الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٢٧
الحديث رقم ٧٥٢٧ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهْوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَرَجُلٌ يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ فَبَيَّنَ اللهُ أَنَّ قِيَامَهُ بِالْكِتَابِ هُوَ فِعْلُهُ وَقَالَ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
٧٥٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وتحريك شفيته وَلسَانه عمل لَهُ يُؤجر عَلَيْهِ، وَكَانَ يُحَرك بِهِ لِسَانه عِنْد قِرَاءَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، مبادرة مِنْهُ مَا يسمعهُ، فَنَهَاهُ الله تَعَالَى عَن ذَلِك وَرفع عَنهُ الكلفة وَالْمَشَقَّة الَّتِي كَانَت تناله فِي ذَلِك مَعَ ضَمَانه تَعَالَى تسهيل الْحِفْظ عَلَيْهِ وَجمعه لَهُ فِي صَدره، كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ قَالَ الله تَعَالَى: أَنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ
هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي علقها البُخَارِيّ وَلم يصلها فِي مَوضِع آخر فِي كِتَابه. وَأخرجه أَحْمد بأتم مِنْهُ وَلَفظه: إِذا ذَكرنِي، ويروى: مَا إِذا ذَكرنِي. قَوْله: أَنا مَعَ عَبدِي هَذِه الْمَعِيَّة معية الرَّحْمَة، وَأما فِي قَوْله: وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم فَهِيَ معية الْعلم. وَحَاصِل الْكَلَام أَنا مَعَ عَبدِي زمَان ذكره لي بِالْحِفْظِ والكلاءة لَا على أَنه مَعَه بِذَاتِهِ، وَمعنى قَوْله: وتحركت بِي شفتاه تحركت باسمي وَذكره لي إِذْ محَال حُلُوله فِي الْأَمَاكِن ووجوده فِي الأفواه وتعاقب الحركات عَلَيْهِ.
٧٥٢٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كانَ النبيُّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وكانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُما لَكَ كَمَا كانَ رسولُ الله يُحَرِّكُهُما؟ فَقَالَ سَعيدٌ: أَنا أُحَرِّكُهُما كَمَا كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} قَالَ: فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ: {ثمَّ إِن علينا} أَن تَقْرَأهُ. قَالَ: فَكانَ رسولُ الله إذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، عليْهِ السَّلَامُ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النبيُّ كَما أقْرَأهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، ومُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو بكر الْهَمدَانِي.
والْحَدِيث تقدم مشروحاً فِي أول الْكتاب، وَالْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان كَيْفيَّة تلقي النَّبِي كَلَام الله من جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقيل: مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين الْمُعَلق والموصول الرَّد على من زعم أَن قِرَاءَة القارىء قديمَة، فأبان أَن حَرَكَة اللِّسَان بِالْقُرْآنِ فعل القارىء بِخِلَاف المقروء فَإِنَّهُ كَلَام الله الْقَدِيم، كَمَا أَن حَرَكَة لِسَان ذكر الله حَادِثَة من فعله، وَالْمَذْكُور وَهُوَ الله تَعَالَى قديم، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بالتراجم الَّتِي تَأتي بعد هَذَا.
