الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٢٧
الحديث رقم ٦٨٢٧ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاعتراف بالزنا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٦٨⦘
سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي: أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا» قُلْتُ لِسُفْيَانَ: لَمْ يَقُلْ: فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ؟ فَقَالَ: أَشُكُّ فِيهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، فَرُبَّمَا قُلْتُهَا، وَرُبَّمَا سَكَتُّ.
٦٨٢٧ - ٦٨٢٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ قَالَا:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي هذا الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لماعزٍ؛ لأنَّه استمرَّ على طلبِ إقامةِ الحدِّ عليه مع توبتهِ ليتمَّ تطهيرُهُ، ولم يرجعْ عن إقرارهِ مع أنَّ (١) الطَّبع البشريَّ يقتضِي أنَّه (٢) لا يستمرُّ على الإقرارِ بما يقتضِي إزهاقَ نفسه، فجاهدَ نفسَه على ذلك وقويَ عليها، وفيه التَّثبُّت في إزهاقِ نفس المسلمِ والمبالغة في صيانتهِ لما وقع في هذه القصَّة من ترديدِه والإيماءِ إليه بالرُّجوع، والإشارة إلى قبولِ دَعواه إن ادَّعى خطأ في معنى الزِّنا، ومباشرة دون الفرج مثلًا، وأنَّ إقرارَ المجنون لاغٍ.
(٣٠) (باب) بيان حكم (الاِعْتِرَافِ بِالزِّنَا).
٦٨٢٧ - ٦٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ فِي الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أي: من فمهِ، وعند الحميديِّ: عن سفيان حدَّثنا الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، أي: ابن عبدِ الله بن عتبةَ بنِ مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ ﵄ (قَالَا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ) وهو جالسٌ في المسجدِ (فَقَامَ رَجُلٌ) أي: من الأعرابِ كما في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على اسمهِ، ولا على اسمِ خصمهِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح الهمزة وسكون النون
وضم الشين المعجمة والدال المهملة، أي: أسألُكَ الله، أي: بالله، ومعنى السُّؤال هنا القَسَم، كأنَّه قال: أقسمتُ عليك بالله، أو معناه: ذكَّرتُك -بتشديد الكاف- وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرفِ الجرِّ (١) فيه، ولذا قال الفارسيُّ: أجروه مَجرى ذكَّرتك (٢)، وإذا (٣) قلنا: معناه سأل، كان متعديًّا لمفعولين ليسَ ثانيهمَا المجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهَّمه كثيرٌ، بل مفعوله الثَّاني ما يأتي بعدَه (٤)، فإذا قلت: أَنْشدك اللهَ أن تُكرمني، فالمصدر المؤوَّل من أن تُكرمني هو مفعولُه الثَّاني، وقسْ على ذلك، وإن قلنَا معناه: ذكَّرتك الله، فالمراد به: الإقسام عليه به، فهذان مفعولاه (٥)، وحينئذٍ فما بعده على تقديرِ حرفِ جرٍّ، فإذا (٦) قيل (٧): نشدتُكَ الله أن تُكرمني، كان معناه: ذكَّرتك الله في إكرامِي.
