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا اللَّيثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ وابنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هُوَ لَكَ يَا عبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) زَادَ لَنا قُتَيْبَةَ عنِ اللَّيْثِ: ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك. وَقد أخرجه مُخْتَصرا، وَمضى بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْفَرَائِض فِي: بَاب الْوَلَد للْفراش حرَّة كَانَت أَو أمة، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَابْن زَمعَة: هُوَ عبد بن زَمعَة، وَسَوْدَة: هِيَ بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (زَاد لنا) يَعْنِي: قَالَ البُخَارِيّ زَاد لنا قُتَيْبَة بن سعيد أحد مشايخه عَن اللَّيْث بن سعد بعد قَوْله: قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وزادنا.
٤٢ - (بابُ الرَّجْمِ فِي البَلاطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرَّجْم فِي البلاط، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بالبلاط وَالْبَاء فِيهِ ظرفية أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَقد اسْتعْمل فِي مَعَاني كَثِيرَة على مَا نذكرهُ الْآن، لَكِن المُرَاد بِهِ هَهُنَا مَوضِع مَعْرُوف عِنْد: بَاب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وَكَانَ مفروشاً بالبلاط يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن عمر فِي آخر حَدِيث الْبَاب: وَزعم بعض النَّاس أَن المُرَاد بالبلاط الْحجر الَّذِي يرْجم بِهِ، وَهُوَ مَا يفرش بِهِ الدّور حَتَّى اسْتشْكل ابْن بطال هَذِه التَّرْجَمَة فَقَالَ: البلاط وَغَيره سَوَاء، وَهُوَ بعيد، لِأَن المُرَاد بالبلاط مثل مَا ذَكرْنَاهُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ بَين الْمَسْجِد النَّبَوِيّ والسوق، وَقيل: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عدم اشْتِرَاط الْحفر للمرجوم لِأَن البلاط لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحفر، وَهَذَا أَيْضا احْتِمَال بعيد، وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر فحفرت لماعز بن مَالك حفيرة فرجم فِيهَا، وَقَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي (الْمُشْتَرك) : البلاط بِفَتْح أَوله وبكسره قَرْيَة بغوطة دمشق، وبلاط عَوْسَجَة حصن من أَعمال شنتبرية بالأندلس، والبلاط أَيْضا مَدِينَة خربَتْ كَانَت قَصَبَة كورة الحوار من نواحي حلب، والبلاط مَوضِع بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَ مَجْلِسا للأسرى أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان، ذكره أَبُو فراس فِي شعره، وَقَالَ أَيْضا البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَوضِع مبلط بِالْحِجَارَةِ بَين مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والسوق.
٩١٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَد عنْ سلَيْمانَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: أُتِيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَهُودِيٍّ ويَهُودِيَّةٍ قَدْ أحْدَثا جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُمْ: (مَا تَجِدُونَ فِي كِتابِكُمْ) قالُوا: إنَّ أحْبارَنا أحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيَةَ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ: ادْعُهُمْ يَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتَّوْرَاةِ، فأُتِيَ بِها فَوَضع أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَها، فَقَالَ لهُ ابنُ سَلامٍ: إرْفَعْ يَدَكَ، فَإِذا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فأمَرَ بِهِما
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُجِما:
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَرُجِما عِنْدَ البَلاطِ، فَرَأيْتُ اليَهُودِيَّ أجْنَأ عَلَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَمُحَمّد بن عُثْمَان شيخ البُخَارِيّ زَاد فِيهِ أَبُو ذَر بن كَرَامَة الْعجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا الْقَطوَانِي الْكُوفِي، وَهُوَ أَيْضا أحد مَشَايِخ البخارى روى عَنهُ فِي مَوَاضِع بِلَا وَاسِطَة، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب مولى عبد الله بن أبي عَتيق.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة نَافِع أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُتِي بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا وَنُحَمِّمهُمَا وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما، قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زيد بن أسلم عَن ابْن عمر: أَتَى نفر من الْيَهُود فدعو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الأسقف، فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا: إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة، فاحكم بَينهمَا، وَوَضَعُوا لَهُ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ، فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا، وَقَالَ: آمَنت بك وبمن أنزلك. ثمَّ قَالَ: ائْتُونِي بأعلمكم، فَأتي بفتى شَاب، ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم ... الحَدِيث.