٤٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} يَتَخَافَتُونَ يَتسارُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ} يَعْنِي: أَن الله عَالم بالسر من أقوالكم والجهر بِهِ فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: مُرَاده بِهَذَا الْبَاب إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى صفة ذاتية لِاسْتِوَاء علمه بالجهر من القَوْل والسر، وَقد بَينه فِي آيَة أُخْرَى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} وَأَن اكْتِسَاب العَبْد من القَوْل وَالْفِعْل لله تَعَالَى لقَوْله: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ثمَّ قَالَ عقيب ذَلِك: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فَدلَّ على أَنه عَالم بِمَا أسروه وَمَا جهروا بِهِ وَأَنه خَالق لذَلِك فيهم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ظن الشَّارِح أَنه قصد بالترجمة إِثْبَات الْعلم وَلَيْسَ كَمَا ظن وإلَاّ لتعاطفت الْمَقَاصِد مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْعلم وَبَين حَدِيث: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قصد البُخَارِيّ الْإِشَارَة إِلَى النُّكْتَة الَّتِي كَانَت سَبَب محنته بِمَسْأَلَة اللَّفْظ، فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى أَن تلاوات الْخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أَن تكون مخلوقة، وَسِيَاق الْكَلَام يَأْبَى ذَلِك، فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد بعد أَن ذكر عدَّة أَحَادِيث دَالَّة على ذَلِك: فَبين النَّبِي، أَن أصوات الْخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مُخْتَلفَة
بَعْضهَا أحسن وأزين وَأحلى وأصوت وأرتل وألحن وَأَعْلَى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين من بعض. قَوْله: يتخافتون أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} ثمَّ فسره بقوله: يتسارون بتَشْديد الرَّاء أَي: يتساررون فِيمَا بَينهم بِكَلَام خَفِي. وَقيل فِي بعض النّسخ بشين مُعْجمَة وَزِيَادَة وَاو بِغَيْر تثقيل أَي: يتراجعون.
٧٥٢٥ - حدّثني عَمْرُو بنُ زُرارَةَ، عنْ هُشَيْمٍ، أخبرنَا أبُو بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} قَالَ: نَزَلَتْ ورسولُ الله مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكانَ إِذا صَلَى بِأصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذا سَمَعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَنْ أنْزَلَهُ ومَنّ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله لِنَبِيِّهِ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ {وَلَا تخَافت بهَا} عنْ أصْحابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُم {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً}
مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى.
وَعَمْرو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وهشيم بن بشير وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: فَيسمع بِالنّصب وَالرَّفْع قيل: إِذا كَانَ النَّبِي، مختفياً عَن الْكفَّار فَكيف يرفع الصَّوْت؟ وَهُوَ يُنَافِي الاختفاء؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ الْإِتْيَان بشبه الْجَهْر أَو إِنَّه مَا كَانَ يبْقى لَهُ عِنْد الصَّلَاة ومناجاة الرب اخْتِيَار لاستغراقه فِي ذَلِك.
٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماَعيلَ، حدَّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} فِي الدُّعاء.
انْظُر الحَدِيث ٤٧٢٣ وطرفه
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، أخرجه عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَانَ.
٧٥٢٧ - حدّثنا إسْحَاقُ، حدّثنا أبُو عاصِمٍ، أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ وزادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يدل على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَإِسْحَاق قَالَ الْحَاكِم: هُوَ ابْن نصر، وَقَالَ الغساني: هُوَ ابْن مَنْصُور أشبه، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن.
قَوْله: لَيْسَ منا أَي: لَيْسَ من أهل سنتنا، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَيْسَ من أهل ديننَا. قَوْله: من لم يَتَغَنَّ أَي: من لم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: غَيره هُوَ صَاحب لأبي هُرَيْرَة، زَاد فِي آخر الحَدِيث يجْهر بِهِ أَي: بِالْقُرْآنِ.
٤٥
- (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ) ، ورَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، فَبَيَّنَ الله أنَّ قِيامُهُ بالكِتابِ هُوَ فِعلُهُ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وتحريك شفيته وَلسَانه عمل لَهُ يُؤجر عَلَيْهِ، وَكَانَ يُحَرك بِهِ لِسَانه عِنْد قِرَاءَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، مبادرة مِنْهُ مَا يسمعهُ، فَنَهَاهُ الله تَعَالَى عَن ذَلِك وَرفع عَنهُ الكلفة وَالْمَشَقَّة الَّتِي كَانَت تناله فِي ذَلِك مَعَ ضَمَانه تَعَالَى تسهيل الْحِفْظ عَلَيْهِ وَجمعه لَهُ فِي صَدره، كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب.
وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ قَالَ الله تَعَالَى: أَنا مَعَ عَبْدِي حَيْثُما ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ
هَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي علقها البُخَارِيّ وَلم يصلها فِي مَوضِع آخر فِي كِتَابه. وَأخرجه أَحْمد بأتم مِنْهُ وَلَفظه: إِذا ذَكرنِي، ويروى: مَا إِذا ذَكرنِي. قَوْله: أَنا مَعَ عَبدِي هَذِه الْمَعِيَّة معية الرَّحْمَة، وَأما فِي قَوْله: وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم فَهِيَ معية الْعلم. وَحَاصِل الْكَلَام أَنا مَعَ عَبدِي زمَان ذكره لي بِالْحِفْظِ والكلاءة لَا على أَنه مَعَه بِذَاتِهِ، وَمعنى قَوْله: وتحركت بِي شفتاه تحركت باسمي وَذكره لي إِذْ محَال حُلُوله فِي الْأَمَاكِن ووجوده فِي الأفواه وتعاقب الحركات عَلَيْهِ.
٧٥٢٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا أبُو عَوَانَة، عنْ مُوسَى بنِ أبي عَائِشَةَ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قَالَ: كانَ النبيُّ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً وكانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ: أُحَرِّكُهُما لَكَ كَمَا كانَ رسولُ الله يُحَرِّكُهُما؟ فَقَالَ سَعيدٌ: أَنا أُحَرِّكُهُما كَمَا كانَ ابنُ عبَّاس يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فأنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} قَالَ: جَمْعُهُ فِي صَدْركَ ثُم تَقْرَأُوهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ} قَالَ: فاسْتَمِعْ لهُ وأنْصِتْ: {ثمَّ إِن علينا} أَن تَقْرَأهُ. قَالَ: فَكانَ رسولُ الله إذَا أتاهُ جِبْرِيلُ، عليْهِ السَّلَامُ، استَمَعَ فإذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النبيُّ كَما أقْرَأهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، ومُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو بكر الْهَمدَانِي.
والْحَدِيث تقدم مشروحاً فِي أول الْكتاب، وَالْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان كَيْفيَّة تلقي النَّبِي كَلَام الله من جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام. وَقيل: مُرَاد البُخَارِيّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثين الْمُعَلق والموصول الرَّد على من زعم أَن قِرَاءَة القارىء قديمَة، فأبان أَن حَرَكَة اللِّسَان بِالْقُرْآنِ فعل القارىء بِخِلَاف المقروء فَإِنَّهُ كَلَام الله الْقَدِيم، كَمَا أَن حَرَكَة لِسَان ذكر الله حَادِثَة من فعله، وَالْمَذْكُور وَهُوَ الله تَعَالَى قديم، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بالتراجم الَّتِي تَأتي بعد هَذَا.
٤٤ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} يَتَخَافَتُونَ يَتسارُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ} يَعْنِي: أَن الله عَالم بالسر من أقوالكم والجهر بِهِ فَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك. وَقَالَ ابْن بطال: مُرَاده بِهَذَا الْبَاب إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى صفة ذاتية لِاسْتِوَاء علمه بالجهر من القَوْل والسر، وَقد بَينه فِي آيَة أُخْرَى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} وَأَن اكْتِسَاب العَبْد من القَوْل وَالْفِعْل لله تَعَالَى لقَوْله: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ثمَّ قَالَ عقيب ذَلِك: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فَدلَّ على أَنه عَالم بِمَا أسروه وَمَا جهروا بِهِ وَأَنه خَالق لذَلِك فيهم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: ظن الشَّارِح أَنه قصد بالترجمة إِثْبَات الْعلم وَلَيْسَ كَمَا ظن وإلَاّ لتعاطفت الْمَقَاصِد مِمَّا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّرْجَمَة، لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْعلم وَبَين حَدِيث: لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا قصد البُخَارِيّ الْإِشَارَة إِلَى النُّكْتَة الَّتِي كَانَت سَبَب محنته بِمَسْأَلَة اللَّفْظ، فَأَشَارَ بالترجمة إِلَى أَن تلاوات الْخلق تتصف بالسر والجهر ويستلزم أَن تكون مخلوقة، وَسِيَاق الْكَلَام يَأْبَى ذَلِك، فقد قَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب خلق أَفعَال الْعباد بعد أَن ذكر عدَّة أَحَادِيث دَالَّة على ذَلِك: فَبين النَّبِي، أَن أصوات الْخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مُخْتَلفَة
بَعْضهَا أحسن وأزين وَأحلى وأصوت وأرتل وألحن وَأَعْلَى وأخفض وأغض وأخشع وأجهر وأخفى وأمهر وأمد وألين من بعض. قَوْله: يتخافتون أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} ثمَّ فسره بقوله: يتسارون بتَشْديد الرَّاء أَي: يتساررون فِيمَا بَينهم بِكَلَام خَفِي. وَقيل فِي بعض النّسخ بشين مُعْجمَة وَزِيَادَة وَاو بِغَيْر تثقيل أَي: يتراجعون.
٧٥٢٥ - حدّثني عَمْرُو بنُ زُرارَةَ، عنْ هُشَيْمٍ، أخبرنَا أبُو بِشْرٍ، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} قَالَ: نَزَلَتْ ورسولُ الله مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ فَكانَ إِذا صَلَى بِأصْحابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرآنِ، فَإِذا سَمَعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرآنَ ومَنْ أنْزَلَهُ ومَنّ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله لِنَبِيِّهِ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ {وَلَا تخَافت بهَا} عنْ أصْحابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُم {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً}
مطابقته للتَّرْجَمَة لَا تخفى.
وَعَمْرو بن زُرَارَة بِضَم الزَّاي وَتَخْفِيف الرَّاء الأولى ابْن وَاقد الْكلابِي النَّيْسَابُورِي، وروى عَنهُ مُسلم أَيْضا، وهشيم بن بشير وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية واسْمه إِيَاس.
والْحَدِيث مضى فِي تَفْسِير سُورَة بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن هشيم ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: فَيسمع بِالنّصب وَالرَّفْع قيل: إِذا كَانَ النَّبِي، مختفياً عَن الْكفَّار فَكيف يرفع الصَّوْت؟ وَهُوَ يُنَافِي الاختفاء؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَعَلَّه أَرَادَ الْإِتْيَان بشبه الْجَهْر أَو إِنَّه مَا كَانَ يبْقى لَهُ عِنْد الصَّلَاة ومناجاة الرب اخْتِيَار لاستغراقه فِي ذَلِك.
٧٥٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماَعيلَ، حدَّثنا أبُو أُسامَةَ، عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الَاْسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذاَلِكَ سَبِيلاً} فِي الدُّعاء.
انْظُر الحَدِيث ٤٧٢٣ وطرفه
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى وَجه آخر فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، أخرجه عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل واسْمه فِي الأَصْل عبد الله الْقرشِي الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر فِي تَفْسِير سُورَة سُبْحَانَ.
٧٥٢٧ - حدّثنا إسْحَاقُ، حدّثنا أبُو عاصِمٍ، أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرنَا ابنُ شِهابٍ، عنْ أبي سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ وزادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي قَوْله: من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ إِضَافَة الْفِعْل إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يدل على أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى.
وَإِسْحَاق قَالَ الْحَاكِم: هُوَ ابْن نصر، وَقَالَ الغساني: هُوَ ابْن مَنْصُور أشبه، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ روى عَنهُ كثيرا بِلَا وَاسِطَة، وَابْن جريج عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن.
قَوْله: لَيْسَ منا أَي: لَيْسَ من أهل سنتنا، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَيْسَ من أهل ديننَا. قَوْله: من لم يَتَغَنَّ أَي: من لم يجْهر بِقِرَاءَة الْقُرْآن. قَوْله: غَيره هُوَ صَاحب لأبي هُرَيْرَة، زَاد فِي آخر الحَدِيث يجْهر بِهِ أَي: بِالْقُرْآنِ.
٤٥
- (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ) ، ورَجُلٌ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذا فَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، فَبَيَّنَ الله أنَّ قِيامُهُ بالكِتابِ هُوَ فِعلُهُ.