«قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٢١

الحديث رقم ٦٩٢١ من كتاب «كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٩٢١ في صحيح البخاري

«قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ.»

بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ) وَاسْتِتَابَتِهِمْ

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ وَقَالَ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لا جَرَمَ﴾ يَقُولُ حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ … مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٦٩٢١

٦٩٢١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٩٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٩٢١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالْآخِرِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقِتَالِهِمْ: وَإِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ إِلَخْ وَحَذَفَ لَفْظَ بَابٍ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ، لِعَطْفِ آيَةٍ عَلَى آيَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ؛ لِأَنَّهُ فِي التِّلَاوَةِ بِلَا وَاوٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْآيَةُ الْأُولَى دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَالْمُشْرِكُ أَصْلٌ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ لِمَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مُسَاوِيًا فَنَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى غَيْرِ الْمُنْعِمِ بِهَا، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ خُوطِبَ بِهَا النَّبِيُّ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَالْإِحْبَاطُ الْمَذْكُورُ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَفِي آخِرِهِ: لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: لمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: بِشِرْكٍ الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَرْسَلَ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ رُوَاتِهِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: بِشِرْكٍ.

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: لَمْ يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَفَزِعَ فَسَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ لِسَلْمَانَ: آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَذَكَرَهَا فَقَالَ سَلْمَانُ: هُوَ الشِّرْكُ، فَسُرَّ زَيْدٌ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ لِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً، لَيْسَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَسَنَدُهُمَا ضَعِيفٌ. وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَأَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ اللَّبْسِ يَأْبَى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ هُنَا بِالشِّرْكِ مُعْتَلًّا بِأَنَّ اللَّبْسَ الْخَلْطُ وَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ الْخَالِصِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْوَاقِعَ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَهُ ثَابِتٌ لِمَنْ قَبْلَهُ لِاكْتِسَابِهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْنَ الْمَذْكُورَ ثَانِيًا هُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَيْنَ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾

قَالَ: وَأَمَّا مَعْنَى اللَّبْسِ فَلَبْسُ الْإِيمَانِ بِالظُّلْمِ أَنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ اللَّهِ وَيَخْلِطَ بِهِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا، وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى

فَقَالُوا هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ وَلَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْأُمَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الحديث الثالث حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي ذِكْرِ الْكَبَائِرِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ قَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ إِشْكَابَ أَخُو عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ قَبْلَهُ قَلِيلًا وَمَاتَ بَعْدَهُ.

وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى شَيْخُهُ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الدِّيَاتِ فِي بَابِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ:

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى، فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَيُبَكَّتُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْكُفْرِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهَلَّا مَنَعَكَ إِسْلَامُكَ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ؟ انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِرِ بِالْعُقُوبَةِ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ غَيْرِهِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيُعَاقَبْ عَلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ حَدِيثِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّينَ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ فِي عَقْدِهِ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا، وَلَا تَكُونُ الْإِسَاءَةُ هُنَا إِلَّا الْكُفْرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَى: مَنْ أَحْسَنَ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.

وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ: مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلِغَيْرِهِ: مَعْنَى الْإِحْسَانِ الْإِخْلَاصُ حِينَ دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالْإِسَاءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِصْ إِسْلَامَهُ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَنْهَدِمُ عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُضَافُ نِفَاقُهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَى كُفْرِهِ الْمَاضِي فَيُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ: فِي الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى صِفَةٍ فِي نَفْسِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْجَهُ. (تَنْبِيهٌ):

حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُقَابِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا عَنْ مَالِكٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي عِنْدَ شَرْحِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ هُنَا بَعْضُ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى كِتَابَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْكُفْرِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَامِ.

ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبد الله بن عمرو أو راوٍ عنه: (وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ) : (الَّذِي (١) يَقْتَطِعُ) بها (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي: يأخذُ بها قطعةً من مالهِ لنفسهِ (هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ) وقد سبق أنَّ من الكبائر القتل والزِّنا، فذكر في كلِّ مكانٍ ما يقتضِي المقام، وما يناسبُ حال المكلَّفين الحاضرين لذلك، فربَّما كان فيهم من يجترئُ على العقوقِ، أو شهادةِ الزُّور، فزجرَه بذلك.