ثمَّ إنَّ العربَ تأتي بعد هذا التَّركيب بإلَّا مع أنَّ صورةَ لفظه إيجابٌ، ثمَّ يأتون بعدَه بفعل ولا يستثنى، فيقولون: أَنْشُدك الله إلَّا فعلت كذا، وذلك لأنَّ المعنى على النَّفي والحصر فحسُنَ الاستثناءُ، وأمَّا وقوعُ الفعلِ بعد إلَّا فعلى تأويلهِ بالمصدرِ، وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ؛ لضرورة افتقارِ المعنى إلى ذلك، وهو من المواضعِ الَّتي يقعُ فيها الفعل (٨) موقعَ الاسم كما قاله صاحب «المفصل». قال: وقد أُوقع الفعل المتعدِّي موقعَ الاسم المستثنى في قولهِ: أَنْشُدك الله إلَّا (٩) فعلت. وتعقَّبه البَرْماويُّ بأنَّ تقييده بالفعل المتعدِّي لا معنى له. وقال أبو حيَّان: فهو كلام يعنون به النَّفي المحصور فيه المفعول، قال: وقد صرَّح بـ: «ما» المصدريَّة مع الفعل بعد إلَّا، يعني كما وقع في هذا الحديث بعد أَنْشُدك (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: لا أسألُكَ بالله إلَّا القضاء بيننا بكتابِ الله. قال في «العدّة»: في المسألة مذهبان آخران حكاهما
أبو حيَّان. أحدُهما: أنَّ «إلَّا» جواب القسم؛ لأنَّها في (١) الكلامِ على معنى الحصرِ، فدخلتْ هنا لذلك المعنى كأنَّك قلت: نشدتك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا كذا، فحذف الجواب وترك ما يدلُّ عليه، والثَّاني قاله في «البسيط»: أنَّ «إلَّا» أيضًا جوابٌ للقسمِ، لكن على أنَّ الأصل: نشدتُك الله لتفعلنَّ كذا، ثمَّ أوقعوا موقع المضارع الماضي ولم يدخلوا لام التَّوكيد (٢)؛ لأنَّها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلَّا وحملوها عليها، فتلخَّص أنَّ الاستثناء في هذا التَّركيب مفرَّغ، وقوله: «بكتاب الله» أي: بما تضمَّنه كتابُ الله، أو أنَّ المراد به: حكمُ الله المكتوب على المكلَّفين من الحدودِ والأحكامِ إذ الرَّجم ليس في القرآنِ، ويحتملُ أن يرادَ به: القرآن، وكان ذلك قبل أن تنسخَ آية الرَّجم لفظًا، وإنَّما سألا أن يحكمَ بينهما بحكمِ الله وهما يعلمان أنَّه لا يحكم إلَّا بحكمِ الله؛ ليفصلَ بينهما بالحكم الصَّرف لا بالنَّصائح والتَّرغيب فيما (٣) هو الأرفق بهما، إذ للحاكمِ أن يفعلَ، ولكن برضا الخصمين.
(فَقَامَ خَصْمُهُ -وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ-) يحتمل -كما قال الحافظ الزَّين العراقيُّ- أن يكون الرَّاوي كان عارفًا بهما قبلَ أن يتحاكمَا، فوصف الثَّاني بأنَّه أفقه من الأوَّل مطلقًا، أو في هذهِ القصَّة (٤) الخاصَّة، واستدلَّ بحسنِ أدبهِ في استئذانهِ أولًا، وتركِ رفع صوتهِ إن كان الأوَّل رفعه، والخصم في الأوَّل مصدر خصمه يخصمه؛ إذا نازعَه وغالبهُ، ثمَّ أطلق على المخاصمِ وصار اسمًا له، فلذا يُطلق على الواحدِ والاثنين، والأكثر بلفظ واحدٍ، مذكَّرًا كان المخاصم أو مؤنَّثًا؛ لأنَّه بمعنى «ذو» كذا على قولِ البصريِّين في رجلٍ عدلٍ ونحوه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وربَّما ثنِّي وجُمِع للتَّنبيه على فائدةٍ تراد في الكلامِ نحو: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ونحو ذلك (فَقَالَ): يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي) أي: في أن أتكلَّم، وفي رواية ابن [أبي] شيبةَ عن سفيان: حتَّى أقول (قَالَ) ﷺ: (قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء، أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: عندَه، أو «على» بمعنى اللام، كقولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] قال الكِرْمانيُّ وتبعه العينيُّ والبَرْماويُّ: وهذا القول … إلى آخره من
جملةِ كلام الرَّجل، أي: الأوَّل لا الخصم (١)، ولعلَّه تمسَّك بقولهِ في «الصُّلح»: فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني، بعد قولهِ في أوَّل الحديث: جاء أعرابيٌّ [خ¦٢٦٩٥] وتعقَّبه في «فتح الباري» كما سبق في «الصُّلح» بأنَّ هذه الزِّيادة شاذَّةٌ، والمحفوظ ما في سائرِ الطُّرق كما في رواية سفيان هنا، فالاختلافُ فيه على ابنِ أبي ذئب (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) ولم يعرفِ الحافظ ابن حجرٍ اسمها ولا اسمَ الابن (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ) «بمئة شاةٍ» متعلِّقٌ (٢) بـ «افتديتُ»، و «منه» أي (٣): من الرَّجم، والشَّاةُ تذكَّر وتؤنَّث، وأصلها شاهَة؛ لأنَّ تصغيرها شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ، والجمع: شياهٌ بالهاء تقول: ثلاث شياهٍ إلى العشرةِ، فإذا جاوزتِ فالتاء، فإذا كثرتْ قلت: هذه شاءٌ كثيرة، بالهمز، و «من» للبدليَّة كقولهِ تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة (ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الفتح»: لم أقف على أسمائهم ولا على عددِهم (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ) بإضافة جلد للاحقهِ، كقولهِ: (وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ) لإحصانها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: و) حقِّ (٤) (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِه) فـ: «الَّذي» (٥) مع صلتهِ وعائدِه مقسمٌ به، و «نفسي» مبتدأٌ، و «بيدِه» في محلِّ الخبر وبه يتعلَّق (٦) حرف الجرِّ، وجوابُ القسم قولُهُ: (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُه) بتشديد النُّون للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ: «بينكُم» بالجمعِ (المِئَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ) وفي «الصُّلح»: «الوليدة» [خ¦٢٦٩٥] ولا تنافي بينهمَا؛ لأنَّ الخادمَ يُطلق على الذَّكر والأنثى، وقوله: «ردٌّ» من إطلاقِ المصدر على المفعولِ، أي: مردودٌ، نحو نسج اليمنِ، أي: منسوجه، ولذلك كان بلفظ واحدٍ (٧) للواحد والمتعدِّد (٨). وقوله: «المئة شاة» هو (٩)
على مذهبِ الكوفيِّين، والمعنى: أنَّه يجب ردُّ ذلك إليك (١)، وفيه دليلٌ على أنَّ المأخوذ بالعقود (٢) الفاسدةِ -كما في هذا الصُّلح الفاسدِ- لا يُمْلَك بل يجبُ ردُّه على صاحبهِ.
قال في «العدة»: وهو أجود ممَّا استدلَّ به البخاريُّ من حديثِ بلال: «أَوَّهْ (٣) عينُ الرِّبا لا تفعلْ» [خ¦٢٣١٢] فإنَّ ذاك الحديث ليس فيه أمرٌ بالردِّ إنَّما فيه النَّهي عن مثل هذا (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) وهذا يتضمَّن أنَّ ابنه كان بكرًا وأنَّه اعترف بالزِّنا، فإنَّ إقرار الأبِ عليه لا يقبلُ، أو يكون أضمر اعترافَه، أي: إن كان ابنك اعترفَ بالزِّنا فعليهِ جلد مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والسَّابق أوجهُ؛ لأنَّه في مقامِ الحكم، وقرينةُ اعترافهِ حضورُه مع أبيهِ (٤)، كما في الرِّواية الأخرى: إنَّ ابنِي هذا، وسكوتُه على ما نسبَه إليهِ، وفي رواية عَمرو بن شعيب: كان ابني أجيرًا لامرأةِ هذا، وابني لم يحصن. فصرَّح بكونه بكرًا، وفيه التَّغريب للبكرِ الزَّاني، وبه تمسَّك الشَّافعيَّة، خلافًا لأبي حنيفة فلا يقول به؛ لأنَّ إيجابه زيادةٌ على النَّصِّ، والزِّيادة على النَّصِّ (٥) بخبر الواحدِ نسخٌ فلا يجوزُ (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة، مصغَّرًا، ابن الضَّحَّاك الأسلميُّ على الأصحِّ (عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) والمراد بالغدوِّ: الذَّهاب، كما يُطلق الرَّواح على ذلك، وليس المرادُ: حقيقةَ الغدوِّ، وهو التَّأخير إلى (٦) أوَّل النَّهار، كما لا (٧) يُراد بالرَّواح التَّوجُّه نصفَ النَّهار، ويدلُّ له رواية مالكٍ ويونسَ وصالح بن كَيسان، وأمرَ أُنَيسًا الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الآخر، وإنَّما بعثه لإعلامِ المرأة بأنَّ هذا الرَّجل قذفَها بابنه، فلها عليه حدُّ القذفِ فتطالبُه به، أو تعفو إلَّا أن تعترفَ (٨) بالزِّنا، فلا يجبُ عليه حدُّ القذف بل عليها حدُّ الزِّنا وهو الرَّجم؛ لأنَّها كانت محصنةً، فذهبَ إليها أُنَيس فاعترفتْ به فأمرَ ﷺ برجمِهَا فرُجمَتْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي هذا الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لماعزٍ؛ لأنَّه استمرَّ على طلبِ إقامةِ الحدِّ عليه مع توبتهِ ليتمَّ تطهيرُهُ، ولم يرجعْ عن إقرارهِ مع أنَّ (١) الطَّبع البشريَّ يقتضِي أنَّه (٢) لا يستمرُّ على الإقرارِ بما يقتضِي إزهاقَ نفسه، فجاهدَ نفسَه على ذلك وقويَ عليها، وفيه التَّثبُّت في إزهاقِ نفس المسلمِ والمبالغة في صيانتهِ لما وقع في هذه القصَّة من ترديدِه والإيماءِ إليه بالرُّجوع، والإشارة إلى قبولِ دَعواه إن ادَّعى خطأ في معنى الزِّنا، ومباشرة دون الفرج مثلًا، وأنَّ إقرارَ المجنون لاغٍ.