قَوْله: (أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْإِتْيَان. قَوْله: (بِيَهُودِيٍّ) وَيَهُودِيَّة قَالَ الزّجاج: كَانَا من أهل خَيْبَر وَعَن ابْن الطلاع ذكر البُخَارِيّ أَنهم أهل ذمَّة. قَوْله: (أحدثا) أَي: زَنَيَا من أحدث إِذا زنى، وَيُقَال مَعْنَاهُ: فعلا فعلا فَاحِشا، وَأُرِيد بِهِ الزِّنَا. قَوْله: (إِن أحبارنا) أَي: علماءنا وَهُوَ جمع حبر وَهُوَ الْعَالم الَّذِي يزين الْكَلَام. قَوْله: (أَحْدَثُوا) أَي: ابتكروا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من الإحداث وَهُوَ الإبداء وَهُوَ الْإِظْهَار أَي: أظهرُوا تحميم الْوَجْه وَهُوَ تسجيمه بِالْجِيم أَي: تسويده بالفحم والحمم بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ جمع حمة وَهِي الفحمة. قَوْله: (وَالتَّجْبِيَة) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة من بَاب تخرجه وَهُوَ الإركاب معكوساً. وَقيل: أَن يحمل الزانيان على حمَار مُخَالفا بَين وُجُوههمَا. قَوْله: (فَأتى بهَا) أَي: بِالتَّوْرَاةِ قَوْله: (فَقَالَ لَهُ ابْن سَلام) هُوَ عبد الله بن سَلام. قَوْله: (أجنأ عَلَيْهَا) ، بِالْجِيم يُقَال: أجنا عَلَيْهِ يجنىء إجناء إِذا أكب عَلَيْهِ يَقِيه شَيْئا، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه هُنَا أجنابالجيم والهمزة وَفِي رِوَايَة فرأيته يجاني عَلَيْهَا من بَاب المفاعلة ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة أحنى عَلَيْهَا أَي اكب عَلَيْهَا وَقَالَ الْخطابِيّ الَّذِي جَاءَ فِي كتاب السّنَن أجنا، يَعْنِي بِالْجِيم، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ أحنى، بِالْحَاء يُقَال: حنا يحنو حنوا، وأحنى يحني أَي: يعْطف ويشفق، قيل: فَهِيَ سبع رِوَايَات كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْوِقَايَة.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الحكم بَينهم إِذا ترافعوا إِلَيْنَا أواجب ذَلِك علينا أم نَحن فِيهِ مخيرون؟ فَقَالَ جمَاعَة من فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق: إِن الإِمَام أَو الْحَاكِم مُخَيّر إِن شَاءَ حكم بَينهم إِذا تحاكموا بِحكم الْإِسْلَام، وَإِن شَاءَ أعرض عَنْهُم. وَقَالُوا: إِن قَوْله تَعَالَى: {فَإِن جاؤك} محكمَة لم ينسخها شَيْء، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْله: {فَإِن جاؤك} قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة وَهِي محكمَة. وَقَالَ عَامر وَالنَّخَعِيّ: إِن شَاءَ حكم وَإِن شَاءَ لم يحكم، وَعَن ابْن الْقَاسِم: إِذا تحاكم أهل الذِّمَّة إِلَى حَاكم الْمُسلمين وَرَضي الخصمان بِهِ جَمِيعًا فَلَا يحكم بَينهمَا إلَاّ بِرِضا من أساقفتهما، فَإِن كره ذَلِك أساقفتهم فَلَا يحكم بَينهم، وَكَذَلِكَ إِن رَضِي الأساقفة وَلم يرض الخصمان أَو أَحدهمَا لم يحكم بَينهم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَضَت السّنة أَن يرد أهل الذِّمَّة فِي حُقُوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إِلَى أهل دينهم، إِلَّا أَن يَأْتُوا راغبين فِي حكمنَا فَيحكم بَينهم بِكِتَاب الله عز وَجل، وَقَالَ آخَرُونَ: وَاجِب على الْحَاكِم أَن يحكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الله تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله تَعَالَى} نَاسخ للتَّخْيِير فِي الحكم بَينهم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه، وَرُوِيَ ذَلِك
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِهَا عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوْ أَنَّ سُكْرَهُ وَقَعَ عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُقِرَّ بِالزِّنَا إِذَا أَقَرَّ يُتْرَكُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ فَذَاكَ وَإِلَّا اتُّبِعَ وَرُجِمَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَدَلَالَتُهُ مِنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ لَوْ رَجَعَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ: لَا يُتْرَكُ إِذَا هَرَبَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ تُرِكَ، وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: إِنْ أُخِذَ فِي الْحَالِ كُمِّلَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أُخِذَ بَعْدَ أَيَّامٍ تُرِكَ.
وَعَنْ أَشْهَبَ: إِنْ ذَكَرَ عُذْرًا يُقْبَلُ تُرِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَهُ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَحَكَى الْكَجِّيُّ عَنْهُ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ إِقْرَارِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الَّذِينَ رَجَمُوهُ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ أَنْ هَرَبَ لَمْ يُلْزَمُوا بِدِيَتِهِ، فَلَوْ شُرِعَ تَرْكُهُ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ حَدَّ الرَّجْمِ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْهَرَبِ، وَقَدْ عَبَّرَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالرَّجْمِ فِي حَدِّ مَنْ أُحْصِرَ مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَأَنَّ الْمُصَلَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفًا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ، وَأَنَّ الْمَرْجُومَ فِي الْحَدِّ لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ بِالْحَدِّ وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ أَيْضًا قَرِيبًا، وَأَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْخَمْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِنْ جِهَةِ اسْتِنْكَاهِ مَاعِزٍ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ كَذَا قَالَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِوُجُودِ تُهْمَتِهِ عَلَى مَا يُظْهِرُهُ مِنْ عَدَمِ الْعَقْلِ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي غَيْرِ الطَّافِحِ أَنَّ طَلَاقَهُ لَازِمٌ، قَالَ وَمَذْهَبُنَا الْتِزَامُهُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَثْنَى مَنْ أُكْرِهَ وَمَنْ شَرِبَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ وَوَافَقَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا صِحَّةُ إِقْرَارِ السَّكْرَان وَنُفُوذُ أَقْوَالِهِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، قَالَ: وَالسُّؤَالُ عَنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَكْرَانَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَذَا أَطْلَقَ فَأَلْزَمَ التَّنَاقُضَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُرَادَهُ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الظَّرِيفَةِ فِيهِ قَوْلُ اللَّيْثِ: يُعْمَلُ بِأَفْعَالِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِأَقْوَالِهِ لِأَنَّهُ يَلْتَذُّ بِفِعْلِهِ وَيَشْفِي غَيْظَهُ وَلَا يَفْقَهُ أَكْثَرَ مَا يَقُولُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾
٢٣ - بَاب لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
٦٨١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ، وَابْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ. زَادَ لَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ اللَّيْثِ: وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
٦٨١٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أراد حضور رجمهِ فرجمناهُ (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) بالذال المعجمة والقاف أصابته بحدِّها وبلغت منه الجهد حتَّى قلق، وجواب «لمَّا» قوله: (هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، موضعٌ ذو حجارةٍ سود ظاهر المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد مَعمر في روايته الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى (١) [خ¦٦٨٢٠]: «حتَّى مات». قال في «مقدِّمة الفتح»: والَّذي رجمهُ لمَّا هرب فقتله عبد الله بن أُنَيس (٢)، وحكى الحاكم عن ابن جريج أنَّه عمر، وكان أبو بكر الصِّدِّيق رأس الَّذين رجموهُ ذكره ابن سعدٍ، وفي حديث نعيم بن هزَّال: «هلَّا تركتمُوه لعلَّه يتوبُ فيتوبَ الله عليه»، أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم والتِّرمذيُّ، وهو حجَّة للشَّافعيِّ ومن وافقه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُسقط عن نفسه الرَّجم، وعند المالكيَّة: لا يتركُ إذا هربَ بل يُتبع ويُرْجم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يلزمْهم ديتَه مع أنَّهم قتلوهُ بعد هربه. وأُجيب بأنَّه لم يصرِّح بالرُّجوع وقد ثبتَ عليه الحدُّ، وعند أبي داود من حديث بُرَيدة، قال: «كنَّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدَّث أنَّ ماعزًا والغامِديَّة لو رجعا لم يطلبْهما».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِلْعَاهِرِ) أي: للزَّاني (الحَجَرُ).
٦٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاص (وَابْنُ زَمْعَةَ) عبد في ابنِ وليدةِ زَمْعة، وكان عتبة عهدَ إلى أخيه سعد أنَّ ابنَ وليدة زَمْعة منِّي فاقبضْه إليك، فلمَّا كان عام الفتحِ أخذه سعدٌ،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور.
قَوْله: (فَأخْبرنَا) بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (من سمع) فَاعل أخبرنَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: من سمع قيل يشبه أَن يكون ذَلِك هُوَ أَبُو سَلمَة لما صرح باسمه فِي الرِّوَايَات الْأُخَر. قَوْله: (بالمصلى) أَي: مصلى الْجَنَائِز وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد. قَوْله: (فَلَمَّا أذلقته) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وبالقاف أَي: فَلَمَّا أقلقته وأصابته بحرها. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهِي أَرض ذَات حِجَارَة سود. وَالْمَدينَة بَين حرتين.
٣٢ - (بابٌ لِلْعاهِرِ الحَجَرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ للعاهر أَي: للزاني الْحجر أَي: الخيبة والحرمان، وَقيل: الرَّجْم.
٧١٨٦ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ حَدثنَا اللَّيثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، قالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ وابنُ زَمْعَةَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (هُوَ لَكَ يَا عبْدُ بنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِراشِ، واحتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ) زَادَ لَنا قُتَيْبَةَ عنِ اللَّيْثِ: ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك. وَقد أخرجه مُخْتَصرا، وَمضى بِتَمَامِهِ فِي كتاب الْفَرَائِض فِي: بَاب الْوَلَد للْفراش حرَّة كَانَت أَو أمة، أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
وَسعد هُوَ ابْن أبي وَقاص، وَابْن زَمعَة: هُوَ عبد بن زَمعَة، وَسَوْدَة: هِيَ بنت زَمعَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (زَاد لنا) يَعْنِي: قَالَ البُخَارِيّ زَاد لنا قُتَيْبَة بن سعيد أحد مشايخه عَن اللَّيْث بن سعد بعد قَوْله: قَوْله: (الْوَلَد للْفراش وللعاهر الْحجر) وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وزادنا.
٤٢ - (بابُ الرَّجْمِ فِي البَلاطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرَّجْم فِي البلاط، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بالبلاط وَالْبَاء فِيهِ ظرفية أَيْضا، وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا وَقد اسْتعْمل فِي مَعَاني كَثِيرَة على مَا نذكرهُ الْآن، لَكِن المُرَاد بِهِ هَهُنَا مَوضِع مَعْرُوف عِنْد: بَاب الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وَكَانَ مفروشاً بالبلاط يدل عَلَيْهِ كَلَام ابْن عمر فِي آخر حَدِيث الْبَاب: وَزعم بعض النَّاس أَن المُرَاد بالبلاط الْحجر الَّذِي يرْجم بِهِ، وَهُوَ مَا يفرش بِهِ الدّور حَتَّى اسْتشْكل ابْن بطال هَذِه التَّرْجَمَة فَقَالَ: البلاط وَغَيره سَوَاء، وَهُوَ بعيد، لِأَن المُرَاد بالبلاط مثل مَا ذَكرْنَاهُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ بَين الْمَسْجِد النَّبَوِيّ والسوق، وَقيل: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ عدم اشْتِرَاط الْحفر للمرجوم لِأَن البلاط لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحفر، وَهَذَا أَيْضا احْتِمَال بعيد، وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَمر فحفرت لماعز بن مَالك حفيرة فرجم فِيهَا، وَقَالَ ياقوت الْحَمَوِيّ فِي (الْمُشْتَرك) : البلاط بِفَتْح أَوله وبكسره قَرْيَة بغوطة دمشق، وبلاط عَوْسَجَة حصن من أَعمال شنتبرية بالأندلس، والبلاط أَيْضا مَدِينَة خربَتْ كَانَت قَصَبَة كورة الحوار من نواحي حلب، والبلاط مَوضِع بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كَانَ مَجْلِسا للأسرى أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان، ذكره أَبُو فراس فِي شعره، وَقَالَ أَيْضا البلاط مَوضِع بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَوضِع مبلط بِالْحِجَارَةِ بَين مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، والسوق.
٩١٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَد عنْ سلَيْمانَ حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: أُتِيَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَهُودِيٍّ ويَهُودِيَّةٍ قَدْ أحْدَثا جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُمْ: (مَا تَجِدُونَ فِي كِتابِكُمْ) قالُوا: إنَّ أحْبارَنا أحْدَثُوا تَحْمِيمَ الوَجْهِ والتَّجْبِيَةَ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ: ادْعُهُمْ يَا رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتَّوْرَاةِ، فأُتِيَ بِها فَوَضع أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ وجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَها وَمَا بَعْدَها، فَقَالَ لهُ ابنُ سَلامٍ: إرْفَعْ يَدَكَ، فَإِذا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فأمَرَ بِهِما
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُجِما:
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَرُجِما عِنْدَ البَلاطِ، فَرَأيْتُ اليَهُودِيَّ أجْنَأ عَلَيْها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث وَمُحَمّد بن عُثْمَان شيخ البُخَارِيّ زَاد فِيهِ أَبُو ذَر بن كَرَامَة الْعجلِيّ الْكُوفِي وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا الْقَطوَانِي الْكُوفِي، وَهُوَ أَيْضا أحد مَشَايِخ البخارى روى عَنهُ فِي مَوَاضِع بِلَا وَاسِطَة، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب مولى عبد الله بن أبي عَتيق.
والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة نَافِع أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أُتِي بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّة قد زَنَيَا، فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا وَنُحَمِّمهُمَا وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما، قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بهَا فقرؤوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زيد بن أسلم عَن ابْن عمر: أَتَى نفر من الْيَهُود فدعو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الأسقف، فَأَتَاهُم فِي بَيت الْمدَارِس فَقَالُوا: إِن رجلا منا زنى بِامْرَأَة، فاحكم بَينهمَا، وَوَضَعُوا لَهُ وسَادَة فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَقَالَ: ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ، فَأتي بهَا فَنزع الوسادة من تَحْتَهُ وَوضع التَّوْرَاة عَلَيْهَا، وَقَالَ: آمَنت بك وبمن أنزلك. ثمَّ قَالَ: ائْتُونِي بأعلمكم، فَأتي بفتى شَاب، ثمَّ ذكر قصَّة الرَّجْم ... الحَدِيث.