٦٩٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان، أبو محمَّد السُّلَميُّ الكوفيُّ نزيل مكَّة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمَه: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ) بهمزة الاستفهام وفتح الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أنعاقب (بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ) : (مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ) بالاستمرارِ عليه، وترك المعاصي (لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] أي: من الكُفر والمعاصي، وبه استدلَّ أبو حنيفة على أنَّ المرتدَّ إذا أسلمَ لم يلزمه قضاء العباداتِ المتروكة (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ) بأن ارتدَّ عن الإسلامِ، ومات على كُفره (أُخِذَ بِالأَوَّلِ) الَّذي عمله في الجاهليَّة (وَالآخِرِ) بكسر الخاء (٢)، الَّذي عمله من الكفر، فكأنَّه (٣) لم يُسلِم، فيُعاقَب على جميعِ ما أسلفَه، ولذا أورد المؤلِّف هذا الحديث بعد حديث: «أكبرُ الكبائر الشِّرك بالله»، وأوردَهما في أبواب المرتدِّين، ونقل ابنُ بطَّال عن جماعةٍ من العلماء أنَّ الإساءة هنا لا تكون إلَّا الكفر للإجماعِ على (٤) أنَّ المسلم لا يُؤاخَذ بما عملَ في الجاهليَّة، فإن أساءَ في الإسلام غايةَ الإساءة، وركبَ أشدَّ المعاصِي، وهو

مستمرٌّ على الإسلام، فإنَّه إنَّما (١) يُؤاخذ بما جناهُ من المعصيةِ في الإسلام.

والحديث سبق في «الإيمان» (٢).

(٢) (باب حُكْمِ) الرَّجل (المُرْتَدِّ وَ) حكم (٣) المرأة (المُرْتَدَّةِ) هل هما سواءٌ؟ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله فيما أخرجَه ابنُ أبي شيبة (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق أيضًا: (تُقْتَلُ) المرأة (المُرْتَدَّةُ) إن لم تتُب، وعن ابن عباس فيما رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رَزِين عنه (٤): لا تقتل النِّساء إذا هنَّ ارتددْنَ، أخرجَه ابنُ أبي شيبة والدَّارقطنيُّ، وخالفه جماعةٌ من الحفَّاظ في لفظ المتن، وأخرج الدَّارقطنيُّ

من طُرُق عن ابنِ المنكدر عن جابرٍ: أنَّ امرأةً ارتدَّت فأمرَ النَّبيُّ بقتلها. قال في «الفتح»: وهو يعكِّرُ على ما نقلَه ابن الطَّلاع في «الأحكام» أنَّه لم يُنقل عنه أنَّه قتلَ مرتدَّة (وَاسْتِتَابَتِهِمْ) كذا ذكرَهُ بعد الآثارَ المذكورةِ، وقدَّم ذلك في رواية أبي ذرٍّ على ذكر الآثارِ، وللقابسيِّ: «واستتابتهما» بالتَّثنية، وهو أوجه، ووجه الجمع قال في «فتح الباري»: على إرادةِ الجنسِ. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس بشيءٍ بل هو على (١) قولِ من يَرى إطلاقَ الجمعِ على التَّثنية.

(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة آل عمران: (﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) استبعادٌ لأن يَهْديهم اللهُ، فإنَّ الحائدَ عن الحقِّ -بعد ما وضحَ (٢) له- منهمكٌ في الضَّلال، بعيدٌ عن الرَّشاد، وقيل: نفيٌ وإنكارٌ له، وذلك يقتضِي أنْ لا تقبلَ توبةُ المرتدِّ، والآيةُ نزلتْ في رهطٍ أسلموا ثمَّ رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكَّة.