(٣٠) (باب) بيان حكم (الاِعْتِرَافِ بِالزِّنَا).
٦٨٢٧ - ٦٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ فِي الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أي: من فمهِ، وعند الحميديِّ: عن سفيان حدَّثنا الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، أي: ابن عبدِ الله بن عتبةَ بنِ مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ ﵄ (قَالَا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ) وهو جالسٌ في المسجدِ (فَقَامَ رَجُلٌ) أي: من الأعرابِ كما في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على اسمهِ، ولا على اسمِ خصمهِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح الهمزة وسكون النون
وضم الشين المعجمة والدال المهملة، أي: أسألُكَ الله، أي: بالله، ومعنى السُّؤال هنا القَسَم، كأنَّه قال: أقسمتُ عليك بالله، أو معناه: ذكَّرتُك -بتشديد الكاف- وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرفِ الجرِّ (١) فيه، ولذا قال الفارسيُّ: أجروه مَجرى ذكَّرتك (٢)، وإذا (٣) قلنا: معناه سأل، كان متعديًّا لمفعولين ليسَ ثانيهمَا المجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهَّمه كثيرٌ، بل مفعوله الثَّاني ما يأتي بعدَه (٤)، فإذا قلت: أَنْشدك اللهَ أن تُكرمني، فالمصدر المؤوَّل من أن تُكرمني هو مفعولُه الثَّاني، وقسْ على ذلك، وإن قلنَا معناه: ذكَّرتك الله، فالمراد به: الإقسام عليه به، فهذان مفعولاه (٥)، وحينئذٍ فما بعده على تقديرِ حرفِ جرٍّ، فإذا (٦) قيل (٧): نشدتُكَ الله أن تُكرمني، كان معناه: ذكَّرتك الله في إكرامِي.
ثمَّ إنَّ العربَ تأتي بعد هذا التَّركيب بإلَّا مع أنَّ صورةَ لفظه إيجابٌ، ثمَّ يأتون بعدَه بفعل ولا يستثنى، فيقولون: أَنْشُدك الله إلَّا فعلت كذا، وذلك لأنَّ المعنى على النَّفي والحصر فحسُنَ الاستثناءُ، وأمَّا وقوعُ الفعلِ بعد إلَّا فعلى تأويلهِ بالمصدرِ، وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ؛ لضرورة افتقارِ المعنى إلى ذلك، وهو من المواضعِ الَّتي يقعُ فيها الفعل (٨) موقعَ الاسم كما قاله صاحب «المفصل». قال: وقد أُوقع الفعل المتعدِّي موقعَ الاسم المستثنى في قولهِ: أَنْشُدك الله إلَّا (٩) فعلت. وتعقَّبه البَرْماويُّ بأنَّ تقييده بالفعل المتعدِّي لا معنى له. وقال أبو حيَّان: فهو كلام يعنون به النَّفي المحصور فيه المفعول، قال: وقد صرَّح بـ: «ما» المصدريَّة مع الفعل بعد إلَّا، يعني كما وقع في هذا الحديث بعد أَنْشُدك (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: لا أسألُكَ بالله إلَّا القضاء بيننا بكتابِ الله. قال في «العدّة»: في المسألة مذهبان آخران حكاهما
