«يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7382

الحديث رقم 7382 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ملك الناس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء…

«يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ» وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ.

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَقُولُ جَهَنَّمُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ

⦗١١٧⦘

قَالَ قَالَ اللهُ ﷿ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَقَالَ أَيُّوبُ وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ

سند حديث: ٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ…

٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء…

أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله تعالى يوم القيامة يقبض الأرضَ ويجمعُها، ويَطوي السماءَ بيمينه ويلفّ بعضَها فوق بعض ويذهب بها ويفنيها، ثم يقول: أنا المَلك، أين ملوك الأرض؟!

الفوائد المستفادة من الحديث

  • التذكير بأنَّ مُلْكَ الله هو الباقي ومُلْكُ غيرِه زائل.
  • جلال الله وعظمة قدرته وسلطانه وتمام ملكه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾

فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ

٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ -، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟

وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ …

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَلِكُ وَالْمَالِكُ: هُوَ الْخَاصُّ الْمُلْكَ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرُ عَلَى الْإِيجَادِ، وَهِيَ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَلِكُ: الْمُتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالنَّاطِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلِكِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ، فَتَقْدِيرُهُ الْمُلْكُ فِي يَوْمِ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ انْتَهَى.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ النَّاسَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمَادٌ وَنَامٍ، وَالنَّامِي صَامِتٌ وَنَاطِقٌ، وَالنَّاطِقُ مُتَكَلِّمٌ وَغَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْرَفُ الْجَمِيعِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُمْ جَائِزٌ دُخُولُهُ تَحْتَ قَبْضَتِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي الْآيَةِ الْمُتَكَلِّمُ، فَمَنْ مَلَكُوهُ فِي مُلْكِ مَنْ مَلَكَهُمْ، فَكَانَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ: مَلِكِ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْأَشْرَفِ؛ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ.

قَوْلُهُ: (فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُرَادُهُ حَدِيثُهُ الْآتِي بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا فِي تَرْجَمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَهُ، كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَرْسَلَهُ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ فِي شَيْخِهِ فَقَالَ يُونُسُ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلَمَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ فَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ آنِفًا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ أَبُو الْيَمَانِ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا طَرِيقُ ابْنِ مُسَافِرٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى وَهُوَ الْكَلْبِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ الْجَمَاعَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الرُّصَافِيُّ فِي أَبِي سَلَمَةَ.

قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الصَّدَفِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ، انْتَهَى. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ؛

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ ابن (١) الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن المسيِّب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) بأن يجمعها حتَّى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ) يفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته (ثُمَّ يَقُولُ) ﷻ: (أَنَا المَلِكُ) أي: ذو الملك على الإطلاق، فلا مُلْكَ لغيره في الدَّارين (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) وفي الحديث: إثبات اليمين صفةٌ لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحةً خلافًا للمجسِّمة.

وسبق في «باب يقبض الله الأرض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٩].

(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الدَّارميُّ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد، ممَّا وصله ابن خزيمة (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالدٍ (٢)، ممَّا سبق موصولًا في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١٢] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفيه: أنَّه اختُلِف على ابن شهابٍ الزُّهريِّ في شيخه، فقال يونس: سعيد بن المسيِّب، وقال الآخرون: أبو سلمة، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة، ونقل ابن خزيمة عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقين محفوظان، قال في «الفتح»: وصنيع البخاريِّ يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيبٍ؛ لكثرة من تابعه، لكنَّ يونس كان من خواصِّ الزُّهريِّ الملازمين له، وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: «عن أبي سلمة»: «مثله» أي: مثل الحديث السَّابق.

(٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾): الغالب، من قولهم: عزَّ، إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، فمعناه: مركَّبٌ من وصفٍ حقيقيٍّ ونعتٍ تنزيهيٍّ، وقيل: القويُّ الشَّديد، من قولهم: عزَّ يعزُّ؛ إذا قوي واشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التَّنزيه، وقيل: هو الذي تتعذَّر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل: العزيز من ضلَّت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعته، وَكَلَّتِ الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، وحظُّ العارف منه أن يُعزَّ نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة، ولا يدانيها (١) بالسُّؤال من النَّاس والافتقار إليهم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرَّق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، وأنَّه (٢) أتقن الأشياء كلَّها، فالحكمة: صفةٌ من صفات الذَّات يُظهِرها الفعل، وتعبِّر عنها المحكمات، وتشهد لها (٣) العقول بما شاهدته في الموجودات، كغيرها من صفات الحق، فتأمَّل ذلك في مسالك أفعاله، ومجاري تدبيره، وترتيب ملكه وملكوته، وقيام الأمر كلِّه به، وتطلَّب آثار ذلك في خلقه في السَّموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ؛ من أفلاكٍ ونجومٍ وشمسٍ وقمرٍ، وتدبير ذلك وتقديره (٤) بأمرٍ محكمٍ مع دؤوب اختلاف اللَّيل والنَّهار وتقلُّبهما، وإيلاج كلِّ واحدٍ منهما في قرينه، وتكويرهما بعضهما على بعضٍ، وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات، والآيات البيِّنات بإحكامٍ متناسقٍ، وحِكَمٍ مستمَّرةِ الوجود، إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممَّا يكلُّ دونه النَّظر، وينحسر دونه البصر، ويزيد على القول، ويربو على الوصف، ولا يدرك كُنْهَه العقول، ولا يحيط به سوى اللَّوح المحفوظ، وأوَّل موضعٍ وقع فيه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم [آية: ٤] وأمَّا مطلق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأوَّل ما وقع في «البقرة» في دعاء

إبراهيم لأهل مكَّة، قال في «اللُّباب»: والعزيز: هو الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا، وهما بهذين التَّفسيرين صفةٌ للذَّات، وإن أُرِيد بـ «العزيز» أفعال العزَّة؛ وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأُرِيد بالحكيم (١) أفعال الحكمة؛ لم يكونا من صفات الذَّات، بل من صفات الفعل، والفرق بينهما: أنَّ صفات الذَّات أزليَّةٌ، وصفات الفعل ليست كذلك.

وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]) من الولد والصَّاحبة والشَّريك، وثبت لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) «عمَّا يصفون» وأضيف الرَّبُّ إلى العزَّة؛ لاختصاصه بها، كأنَّه قيل: ذو العزَّة كما تقول: صاحب صدقٍ؛ لاختصاصه بالصِّدق، ويجوز أن يراد أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ إلَّا وهو ربُّها ومالكها كقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]) أي: ولله المنعة والقوَّة ولمن أعزَّ (٣) من رسوله والمؤمنين، وعزَّة كلِّ واحدٍ بقدر علوِّ مرتبته، فعزَّة الرَّسول ﷺ بما خصَّه الله به من الخصائص التي لا تُحصَى والبراهين التي لا تُستَقصى، وعزَّة المؤمنين بما ورثوه من العلم النَّبويِّ، وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحقِّ، والعزيز: من لا تناله أيدي الشَّياطين ولا تبلغه رعونات الشَّهوات، فتذلَّلْ هداك الله لعزَّته وتضاءلْ لعظمته، وتضرَّع إليه في خلواتك عساه يَهَبُ لك عزًّا لا ذلَّ يصحبه، وشرفًا لا ضِعَة (٤) تتخلله، ثمَّ تذلَّل لأوليائه وأهل طاعته، وتعزَّز على كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ.

(وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ) والعزَّة تحتمل -كما قال ابن بطَّالٍ-: أن تكون صفة ذاتٍ بمعنى القدرة والعظمة، فيحنث، وأن تكون صفة فعلٍ بمعنى القهر لمخلوقاته، فلا يحنث.

نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته».

(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق.

(وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إنَّ الله هُوَ السَّلَامُ، ولَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النبيُّ ورَحْمَةُ الله وبَرَكاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنا وَعَلى عِبادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسُولُهُ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، ومغيرة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا هُوَ ابْن الْمقسم بِكَسْر الْمِيم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب التَّشَهُّد فِي الْأَخِيرَة بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَلِكِ النَّاسِ} فِيهِ ابنُ عُمَر عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {مَلِكِ النَّاسِ} فِيهِ وَجْهَان. أَحدهمَا: أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة ذَات وَهُوَ الْقُدْرَة لِأَن الْملك بِمَعْنى الْقُدْرَة. وَالْآخر: أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة فعل وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالصرْف لَهُم عَمَّا يريدونه إِلَى مَا يُريدهُ. قَوْله: فِيهِ عَن ابْن عمر أَي: فِي هَذَا الْبَاب عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، وَهُوَ قَوْله: إِن الله يقبض يَوْم الْقِيَامَة الأَرْض وَتَكون السَّمَوَات بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول: أَنا الْملك وَسَيَأْتِي هَذَا بعد أَبْوَاب بِسَنَدِهِ.

٧٣٨٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ، حَدثنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سَعِيدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يَقبِضُ الله الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن وهب هُوَ عبد الله، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب.

والْحَدِيث مضى فِي الرقَاق فِي: بَاب يقبض الله الأَرْض، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: يقبض الله الأَرْض أَي: يجمعها وَتصير كلهَا شَيْئا وَاحِدًا. قَوْله: بِيَمِينِهِ من المتشابهات فإمَّا أَن يُفَوض وَإِمَّا أَن يؤول بقدرته، وَفِيه إِثْبَات الْيَمين لله تَعَالَى صفة لَهُ من صِفَات ذَاته وَلَيْسَت بجارحة، خلافًا للجهمية.

وَعَن أَحْمد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ: صَحَّ أَن الله يَقُول بعد فنَاء خلقه: لمن الْملك الْيَوْم فَلَا يجِيبه أحد، فَيَقُول لنَفسِهِ: {وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ} وَفِيه: الرَّد على من زعم أَن الله يخلق كلَاما فيسمعه من شَاءَ بِأَن الْوَقْت الَّذِي يَقُول فِيهِ: لمن الْملك الْيَوْم، لَيْسَ هُنَاكَ أحد.

وَقَالَ شُعَيْبٌ والزُّبَيْدِيُّ وابنُ مُسافِرٍ وإسْحاق بنُ يَحْياى عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ مِثْلَهُ.

وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، والزبيدي هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد صَاحب الزُّهْرِيّ نسبه إِلَى زبيد بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف قَبيلَة، وَابْن مُسَافر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي الْمصْرِيّ واليها، وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، وَأَبُو سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَوْله: مثله وَقع لأبي ذَر وَسقط لغيره، وَلَيْسَ المُرَاد أَن أَبَا سَلمَة أرْسلهُ بل مُرَاده أَنه اخْتلف على الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم فِي شَيْخه، فَقَالَ: يُونُس سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلمَة، وكل مِنْهُمَا يرويهِ عَن أبي هُرَيْرَة، فرواية شُعَيْب وَصلهَا الدَّارمِيّ قَالَ: حَدثنَا الحكم بن نَافِع وَهُوَ أَبُو الْيَمَان فَذكره، وَفِيه: سَمِعت أَبَا سَلمَة يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ... وَرِوَايَة الزبيدِيّ وَصلهَا ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عبد الله بن سَالم عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرِوَايَة ابْن مُسَافر قد تقدّمت مَوْصُولَة فِي تَفْسِير سُورَة الزمر من طَرِيق اللَّيْث بن سعد عَنهُ، كَذَلِك، وَرِوَايَة إِسْحَاق بن يحيى وَصلهَا الذهلي، رَحمَه الله، فِي الزهريات.

٧

- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} وَغَيرهَا {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} الصافات: ١٨٠ {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الَاْعَزُّ مِنْهَا الَاْذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ومَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ الله وصِفاتِهِ

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: آأؤ ذكر فِيهِ ثَلَاث قطع من ثَلَاث آيَات: الأولى: قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} ، وَغَيرهَا فالعزيز مُتَضَمّن للعزة وَيجوز أَن يكون صفة ذَات يَعْنِي الْقُدْرَة وَالْعَظَمَة، وَأَن يكون صفة فعل بِمَعْنى الْقَهْر لمخلوقاته وَالْغَلَبَة لَهُم. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ مَعْنَاهُ: الَّذِي لَا يُوصل إِلَيْهِ وَلَا يُمكن إِدْخَال مَكْرُوه عَلَيْهِ، فَإِن الْعَزِيز فِي لِسَان الْعَرَب من الْعِزَّة وَهِي الصلابة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْعَزِيز المنيع الَّذِي لَا يغلب، والعز قد يكون من الْغَلَبَة، يُقَال مِنْهُ: عز يعز، بِفَتْح الْعين وَقد يكون بِمَعْنى نفاسة الْقدر، يُقَال مِنْهُ: عز يعز، بِكَسْر الْعين فيؤول معنى الْعِزّ على هَذَا وَأَنه لَا يعازه شَيْء. قَوْله: الْحَكِيم، مُتَضَمّن لِمَعْنى الْحِكْمَة وَهُوَ إِمَّا صفة ذَات يكون بِمَعْنى الْعلم وَالْعلم من صِفَات الذَّات، وَإِمَّا صفة فعل بِمَعْنى الْأَحْكَام. الْآيَة الثَّانِيَة: {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} فَفِي إِضَافَة الْعِزَّة إِلَى الربوبية إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد هَاهُنَا الْقَهْر وَالْغَلَبَة، وَيحْتَمل أَن يكون الْإِضَافَة للاختصاص كَأَنَّهُ قيل: ذُو الْعِزَّة وَأَنَّهَا من صِفَات الذَّات، والتعريف فِي الْعِزَّة للْجِنْس، فَإِذا كَانَت الْعِزَّة كلهَا لله تَعَالَى فَلَا يَصح أَن يكون أحد معتزاً إلَاّ بِهِ، وَلَا عزة لأحد إلَاّ وَهُوَ مَالِكهَا. وَالْآيَة الثَّالِثَة: يعرف حكمهَا من الثَّانِيَة، وَهِي بِمَعْنى الْغَلَبَة لِأَنَّهَا جَوَاب لمن ادّعى أَنه الْأَعَز، وَأَن ضِدّه الْأَذَل فَرد عَلَيْهِ أَن الْعِزَّة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ، فَهُوَ كَقَوْلِه: {كَتَبَ اللَّهُ لَاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} قَوْله: وَمن حلف بعزة الله وَصِفَاته كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وسلطانه، بدل. وَصِفَاته، وَالْأول أولى، وَقد تقدم فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور: بَاب الْحلف بعزة الله وَصِفَاته، وَكَلَامه، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال مَا ملخصه: الْحَالِف بعزة الله الَّتِي هِيَ صفة ذَات يَحْنَث، والحالف بعزة الله الَّتِي هِيَ صفة فعل لَا يَحْنَث، بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الْحلف بهَا كَمَا نهى عَن الْحلف بِحَق السَّمَاء وَحقّ زيد. انْتهى. لَكِن إِذا أطلق الْحَالِف انْصَرف إِلَى صفة الذَّات وانعقد الْيَمين إلَاّ إِن قصد خلاف ذَلِك.

وَقَالَ أنَسٌ: قَالَ النبيُّ تقُولُ جَهَنَّمُ قَطِ قَطِ وعِزَّتِكَ

هَذَا طرف من حَدِيث مطول مضى فِي تَفْسِير سُورَة ق وَالْمرَاد بِهِ أَن النَّبِي نقل عَن جَهَنَّم أَنَّهَا تحلف بعزة الله وأقرها على ذَلِك، فَيحصل المُرَاد سَوَاء كَانَت هِيَ الناطقة حَقِيقَة أم النَّاطِق غَيرهَا كالموكلين بهَا.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ يَبْقَى رجلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيقُولُ: رَبِّ اصْرِفْ وجْهِي عنِ النَّارِ، لَا وعِزَّتِكَ لَا أسْألُكَ غَيْرَها. قَالَ أَبُو سَعِيد: إنَّ رسولَ الله قَالَ: قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ

مُطَابقَة هَذَا وَالَّذِي قبله للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. هَذَا طرف حَدِيث طَوِيل تقدم مَعَ شَرحه فِي آخر كتاب الرقَاق. قَوْله: يبْقى رجل يروي: أَن اسْمه جهنية، بِالْجِيم وَالنُّون، قيل: لَيْسَ كَلَام هَذَا حجَّة. وَأجِيب: بِأَن حِكَايَة رَسُول الله على سَبِيل التَّقْرِير والتصديق حجَّة. قَوْله: وَقَالَ أَبُو سعيد من تَتِمَّة حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَيْسَ كَذَلِك بل المُرَاد أَن أَبَا سعيد وَافق أَبَا هُرَيْرَة على رِوَايَة الحَدِيث الْمَذْكُور إلَاّ مَا ذكره من الزِّيَادَة فِي قَوْله: عشرَة أَمْثَاله

وَقَالَ أيُّوب: وعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَن بَرَكَتِكَ.

هَذَا أَيْضا طرف من حَدِيث لأبي هُرَيْرَة مضى فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَتقدم أَيْضا مَوْصُولا فِي كتاب الطَّهَارَة فِي الْغسْل، وأوله: بَينا أَيُّوب يغْتَسل ... وَتقدم أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، مَعَ شَرحه، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَاكِم: لما عافى الله أَيُّوب أمطرعليه جَرَادًا من ذهب. . الحَدِيث. قَوْله: لَا غنى بِي، بِالْقصرِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: لَا غناء، ممدوداً وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر للسرخسي.