وعن ابن عبَّاسٍ كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ ندم، فأرسل إلى قومِه فقالوا: يا رسولَ الله هل له من توبةٍ؟ فنزلت (٣): ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا﴾ إلى قولهِ: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ فأسلمَ، رواه النَّسائيُّ وصحَّحه ابن حبَّان (٤)، والواو في قولهِ تعالى: (﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾) للحال، و «قد» مُضْمرة، أي: كفروا وقد شهدوا أنَّ الرَّسول، أي: محمَّدًا حقٌّ، أو للعطف على ما في إيمانهم من مَعنى الفعلِ؛ لأنَّ مَعناه بعد أن آمنوا (﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾) أي: الشَّواهد كالقرآن وسائرِ المعجزات (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾) ما دَاموا مختارين الكفرَ، أو لا يَهديهم طريقَ الجنَّة إذا ماتوا على الكفرِ (﴿أُوْلَئِكَ﴾) مبتدأ (﴿جَزَآؤُهُمْ﴾) مبتدأ ثانٍ خبرُه (﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ﴾) وهما خبر ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أو جزاؤهم بدل اشتمال من أولئك (﴿وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ﴾) حال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ (﴿فِيهَا﴾) في اللَّعنة، أو في (٥) العقوبةِ، أو النَّار، وإن لم يَجْر ذكرهما لدَلالة الكلامِ عليهما، وهو يدلُّ بمنطوقهِ على جوازِ لعنهِم، وبمفهومهِ ينفي جوازَ لعن غيرهم، ولعلَّ الفرق أنَّهم مطبوعون على الكفرِ، ممنوعون

من (١) الهدى، مأيوسون عن (٢) الرَّحمة بخلاف غيرهم، والمراد بالناس: المؤمنون أو العموم، فإنَّ الكافر أيضًا يلعنُ منكرَ الحقِّ والمرتدَّ عنه، ولكن لا يعرف الحقَّ بعينه، قاله القاضي (﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) الارتداد (﴿وَأَصْلَحُواْ﴾) ما أفسدوا، أو دخلوا في الصَّلاح (﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾) لكفرهِم (﴿رَّحِيمٌ﴾) بهم (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) بعيسى والإنجيل (﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) بموسى والتَّوراة (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بمحمَّدٍ والقرآن، أو كفروا بمحمَّدٍ بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثهِ، ثمَّ ازدادوا كفرًا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه في كلِّ وقتٍ، أو نزلتْ في الَّذين ارتدُّوا ولحقوا بمكَّة، وازديادهم الكفرَ أن قالوا: نُقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّدٍ ريبَ المنون (﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾) إيمانهم؛ لأنَّهم لا يتوبون، أو لا يتوبون (٣) إلَّا إذا أشرفُوا على الهلاكِ، فكنَّى عن عدمِ توبتِهم بعدمِ قبولها (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠]) الثَّابتون على الضَّلال (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿الضَّآلُّونَ﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿حَقٌّ﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

(وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾) التَّوراة (﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾) بمحمَّدٍ (﴿كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]) وفيها إشارةٌ إلى التَّحذير عن مصادقةِ أهل الكتاب؛ إذْ لا يُؤمَنون أن يَفْتنوا من صَادَقَهم عن دينهِ.

(وَقَالَ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بموسى (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) حين عبدوا العجل (﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾) بموسى بعد عوده (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) بعيسى (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بكفرهم بمحمَّدٍ (﴿لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧]) إلى النَّجاة، أو إلى الجنَّةٍ، أو هم المنافقون آمنوا في الظَّاهر وكفروا في السِّرِّ مرَّةً بعد أُخرى، وازديادُ الكفر منهم ثباتهُم عليه إلى (٥) الموت، وسقط من قولهِ «﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾ … » إلى آخر الآية. وقال بعد ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾: «إلى ﴿سَبِيلاً﴾».

(وَقَالَ) تعالى: (﴿مَن يَرْتَدَّ﴾) بتشديد الدال بالإدغام تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «﴿مَن يَرْتَدد﴾» بالإظهار على الأصلِ، وامتنع الإدغام للجزم، وهي قراءة نافع وابن عامر (﴿مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) من يرجعُ منكم عن دينِ الإسلامِ إلى ما كانَ عليه من الكفرِ (﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾) قيل: هم أهلُ اليمن، وقيل: همْ أهل (١) الفُرس. وقيل: الَّذين جاهدوا يوم القادسيَّة، والرَّاجع من الجزاء إلى الاسم المتضمِّن لمعنى الشَّرط محذوفٌ، أي: فسوفَ يأتي الله بقومٍ مَكانهم، ومحبَّة الله تعالى للعبادِ إرادة الهدى والتَّوفيق لهم في الدُّنيا، وحُسن الثَّواب في الآخرة، ومحبَّةُ العبادِ له إرادة طاعتهِ والتَّحرُّز عن (٢) معاصيه (﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾) عاطفين عليهم متذللِّين لهم، جمع ذليلٍ، واستعمالُه مع «على» إمَّا لتضمين معنى العطف والحنوِّ، أو التَّنبيه على أنَّهم مع علوِّ طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم (﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]) أشدَّاء عليهم، فهم على المؤمنين كالولدِ لوالدِه والعبد لسيِّده، ومع الكافرين كالسَّبع على فريستهِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿أَذِلَّةٍ﴾ … » إلى آخر الآية.

(﴿وَلَكِن﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال» أي: الله جلَّ وعلا: «﴿وَلَكِن﴾» (﴿مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾) طابَ به نفسًا واعتقدَه (﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾) إذ لا أعظم من جُرمه (﴿ذَلِكَ﴾) أي: الوعيد، وهو لحوقُ الغضبِ والعذابِ العظيم (﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ﴾) آثروا (﴿الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾) أي: بسببِ إيثارهِم الدُّنيا على الآخرة (﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾) ما دَاموا مختارين للكفرِ (٣) (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾) فلا يتدبَّرون ولا يُصغون إلى المواعظِ، ولا يبصرون طريقَ (٤) الرَّشاد (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾) الكاملون في الغفلة؛ لأنَّ الغفلة عن تدبُّر العواقبِ هي غايةُ الغفلةِ ومُنتهاها (﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ حقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾) إذ ضيَّعوا أعمارَهم وصرفوها فيما أفضَى بهم إلى العذابِ المخلَّد (إِلَى قولهِ: ثمَّ ﴿رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾) من بعد الأفعالِ المذكورة قبلُ، وهي الهجرةُ والجهادُ والصَّبر (﴿لَغَفُورٌ﴾) لهم ما كانَ منهم من التَّكلُّم بكلمةِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٩٢١ - حَدَّثَنَا خَلَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالْآخِرِ"

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وَ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقِتَالِهِمْ: وَإِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ إِلَخْ وَحَذَفَ لَفْظَ بَابٍ وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ، لِعَطْفِ آيَةٍ عَلَى آيَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ؛ لِأَنَّهُ فِي التِّلَاوَةِ بِلَا وَاوٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْآيَةُ الْأُولَى دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَالْمُشْرِكُ أَصْلٌ مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ لِمَنْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مُسَاوِيًا فَنَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى غَيْرِ الْمُنْعِمِ بِهَا، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ خُوطِبَ بِهَا النَّبِيُّ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَالْإِحْبَاطُ الْمَذْكُورُ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ، وَأَشَرْتُ هُنَاكَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَفِي آخِرِهِ: لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: لمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ: بِشِرْكٍ الْحَدِيثَ.

وَقَدْ أَرْسَلَ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ بَعْضُ رُوَاتِهِ، فَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: بِشِرْكٍ.

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ: لَمْ يَخْلِطُوهُ بِشِرْكٍ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَفَزِعَ فَسَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ لِسَلْمَانَ: آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ، فَذَكَرَهَا فَقَالَ سَلْمَانُ: هُوَ الشِّرْكُ، فَسُرَّ زَيْدٌ بِذَلِكَ وَأَوْرَدَ مِنْ طُرُقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ لِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً، لَيْسَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَسَنَدُهُمَا ضَعِيفٌ. وَصَوَّبَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَأَنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ اللَّبْسِ يَأْبَى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ هُنَا بِالشِّرْكِ مُعْتَلًّا بِأَنَّ اللَّبْسَ الْخَلْطُ وَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أَعَمُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ الْخَالِصِ وَغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ الْوَاقِعَ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَهُ ثَابِتٌ لِمَنْ قَبْلَهُ لِاكْتِسَابِهِ مَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْنَ الْمَذْكُورَ ثَانِيًا هُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَيْنَ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾

قَالَ: وَأَمَّا مَعْنَى اللَّبْسِ فَلَبْسُ الْإِيمَانِ بِالظُّلْمِ أَنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ اللَّهِ وَيَخْلِطَ بِهِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا، وَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى

فَقَالُوا هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ وَلَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ الْأُمَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الحديث الثالث حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي ذِكْرِ الْكَبَائِرِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ قَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ إِشْكَابَ أَخُو عَلِيٍّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ قَبْلَهُ قَلِيلًا وَمَاتَ بَعْدَهُ.

وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى شَيْخُهُ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الدِّيَاتِ فِي بَابِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ:

قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى، فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَيُبَكَّتُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْكُفْرِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهَلَّا مَنَعَكَ إِسْلَامُكَ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ؟ انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِرِ بِالْعُقُوبَةِ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ غَيْرِهِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيُعَاقَبْ عَلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ حَدِيثِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّينَ.

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ فِي عَقْدِهِ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا، وَلَا تَكُونُ الْإِسَاءَةُ هُنَا إِلَّا الْكُفْرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

قُلْتُ: وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَى: مَنْ أَحْسَنَ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.

وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ: مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلِغَيْرِهِ: مَعْنَى الْإِحْسَانِ الْإِخْلَاصُ حِينَ دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ، وَالْإِسَاءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِصْ إِسْلَامَهُ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَنْهَدِمُ عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُضَافُ نِفَاقُهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَى كُفْرِهِ الْمَاضِي فَيُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ: فِي الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى صِفَةٍ فِي نَفْسِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْجَهُ. (تَنْبِيهٌ):

حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُقَابِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا عَنْ مَالِكٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي عِنْدَ شَرْحِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ هُنَا بَعْضُ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى كِتَابَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْكُفْرِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَامِ.

ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبد الله بن عمرو أو راوٍ عنه: (وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ) : (الَّذِي (١) يَقْتَطِعُ) بها (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أي: يأخذُ بها قطعةً من مالهِ لنفسهِ (هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ) وقد سبق أنَّ من الكبائر القتل والزِّنا، فذكر في كلِّ مكانٍ ما يقتضِي المقام، وما يناسبُ حال المكلَّفين الحاضرين لذلك، فربَّما كان فيهم من يجترئُ على العقوقِ، أو شهادةِ الزُّور، فزجرَه بذلك.

٦٩٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان، أبو محمَّد السُّلَميُّ الكوفيُّ نزيل مكَّة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو: ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ؛ كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم أعرف اسمَه: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنُؤَاخَذُ) بهمزة الاستفهام وفتح الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، أنعاقب (بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ) : (مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ) بالاستمرارِ عليه، وترك المعاصي (لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ) قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] أي: من الكُفر والمعاصي، وبه استدلَّ أبو حنيفة على أنَّ المرتدَّ إذا أسلمَ لم يلزمه قضاء العباداتِ المتروكة (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ) بأن ارتدَّ عن الإسلامِ، ومات على كُفره (أُخِذَ بِالأَوَّلِ) الَّذي عمله في الجاهليَّة (وَالآخِرِ) بكسر الخاء (٢)، الَّذي عمله من الكفر، فكأنَّه (٣) لم يُسلِم، فيُعاقَب على جميعِ ما أسلفَه، ولذا أورد المؤلِّف هذا الحديث بعد حديث: «أكبرُ الكبائر الشِّرك بالله»، وأوردَهما في أبواب المرتدِّين، ونقل ابنُ بطَّال عن جماعةٍ من العلماء أنَّ الإساءة هنا لا تكون إلَّا الكفر للإجماعِ على (٤) أنَّ المسلم لا يُؤاخَذ بما عملَ في الجاهليَّة، فإن أساءَ في الإسلام غايةَ الإساءة، وركبَ أشدَّ المعاصِي، وهو

مستمرٌّ على الإسلام، فإنَّه إنَّما (١) يُؤاخذ بما جناهُ من المعصيةِ في الإسلام.

والحديث سبق في «الإيمان» (٢).