أبو حيَّان. أحدُهما: أنَّ «إلَّا» جواب القسم؛ لأنَّها في (١) الكلامِ على معنى الحصرِ، فدخلتْ هنا لذلك المعنى كأنَّك قلت: نشدتك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا كذا، فحذف الجواب وترك ما يدلُّ عليه، والثَّاني قاله في «البسيط»: أنَّ «إلَّا» أيضًا جوابٌ للقسمِ، لكن على أنَّ الأصل: نشدتُك الله لتفعلنَّ كذا، ثمَّ أوقعوا موقع المضارع الماضي ولم يدخلوا لام التَّوكيد (٢)؛ لأنَّها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلَّا وحملوها عليها، فتلخَّص أنَّ الاستثناء في هذا التَّركيب مفرَّغ، وقوله: «بكتاب الله» أي: بما تضمَّنه كتابُ الله، أو أنَّ المراد به: حكمُ الله المكتوب على المكلَّفين من الحدودِ والأحكامِ إذ الرَّجم ليس في القرآنِ، ويحتملُ أن يرادَ به: القرآن، وكان ذلك قبل أن تنسخَ آية الرَّجم لفظًا، وإنَّما سألا أن يحكمَ بينهما بحكمِ الله وهما يعلمان أنَّه لا يحكم إلَّا بحكمِ الله؛ ليفصلَ بينهما بالحكم الصَّرف لا بالنَّصائح والتَّرغيب فيما (٣) هو الأرفق بهما، إذ للحاكمِ أن يفعلَ، ولكن برضا الخصمين.
(فَقَامَ خَصْمُهُ -وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ-) يحتمل -كما قال الحافظ الزَّين العراقيُّ- أن يكون الرَّاوي كان عارفًا بهما قبلَ أن يتحاكمَا، فوصف الثَّاني بأنَّه أفقه من الأوَّل مطلقًا، أو في هذهِ القصَّة (٤) الخاصَّة، واستدلَّ بحسنِ أدبهِ في استئذانهِ أولًا، وتركِ رفع صوتهِ إن كان الأوَّل رفعه، والخصم في الأوَّل مصدر خصمه يخصمه؛ إذا نازعَه وغالبهُ، ثمَّ أطلق على المخاصمِ وصار اسمًا له، فلذا يُطلق على الواحدِ والاثنين، والأكثر بلفظ واحدٍ، مذكَّرًا كان المخاصم أو مؤنَّثًا؛ لأنَّه بمعنى «ذو» كذا على قولِ البصريِّين في رجلٍ عدلٍ ونحوه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وربَّما ثنِّي وجُمِع للتَّنبيه على فائدةٍ تراد في الكلامِ نحو: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ونحو ذلك (فَقَالَ): يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي) أي: في أن أتكلَّم، وفي رواية ابن [أبي] شيبةَ عن سفيان: حتَّى أقول (قَالَ) ﷺ: (قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء، أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: عندَه، أو «على» بمعنى اللام، كقولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] قال الكِرْمانيُّ وتبعه العينيُّ والبَرْماويُّ: وهذا القول … إلى آخره من
جملةِ كلام الرَّجل، أي: الأوَّل لا الخصم (١)، ولعلَّه تمسَّك بقولهِ في «الصُّلح»: فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني، بعد قولهِ في أوَّل الحديث: جاء أعرابيٌّ [خ¦٢٦٩٥] وتعقَّبه في «فتح الباري» كما سبق في «الصُّلح» بأنَّ هذه الزِّيادة شاذَّةٌ، والمحفوظ ما في سائرِ الطُّرق كما في رواية سفيان هنا، فالاختلافُ فيه على ابنِ أبي ذئب (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) ولم يعرفِ الحافظ ابن حجرٍ اسمها ولا اسمَ الابن (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ) «بمئة شاةٍ» متعلِّقٌ (٢) بـ «افتديتُ»، و «منه» أي (٣): من الرَّجم، والشَّاةُ تذكَّر وتؤنَّث، وأصلها شاهَة؛ لأنَّ تصغيرها شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ، والجمع: شياهٌ بالهاء تقول: ثلاث شياهٍ إلى العشرةِ، فإذا جاوزتِ فالتاء، فإذا كثرتْ قلت: هذه شاءٌ كثيرة، بالهمز، و «من» للبدليَّة كقولهِ تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة (ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الفتح»: لم أقف على