قَوْله: (أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْإِتْيَان. قَوْله: (بِيَهُودِيٍّ) وَيَهُودِيَّة قَالَ الزّجاج: كَانَا من أهل خَيْبَر وَعَن ابْن الطلاع ذكر البُخَارِيّ أَنهم أهل ذمَّة. قَوْله: (أحدثا) أَي: زَنَيَا من أحدث إِذا زنى، وَيُقَال مَعْنَاهُ: فعلا فعلا فَاحِشا، وَأُرِيد بِهِ الزِّنَا. قَوْله: (إِن أحبارنا) أَي: علماءنا وَهُوَ جمع حبر وَهُوَ الْعَالم الَّذِي يزين الْكَلَام. قَوْله: (أَحْدَثُوا) أَي: ابتكروا، قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من الإحداث وَهُوَ الإبداء وَهُوَ الْإِظْهَار أَي: أظهرُوا تحميم الْوَجْه وَهُوَ تسجيمه بِالْجِيم أَي: تسويده بالفحم والحمم بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم المخففة، قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ جمع حمة وَهِي الفحمة. قَوْله: (وَالتَّجْبِيَة) بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة من بَاب تخرجه وَهُوَ الإركاب معكوساً. وَقيل: أَن يحمل الزانيان على حمَار مُخَالفا بَين وُجُوههمَا. قَوْله: (فَأتى بهَا) أَي: بِالتَّوْرَاةِ قَوْله: (فَقَالَ لَهُ ابْن سَلام) هُوَ عبد الله بن سَلام. قَوْله: (أجنأ عَلَيْهَا) ، بِالْجِيم يُقَال: أجنا عَلَيْهِ يجنىء إجناء إِذا أكب عَلَيْهِ يَقِيه شَيْئا، وَقَالَ ابْن التِّين: ورويناه هُنَا أجنابالجيم والهمزة وَفِي رِوَايَة فرأيته يجاني عَلَيْهَا من بَاب المفاعلة ويروى بِالْحَاء الْمُهْملَة أحنى عَلَيْهَا أَي اكب عَلَيْهَا وَقَالَ الْخطابِيّ الَّذِي جَاءَ فِي كتاب السّنَن أجنا، يَعْنِي بِالْجِيم، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ أحنى، بِالْحَاء يُقَال: حنا يحنو حنوا، وأحنى يحني أَي: يعْطف ويشفق، قيل: فَهِيَ سبع رِوَايَات كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْوِقَايَة.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الحكم بَينهم إِذا ترافعوا إِلَيْنَا أواجب ذَلِك علينا أم نَحن فِيهِ مخيرون؟ فَقَالَ جمَاعَة من فُقَهَاء الْحجاز وَالْعراق: إِن الإِمَام أَو الْحَاكِم مُخَيّر إِن شَاءَ حكم بَينهم إِذا تحاكموا بِحكم الْإِسْلَام، وَإِن شَاءَ أعرض عَنْهُم. وَقَالُوا: إِن قَوْله تَعَالَى: {فَإِن جاؤك} محكمَة لم ينسخها شَيْء، وَمِمَّنْ قَالَ بذلك: مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَول عَطاء وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْله: {فَإِن جاؤك} قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة وَهِي محكمَة. وَقَالَ عَامر وَالنَّخَعِيّ: إِن شَاءَ حكم وَإِن شَاءَ لم يحكم، وَعَن ابْن الْقَاسِم: إِذا تحاكم أهل الذِّمَّة إِلَى حَاكم الْمُسلمين وَرَضي الخصمان بِهِ جَمِيعًا فَلَا يحكم بَينهمَا إلَاّ بِرِضا من أساقفتهما، فَإِن كره ذَلِك أساقفتهم فَلَا يحكم بَينهم، وَكَذَلِكَ إِن رَضِي الأساقفة وَلم يرض الخصمان أَو أَحدهمَا لم يحكم بَينهم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: مَضَت السّنة أَن يرد أهل الذِّمَّة فِي حُقُوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إِلَى أهل دينهم، إِلَّا أَن يَأْتُوا راغبين فِي حكمنَا فَيحكم بَينهم بِكِتَاب الله عز وَجل، وَقَالَ آخَرُونَ: وَاجِب على الْحَاكِم أَن يحكم بَينهم إِذا تحاكموا إِلَيْهِ بِحكم الله تَعَالَى، وَزَعَمُوا أَن قَوْله تَعَالَى: {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله تَعَالَى} نَاسخ للتَّخْيِير فِي الحكم بَينهم فِي الْآيَة الَّتِي قبل هَذِه، وَرُوِيَ ذَلِك