(٢) (باب حُكْمِ) الرَّجل (المُرْتَدِّ وَ) حكم (٣) المرأة (المُرْتَدَّةِ) هل هما سواءٌ؟ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله فيما أخرجَه ابنُ أبي شيبة (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق أيضًا: (تُقْتَلُ) المرأة (المُرْتَدَّةُ) إن لم تتُب، وعن ابن عباس فيما رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رَزِين عنه (٤): لا تقتل النِّساء إذا هنَّ ارتددْنَ، أخرجَه ابنُ أبي شيبة والدَّارقطنيُّ، وخالفه جماعةٌ من الحفَّاظ في لفظ المتن، وأخرج الدَّارقطنيُّ

من طُرُق عن ابنِ المنكدر عن جابرٍ: أنَّ امرأةً ارتدَّت فأمرَ النَّبيُّ بقتلها. قال في «الفتح»: وهو يعكِّرُ على ما نقلَه ابن الطَّلاع في «الأحكام» أنَّه لم يُنقل عنه أنَّه قتلَ مرتدَّة (وَاسْتِتَابَتِهِمْ) كذا ذكرَهُ بعد الآثارَ المذكورةِ، وقدَّم ذلك في رواية أبي ذرٍّ على ذكر الآثارِ، وللقابسيِّ: «واستتابتهما» بالتَّثنية، وهو أوجه، ووجه الجمع قال في «فتح الباري»: على إرادةِ الجنسِ. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس بشيءٍ بل هو على (١) قولِ من يَرى إطلاقَ الجمعِ على التَّثنية.

(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى) في سورة آل عمران: (﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) استبعادٌ لأن يَهْديهم اللهُ، فإنَّ الحائدَ عن الحقِّ -بعد ما وضحَ (٢) له- منهمكٌ في الضَّلال، بعيدٌ عن الرَّشاد، وقيل: نفيٌ وإنكارٌ له، وذلك يقتضِي أنْ لا تقبلَ توبةُ المرتدِّ، والآيةُ نزلتْ في رهطٍ أسلموا ثمَّ رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكَّة.

وعن ابن عبَّاسٍ كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ ندم، فأرسل إلى قومِه فقالوا: يا رسولَ الله هل له من توبةٍ؟ فنزلت (٣): ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا﴾ إلى قولهِ: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ فأسلمَ، رواه النَّسائيُّ وصحَّحه ابن حبَّان (٤)، والواو في قولهِ تعالى: (﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾) للحال، و «قد» مُضْمرة، أي: كفروا وقد شهدوا أنَّ الرَّسول، أي: محمَّدًا حقٌّ، أو للعطف على ما في إيمانهم من مَعنى الفعلِ؛ لأنَّ مَعناه بعد أن آمنوا (﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾) أي: الشَّواهد كالقرآن وسائرِ المعجزات (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾) ما دَاموا مختارين الكفرَ، أو لا يَهديهم طريقَ الجنَّة إذا ماتوا على الكفرِ (﴿أُوْلَئِكَ﴾) مبتدأ (﴿جَزَآؤُهُمْ﴾) مبتدأ ثانٍ خبرُه (﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ﴾) وهما خبر ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أو جزاؤهم بدل اشتمال من أولئك (﴿وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ﴾) حال من الهاء والميم في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ (﴿فِيهَا﴾) في اللَّعنة، أو في (٥) العقوبةِ، أو النَّار، وإن لم يَجْر ذكرهما لدَلالة الكلامِ عليهما، وهو يدلُّ بمنطوقهِ على جوازِ لعنهِم، وبمفهومهِ ينفي جوازَ لعن غيرهم، ولعلَّ الفرق أنَّهم مطبوعون على الكفرِ، ممنوعون

من (١) الهدى، مأيوسون عن (٢) الرَّحمة بخلاف غيرهم، والمراد بالناس: المؤمنون أو العموم، فإنَّ الكافر أيضًا يلعنُ منكرَ الحقِّ والمرتدَّ عنه، ولكن لا يعرف الحقَّ بعينه، قاله القاضي (﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾) الارتداد (﴿وَأَصْلَحُواْ﴾) ما أفسدوا، أو دخلوا في الصَّلاح (﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾) لكفرهِم (﴿رَّحِيمٌ﴾) بهم (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾) بعيسى والإنجيل (﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾) بموسى والتَّوراة (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بمحمَّدٍ والقرآن، أو كفروا بمحمَّدٍ بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثهِ، ثمَّ ازدادوا كفرًا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه في كلِّ وقتٍ، أو نزلتْ في الَّذين ارتدُّوا ولحقوا بمكَّة، وازديادهم الكفرَ أن قالوا: نُقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّدٍ ريبَ المنون (﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾) إيمانهم؛ لأنَّهم لا يتوبون، أو لا يتوبون (٣) إلَّا إذا أشرفُوا على الهلاكِ، فكنَّى عن عدمِ توبتِهم بعدمِ قبولها (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠]) الثَّابتون على الضَّلال (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾» إلى آخر قولهِ: «﴿الضَّآلُّونَ﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿حَقٌّ﴾: «إلى قولهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

(وَقَالَ) جلَّ وعلا: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾) التَّوراة (﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾) بمحمَّدٍ (﴿كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]) وفيها إشارةٌ إلى التَّحذير عن مصادقةِ أهل الكتاب؛ إذْ لا يُؤمَنون أن يَفْتنوا من صَادَقَهم عن دينهِ.

(وَقَالَ) تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾) بموسى (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) حين عبدوا العجل (﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾) بموسى بعد عوده (﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾) بعيسى (﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾) بكفرهم بمحمَّدٍ (﴿لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧]) إلى النَّجاة، أو إلى الجنَّةٍ، أو هم المنافقون آمنوا في الظَّاهر وكفروا في السِّرِّ مرَّةً بعد أُخرى، وازديادُ الكفر منهم ثباتهُم عليه إلى (٥) الموت، وسقط من قولهِ «﴿ثُمَّ آمَنُواْ﴾ … » إلى آخر الآية. وقال بعد ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾: «إلى ﴿سَبِيلاً﴾».

(وَقَالَ) تعالى: (﴿مَن يَرْتَدَّ﴾) بتشديد الدال بالإدغام تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «﴿مَن يَرْتَدد﴾» بالإظهار على الأصلِ، وامتنع الإدغام للجزم، وهي قراءة نافع وابن عامر (﴿مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) من يرجعُ منكم عن دينِ الإسلامِ إلى ما كانَ عليه من الكفرِ (﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾) قيل: هم أهلُ اليمن، وقيل: همْ أهل (١) الفُرس. وقيل: الَّذين جاهدوا يوم القادسيَّة، والرَّاجع من الجزاء إلى الاسم المتضمِّن لمعنى الشَّرط محذوفٌ، أي: فسوفَ يأتي الله بقومٍ مَكانهم، ومحبَّة الله تعالى للعبادِ إرادة الهدى والتَّوفيق لهم في الدُّنيا، وحُسن الثَّواب في الآخرة، ومحبَّةُ العبادِ له إرادة طاعتهِ والتَّحرُّز عن (٢) معاصيه (﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾) عاطفين عليهم متذللِّين لهم، جمع ذليلٍ، واستعمالُه مع «على» إمَّا لتضمين معنى العطف والحنوِّ، أو التَّنبيه على أنَّهم مع علوِّ طبقتِهم وفضلِهم على المؤمنين خافضون لهم (﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]) أشدَّاء عليهم، فهم على المؤمنين كالولدِ لوالدِه والعبد لسيِّده، ومع الكافرين كالسَّبع على فريستهِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿أَذِلَّةٍ﴾ … » إلى آخر الآية.

(﴿وَلَكِن﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال» أي: الله جلَّ وعلا: «﴿وَلَكِن﴾» (﴿مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾) طابَ به نفسًا واعتقدَه (﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾) إذ لا أعظم من جُرمه (﴿ذَلِكَ﴾) أي: الوعيد، وهو لحوقُ الغضبِ والعذابِ العظيم (﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ﴾) آثروا (﴿الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾) أي: بسببِ إيثارهِم الدُّنيا على الآخرة (﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾) ما دَاموا مختارين للكفرِ (٣) (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾) فلا يتدبَّرون ولا يُصغون إلى المواعظِ، ولا يبصرون طريقَ (٤) الرَّشاد (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾) الكاملون في الغفلة؛ لأنَّ الغفلة عن تدبُّر العواقبِ هي غايةُ الغفلةِ ومُنتهاها (﴿لَا جَرَمَ﴾ يَقُولُ حقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾) إذ ضيَّعوا أعمارَهم وصرفوها فيما أفضَى بهم إلى العذابِ المخلَّد (إِلَى قولهِ: ثمَّ ﴿رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾) من بعد الأفعالِ المذكورة قبلُ، وهي الهجرةُ والجهادُ والصَّبر (﴿لَغَفُورٌ﴾) لهم ما كانَ منهم من التَّكلُّم بكلمةِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد