الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٨٢
الحديث رقم ٧٣٨٢ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ملك الناس.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَقُولُ جَهَنَّمُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
⦗١١٧⦘
قَالَ قَالَ اللهُ ﷿ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَقَالَ أَيُّوبُ وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ -، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟
وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ …
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَلِكُ وَالْمَالِكُ: هُوَ الْخَاصُّ الْمُلْكَ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرُ عَلَى الْإِيجَادِ، وَهِيَ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَلِكُ: الْمُتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالنَّاطِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلِكِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ، فَتَقْدِيرُهُ الْمُلْكُ فِي يَوْمِ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ النَّاسَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمَادٌ وَنَامٍ، وَالنَّامِي صَامِتٌ وَنَاطِقٌ، وَالنَّاطِقُ مُتَكَلِّمٌ وَغَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْرَفُ الْجَمِيعِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُمْ جَائِزٌ دُخُولُهُ تَحْتَ قَبْضَتِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي الْآيَةِ الْمُتَكَلِّمُ، فَمَنْ مَلَكُوهُ فِي مُلْكِ مَنْ مَلَكَهُمْ، فَكَانَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ: مَلِكِ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْأَشْرَفِ؛ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُرَادُهُ حَدِيثُهُ الْآتِي بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا فِي تَرْجَمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَهُ، كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَرْسَلَهُ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ فِي شَيْخِهِ فَقَالَ يُونُسُ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلَمَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ فَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ آنِفًا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ أَبُو الْيَمَانِ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا طَرِيقُ ابْنِ مُسَافِرٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى وَهُوَ الْكَلْبِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ الْجَمَاعَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الرُّصَافِيُّ فِي أَبِي سَلَمَةَ.
قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الصَّدَفِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ، انْتَهَى. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ؛
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ ابن (١) الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن المسيِّب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) بأن يجمعها حتَّى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ) يفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته (ثُمَّ يَقُولُ) ﷻ: (أَنَا المَلِكُ) أي: ذو الملك على الإطلاق، فلا مُلْكَ لغيره في الدَّارين (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) وفي الحديث: إثبات اليمين صفةٌ لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحةً خلافًا للمجسِّمة.
وسبق في «باب يقبض الله الأرض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٩].
(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الدَّارميُّ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد، ممَّا وصله ابن خزيمة (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالدٍ (٢)، ممَّا سبق موصولًا في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١٢] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفيه: أنَّه اختُلِف على ابن شهابٍ الزُّهريِّ في شيخه، فقال يونس: سعيد بن المسيِّب، وقال الآخرون: أبو سلمة، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة، ونقل ابن خزيمة عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقين محفوظان، قال في «الفتح»: وصنيع البخاريِّ يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيبٍ؛ لكثرة من تابعه، لكنَّ يونس كان من خواصِّ الزُّهريِّ الملازمين له، وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: «عن أبي سلمة»: «مثله» أي: مثل الحديث السَّابق.
(٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾): الغالب، من قولهم: عزَّ، إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، فمعناه: مركَّبٌ من وصفٍ حقيقيٍّ ونعتٍ تنزيهيٍّ، وقيل: القويُّ الشَّديد، من قولهم: عزَّ يعزُّ؛ إذا قوي واشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التَّنزيه، وقيل: هو الذي تتعذَّر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل: العزيز من ضلَّت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعته، وَكَلَّتِ الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، وحظُّ العارف منه أن يُعزَّ نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة، ولا يدانيها (١) بالسُّؤال من النَّاس والافتقار إليهم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرَّق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، وأنَّه (٢) أتقن الأشياء كلَّها، فالحكمة: صفةٌ من صفات الذَّات يُظهِرها الفعل، وتعبِّر عنها المحكمات، وتشهد لها (٣) العقول بما شاهدته في الموجودات، كغيرها من صفات الحق، فتأمَّل ذلك في مسالك أفعاله، ومجاري تدبيره، وترتيب ملكه وملكوته، وقيام الأمر كلِّه به، وتطلَّب آثار ذلك في خلقه في السَّموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ؛ من أفلاكٍ ونجومٍ وشمسٍ وقمرٍ، وتدبير ذلك وتقديره (٤) بأمرٍ محكمٍ مع دؤوب اختلاف اللَّيل والنَّهار وتقلُّبهما، وإيلاج كلِّ واحدٍ منهما في قرينه، وتكويرهما بعضهما على بعضٍ، وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات، والآيات البيِّنات بإحكامٍ متناسقٍ، وحِكَمٍ مستمَّرةِ الوجود، إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممَّا يكلُّ دونه النَّظر، وينحسر دونه البصر، ويزيد على القول، ويربو على الوصف، ولا يدرك كُنْهَه العقول، ولا يحيط به سوى اللَّوح المحفوظ، وأوَّل موضعٍ وقع فيه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم [آية: ٤] وأمَّا مطلق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأوَّل ما وقع في «البقرة» في دعاء
إبراهيم لأهل مكَّة، قال في «اللُّباب»: والعزيز: هو الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا، وهما بهذين التَّفسيرين صفةٌ للذَّات، وإن أُرِيد بـ «العزيز» أفعال العزَّة؛ وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأُرِيد بالحكيم (١) أفعال الحكمة؛ لم يكونا من صفات الذَّات، بل من صفات الفعل، والفرق بينهما: أنَّ صفات الذَّات أزليَّةٌ، وصفات الفعل ليست كذلك.
وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]) من الولد والصَّاحبة والشَّريك، وثبت لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) «عمَّا يصفون» وأضيف الرَّبُّ إلى العزَّة؛ لاختصاصه بها، كأنَّه قيل: ذو العزَّة كما تقول: صاحب صدقٍ؛ لاختصاصه بالصِّدق، ويجوز أن يراد أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ إلَّا وهو ربُّها ومالكها كقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]) أي: ولله المنعة والقوَّة ولمن أعزَّ (٣) من رسوله والمؤمنين، وعزَّة كلِّ واحدٍ بقدر علوِّ مرتبته، فعزَّة الرَّسول ﷺ بما خصَّه الله به من الخصائص التي لا تُحصَى والبراهين التي لا تُستَقصى، وعزَّة المؤمنين بما ورثوه من العلم النَّبويِّ، وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحقِّ، والعزيز: من لا تناله أيدي الشَّياطين ولا تبلغه رعونات الشَّهوات، فتذلَّلْ هداك الله لعزَّته وتضاءلْ لعظمته، وتضرَّع إليه في خلواتك عساه يَهَبُ لك عزًّا لا ذلَّ يصحبه، وشرفًا لا ضِعَة (٤) تتخلله، ثمَّ تذلَّل لأوليائه وأهل طاعته، وتعزَّز على كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ) والعزَّة تحتمل -كما قال ابن بطَّالٍ-: أن تكون صفة ذاتٍ بمعنى القدرة والعظمة، فيحنث، وأن تكون صفة فعلٍ بمعنى القهر لمخلوقاته، فلا يحنث.
نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته».
(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق.
(وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ -، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟
وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ …
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَلِكُ وَالْمَالِكُ: هُوَ الْخَاصُّ الْمُلْكَ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرُ عَلَى الْإِيجَادِ، وَهِيَ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا لِذَاتِهِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْمَلِكُ: الْمُتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالنَّاطِقِينَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلِكِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ، فَتَقْدِيرُهُ الْمُلْكُ فِي يَوْمِ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ انْتَهَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ النَّاسَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمَادٌ وَنَامٍ، وَالنَّامِي صَامِتٌ وَنَاطِقٌ، وَالنَّاطِقُ مُتَكَلِّمٌ وَغَيْرُ مُتَكَلِّمٍ، فَأَشْرَفُ الْجَمِيعِ الْمُتَكَلِّمُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ، وَكُلُّ مَنْ عَدَاهُمْ جَائِزٌ دُخُولُهُ تَحْتَ قَبْضَتِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ فِي الْآيَةِ الْمُتَكَلِّمُ، فَمَنْ مَلَكُوهُ فِي مُلْكِ مَنْ مَلَكَهُمْ، فَكَانَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ: مَلِكِ كُلِّ شَيْءٍ مَعَ التَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الْأَشْرَفِ؛ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُرَادُهُ حَدِيثُهُ الْآتِي بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا فِي تَرْجَمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شُعَيْبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِثْلَهُ، كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَرْسَلَهُ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ فِي شَيْخِهِ فَقَالَ يُونُسُ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: أَبُو سَلَمَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ شُعَيْبٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ الْحِمْصِيُّ فَسَتَأْتِي فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ آنِفًا، فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنَ الْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وَهُوَ أَبُو الْيَمَانِ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ بِضَمِّ الزَّايِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ فَوَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا طَرِيقُ ابْنِ مُسَافِرٍ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ الْفَهْمِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ نُسِبَ لِجَدِّهِ فَتَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى وَهُوَ الْكَلْبِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَافَقَ الْجَمَاعَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الرُّصَافِيُّ فِي أَبِي سَلَمَةَ.
قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الصَّدَفِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ، انْتَهَى. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ؛
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ ابن (١) الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن المسيِّب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) بأن يجمعها حتَّى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ) يفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته (ثُمَّ يَقُولُ) ﷻ: (أَنَا المَلِكُ) أي: ذو الملك على الإطلاق، فلا مُلْكَ لغيره في الدَّارين (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) وفي الحديث: إثبات اليمين صفةٌ لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحةً خلافًا للمجسِّمة.
وسبق في «باب يقبض الله الأرض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٩].
(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الدَّارميُّ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد، ممَّا وصله ابن خزيمة (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالدٍ (٢)، ممَّا سبق موصولًا في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١٢] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفيه: أنَّه اختُلِف على ابن شهابٍ الزُّهريِّ في شيخه، فقال يونس: سعيد بن المسيِّب، وقال الآخرون: أبو سلمة، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة، ونقل ابن خزيمة عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقين محفوظان، قال في «الفتح»: وصنيع البخاريِّ يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيبٍ؛ لكثرة من تابعه، لكنَّ يونس كان من خواصِّ الزُّهريِّ الملازمين له، وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: «عن أبي سلمة»: «مثله» أي: مثل الحديث السَّابق.
(٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾): الغالب، من قولهم: عزَّ، إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، فمعناه: مركَّبٌ من وصفٍ حقيقيٍّ ونعتٍ تنزيهيٍّ، وقيل: القويُّ الشَّديد، من قولهم: عزَّ يعزُّ؛ إذا قوي واشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التَّنزيه، وقيل: هو الذي تتعذَّر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل: العزيز من ضلَّت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعته، وَكَلَّتِ الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، وحظُّ العارف منه أن يُعزَّ نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة، ولا يدانيها (١) بالسُّؤال من النَّاس والافتقار إليهم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرَّق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، وأنَّه (٢) أتقن الأشياء كلَّها، فالحكمة: صفةٌ من صفات الذَّات يُظهِرها الفعل، وتعبِّر عنها المحكمات، وتشهد لها (٣) العقول بما شاهدته في الموجودات، كغيرها من صفات الحق، فتأمَّل ذلك في مسالك أفعاله، ومجاري تدبيره، وترتيب ملكه وملكوته، وقيام الأمر كلِّه به، وتطلَّب آثار ذلك في خلقه في السَّموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ؛ من أفلاكٍ ونجومٍ وشمسٍ وقمرٍ، وتدبير ذلك وتقديره (٤) بأمرٍ محكمٍ مع دؤوب اختلاف اللَّيل والنَّهار وتقلُّبهما، وإيلاج كلِّ واحدٍ منهما في قرينه، وتكويرهما بعضهما على بعضٍ، وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات، والآيات البيِّنات بإحكامٍ متناسقٍ، وحِكَمٍ مستمَّرةِ الوجود، إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممَّا يكلُّ دونه النَّظر، وينحسر دونه البصر، ويزيد على القول، ويربو على الوصف، ولا يدرك كُنْهَه العقول، ولا يحيط به سوى اللَّوح المحفوظ، وأوَّل موضعٍ وقع فيه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم [آية: ٤] وأمَّا مطلق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأوَّل ما وقع في «البقرة» في دعاء
إبراهيم لأهل مكَّة، قال في «اللُّباب»: والعزيز: هو الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا، وهما بهذين التَّفسيرين صفةٌ للذَّات، وإن أُرِيد بـ «العزيز» أفعال العزَّة؛ وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأُرِيد بالحكيم (١) أفعال الحكمة؛ لم يكونا من صفات الذَّات، بل من صفات الفعل، والفرق بينهما: أنَّ صفات الذَّات أزليَّةٌ، وصفات الفعل ليست كذلك.
وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]) من الولد والصَّاحبة والشَّريك، وثبت لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) «عمَّا يصفون» وأضيف الرَّبُّ إلى العزَّة؛ لاختصاصه بها، كأنَّه قيل: ذو العزَّة كما تقول: صاحب صدقٍ؛ لاختصاصه بالصِّدق، ويجوز أن يراد أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ إلَّا وهو ربُّها ومالكها كقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]) أي: ولله المنعة والقوَّة ولمن أعزَّ (٣) من رسوله والمؤمنين، وعزَّة كلِّ واحدٍ بقدر علوِّ مرتبته، فعزَّة الرَّسول ﷺ بما خصَّه الله به من الخصائص التي لا تُحصَى والبراهين التي لا تُستَقصى، وعزَّة المؤمنين بما ورثوه من العلم النَّبويِّ، وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحقِّ، والعزيز: من لا تناله أيدي الشَّياطين ولا تبلغه رعونات الشَّهوات، فتذلَّلْ هداك الله لعزَّته وتضاءلْ لعظمته، وتضرَّع إليه في خلواتك عساه يَهَبُ لك عزًّا لا ذلَّ يصحبه، وشرفًا لا ضِعَة (٤) تتخلله، ثمَّ تذلَّل لأوليائه وأهل طاعته، وتعزَّز على كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ) والعزَّة تحتمل -كما قال ابن بطَّالٍ-: أن تكون صفة ذاتٍ بمعنى القدرة والعظمة، فيحنث، وأن تكون صفة فعلٍ بمعنى القهر لمخلوقاته، فلا يحنث.
نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته».
(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق.
(وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