أسمائهم ولا على عددِهم (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ) بإضافة جلد للاحقهِ، كقولهِ: (وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ) لإحصانها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: و) حقِّ (٤) (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِه) فـ: «الَّذي» (٥) مع صلتهِ وعائدِه مقسمٌ به، و «نفسي» مبتدأٌ، و «بيدِه» في محلِّ الخبر وبه يتعلَّق (٦) حرف الجرِّ، وجوابُ القسم قولُهُ: (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُه) بتشديد النُّون للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ: «بينكُم» بالجمعِ (المِئَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ) وفي «الصُّلح»: «الوليدة» [خ¦٢٦٩٥] ولا تنافي بينهمَا؛ لأنَّ الخادمَ يُطلق على الذَّكر والأنثى، وقوله: «ردٌّ» من إطلاقِ المصدر على المفعولِ، أي: مردودٌ، نحو نسج اليمنِ، أي: منسوجه، ولذلك كان بلفظ واحدٍ (٧) للواحد والمتعدِّد (٨). وقوله: «المئة شاة» هو (٩)
على مذهبِ الكوفيِّين، والمعنى: أنَّه يجب ردُّ ذلك إليك (١)، وفيه دليلٌ على أنَّ المأخوذ بالعقود (٢) الفاسدةِ -كما في هذا الصُّلح الفاسدِ- لا يُمْلَك بل يجبُ ردُّه على صاحبهِ.
قال في «العدة»: وهو أجود ممَّا استدلَّ به البخاريُّ من حديثِ بلال: «أَوَّهْ (٣) عينُ الرِّبا لا تفعلْ» [خ¦٢٣١٢] فإنَّ ذاك الحديث ليس فيه أمرٌ بالردِّ إنَّما فيه النَّهي عن مثل هذا (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) وهذا يتضمَّن أنَّ ابنه كان بكرًا وأنَّه اعترف بالزِّنا، فإنَّ إقرار الأبِ عليه لا يقبلُ، أو يكون أضمر اعترافَه، أي: إن كان ابنك اعترفَ بالزِّنا فعليهِ جلد مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والسَّابق أوجهُ؛ لأنَّه في مقامِ الحكم، وقرينةُ اعترافهِ حضورُه مع أبيهِ (٤)، كما في الرِّواية الأخرى: إنَّ ابنِي هذا، وسكوتُه على ما نسبَه إليهِ، وفي رواية عَمرو بن شعيب: كان ابني أجيرًا لامرأةِ هذا، وابني لم يحصن. فصرَّح بكونه بكرًا، وفيه التَّغريب للبكرِ الزَّاني، وبه تمسَّك الشَّافعيَّة، خلافًا لأبي حنيفة فلا يقول به؛ لأنَّ إيجابه زيادةٌ على النَّصِّ، والزِّيادة على النَّصِّ (٥) بخبر الواحدِ نسخٌ فلا يجوزُ (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة، مصغَّرًا، ابن الضَّحَّاك الأسلميُّ على الأصحِّ (عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) والمراد بالغدوِّ: الذَّهاب، كما يُطلق الرَّواح على ذلك، وليس المرادُ: حقيقةَ الغدوِّ، وهو التَّأخير إلى (٦) أوَّل النَّهار، كما لا (٧) يُراد بالرَّواح التَّوجُّه نصفَ النَّهار، ويدلُّ له رواية مالكٍ ويونسَ وصالح بن كَيسان، وأمرَ أُنَيسًا الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الآخر، وإنَّما بعثه لإعلامِ المرأة بأنَّ هذا الرَّجل قذفَها بابنه، فلها عليه حدُّ القذفِ فتطالبُه به، أو تعفو إلَّا أن تعترفَ (٨) بالزِّنا، فلا يجبُ عليه حدُّ القذف بل عليها حدُّ الزِّنا وهو الرَّجم؛ لأنَّها كانت محصنةً، فذهبَ إليها أُنَيس فاعترفتْ به فأمرَ ﷺ برجمِهَا فرُجمَتْ.