«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٤

الحديث رقم ٧٤٤ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يقول بعد التكبير.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤٤ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.»

بَابٌ:

إسناد حديث رقم ٧٤٤ من صحيح البخاري

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ "

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بَابُ مَا يَقْرَأُ بَدَلَ مَا يَقُولُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَاسْتَشْكَلَ إِيرَادَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ضَمَّنَ قَوْلَهُ مَا يَقْرَأُ مَا يَقُولُ مِنَ الدُّعَاءِ قَوْلًا مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ، أَوْ لَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ وَالْقِرَاءَةُ يُقْصَدُ بِهِمَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتَغْنَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ كَمَا جَاءَ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ يَتَضَمَّنُ مُنَاجَاةَ الرَّبِّ وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَقِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ تَتَضَمَّنُ هَذَا الْمَعْنَى، فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ) أَيِ: الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجَوْزَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ الدَّوْرِيِّ وَهُوَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَذَكَرَ أَنَّهَا أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسَمَّى الْحَمْدَ فَقَطْ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ، وَمُسْتَنَدُهُ ثُبُوتُ تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سِرًّا، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ السُّكُوتَ عَلَى الْقِرَاءَةِ سِرًّا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ شُعْبَةَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ: فَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِاللَّفْظَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَثْبَتِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ شُعْبَةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْهُ بِاللَّفْظَيْنِ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ وَهَؤُلَاءِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَقَدْ قَدَحَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهِ بِكَوْنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيِّ، وَالسَّرَّاجُ، عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَحْنُ سَأَلْنَاهُ؛ لَكِنَّ هَذَا النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمُ الْبَسْمَلَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَهَا سِرًّا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَمَّامٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَشَيْبَانُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَشُعْبَةُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ.

وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ قَتَادَةَ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ عَنْهُ كَذَلِكَ: فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّرَّاجُ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ أَيْضًا، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ أَيْضًا، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَعَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ النَّافِي لِلْجَهْرِ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَمَلُ نَفْيِ الْقِرَاءَةِ عَلَى نَفْيِ السَّمَاعِ وَنَفْيِ السَّمَاعِ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ: فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ: كَانُوا يُسِرُّونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا مَنْ قَدَحَ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَلَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَدَعْوَى أَبِي شَامَةَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ فَسُؤَالُ أَبِي سَلَمَةَ: هَلْ كَانَ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ أَوِ الْحَمْدَلَةِ؟ وَسُؤَالُ قَتَادَةَ: هَلْ كَانَ يَبْدَأُ بِالْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا؟ قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ قَتَادَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَحْنُ سَأَلْنَاهُ انْتَهَى.

فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سُؤَالَ قَتَادَةَ نَظِيرُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ، وَالَّذِي فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا قَالَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مُسْلِمٌ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا أَبُو يَعْلَى، وَالسَّرَّاجُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَاتِهِمُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ أَبِي جَابِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَيَقْرَأُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فَقَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَلَمْ أَسْمَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَظَهَرَ اتِّحَادُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَايَتُهُ أَنَّ أَنَسًا أَجَابَ قَتَادَةَ بِالْحُكْمِ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ، فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَهُ لَمَّا سَأَلَهُ قَتَادَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، أَوْ قَالَهُ لَهُمَا مَعًا فَحَفِظَهُ قَتَادَةُ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّ قَتَادَةَ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا انْتَهَى الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ مُحَصَّلَ حَدِيثِ أَنَسٍ نَفْيُ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ فَمَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ فِيهَا إِثْبَاتُ الْجَهْرِ قُدِّمَتْ عَلَى نَفْيِهِ، لَا لِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي؛ لِأَنَّ أَنَسًا يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَصْحَبَ النَّبِيَّ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ يَصْحَبُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ خَمْسًا

وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمُ الْجَهْرَ بِهَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لِكَوْنِ أَنَسٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ هَذَا الْحُكْمَ كَأَنَّهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ مِنْهُ الْجَزْمَ بِالِافْتِتَاحِ بِالْحَمْد جَهْرًا وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ، فَيَتَعَيَّنُ

الْأَخْذُ بِحَدِيثِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْرَ (١). وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا.

وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ إِبَاحَةُ الْإِسْرَارِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِبَاحَتِهِ بَلْ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَرْكِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ، وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِرَاءَةَ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ ذِكْرُ عُثْمَانَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، وَهِشَامٍ، والْأَوْزَاعِيِّ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى رِوَايَتِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ.

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً - فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ) ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ السُّكُوتِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِسْكَاتِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ قُلْتُ: أَسْكَتَ.

قَوْلُهُ: (إِسْكَاتَةً) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِوَزْنِ إِفْعَالَةٍ مِنَ السُّكُوتِ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الشَّاذَّةِ نَحْوُ أُثْبِتُهُ إِثْبَاتَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ سُكُوتٌ يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلَامًا مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ فِيهِ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوتَ عَنِ الْجَهْرِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ، أَوِ السُّكُوتَ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَا عَنِ الذِّكْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً) هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِالظَّنِّ، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَابْنُ فُضَيْلٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: سَكَتَ هُنَيَّةً بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَاحِدِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ - بَدَلَ إِسْكَاتَةٍ - هُنَيَّةً. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ وَصَفَ الْإِسْكَاتَةَ بِكَوْنِهَا هُنَيَّةً أَمْ لَا، وَهُنَيَّةٌ بِالنُّونِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالُوهُ بِالْهَمْزَةِ، وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الْهَمْزُ خَطَأٌ. قَالَ: وَأَصْلُهُ هَنْوَةٌ فَلَمَّا صُغِّرَ صَارَ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ. قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِجَازَةَ الْهَمْزِ، فَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ هَمْزَةً. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَيْهَةً بِقَلْبِهَا هَاءً، وَهِيَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ، وَالْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ: (بِأَبِي وَأُمِّي) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ أَنْتَ مَفْدِيٌّ أَوْ أَفْدِيكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ .

قَوْلُهُ: (إِسْكَاتُكَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ الْمُظَهَّرِيُّ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَسْأَلُكُ إسْكَاتَكَ، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. انْتَهَى.

وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ السِّينِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: مَا تَقُولُ فِي سَكْتَتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَلِمُسْلِمٍ: أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ وَكُلُّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لِكَوْنِهِ قَالَ مَا تَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ تَقُولُ؟ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَصْلِ الْقَوْلِ بِحَرَكَةِ الْفَمِ كَمَا اسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِاضْطِرَابِ اللِّحْيَةِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ بَعْدَ بَابٍ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ

الْمَأْمُومُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ: أَسْكُتُ لِكَيْ يَقْرَأَ مَنْ خَلْفِي. وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ. انْتَهَى.

وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِمَامُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ. وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّيُّ وَغَيْرُهُ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ. وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ، وَالسَّكْتَةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ثَبَتَ فِيهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (بَاعِدْ) الْمُرَادُ بِالْمُبَاعَدَةِ مَحْوُ مَا حَصَلَ مِنْهَا وَالْعِصْمَةُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنْهَا، وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: كَرَّرَ لَفْظَ بَيْنَ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْخَافِضُ.

قَوْلُهُ: (نَقِّنِي) مَجَازٌ عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا، وَلَمَّا كَانَ الدَّنَسُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.

قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ تَأْكِيدٌ، أَوْ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَالُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٌ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ بِهَا الْمَحْوُ وَكَأَنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وَأَشَارَ الطِّيبِيُّ إِلَى هَذَا بَحْثًا فَقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ الْمَاءِ شُمُولَ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابِ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ. أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ. انْتَهَى.

وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُ وَصْفِ الْمَاءِ بِالْبُرُودَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ جَهَنَّمَ لِكَوْنِهَا مُسَبَّبَةً عَنْهَا، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدِ مِنْهُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالتَّنْقِيَةُ لِلْحَالِ، وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي انْتَهَى.

وَكَأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْتَقْبَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ رَفْعِ مَا حَصَلَ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إِلَخْ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ (١). وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الِافْتِتَاحُ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَنَقَلَ السَّاجِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ثُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ، وَاعْتُرِضَ بِكَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَجَهَرَ بِهِ، وَأُجِيبَ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وإِسْرَارِهِ وَإِعْلَانِهِ حَتَّى حَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ الدِّينَ، وَاسْتَدَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إحدى آياتها»، قال الدَّارقُطنيُّ: رجالُ إسنادِه كلُّهم ثقاتٌ، وأحاديث الجهر بها كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابة نحو العشرين صحابيًّا كأبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وأبي هريرة، وأُمِّ سَلَمة.

٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بن شبرمة الضَّبيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو جرير بن عمرٍو البجليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْكُتُ) بفتح أوَّله (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً) بكسر الهمزة بوزن «إِفْعَالةٍ»، وهو من المصادر الشَّاذَّة إذ القياس سكوتًا، وهو منصوبٌ مفعولًا مطلقًا، أي: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده (قَالَ) أبو زرعة (١): (أَحْسِبُهُ) أي: أظن أبا هريرة (٢)

(قَالَ: هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ، كذا عند الأكثر، أي: يسيرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «هنيهةً» بهاءٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، وفي نسخةٍ: «هنيْئَةً» بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، قال عياضٌ والقرطبيُّ: وأكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمز، لكن قال النَّوويُّ: إنَّه خطأٌ، قال (١): وأصله: هَنْوَةً، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت واوٌ وياءٌ وسبقت إحداهما بالسُّكون فقُلِبت الواوُ ياءً ثمَّ أُدغِمت، وتُعقِّب بأنَّه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فقد تُقلَب الواوُ همزةً (٢) (فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي) أي: أنت مُفدًّى، أو أفديك بهما (يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ) بكسر الهمزة وسكون (٣) السِّين والرَّفع، قال في «الفتح»: وهو الَّذي في رواية الأكثرين، وأعربه مبتدأً، لكنَّه لم يذكر خبره، أو هو نَصْبٌ (٤) على ما قاله المظهريُّ، أي: «أسألك» إسكاتك، أو في إسكاتك، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «أَسُكاتك» بفتح الهمزة وضمِّ السِّين على الاستفهام، ولهما في نسخةٍ «أسكوتك» (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «وبين القراءة» (مَا تَقُولُ) فيه؟ (قَالَ) : (أَقُولُ) فيه: (اللَّهُمَّ (٥) بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدك (بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)

وهذا من المجاز لأنَّ حقيقة المباعدة إنَّما هي في الزَّمان والمكان، أي: امحُ ما حصل من خطاياي، وحُلْ بيني وبين ما يُخاف من وقوعه، حتَّى لا يبقى لها منِّي اقترابٌ بالكليَّة. وهذا الدُّعاء صدر منه على سبيل المبالغة في إظهار العبوديَّة، وقِيلَ: إنَّه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وعُورِض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأُجيب بورود الأمر بذلك في حديث سَمُرَة عند البزَّار، وأعاد لفظ: «بين» هنا، ولم يقل: وبين المغرب لأنَّ العطف على الضَّمير المخفوض يُعاد معه العامل بخلاف الظَّاهر، كذا قرَّره الكِرمانيُّ، لكن يَرِدُ عليه قوله: بين التَّكبير وبين القراءة (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، وقاف «نقِّني» بالتَّشديد في الموضعين، وهذا مجازٌ عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها، وشُبِّه بـ «الثَّوب الأبيض» لأنَّ الدَّنس فيه أظهرُ من غيره من الألوان (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ) بالمُثلَّثة وسكون اللَّام، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (وَالبَرَدِ) بفتح الرَّاء، وذكر الأخيرين بعد الأوَّل للتَّأكيد، أو (١) لأنَّهما ماءان لم تمسَّهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، قاله (٢) الخطَّابيُّ. واستدلَّ بالحديث على مشروعيَّة دعاء الافتتاح بعد التَّحرُّم (٣) بالفرض أو النَّفل خلافًا للمشهور عن مالكٍ، وفي «مسلمٍ» حديث عليٍّ: «وجَّهت