٧٣٨٣ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ، حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ، حَدثنَا حُسَيْنٌ المُعلِّمُ، حدّثني عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ، عنْ يَحْياى بنِ يَعْمَرَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَقُولُ أعُوذُ بِعِزَّتِكَ الّذِي لَا إلاهَ إلاّ أنْتَ الّذِي لَا يَمُوتُ والجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وحسين هُوَ ابْن ذكْوَان، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن حصيب الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو مَاتَ بمرو، وَيحيى بن يعمر بِلَفْظ الْمُضَارع بِفَتْح الْمِيم وَبِضَمِّهَا أَيْضا وَالْفَتْح أشهر وَهُوَ القَاضِي بمرو أَيْضا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الدُّعَاء عَن حجاج بن المسارع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عُثْمَان بن عبد الله.

قَوْله: الَّذِي لَا إلاه إِلَّا أَنْت قيل: مَا، الْعَائِد للموصول. وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمُخَاطب نفس المرجوع إِلَيْهِ يحصل الارتباط، وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلّم نَحْو:

(أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدرة)

قَوْله: لَا يَمُوت بِلَفْظ الْغَائِب، ويروى بِالْخِطَابِ. قَوْله: الْجِنّ وَالْإِنْس يموتون استدلت بِهِ طَائِفَة على أَن الْمَلَائِكَة لَا تَمُوت. وَلَا يَصح هَذَا الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهُ مَفْهُوم لقب وَلَا اعْتِبَار بِهِ فيعارضه مَا هُوَ أقوى مِنْهُ، وَهُوَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهاًءَاخَرَ لَا إِلَاهَ إِلَاّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وَقَالَ بَعضهم: لَا مَانع من دُخُول الْمَلَائِكَة فِي مُسَمّى الْجِنّ لجامع مَا بَينهم من الاستتار. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ لِأَن مُسَمّى الْجِنّ غير مُسَمّى الْمَلَائِكَة، وَلَا يلْزم من استتارهم عَن أعين النَّاس صِحَة دُخُول الْمَلَائِكَة الَّذين هم من النُّور فِي الْجِنّ الَّذين خلقُوا من مارج من نَار.

٧٣٨٤ - حدّثنا ابنُ أبي الأسْوَد، حَدثنَا حَرَمِيٌّ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يُلْقَى فِي النَّار وَقَالَ لي خَليفَةُ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدّثنا سَعيدٌ عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ وعنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أبي عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ عنِ النبيِّ قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيها، وتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيها رَبُّ العالمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوي بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ حتَّى يُنْشِىءَ الله لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: بعزتك وَشَيخ البُخَارِيّ ابْن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَاسم أبي الْأسود حميد بن الْأسود، وحرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وياء النِّسْبَة هُوَ ابْن عمَارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم.

وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. الأول: عَن ابْن أبي الْأسود بِالتَّحْدِيثِ. وَالثَّانِي: بالْقَوْل، حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا حَاصله: إِنَّه قَالَ: أخرجه من ثَلَاث طرق وَذكر الطَّرِيقَيْنِ وَقَالَ: الطَّرِيق الثَّالِث، تَعْلِيق وَهُوَ قَوْله: وَعَن مُعْتَمر سَمِعت أبي وَهُوَ سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة، وَأنكر عَلَيْهِم بَعضهم بِأَن هَذَا لَيْسَ بتعليق، لِأَن قَوْله: وَعَن مُعْتَمر، مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع، مَوْصُول فالتقدير: وَقَالَ لي خَليفَة عَن مُعْتَمر، وَبِهَذَا جزم أَصْحَاب الْأَطْرَاف. قلت: كَونه مَعْطُوفًا مَوْصُولا لَا يُنَافِي كَونه طَرِيقا آخر على مَا لَا يخفى لاخْتِلَاف شَيْخي خَليفَة.

قَوْله: وَتقول هَل من مزِيد؟ أَي: تَقول النَّار، وَإسْنَاد القَوْل إِلَيْهَا مجَاز أَو حَقِيقَة بِأَن يخلق الله القَوْل فِيهَا ومزيد بِمَعْنى الزِّيَادَة مصدر ميمي. قَوْله: قدمه قيل: المُرَاد بهَا الْمُتَقَدّم أَي: يضع الله فِيهَا من قدمه لَهَا من أهل الْعَذَاب، أَو ثمَّة مَخْلُوق اسْمه الْقدَم أَو أَرَادَ بِوَضْع الْقدَم الزّجر عَلَيْهَا والتسكين لَهَا، كَمَا تَقول لشَيْء تُرِيدُ محوه وإبطاله: جعلته تَحت قدمي، أَو: هُوَ مفوض إِلَى الله، وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْقدَم هَاهُنَا الْكفَّار الَّذين سبق فِي علم الله أَنهم من أهل النَّار وَأَنَّهُمْ يمْلَأ بهم النَّار حَتَّى ينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض من الْمَلأ، ولتضايق أَهلهَا، فَتَقول: قطّ قطّ، أَي: امتلات حسبي حسبي. قَوْله: ينزوي مضارع من الانزواء، ويروى: تزوى على صِيغَة الْمَجْهُول من زوى سره عَنهُ إِذا طواه، أَو من زوى الشَّيْء إِذا جمعه وَقَبضه. قَوْله: قد قد رُوِيَ بِسُكُون الدَّال وَكسرهَا وَهُوَ اسْم مرادف: لقط، أَي: حسب. قَوْله: تفضل أَي: عَن الداخلين فِيهَا. قَوْله: حَتَّى ينشىء من الْإِنْشَاء،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾

فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ

٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ -، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟

وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ …

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَلِكُ وَالْمَالِكُ: هُوَ الْخَاصُّ الْمُلْكَ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرُ عَلَى الْإِيجَادِ، وَهِيَ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَلِكُ: الْمُتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالنَّاطِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلِكِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ، فَتَقْدِيرُهُ الْمُلْكُ فِي يَوْمِ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ انْتَهَى.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ النَّاسَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمَادٌ وَنَامٍ، وَالنَّامِي صَامِتٌ وَنَاطِقٌ، وَالنَّاطِقُ مُتَكَلِّمٌ وَغَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْرَفُ الْجَمِيعِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُمْ جَائِزٌ دُخُولُهُ تَحْتَ قَبْضَتِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي الْآيَةِ الْمُتَكَلِّمُ، فَمَنْ مَلَكُوهُ فِي مُلْكِ مَنْ مَلَكَهُمْ، فَكَانَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ: مَلِكِ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْأَشْرَفِ؛ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ.

قَوْلُهُ: (فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُرَادُهُ حَدِيثُهُ الْآتِي بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا فِي تَرْجَمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَهُ، كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَرْسَلَهُ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ فِي شَيْخِهِ فَقَالَ يُونُسُ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلَمَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ فَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ آنِفًا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ أَبُو الْيَمَانِ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا طَرِيقُ ابْنِ مُسَافِرٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى وَهُوَ الْكَلْبِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ الْجَمَاعَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الرُّصَافِيُّ فِي أَبِي سَلَمَةَ.

قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الصَّدَفِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ، انْتَهَى. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ؛

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ ابن (١) الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن المسيِّب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) بأن يجمعها حتَّى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ) يفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته (ثُمَّ يَقُولُ) ﷻ: (أَنَا المَلِكُ) أي: ذو الملك على الإطلاق، فلا مُلْكَ لغيره في الدَّارين (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) وفي الحديث: إثبات اليمين صفةٌ لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحةً خلافًا للمجسِّمة.

وسبق في «باب يقبض الله الأرض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٩].

(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الدَّارميُّ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد، ممَّا وصله ابن خزيمة (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالدٍ (٢)، ممَّا سبق موصولًا في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١٢] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفيه: أنَّه اختُلِف على ابن شهابٍ الزُّهريِّ في شيخه، فقال يونس: سعيد بن المسيِّب، وقال الآخرون: أبو سلمة، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة، ونقل ابن خزيمة عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقين محفوظان، قال في «الفتح»: وصنيع البخاريِّ يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيبٍ؛ لكثرة من تابعه، لكنَّ يونس كان من خواصِّ الزُّهريِّ الملازمين له، وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: «عن أبي سلمة»: «مثله» أي: مثل الحديث السَّابق.

(٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾): الغالب، من قولهم: عزَّ، إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، فمعناه: مركَّبٌ من وصفٍ حقيقيٍّ ونعتٍ تنزيهيٍّ، وقيل: القويُّ الشَّديد، من قولهم: عزَّ يعزُّ؛ إذا قوي واشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التَّنزيه، وقيل: هو الذي تتعذَّر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل: العزيز من ضلَّت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعته، وَكَلَّتِ الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، وحظُّ العارف منه أن يُعزَّ نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة، ولا يدانيها (١) بالسُّؤال من النَّاس والافتقار إليهم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرَّق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، وأنَّه (٢) أتقن الأشياء كلَّها، فالحكمة: صفةٌ من صفات الذَّات يُظهِرها الفعل، وتعبِّر عنها المحكمات، وتشهد لها (٣) العقول بما شاهدته في الموجودات، كغيرها من صفات الحق، فتأمَّل ذلك في مسالك أفعاله، ومجاري تدبيره، وترتيب ملكه وملكوته، وقيام الأمر كلِّه به، وتطلَّب آثار ذلك في خلقه في السَّموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ؛ من أفلاكٍ ونجومٍ وشمسٍ وقمرٍ، وتدبير ذلك وتقديره (٤) بأمرٍ محكمٍ مع دؤوب اختلاف اللَّيل والنَّهار وتقلُّبهما، وإيلاج كلِّ واحدٍ منهما في قرينه، وتكويرهما بعضهما على بعضٍ، وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات، والآيات البيِّنات بإحكامٍ متناسقٍ، وحِكَمٍ مستمَّرةِ الوجود، إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممَّا يكلُّ دونه النَّظر، وينحسر دونه البصر، ويزيد على القول، ويربو على الوصف، ولا يدرك كُنْهَه العقول، ولا يحيط به سوى اللَّوح المحفوظ، وأوَّل موضعٍ وقع فيه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم [آية: ٤] وأمَّا مطلق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأوَّل ما وقع في «البقرة» في دعاء

إبراهيم لأهل مكَّة، قال في «اللُّباب»: والعزيز: هو الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا، وهما بهذين التَّفسيرين صفةٌ للذَّات، وإن أُرِيد بـ «العزيز» أفعال العزَّة؛ وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأُرِيد بالحكيم (١) أفعال الحكمة؛ لم يكونا من صفات الذَّات، بل من صفات الفعل، والفرق بينهما: أنَّ صفات الذَّات أزليَّةٌ، وصفات الفعل ليست كذلك.

وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]) من الولد والصَّاحبة والشَّريك، وثبت لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) «عمَّا يصفون» وأضيف الرَّبُّ إلى العزَّة؛ لاختصاصه بها، كأنَّه قيل: ذو العزَّة كما تقول: صاحب صدقٍ؛ لاختصاصه بالصِّدق، ويجوز أن يراد أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ إلَّا وهو ربُّها ومالكها كقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]) أي: ولله المنعة والقوَّة ولمن أعزَّ (٣) من رسوله والمؤمنين، وعزَّة كلِّ واحدٍ بقدر علوِّ مرتبته، فعزَّة الرَّسول ﷺ بما خصَّه الله به من الخصائص التي لا تُحصَى والبراهين التي لا تُستَقصى، وعزَّة المؤمنين بما ورثوه من العلم النَّبويِّ، وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحقِّ، والعزيز: من لا تناله أيدي الشَّياطين ولا تبلغه رعونات الشَّهوات، فتذلَّلْ هداك الله لعزَّته وتضاءلْ لعظمته، وتضرَّع إليه في خلواتك عساه يَهَبُ لك عزًّا لا ذلَّ يصحبه، وشرفًا لا ضِعَة (٤) تتخلله، ثمَّ تذلَّل لأوليائه وأهل طاعته، وتعزَّز على كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ.

(وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ) والعزَّة تحتمل -كما قال ابن بطَّالٍ-: أن تكون صفة ذاتٍ بمعنى القدرة والعظمة، فيحنث، وأن تكون صفة فعلٍ بمعنى القهر لمخلوقاته، فلا يحنث.

نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته».

(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم.

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق.

(وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إنَّ الله هُوَ السَّلَامُ، ولَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النبيُّ ورَحْمَةُ الله وبَرَكاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنا وَعَلى عِبادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسُولُهُ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي، روى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وَزُهَيْر هُوَ ابْن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، ومغيرة بِضَم الْمِيم وَكسرهَا هُوَ ابْن الْمقسم بِكَسْر الْمِيم، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب التَّشَهُّد فِي الْأَخِيرَة بأتم مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {مَلِكِ النَّاسِ} فِيهِ ابنُ عُمَر عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {مَلِكِ النَّاسِ} فِيهِ وَجْهَان. أَحدهمَا: أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة ذَات وَهُوَ الْقُدْرَة لِأَن الْملك بِمَعْنى الْقُدْرَة. وَالْآخر: أَن يكون رَاجعا إِلَى صفة فعل وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالصرْف لَهُم عَمَّا يريدونه إِلَى مَا يُريدهُ. قَوْله: فِيهِ عَن ابْن عمر أَي: فِي هَذَا الْبَاب عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، وَهُوَ قَوْله: إِن الله يقبض يَوْم الْقِيَامَة الأَرْض وَتَكون السَّمَوَات بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول: أَنا الْملك وَسَيَأْتِي هَذَا بعد أَبْوَاب بِسَنَدِهِ.

٧٣٨٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صالِحٍ، حَدثنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبرنِي يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سَعِيدٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يَقبِضُ الله الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَابْن وهب هُوَ عبد الله، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَسَعِيد هُوَ ابْن الْمسيب.

والْحَدِيث مضى فِي الرقَاق فِي: بَاب يقبض الله الأَرْض، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: يقبض الله الأَرْض أَي: يجمعها وَتصير كلهَا شَيْئا وَاحِدًا. قَوْله: بِيَمِينِهِ من المتشابهات فإمَّا أَن يُفَوض وَإِمَّا أَن يؤول بقدرته، وَفِيه إِثْبَات الْيَمين لله تَعَالَى صفة لَهُ من صِفَات ذَاته وَلَيْسَت بجارحة، خلافًا للجهمية.

وَعَن أَحْمد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ: صَحَّ أَن الله يَقُول بعد فنَاء خلقه: لمن الْملك الْيَوْم فَلَا يجِيبه أحد، فَيَقُول لنَفسِهِ: {وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ} وَفِيه: الرَّد على من زعم أَن الله يخلق كلَاما فيسمعه من شَاءَ بِأَن الْوَقْت الَّذِي يَقُول فِيهِ: لمن الْملك الْيَوْم، لَيْسَ هُنَاكَ أحد.

وَقَالَ شُعَيْبٌ والزُّبَيْدِيُّ وابنُ مُسافِرٍ وإسْحاق بنُ يَحْياى عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سَلَمَةَ مِثْلَهُ.

وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة، والزبيدي هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد صَاحب الزُّهْرِيّ نسبه إِلَى زبيد بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف قَبيلَة، وَابْن مُسَافر هُوَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي الْمصْرِيّ واليها، وَإِسْحَاق بن يحيى الْكَلْبِيّ الْحِمصِي، وَأَبُو سَلمَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَوْله: مثله وَقع لأبي ذَر وَسقط لغيره، وَلَيْسَ المُرَاد أَن أَبَا سَلمَة أرْسلهُ بل مُرَاده أَنه اخْتلف على الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم فِي شَيْخه، فَقَالَ: يُونُس سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلمَة، وكل مِنْهُمَا يرويهِ عَن أبي هُرَيْرَة، فرواية شُعَيْب وَصلهَا الدَّارمِيّ قَالَ: حَدثنَا الحكم بن نَافِع وَهُوَ أَبُو الْيَمَان فَذكره، وَفِيه: سَمِعت أَبَا سَلمَة يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة ... وَرِوَايَة الزبيدِيّ وَصلهَا ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عبد الله بن سَالم عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَرِوَايَة ابْن مُسَافر قد تقدّمت مَوْصُولَة فِي تَفْسِير سُورَة الزمر من طَرِيق اللَّيْث بن سعد عَنهُ، كَذَلِك، وَرِوَايَة إِسْحَاق بن يحيى وَصلهَا الذهلي، رَحمَه الله، فِي الزهريات.

٧

- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} وَغَيرهَا {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} الصافات: ١٨٠ {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الَاْعَزُّ مِنْهَا الَاْذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} ومَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ الله وصِفاتِهِ

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: آأؤ ذكر فِيهِ ثَلَاث قطع من ثَلَاث آيَات: الأولى: قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم} ، وَغَيرهَا فالعزيز مُتَضَمّن للعزة وَيجوز أَن يكون صفة ذَات يَعْنِي الْقُدْرَة وَالْعَظَمَة، وَأَن يكون صفة فعل بِمَعْنى الْقَهْر لمخلوقاته وَالْغَلَبَة لَهُم. وَقَالَ الْحَلِيمِيّ مَعْنَاهُ: الَّذِي لَا يُوصل إِلَيْهِ وَلَا يُمكن إِدْخَال مَكْرُوه عَلَيْهِ، فَإِن الْعَزِيز فِي لِسَان الْعَرَب من الْعِزَّة وَهِي الصلابة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْعَزِيز المنيع الَّذِي لَا يغلب، والعز قد يكون من الْغَلَبَة، يُقَال مِنْهُ: عز يعز، بِفَتْح الْعين وَقد يكون بِمَعْنى نفاسة الْقدر، يُقَال مِنْهُ: عز يعز، بِكَسْر الْعين فيؤول معنى الْعِزّ على هَذَا وَأَنه لَا يعازه شَيْء. قَوْله: الْحَكِيم، مُتَضَمّن لِمَعْنى الْحِكْمَة وَهُوَ إِمَّا صفة ذَات يكون بِمَعْنى الْعلم وَالْعلم من صِفَات الذَّات، وَإِمَّا صفة فعل بِمَعْنى الْأَحْكَام. الْآيَة الثَّانِيَة: {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} فَفِي إِضَافَة الْعِزَّة إِلَى الربوبية إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد هَاهُنَا الْقَهْر وَالْغَلَبَة، وَيحْتَمل أَن يكون الْإِضَافَة للاختصاص كَأَنَّهُ قيل: ذُو الْعِزَّة وَأَنَّهَا من صِفَات الذَّات، والتعريف فِي الْعِزَّة للْجِنْس، فَإِذا كَانَت الْعِزَّة كلهَا لله تَعَالَى فَلَا يَصح أَن يكون أحد معتزاً إلَاّ بِهِ، وَلَا عزة لأحد إلَاّ وَهُوَ مَالِكهَا. وَالْآيَة الثَّالِثَة: يعرف حكمهَا من الثَّانِيَة، وَهِي بِمَعْنى الْغَلَبَة لِأَنَّهَا جَوَاب لمن ادّعى أَنه الْأَعَز، وَأَن ضِدّه الْأَذَل فَرد عَلَيْهِ أَن الْعِزَّة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ، فَهُوَ كَقَوْلِه: {كَتَبَ اللَّهُ لَاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} قَوْله: وَمن حلف بعزة الله وَصِفَاته كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: وسلطانه، بدل. وَصِفَاته، وَالْأول أولى، وَقد تقدم فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور: بَاب الْحلف بعزة الله وَصِفَاته، وَكَلَامه، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ. وَقَالَ ابْن بطال مَا ملخصه: الْحَالِف بعزة الله الَّتِي هِيَ صفة ذَات يَحْنَث، والحالف بعزة الله الَّتِي هِيَ صفة فعل لَا يَحْنَث، بل هُوَ مَنْهِيّ عَن الْحلف بهَا كَمَا نهى عَن الْحلف بِحَق السَّمَاء وَحقّ زيد. انْتهى. لَكِن إِذا أطلق الْحَالِف انْصَرف إِلَى صفة الذَّات وانعقد الْيَمين إلَاّ إِن قصد خلاف ذَلِك.

وَقَالَ أنَسٌ: قَالَ النبيُّ تقُولُ جَهَنَّمُ قَطِ قَطِ وعِزَّتِكَ

هَذَا طرف من حَدِيث مطول مضى فِي تَفْسِير سُورَة ق وَالْمرَاد بِهِ أَن النَّبِي نقل عَن جَهَنَّم أَنَّهَا تحلف بعزة الله وأقرها على ذَلِك، فَيحصل المُرَاد سَوَاء كَانَت هِيَ الناطقة حَقِيقَة أم النَّاطِق غَيرهَا كالموكلين بهَا.

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ يَبْقَى رجلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيقُولُ: رَبِّ اصْرِفْ وجْهِي عنِ النَّارِ، لَا وعِزَّتِكَ لَا أسْألُكَ غَيْرَها. قَالَ أَبُو سَعِيد: إنَّ رسولَ الله قَالَ: قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ: لَكَ ذَلِكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ

مُطَابقَة هَذَا وَالَّذِي قبله للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. هَذَا طرف حَدِيث طَوِيل تقدم مَعَ شَرحه فِي آخر كتاب الرقَاق. قَوْله: يبْقى رجل يروي: أَن اسْمه جهنية، بِالْجِيم وَالنُّون، قيل: لَيْسَ كَلَام هَذَا حجَّة. وَأجِيب: بِأَن حِكَايَة رَسُول الله على سَبِيل التَّقْرِير والتصديق حجَّة. قَوْله: وَقَالَ أَبُو سعيد من تَتِمَّة حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَيْسَ كَذَلِك بل المُرَاد أَن أَبَا سعيد وَافق أَبَا هُرَيْرَة على رِوَايَة الحَدِيث الْمَذْكُور إلَاّ مَا ذكره من الزِّيَادَة فِي قَوْله: عشرَة أَمْثَاله

وَقَالَ أيُّوب: وعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَن بَرَكَتِكَ.

هَذَا أَيْضا طرف من حَدِيث لأبي هُرَيْرَة مضى فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَتقدم أَيْضا مَوْصُولا فِي كتاب الطَّهَارَة فِي الْغسْل، وأوله: بَينا أَيُّوب يغْتَسل ... وَتقدم أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، مَعَ شَرحه، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَاكِم: لما عافى الله أَيُّوب أمطرعليه جَرَادًا من ذهب. . الحَدِيث. قَوْله: لَا غنى بِي، بِالْقصرِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: لَا غناء، ممدوداً وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر للسرخسي.

٧٣٨٣ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ، حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ، حَدثنَا حُسَيْنٌ المُعلِّمُ، حدّثني عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ، عنْ يَحْياى بنِ يَعْمَرَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَقُولُ أعُوذُ بِعِزَّتِكَ الّذِي لَا إلاهَ إلاّ أنْتَ الّذِي لَا يَمُوتُ والجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وحسين هُوَ ابْن ذكْوَان، وَعبد الله بن بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن حصيب الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو مَاتَ بمرو، وَيحيى بن يعمر بِلَفْظ الْمُضَارع بِفَتْح الْمِيم وَبِضَمِّهَا أَيْضا وَالْفَتْح أشهر وَهُوَ القَاضِي بمرو أَيْضا.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الدُّعَاء عَن حجاج بن المسارع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عُثْمَان بن عبد الله.

قَوْله: الَّذِي لَا إلاه إِلَّا أَنْت قيل: مَا، الْعَائِد للموصول. وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْمُخَاطب نفس المرجوع إِلَيْهِ يحصل الارتباط، وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلّم نَحْو:

(أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدرة)

قَوْله: لَا يَمُوت بِلَفْظ الْغَائِب، ويروى بِالْخِطَابِ. قَوْله: الْجِنّ وَالْإِنْس يموتون استدلت بِهِ طَائِفَة على أَن الْمَلَائِكَة لَا تَمُوت. وَلَا يَصح هَذَا الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهُ مَفْهُوم لقب وَلَا اعْتِبَار بِهِ فيعارضه مَا هُوَ أقوى مِنْهُ، وَهُوَ عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهاًءَاخَرَ لَا إِلَاهَ إِلَاّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وَقَالَ بَعضهم: لَا مَانع من دُخُول الْمَلَائِكَة فِي مُسَمّى الْجِنّ لجامع مَا بَينهم من الاستتار. قلت: هَذَا كَلَام واهٍ لِأَن مُسَمّى الْجِنّ غير مُسَمّى الْمَلَائِكَة، وَلَا يلْزم من استتارهم عَن أعين النَّاس صِحَة دُخُول الْمَلَائِكَة الَّذين هم من النُّور فِي الْجِنّ الَّذين خلقُوا من مارج من نَار.

٧٣٨٤ - حدّثنا ابنُ أبي الأسْوَد، حَدثنَا حَرَمِيٌّ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يُلْقَى فِي النَّار وَقَالَ لي خَليفَةُ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدّثنا سَعيدٌ عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ وعنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أبي عنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسٍ عنِ النبيِّ قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيها، وتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيها رَبُّ العالمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوي بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ حتَّى يُنْشِىءَ الله لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: بعزتك وَشَيخ البُخَارِيّ ابْن أبي الْأسود هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ وَاسم أبي الْأسود حميد بن الْأسود، وحرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء وياء النِّسْبَة هُوَ ابْن عمَارَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم.

وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين. الأول: عَن ابْن أبي الْأسود بِالتَّحْدِيثِ. وَالثَّانِي: بالْقَوْل، حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ لي خَليفَة هُوَ ابْن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا حَاصله: إِنَّه قَالَ: أخرجه من ثَلَاث طرق وَذكر الطَّرِيقَيْنِ وَقَالَ: الطَّرِيق الثَّالِث، تَعْلِيق وَهُوَ قَوْله: وَعَن مُعْتَمر سَمِعت أبي وَهُوَ سُلَيْمَان بن طرخان عَن قَتَادَة، وَأنكر عَلَيْهِم بَعضهم بِأَن هَذَا لَيْسَ بتعليق، لِأَن قَوْله: وَعَن مُعْتَمر، مَعْطُوف على قَوْله: حَدثنَا يزِيد بن زُرَيْع، مَوْصُول فالتقدير: وَقَالَ لي خَليفَة عَن مُعْتَمر، وَبِهَذَا جزم أَصْحَاب الْأَطْرَاف. قلت: كَونه مَعْطُوفًا مَوْصُولا لَا يُنَافِي كَونه طَرِيقا آخر على مَا لَا يخفى لاخْتِلَاف شَيْخي خَليفَة.

قَوْله: وَتقول هَل من مزِيد؟ أَي: تَقول النَّار، وَإسْنَاد القَوْل إِلَيْهَا مجَاز أَو حَقِيقَة بِأَن يخلق الله القَوْل فِيهَا ومزيد بِمَعْنى الزِّيَادَة مصدر ميمي. قَوْله: قدمه قيل: المُرَاد بهَا الْمُتَقَدّم أَي: يضع الله فِيهَا من قدمه لَهَا من أهل الْعَذَاب، أَو ثمَّة مَخْلُوق اسْمه الْقدَم أَو أَرَادَ بِوَضْع الْقدَم الزّجر عَلَيْهَا والتسكين لَهَا، كَمَا تَقول لشَيْء تُرِيدُ محوه وإبطاله: جعلته تَحت قدمي، أَو: هُوَ مفوض إِلَى الله، وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الْقدَم هَاهُنَا الْكفَّار الَّذين سبق فِي علم الله أَنهم من أهل النَّار وَأَنَّهُمْ يمْلَأ بهم النَّار حَتَّى ينزوي بَعْضهَا إِلَى بعض من الْمَلأ، ولتضايق أَهلهَا، فَتَقول: قطّ قطّ، أَي: امتلات حسبي حسبي. قَوْله: ينزوي مضارع من الانزواء، ويروى: تزوى على صِيغَة الْمَجْهُول من زوى سره عَنهُ إِذا طواه، أَو من زوى الشَّيْء إِذا جمعه وَقَبضه. قَوْله: قد قد رُوِيَ بِسُكُون الدَّال وَكسرهَا وَهُوَ اسْم مرادف: لقط، أَي: حسب. قَوْله: تفضل أَي: عَن الداخلين فِيهَا. قَوْله: حَتَّى ينشىء من الْإِنْشَاء،

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56