وجهي للذي فطر السَّموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين (١)، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من (٢) المسلمين»، زاد ابن حبَّان: «مسلمًا» لكن (٣) قيَّده بصلاة اللَّيل، وأخرجه الشَّافعيُّ وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: «إذا صلَّى المكتوبة» واعتمده الشَّافعيُّ في «الأمِّ». وفي «التِّرمذيِّ» و «صحيح ابن حبَّان (٤)» من حديث أبي سعيدٍ الافتتاح بـ «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» ونقل السَّاجيُّ (٥) عن الشَّافعيِّ استحباب الجمع بين التَّوجُّه والتَّسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعةٍ من الشَّافعيَّة، ويُسَنُّ الإسرار به في السِّرِّيَّة والجهريَّة.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه ابن ماجه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ "

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بَابُ مَا يَقْرَأُ بَدَلَ مَا يَقُولُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَاسْتَشْكَلَ إِيرَادَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: ضَمَّنَ قَوْلَهُ مَا يَقْرَأُ مَا يَقُولُ مِنَ الدُّعَاءِ قَوْلًا مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ، أَوْ لَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ وَالْقِرَاءَةُ يُقْصَدُ بِهِمَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتَغْنَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ كَمَا جَاءَ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ يَتَضَمَّنُ مُنَاجَاةَ الرَّبِّ وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ، وَقِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ تَتَضَمَّنُ هَذَا الْمَعْنَى، فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ) أَيِ: الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجَوْزَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ الدَّوْرِيِّ وَهُوَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَذَكَرَ أَنَّهَا أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسَمَّى الْحَمْدَ فَقَطْ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ، وَمُسْتَنَدُهُ ثُبُوتُ تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سِرًّا، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ السُّكُوتَ عَلَى الْقِرَاءَةِ سِرًّا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ شُعْبَةَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ: فَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِاللَّفْظَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَثْبَتِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ، وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ شُعْبَةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْهُ بِاللَّفْظَيْنِ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ وَهَؤُلَاءِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَأَخْرَجَهُ

مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَقَدْ قَدَحَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهِ بِكَوْنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيِّ، وَالسَّرَّاجُ، عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ: سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَحْنُ سَأَلْنَاهُ؛ لَكِنَّ هَذَا النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمُ الْبَسْمَلَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَهَا سِرًّا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَمَّامٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَشَيْبَانُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَشُعْبَةُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ.

وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ قَتَادَةَ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ عَنْهُ كَذَلِكَ: فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّرَّاجُ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ أَيْضًا، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ أَيْضًا، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَعَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ النَّافِي لِلْجَهْرِ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَمَلُ نَفْيِ الْقِرَاءَةِ عَلَى نَفْيِ السَّمَاعِ وَنَفْيِ السَّمَاعِ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ: فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ: كَانُوا يُسِرُّونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا مَنْ قَدَحَ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَلَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَدَعْوَى أَبِي شَامَةَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ فَسُؤَالُ أَبِي سَلَمَةَ: هَلْ كَانَ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ أَوِ الْحَمْدَلَةِ؟ وَسُؤَالُ قَتَادَةَ: هَلْ كَانَ يَبْدَأُ بِالْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا؟ قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ قَتَادَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَحْنُ سَأَلْنَاهُ انْتَهَى.

فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سُؤَالَ قَتَادَةَ نَظِيرُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ، وَالَّذِي فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا قَالَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مُسْلِمٌ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا أَبُو يَعْلَى، وَالسَّرَّاجُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَاتِهِمُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ أَبِي جَابِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَيَقْرَأُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ فَقَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَلَمْ أَسْمَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَظَهَرَ اتِّحَادُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَايَتُهُ أَنَّ أَنَسًا أَجَابَ قَتَادَةَ بِالْحُكْمِ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ، فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَهُ لَمَّا سَأَلَهُ قَتَادَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، أَوْ قَالَهُ لَهُمَا مَعًا فَحَفِظَهُ قَتَادَةُ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّ قَتَادَةَ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا انْتَهَى الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ مُحَصَّلَ حَدِيثِ أَنَسٍ نَفْيُ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ فَمَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ فِيهَا إِثْبَاتُ الْجَهْرِ قُدِّمَتْ عَلَى نَفْيِهِ، لَا لِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي؛ لِأَنَّ أَنَسًا يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَصْحَبَ النَّبِيَّ مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ يَصْحَبُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ خَمْسًا

وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمُ الْجَهْرَ بِهَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لِكَوْنِ أَنَسٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ هَذَا الْحُكْمَ كَأَنَّهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ مِنْهُ الْجَزْمَ بِالِافْتِتَاحِ بِالْحَمْد جَهْرًا وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ، فَيَتَعَيَّنُ

الْأَخْذُ بِحَدِيثِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْرَ (١). وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا.

وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ إِبَاحَةُ الْإِسْرَارِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِبَاحَتِهِ بَلْ فِي اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَرْكِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ، وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِرَاءَةَ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ ذِكْرُ عُثْمَانَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ، وَهِشَامٍ، والْأَوْزَاعِيِّ. وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى رِوَايَتِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ.

٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً - فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ) ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ السُّكُوتِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الْإِسْكَاتِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ ثُمَّ سَكَتَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَإِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ قُلْتُ: أَسْكَتَ.

قَوْلُهُ: (إِسْكَاتَةً) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِوَزْنِ إِفْعَالَةٍ مِنَ السُّكُوتِ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الشَّاذَّةِ نَحْوُ أُثْبِتُهُ إِثْبَاتَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ سُكُوتٌ يَقْتَضِي بَعْدَهُ كَلَامًا مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ فِيهِ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوتَ عَنِ الْجَهْرِ لَا عَنْ مُطْلَقِ الْقَوْلِ، أَوِ السُّكُوتَ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَا عَنِ الذِّكْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً) هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ بِالظَّنِّ، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَابْنُ فُضَيْلٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: سَكَتَ هُنَيَّةً بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَاحِدِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ فِيهَا فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ - بَدَلَ إِسْكَاتَةٍ - هُنَيَّةً. قُلْتُ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ وَصَفَ الْإِسْكَاتَةَ بِكَوْنِهَا هُنَيَّةً أَمْ لَا، وَهُنَيَّةٌ بِالنُّونِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ، وَالْقُرْطُبِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ قَالُوهُ بِالْهَمْزَةِ، وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الْهَمْزُ خَطَأٌ. قَالَ: وَأَصْلُهُ هَنْوَةٌ فَلَمَّا صُغِّرَ صَارَ هُنَيْوَةً فَاجْتَمَعَتْ وَاوٌ وَيَاءٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ. قَالَ غَيْرُهُ: لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِجَازَةَ الْهَمْزِ، فَقَدْ تُقْلَبُ الْيَاءُ هَمْزَةً. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَيْهَةً بِقَلْبِهَا هَاءً، وَهِيَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ، وَالْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ: (بِأَبِي وَأُمِّي) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ اسْمٍ أَوْ فِعْلٍ وَالتَّقْدِيرُ أَنْتَ مَفْدِيٌّ أَوْ أَفْدِيكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ ذَلِكَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ .

قَوْلُهُ: (إِسْكَاتُكَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَالَ الْمُظَهَّرِيُّ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ: هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ أَسْأَلُكُ إسْكَاتَكَ، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. انْتَهَى.

وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ السِّينِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: مَا تَقُولُ فِي سَكْتَتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَلِمُسْلِمٍ: أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ وَكُلُّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لِكَوْنِهِ قَالَ مَا تَقُولُ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ تَقُولُ؟ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ: وَلَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَصْلِ الْقَوْلِ بِحَرَكَةِ الْفَمِ كَمَا اسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِاضْطِرَابِ اللِّحْيَةِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ بَعْدَ بَابٍ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ السَّكْتَةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ

الْمَأْمُومُ فِيهَا الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ فِي الْجَوَابِ: أَسْكُتُ لِكَيْ يَقْرَأَ مَنْ خَلْفِي. وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَخْبَرَهُ بِصِفَةِ مَا يَقُولُ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ مَا ذَكَرَ. انْتَهَى.

وَهَذَا النَّقْلُ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، إِلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إِنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إِذَا اشْتَغَلَ الْإِمَامُ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ. وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ، بَلْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّيُّ وَغَيْرُهُ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْإِمَامِ. وَفِي وَجْهٍ إِنْ فَرَغَهَا قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا إِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ كَمَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ، وَالسَّكْتَةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ثَبَتَ فِيهَا حَدِيثُ سَمُرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (بَاعِدْ) الْمُرَادُ بِالْمُبَاعَدَةِ مَحْوُ مَا حَصَلَ مِنْهَا وَالْعِصْمَةُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنْهَا، وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُبَاعَدَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْتِقَاءَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مُسْتَحِيلٌ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَبْقَى لَهَا مِنْهُ اقْتِرَابٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: كَرَّرَ لَفْظَ بَيْنَ لِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ يُعَادُ فِيهِ الْخَافِضُ.

قَوْلُهُ: (نَقِّنِي) مَجَازٌ عَنْ زَوَالِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ أَثَرِهَا، وَلَمَّا كَانَ الدَّنَسُ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْوَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.

قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ تَأْكِيدٌ، أَوْ لِأَنَّهُمَا مَاءَانِ لَمْ تَمَسَّهُمَا الْأَيْدِي وَلَمْ يَمْتَهِنْهُمَا الِاسْتِعْمَالُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٌ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ بِهَا الْمَحْوُ وَكَأَنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وَأَشَارَ الطِّيبِيُّ إِلَى هَذَا بَحْثًا فَقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ الْمَاءِ شُمُولَ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لِإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابِ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ. أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ. انْتَهَى.

وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُ وَصْفِ الْمَاءِ بِالْبُرُودَةِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ جَهَنَّمَ لِكَوْنِهَا مُسَبَّبَةً عَنْهَا، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ وَبَالَغَ فِيهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُبَرِّدَاتِ تَرَقِّيًا عَنِ الْمَاءِ إِلَى أَبْرَدِ مِنْهُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالتَّنْقِيَةُ لِلْحَالِ، وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي انْتَهَى.

وَكَأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْتَقْبَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ رَفْعِ مَا حَصَلَ. وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَرَدَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إِلَخْ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ (١). وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ: إِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الِافْتِتَاحُ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَنَقَلَ السَّاجِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. ثُمَّ هَذَا الدُّعَاءُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لِأُمَّتِهِ، وَاعْتُرِضَ بِكَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَجَهَرَ بِهِ، وَأُجِيبَ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وإِسْرَارِهِ وَإِعْلَانِهِ حَتَّى حَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ الدِّينَ، وَاسْتَدَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إحدى آياتها»، قال الدَّارقُطنيُّ: رجالُ إسنادِه كلُّهم ثقاتٌ، وأحاديث الجهر بها كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصَّحابة نحو العشرين صحابيًّا كأبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابن عبَّاسٍ، وأبي هريرة، وأُمِّ سَلَمة.

٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بن شبرمة الضَّبيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو جرير بن عمرٍو البجليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْكُتُ) بفتح أوَّله (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً) بكسر الهمزة بوزن «إِفْعَالةٍ»، وهو من المصادر الشَّاذَّة إذ القياس سكوتًا، وهو منصوبٌ مفعولًا مطلقًا، أي: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده (قَالَ) أبو زرعة (١): (أَحْسِبُهُ) أي: أظن أبا هريرة (٢)

(قَالَ: هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ، كذا عند الأكثر، أي: يسيرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «هنيهةً» بهاءٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، وفي نسخةٍ: «هنيْئَةً» بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، قال عياضٌ والقرطبيُّ: وأكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمز، لكن قال النَّوويُّ: إنَّه خطأٌ، قال (١): وأصله: هَنْوَةً، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت واوٌ وياءٌ وسبقت إحداهما بالسُّكون فقُلِبت الواوُ ياءً ثمَّ أُدغِمت، وتُعقِّب بأنَّه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فقد تُقلَب الواوُ همزةً (٢) (فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي) أي: أنت مُفدًّى، أو أفديك بهما (يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ) بكسر الهمزة وسكون (٣) السِّين والرَّفع، قال في «الفتح»: وهو الَّذي في رواية الأكثرين، وأعربه مبتدأً، لكنَّه لم يذكر خبره، أو هو نَصْبٌ (٤) على ما قاله المظهريُّ، أي: «أسألك» إسكاتك، أو في إسكاتك، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «أَسُكاتك» بفتح الهمزة وضمِّ السِّين على الاستفهام، ولهما في نسخةٍ «أسكوتك» (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «وبين القراءة» (مَا تَقُولُ) فيه؟ (قَالَ) : (أَقُولُ) فيه: (اللَّهُمَّ (٥) بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدك (بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)

وهذا من المجاز لأنَّ حقيقة المباعدة إنَّما هي في الزَّمان والمكان، أي: امحُ ما حصل من خطاياي، وحُلْ بيني وبين ما يُخاف من وقوعه، حتَّى لا يبقى لها منِّي اقترابٌ بالكليَّة. وهذا الدُّعاء صدر منه على سبيل المبالغة في إظهار العبوديَّة، وقِيلَ: إنَّه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وعُورِض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأُجيب بورود الأمر بذلك في حديث سَمُرَة عند البزَّار، وأعاد لفظ: «بين» هنا، ولم يقل: وبين المغرب لأنَّ العطف على الضَّمير المخفوض يُعاد معه العامل بخلاف الظَّاهر، كذا قرَّره الكِرمانيُّ، لكن يَرِدُ عليه قوله: بين التَّكبير وبين القراءة (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، وقاف «نقِّني» بالتَّشديد في الموضعين، وهذا مجازٌ عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها، وشُبِّه بـ «الثَّوب الأبيض» لأنَّ الدَّنس فيه أظهرُ من غيره من الألوان (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ) بالمُثلَّثة وسكون اللَّام، وفي «اليونينيَّة» بفتحها (وَالبَرَدِ) بفتح الرَّاء، وذكر الأخيرين بعد الأوَّل للتَّأكيد، أو (١) لأنَّهما ماءان لم تمسَّهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، قاله (٢) الخطَّابيُّ. واستدلَّ بالحديث على مشروعيَّة دعاء الافتتاح بعد التَّحرُّم (٣) بالفرض أو النَّفل خلافًا للمشهور عن مالكٍ، وفي «مسلمٍ» حديث عليٍّ: «وجَّهت

وجهي للذي فطر السَّموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين (١)، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من (٢) المسلمين»، زاد ابن حبَّان: «مسلمًا» لكن (٣) قيَّده بصلاة اللَّيل، وأخرجه الشَّافعيُّ وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: «إذا صلَّى المكتوبة» واعتمده الشَّافعيُّ في «الأمِّ». وفي «التِّرمذيِّ» و «صحيح ابن حبَّان (٤)» من حديث أبي سعيدٍ الافتتاح بـ «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» ونقل السَّاجيُّ (٥) عن الشَّافعيِّ استحباب الجمع بين التَّوجُّه والتَّسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعةٍ من الشَّافعيَّة، ويُسَنُّ الإسرار به في السِّرِّيَّة والجهريَّة.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه ابن ماجه.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل