«كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٦٣

الحديث رقم ٧٥٦٣ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٦٣ في صحيح البخاري

«كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ.»

إسناد حديث رقم ٧٥٦٣ من صحيح البخاري

٧٥٦٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٦٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنُ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَنَاجِرَهُمْ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ عَلَامَتُهُمْ، وَالسَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ.

قَوْلُهُ: (التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى التَّحْلِيقِ، وَقِيلَ: أَبْلَغُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَالِ وَقِيلَ: إِنْ نَبَتَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ دَهْنِ الشَّعْرِ وَغَسْلُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَلَامَةِ وُجُودُ ذِي الْعَلَامَةِ فَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَةِ، وَالْخَوَارِجُ اتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجَمِيعُ شُعُورِهِمْ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الدِّيَانَةِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالثَّانِي مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ الْمُتَكَاثِرَةِ كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَالثَّالِثُ كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ خَبْطٌ أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْمٍ عَرَفَهُمُ النَّبِيُّ بِالْوَحْيِ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ قَالُوا: إِنَّكَ رَبُّنَا، فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً وَقَالُوا: الْآنَ تَيَقَّنَّا أَنَّكَ رَبُّنَا؛ إِذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَنِ وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ قَالَ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ انْتَهَى. وَلَيْسَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ وَصْفَ الْخَوَارِجِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ النَّوَاصِبِ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيمُ بِصِفِّينَ فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَكَفَّرُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

٥٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ

٧٥٦٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِأَكْثَرِهِمْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْمَوَازِينُ جَمْعُ مِيزَانٍ وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكِسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي ذِكْرِهِ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، هَلِ الْمُرَادُ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِيزَانًا أَوْ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزَانٌ؟ فَيَكُونُ الْجَمْعُ حَقِيقَةً، أَوْ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا مِيزَانٌ وَاحِدٌ؟ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ أَوِ الْأَشْخَاصِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ

لِلتَّفْخِيمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ إِلَّا وَاحِدٌ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ وَلَا يُشْكِلُ بِكَثْرَةِ مَنْ يُوزَنُ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْقِيَامَةِ لَا تُكَيَّفُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ نَعْتُ الْمَوَازِينِ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا وَهِيَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْقِسْطُ الْعَدْلُ، وَجُعِلَ وَهُوَ مُفْرَدٌ مِنْ نَعْتِ الْمَوَازِينِ وَهِيَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِكَ عَدْلٌ وَرِضًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ ذَوَاتَ الْقِسْطِ، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، يُقَالُ مِيزَانُ قِسْطٍ وَمِيزَانَانِ قِسْطٍ وَمَوَازِينُ قِسْطٍ، وَقِيلَ هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ الْقِسْطِ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِحِسَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى فِي كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَقِيلَ لِلتَّوْقِيتِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:

تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا … لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعٌ

وَحَكَى حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَانَ مَا مَعْنَاهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَذَكَرَ النَّبِيُّ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ ﷿.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْقَابِسِيِّ وَطَائِفَةٍ، وَأَقْوَالَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَعْمَالِ وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ لَكِنْ خَصَّ مِنْهُ طَائِفَتَانِ فَمِنَ الْكُفَّارِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَّا الْكُفْرَ، وَلَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا مِيزَانٍ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا سَيِّئَةَ لَهُ وَلَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ فَهَذَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا فِي قِصَّةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ يُحَاسَبُونَ وَتُعْرَضُ أَعْمَالُهُمْ عَلَى الْمَوَازِينِ، وَيَدُلُّ عَلَى مُحَاسَبَةِ الْكُفَّارِ وَوَزْنِ أَعْمَالِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْكَافِرُ لَا ثَوَابَ لَهُ وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالْعَذَابِ فَلَا حَسَنَةَ لَهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي الْكَافِرِ: لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَتُعُقِّبَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوَزْنِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الْكَافِرِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ

كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ وَلَا يَجِدُ لَهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الْأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمِيزَانَ بِالْخِفَّةِ لَا الْمَوْزُونَ. ثَانِيهُمَا: قَدْ يَقَعُ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ لَكَانَتْ حَسَنَاتٍ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ، غَيْرَ أَنَّ الْكُفْرَ إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ مَثَلًا، فَإِنِ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ مَثَلًا فَقَطْ، وَإِلَّا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمِيزَانِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالْأَعْمَالِ، وَأَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ وَقَالُوا: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْلِ فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَضَعُ الْمَوَازِينَ لِوَزْنِ الْأَعْمَالِ لِيَرَى الْعِبَادُ أَعْمَالَهُمْ مُمَثَّلَةً لِيَكُونُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَاهِدِينَ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا، قَالَ: وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا انْتَهَى.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمِيزَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ

وَالْقَضَاءِ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ كَمَا يَجُوزُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْحَطُّ، وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَوَازِينُ الْعَدْلُ، وَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُوضَعُ الْمِيزَانُ وَلَهُ كِفَتَّانِ، لَوْ وُضِعَ فِي إِحْدَاهُمَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ذُكِرَ الْمِيزَانُ عِنْدَ الْحَسَنِ فَقَالَ: لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِنَّمَا تُوزَنُ الصُّحُفُ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَإِنَّهَا أَعْرَاضٌ فَلَا تُوصَفُ بِثِقَلٍ وَلَا خِفَّةٍ، وَالْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَعْمَالَ حِينَئِذٍ تُجَسَّدُ أَوْ تُجْعَلُ فِي أَجْسَامٍ فَتَصِيرُ أَعْمَالُ الطَّائِعِينَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَأَعْمَالُ الْمُسِيئِينَ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ثُمَّ تُوزَنُ، ورَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الَّذِي يُوزَنُ الصَّحَائِفُ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الْأَعْمَالُ، وَنَقَلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، قَالَ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالصُّحُفُ أَجْسَامٌ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ انْتَهَى.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ النَّارَ، قِيلَ: فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ. أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ قَالَ: هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ بِالْمِيزَانِ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَهُوَ رُومِيٌّ عُرِّبَ، وَيُقَالُ: قِسْطَارٌ بِالرَّاءِ آخِرَهُ بَدَلَ السِّينِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: الْقِسْطَاسُ أَعْدَلُ الْمَوَازِينِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِضَمِّهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ) قَالَ الْفَرَّاءُ: الْقَاسِطُونَ الْجَائِرُونَ، وَالْمُقْسِطُونَ الْعَادِلُونَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقِسْطُ النَّصِيبُ بِالْعَدْلِ كَالنِّصْفِ وَالنَّصَفَةِ وَالْقَسْطُ بِفَتْحِ الْقَافِ أَنْ يَأْخُذَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ جَوْرٌ، وَالْإِقْسَاطُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ قِسْطَهُ وَذَلِكَ إِنْصَافٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ قَسَطَ إِذَا جَارَ وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْقِسْطُ النَّصِيبُ إِذَا تَقَاسَمُوهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُتَعَقِّبًا عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ مَا نَصُّهُ: الْقِسْطُ الْعَدْلُ وَمَصْدَرُ الْمُقْسِطِ الْإِقْسَاطُ، يُقَالُ: أَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ وَقَسَطَ إِذَا جَارَ وَيَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى مُتَقَارِبٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: عَدَلَ عَنْ كَذَا إِذَا مَالَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَسَطَ إِذْا عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ، وَأَقْسَطَ كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، انْتَهَى.

وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ لِلْمَعْنَى بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ وَفِي الْحُجُرَاتِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَنْزِلُ حَكَمًا مُقْسِطًا وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْسِطُ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ هُوَ الْمُعْطِي عِبَادَهُ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُعْطِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ قِسْطًا مِنْ خَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَطَّاعِ أَنَّ قَسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ

عَنِ اعْتِرَاضِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ فَقَالَ: أَرَادَ بِالْمَصْدَرِ مَا حُذِفَتْ زَوَائِدُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَإِنْ أَهْلِكْ فَذَلِكَ حِينَ قَدْرِي أَيْ تَقْدِيرِي فَرَدَّهُ إِلَى أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا تَحْذِفُ الْعَرَبُ الزَّوَائِدَ لِتَرُدَّ الْكَلِمَةَ إِلَى أَصْلِهَا، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ الْمُقْسِطُ الْجَارِي عَلَى فِعْلِهِ فَهُوَ الْإِقْسَاطُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفُ الزَّوَائِدِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِهِ، فَهُوَ مَصْدَرُ مَصْدَرِهِ إِذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْجَارِيَ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ الْإِقْسَاطُ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَزِيدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقِسْطِ بِالْكَسْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَسْطِ بِالْفَتْحِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَوْرِ وَالْهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ وَالْإِزَالَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَقِيلَ: بَلْ عَرَبِيٌّ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ مَجْمَعٌ، وَقِيلَ مَعْمَرٌ، وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الصَّفَّارُ الْحَضْرَمِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: آخِرُ مَا لَقِيتُهُ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرَّخَ ابْنُ حِبَّانَ وَفَاتَهُ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ إِشْكَابٍ وَلَا مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابٍ قَرَابَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) أَيِ ابْنِ غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَجْهُ الْغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَشَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ وَصَاحِبَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُمَارَةَ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.

قَوْلُهُ: (كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِتَقْدِيمِ حَبِيبَتَانِ وَتَأْخِيرِ ثَقِيلَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِتَقْدِيمِ خَفِيفَتَانِ وَتَأْخِيرِ حَبِيبَتَانِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ طَرِيفٍ وَكَذَا عِنْدَ الْبَاقِينَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَنْ سَيَأْتِي عَنْ شُيُوخِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ إِطْلَاقُ كَلِمَةٍ عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ مِثْلُ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَوْلُهُ كَلِمَتَانِ هُوَ الْخَبَرُ وَحَبِيبَتَانِ وَمَا بَعْدَهَا صِفَةٌ وَالْمُبْتَدَأُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ، وَالنُّكْتَةُ فِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ تَشْوِيقُ السَّامِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَكُلَّمَا طَالَ الْكَلَامُ فِي وَصْفِ الْخَبَرِ حَسُنَ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ تَزِيدُ السَّامِعَ شَوْقًا، وَقَوْلُهُ حَبِيبَتَانِ أَيْ مَحْبُوبَتَانِ، وَالْمَعْنَى: مَحْبُوبٌ قَائِلُهُمَا، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَوْلُهُ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ: وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُوزَنُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَوْصُوفُهُ مَعَهُ، فَلِمَ عَدَلَ عَنِ التَّذْكِيرِ إِلَى التَّأْنِيثِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَأَيْضًا فَهُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا الْمُثَنَّى سَلَّمْنَا لَكِنْ أَنَّثَ لِمُنَاسَبَةِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَالْخَفِيفَتَيْنِ، أَوْ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظَةِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لَكِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ كَمَنْ يَقُولُ: خُذْ ذَبِيحَتَكَ لِلشَّاةِ الَّتِي لَمْ تُذْبَحْ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْفِعْلُ فَهِيَ ذَبِيحٌ حَقِيقَةً، وَخَصَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ بَيَانُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ بِالثَّوَابِ الْكَثِيرِ.

قَوْلُهُ: (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ) وَصَفَهُمَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ لِبَيَانِ قِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ سَجْعٌ مُسْتَعْذَبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بَيَانُ الْجَائِزِ مِنْهُ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَكَذَا فِي الْحُدُودِ فِي حَدِيثِ سَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَكَلَّفًا أَوْ مُتَضَمِّنًا لِبَاطِلٍ لَا مَا جَاءَ عَفْوًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ خَفِيفَتَانِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ كَلَامِهِمَا وَأَحْرُفِهِمَا وَرَشَاقَتِهِمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلسُّهُولَةِ وَشَبَّهَ سُهُولَةَ جَرَيَانِهَا عَلَى اللِّسَانِ بِمَا خَفَّ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ

بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ فَلَا تُتْعِبُهُ كَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَائِرَ التَّكَالِيفِ صَعْبَةٌ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ثَقِيلَةٌ وَهَذِهِ سَهْلَةٌ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا تُثْقِلُ الْمِيزَانَ كَثِقَلِ الشَّاقِّ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ سَبَبِ ثِقَلِ الْحَسَنَةِ وَخِفَّةِ السَّيِّئَةِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا، وَالسَّيِّئَةُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ خِفَّتُهَا عَلَى ارْتِكَابِهَا.

قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَبِحَمْدِهِ) قِيلَ: الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: أُسَبِّحُ اللَّهَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِي لَهُ مِنْ أَجْلِ تَوْفِيقِهِ، وَقِيلَ: عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَتَلَبَّسُ بِحَمْدِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْدُ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَمْدِ لَازِمُهُ أَوْ مَا يُوجِبُ الْحَمْدَ مِنَ التَّوْفِيقِ وَنَحْوِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ فَيَكُونُ سُبْحَانَ اللَّهِ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً وَبِحَمْدِهِ جُمْلَةً أُخْرَى، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، أَيْ بِقُوَّتِكَ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ تُوجِبُ عَلَيَّ حَمْدَكَ سَبَّحْتُكَ لَا بِحَوْلِي وَبِقُوَّتِي، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَلَى ثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ، إِلَّا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْهُ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرُهُمْ وَبِحَمْدِهِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ بَقِيَّةِ مَنْ سَمَّيْتُ مِنْ شُيُوخِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ آدَمَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ كَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ وَالْحُسَيْنِ.

قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ) هَكَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَتَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَكَذَا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْتُهُ قَبْلُ، وَقَدْ وَقَعَ لِي بِعُلُوٍّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْهُ بِثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ وَتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَفِ فِي الدِّينِ وَالْكَمَالِ كَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَرَامِ وَالْمَعَاصِي الْعِظَامِ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّ مَنْ أَدْمَنَ الذِّكْرَ وَأَصَرَّ عَلَى مَا شَاءَهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَانْتَهَكَ دِينَ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِالْمُطَهَّرِينَ الْمُقَدَّسِينَ وَيَبْلُغُ مَنَازِلَهُمْ بِكَلَامٍ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ لَيْسَ مَعَهُ تَقْوَى وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: صِفَاتُ اللَّهِ وُجُودِيَّةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَهِيَ صِفَاتُ الْإِكْرَامِ، وَعَدَمِيَّةٌ كَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ وَهِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ، فَالتَّسْبِيحُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْجَلَالِ، وَالتَّحْمِيدُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْإِكْرَامِ، وَتَرْكُ التَّقْيِيدِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، وَالْمَعْنَى أُنَزِّهُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَأَحْمَدُهُ بِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، قَالَ: وَالنَّظْمُ الطَّبِيعِيُّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ التَّحْلِيَةِ عَلَى التَّخْلِيَةِ، فَقَدَّمَ التَّسْبِيحَ الدَّالَّ عَلَى التَّخَلِّي عَلَى التَّحْمِيدِ الدَّالِّ عَلَى التَّحَلِّي، وَقَدَّمَ لَفْظَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَوَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ الشَّامِلُ لِسَلْبِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَإِثْبَاتِ مَا يَلِيقُ بِهِ إِذِ الْعَظَمَةُ الْكَامِلَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ النَّظِيرِ وَالْمَثِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ التَّسْبِيحَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ لَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَلِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِشَأْنِ التَّنْزِيهِ أَكْثَرُ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوِ سُبْحَانَ، وسَبِّحْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وسَبَّحَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، ويُسَبِّحُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ، وَلِأَنَّ التَّنْزِيهَاتِ تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ الْكَمَالَاتِ فَإِنَّهَا تَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْحَقَائِقُ الْإِلَهِيَّةُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقِ

السَّلْبِ كَمَا فِي الْعِلْمِ لَا يُدْرَكُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَاهِلٍ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ عِلْمِهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُنَاسَبَةِ أَبْوَابِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي نَقَلْتُهُ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْمُقَدَّمَةِ: لَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعِصْمَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ فَخَتَمَ بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَكَانَ آخِرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الْمُفْلِحُ مِنَ الْخَاسِرِ ثِقَلَ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتَهَا فَجَعَلَهُ آخِرَ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ، فَبَدَأَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَخَتَمَ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْقُلُ مِنْهَا مَا كَانَ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَرْغِيبٌ وَتَخْفِيفٌ وَحَثٌّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ لَهُ وَالْخِفَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ وَالثِّقَلِ بِالنِّسْبَةِ لِإِظْهَارِ الثَّوَابِ، وَجَاءَ تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أُسْلُوبٍ عَظِيمٍ وَهُوَ أَنَّ حُبَّ الرَّبِّ سَابِقٌ وَذِكْرَ الْعَبْدِ وَخِفَّةَ الذِّكْرِ عَلَى لِسَانِهِ تَالٍ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ النَّافِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بَيَانُ تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْكِتَابِ وَأَنَّ الْخَتْمَ بِمَبَاحِثِ كَلَامِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مَدَارُ الْوَحْيِ، وَبِهِ تَثْبُتُ الشَّرَائِعُ وَلِهَذَا افْتَتَحَ بِبَدْءِ الْوَحْيِ وَالِانْتِهَاءُ إِلَى مَا مِنْهُ الِابْتِدَاءُ وَنِعْمَ الْخَتْمُ بِهَا، وَلَكِنَّ ذِكْرَ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ هُوَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لِإِرَادَةِ بَيَانِ إِخْلَاصِهِ فِيهِ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ خَتْمَ كِتَابِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى وَزْنِ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ آثَارِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْوَزْنِ إِلَّا الِاسْتِقْرَارُ فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ إِلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إِخْرَاجَ مَنْ قَضَى بِتَعْذِيبِهِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَيَخْرُجُونَ مِن النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ وَضَعَ كِتَابَهُ قِسْطَاسًا وَمِيزَانًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ سَهْلٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي حَالَتَيْهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ.

قُلْتُ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْحَثُّ عَلَى إِدَامَةِ هَذَا الذِّكْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ لَفْظُهُ: مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَحْدَهَا فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا الْكَلِمَةُ الْأُخْرَى فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُفِيدُ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الْمُنَاسِبِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ الْكَلِمَةَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَهُ خَطَايَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يُوَازِنُ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِيرَادُ الْحُكْمِ الْمُرَغَّبِ فِي فِعْلِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا مَضَى فِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ وَفِيهِ مِنَ الْبَدِيعِ: الْمُقَابَلَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَالْمُوَازَنَةُ فِي السَّجْعِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ: لِلرَّحْمَنِ؛ لِمُوَازَنَةِ قَوْلِهِ: عَلَى اللِّسَانِ وَعَدَّى كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةُ امْتِثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ.

خاتمة:

اشتمل كتاب التوحيد من الأحاديث المرفوعة على مائتي حديث وخمسة وأربعين حديثا، المعلق منها وما في معناه من المتابعة خمسة وخمسون طريقا والباقي موصول، المكرر منها فيه وفيما مضى معظمها، والخالص منها أحد عشر حديثا انفرد عن مسلم بأكثرها، وأخرج مسلم منها حديث عائشة: في أمر السرية في ذكر قل هو الله أحد، وحديث أبي هريرة: أذنب عبد من عبادي ذنبا، وحديثه إذا تقرب العبد مني شبرا، وحديثه يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة وثلاثون أثرا، فجميع

ما في الجامع من الأحاديث بالمكرر موصولا ومعلقا وما في معناه من المتابعة تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا، وجميع ما فيه موصولا ومعلقا بغير تكرار ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا، فمن ذلك المعلق وما في معناه من المتابعة مائة وستون حديثا، والباقي موصول، وافقه مسلم على تخريجها سوى ثمانمائة وعشرين حديثا، وقد بينت ذلك مفصلا في آخر كل كتاب من كتب هذا الجامع، وجمعت ذلك هنا تنبيها على وهم من زعم أن عدده بالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، وأن عدده بغير المكرر أربعة آلاف أو نحو أربعة آلاف، وقد أوضحت ذلك مفصلا في أواخر المقدمة وذلك كله خارج عما أودعه في تراجم الأبواب من ألفاظ الحديث من غير تصريح بما يدل على أنه حديث مرفوع كما نبهت على كل موضع من ذلك في بابه كقوله: باب اثنان فما فوقهما جماعة، فإنه لفظ حديث أخرجه ابن ماجه، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم ألف وستمائة وثمانية آثار، وقد ذكرت تفاصيلها أيضا عقب كل كتاب ولله الحمد، وفي الكتاب آثار كثيرة لم يصرح بنسبتها لقائل مسمى ولا مبهم خصوصا في التفسير وفي التراجم فلم يدخل في هذه العدة، وقد نبهت عليها أيضا في أماكنها.

ومما اتفق له من المناسبات التي لم أر من نبه عليها أنه يعتني غالبا بأن يكون في الحديث الأخير من كل كتاب من كتب هذا الجامع مناسبة لختمه ولو كانت الكلمة في أثناء الحديث الأخير أو من الكلام عليه، كقوله في آخر حديث بدء الوحي: فكان ذلك آخر شأن هرقل، وقوله في آخر كتاب الإيمان: ثم استغفر ونزل، وفي آخر كتاب العلم وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين، وفي آخر كتاب الوضوء واجعلهن آخر ما تكلم به، وفي آخر كتاب الغسل وذلك الأخير إنما بيناه لاختلافهم، وفي آخر كتاب التيمم عليك بالصعيد فإنه يكفيك، وفي آخر كتاب الصلاة استئذان المرأة زوجها في الخروج، وفي آخر كتاب الجمعة ثم تكون القائلة، وفي آخر كتاب العيدين لم يصل قبلها ولا بعدها، وفي آخر الاستسقاء بأي أرض تموت، وفي آخر تقصير الصلاة وإن كنت نائمة اضطجعي، وفي آخر التهجد والتطوع وبعد العصر حتى تغرب، وفي آخر العمل في الصلاة فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف، وفي آخر كتاب الجنائز فنزلت: تبت يدا أبي لهب وتب، وهو من التباب ومعناه الهلاك، وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى، وفي آخر الحج واجعل موتي في بلد رسولك، وفي آخر الصيام ومن لم يكن أكل فليصم، وفي آخر الاعتكاف ما أنا بمعتكف فرجع، وفي آخر البيع والإجارة حتى أجلاهم عمر، وفي آخر الحوالة فصلى عليه، وفي آخر الكفالة من ترك مالا فلورثته، وفي آخر المزارعة ما نسيت من مقالتي تلك إلى يومي هذا شيئا، وفي آخر الملازمة حتى أموت ثم أبعث، وفي آخر الشرب فشرب حتى رضيت، وفي آخر المظالم فكسروا صومعته وأنزلوه، وفي آخر الشركة أفنذبح بالقصب، وفي آخر الرهن أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، وفي آخر العتق الولاء لمن أعتق، وفي آخر الهبة ولا تعد في صدقتك، وفي آخر الشهادات لأتوهما ولو حبوا، وفي آخر الصلح قم فاقضه، وفي آخر الشروط لا تباع ولا توهب ولا تورث، وفي آخر الجهاد قدمت فقال: صل ركعتين، وفي آخر فرض الخمس حرمها البتة، وفي آخر الجزية والموادعة فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وفي آخر بدء الخلق وأحاديث الأنبياء قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، وفي آخر المناقب توفيت

خديجة قبل مخرج النبي ، وفي آخر الهجرة فترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفي آخر

المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها، وفي آخر التفسير تفسير المعوذتين، وفي آخر فضائل القرآن اختلفوا فأهلكوا، وفي آخر النكاح فلا يمنعني من التحرك، وفي آخر الطلاق وتعفو أثره، وفي آخر اللعان أبعد لك منها، وفي آخر النفقات أعتقها أبو لهب، وفي آخر الأطعمة وأنزل الحجاب، وفي آخر الذبائح والأضاحي حتى تنفر من منى، وفي آخر الأشربة وتابعه سعيد بن المسيب عن جابر، وفي آخر المرضى وانقل حماها، وفي آخر الطب ثم ليطرحه، وفي آخر اللباس إحدى رجليه على الأخرى، وفي آخر الأدب فليرده ما استطاع، وفي آخر الاستئذان منذ قبض النبي ، وفي آخر الدعوات كراهية السآمة علينا، وفي آخر الرقاق أن نرجع على أعقابنا، وفي آخر القدر إذا أرادوا فتنة أبينا، وفي آخر الأيمان والنذور إذا سهم غابر فقتله، وفي آخر الكفارة وكفر عن يمينك، وفي آخر الحدود إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وفي آخر المحاربين اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، وفي آخر الإكراه يحجزه عن الظلم، وفي آخر تعبير الرؤيا تجاوز الله عنهم، وفي آخر الفتن أنهلك وفينا الصالحون، وفي آخر الأحكام فاعتمرت بعد أيام الحج، وفي آخر الاعتصام سبحانك هذا بهتان عظيم، والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم به كتاب التوحيد والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي في الجامع والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء والحاكم في المستدرك كلهم من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك، هذا لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا

نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي برزة وعائشة، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار كذا قال في المستدرك ووهم في ذلك، فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب، والصواب عن سهيل عن عون وكذا ذكره على الصواب في علوم الحديث فإنه ساقه فيه من طريق البخاري عن محمد بن سلام عن مخلد بن يزيد عن ابن جريج بسنده، ثم قال: قال البخاري: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قوله: قال البخاري هذا أولى فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل انتهى، وأخرجه البيهقي في المدخل عن الحاكم بسنده المذكور في علوم الحديث عن البخاري، فقال عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن حجاج بن محمد وساق كلام البخاري لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث إلا أنه معلول، وقوله: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا هو المنقول عن البخاري لا قوله لا أعلم في الدنيا في هذا الباب، فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري، وقد ساق الخليل في الإرشاد هذه القصة عن غير الحاكم وذكر فيها أن مسلما قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا، فقال: لا إلا أنه معلول، ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قوله: وهو موافق لما في علوم الحديث في سند التعليل لا في قوله في هذا الباب فهو موافق لرواية البيهقي في قوله بهذا الإسناد، وكأن الحاكم وهم في هذه اللفظة، وهي قوله في هذا الباب: وإنما هي بهذا الإسناد

وهو كما قال لأن هذا الإسناد وهو: ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل لا يوجد إلا في هذا المتن، ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعا من سهيل يعني أنه إذا لم يكن معروفا بالأخذ عنه وجاءت عنه رواية خالف راويها وهو ابن جريج من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه رجحت رواية الملازم فهذا يوجبه تعليل البخاري، وأما من صححه فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة بل يجوز أنه عند موسى

بن عقبة على الوجهين، وقد سبق البخاري إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل فذكر الدارقطني في العلل عنه أنه قال: حديث ابن جريج وهم، والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قال الدارقطني والقول قول أحمد، وعلى ذلك جرى أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان قال ابن أبي حاتم في العلل سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: هذا خطأ، رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفا وهذا أصح، قال أبو حاتم يحتمل أن يكون الوهم من ابن جريج ويحتمل أن يكون من سهيل انتهى، وقد وجدناه من رواية أربعة عن سهيل غير موسى بن عقبة ففي الأفراد للدارقطني من طريق عاصم بن عمرو وسليمان بن بلال، وفي الذكر لجعفر الفريابي من طريق إسماعيل بن عياش، وفي الدعاء للطبراني من طريق محمد بن أبي حميد أربعتهم عن سهيل والراوي عن عاصم وسليمان هو الواقدي وهو ضعيف وكذا محمد بن أبي حميد، وأما إسماعيل فإن روايته عن غير الشاميين ضعيفة وهذا منها، وقد قال أبو حاتم: هذه الرواية ما أدري ما هي ولا أعلم روى عن النبي في شيء من طريق أبي هريرة إلا من رواية موسى عن سهيل، انتهى. وقد أخرجه أبو داود في السنن وابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا، وعن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن عبد الله بن عمرو موقوفا، وذكر شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ في النكت التي جمعها على علوم الحديث لابن الصلاح أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة عدتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي، وأحال ببيان ذلك على تخريجه لأحاديث الإحياء، وقد تتبعت طرقه فوجدته من رواية خمسة آخرين فكملوا خمسة عشر نفسا ومعهم صحابي لم يسم فلم أضفه إلى العدد لاحتمال أن يكون أحدهم، وقد خرجت طرقه فيما كتبته على علوم الحديث وأذكره هنا ملخصا، وهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير أخرجه موقوفا، وعند أبي داود أخرجه موقوفا كما تقدم التنبيه عليه.

وأبو برزة الأسلمي وحديثه عند أبي داود والنسائي والدارمي وسنده قوي. وجبير بن مطعم، وحديثه عند النسائي. وابن أبي عاصم ورجاله ثقات. والزبير بن العوام، وحديثه عند الطبراني في المعجم الصغير وسنده ضعيف. وعبد الله بن مسعود، وحديثه عند ابن عدي في الكامل وسنده ضعيف، والسائب بن يزيد وحديثه عند الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير وسنده صحيح، وأنس بن مالك وحديثه عند الطحاوي والطبراني وسنده ضعيف، وعائشة وحديثها عند النسائي وسنده قوي، وأبو سعيد الخدري وحديثه في كتاب الذكر لجعفر الفريابي وسنده صحيح إلا أنه لم يصرح برفعه، وأبو أمامة وحديثه عند أبي يعلى وابن السني وسنده ضعيف، ورافع بن خديج وحديثه عند الحاكم والطبراني في الصغير ورجاله موثقون إلا أنه اختلف على راويه في سنده، وأبي بن كعب ذكره أبو موسى المديني ولم أقف على سنده، ومعاوية ذكره أبو موسى أيضا وأشار إلى أنه وقع في بعض رواته تصحيف، وأبو أيوب الأنصاري وحديثه في الذكر للفريابي أيضا وفي سنده ضعف يسير، وعلي بن أبي طالب وحديثه عند أبي علي بن الأشعث في السنن المروية عن أهل البيت وسنده

واه، وعبد الله بن عمر وحديثه في الدعوات من مستدرك الحاكم، وحديث رجل من الصحابة لم يسم أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي معشر زياد بن كليب قال: حدثنا رجل من أصحاب رسول الله عنه ورجاله ثقات، ووقع لي مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين منهم الشعبي وروايته عند جعفر الفريابي في الذكر، ويزيد الفقير وروايته في الكنى لأبي بشر الدولابي، وجعفر أبو سلمة وروايته في الكنى للنسائي، ومجاهد وعطاء ويحيى بن جعدة ورواياتهم في زيادات البر والصلة للحسين بن الحسن المروزي، وحسان بن عطية وحديثه في ترجمته في الحلية لأبي نعيم وأسانيد هذه المراسيل جياد، وفي بعض هذا ما يدل على أن للحديث أصلا، وقد استوعبت طرقها وبينت اختلاف أسانيدها وألفاظ متونها فيما علقته على علوم الحديث لابن الصلاح في الكلام على الحديث المعلول، ورأيت ختم هذا الفتح بطريق من طرق هذا الحديث مناسبة للختم أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والإجازة إلى منتهاه، قرأت على الشيخ الإمام العدل المسند المكثر الفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد بن زكريا القدسي الزينبي بمنزله ظاهر القاهرة، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الأيوبي، أنبأنا إسماعيل بن عبد المنعم بن الخيمي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا، أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد، ح، وقرأته عاليا على الشيخ الإمام المقرئ المفتي العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل عن أيوب بن نعمة النابلسي سماعا عليه، أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدوني، أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحسين الكسار، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ المعروف بابن السني، أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، أنبأنا محمد بن إسحاق هو الصغاني، حدثنا أبو مسلم منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا خلاد بن سليمان هو الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عن ذلك فقال: إن تكلم بكلام خير كان طابعا عليه - يعني خاتما عليه - إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كانت كفارة له سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والله أعلم.

والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسلميا كثيرا

قال مؤلفه حافظ العصر إمام السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فرغ منه جامعه أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر الكناني النسب العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ نزيل القاهرة، في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحقه في هذا الكراس في ثاني عشر رجب منها، وكان جمعه للمقدمة في سنة ثلاث عشرة، وشروعه في الشرح في أوائل سنة سبع عشرة، ولله الحمد باطناً وظاهراً أولاً وآخراً.

صورة ما كتبه المؤلف على نسخة الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين إبراهيم بن زين الدين الخضر ورضي عنهم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

أما بعد.

فقد قرأ علي هذا الكتاب المسمى فتح الباري إلا يسيراً منه فسمعه وفاته القليل منه، وذلك ظاهر في التبليغ في الهوامش بخط صاحبه وكاتبه الإمام العالم العلامة الفاضل الماهر الباهر المعين برهان الدين مفيد الطالبين جمال المدرسين ابن زين الدين الخضر حفظ الله عليه ما وهبه، وختم له بالخيرات حتى يفوز بالمرغبة ويأمن المرهبة، وأجزت له أن يرويه عني كله وأن يفيده لمن أراد وأن يروي عني جميع ما تجوز عني روايته.

قاله وكتبه أحمد بن علي بن حجر حامداً مصلياً مسلماً وذلك في الثامن عشر من شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.

وعلى نسخته أيضاً ما ملخصه: بلغ السماع لجميع المجلس الأخير من هذا الشرح، وأوله خاتمة على مؤلفه حافظ العصر أستاذ أهل الدهر شيخ الإسلام والمسلمين بقية المجتهدين بن قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية أبي الفضل أحمد العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ أدام الله بهجته وحرس للأنام مهجته، بقراءة كاتبه إبراهيم بن خضر الأئمة الأعلام قاضي القضاة سعد الدين القدسي الحنفي الشهير بابن الديري، وأخوه الإمام برهان الدين إبرهيم، وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وقاضي القضاة الشافعية بالبلاد الشامية وكاتب الأسرار الشريفة بالديار المصرية كمال الدين محمد الحموي الشهير بابن البارزي، والمقر الناصري محمد بن السلطان الظاهر جمقمق بفوت يسير، والمقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، والعلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، والصاحب كريم الدين عبد الكريم الشهير بابن كاتب المناخات، والجمال يوسف بن كريم الدين ناظر الخواص الشريفة، والمقر محب الدين بن الأشقر كاتب السركان، والشيخ ولي الدين محمد السفطي، والعلامة القاضي بدر الدين التنيسي المالكي، والقاضي غرس الدين السخاوي، والشيخ محب الدين محمد بن أبي بكر القمني، والشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب السديسي، وكتب جميع الشرح إلا مواضع يسيرة معلمة في نسخته، والشيخ رضوان العقبي وكتب منه وسمع كثيراً، والشيخ شمس الدين محمد بن علي بن جعفر الشهير بابن قمر وكتب غالبه وسمع منه الكثير، والشيخ بهاء الدين أحمد بن العماد عبد الرحمن بن حرمي، والشيخ زين الدين عبد الغني بن محمد القمني، والشريف سعيد بن علي بن عبد الجليل المغربي التونسي، وكتبه كل من الثلاثة وسمع منه كثيراً، والإمام شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن حسان المقدسي، والشيخ زين الدين قاسم بن محمد الزبيري، والشيخ تقي الدين المنوفي القاضي، والشيخ شمس الدين محمد بن نور الدين على المحبري الخطيب والده بالصلاحية، والشيخ عز الدين عبد العزيز السنباطي، والشيخ محب الدين محمد بن عز الدين محمد البكري إمام المؤيدية، والشيخ محب الدين عبد الله بن بهاء الدين عبد اللطيف الشهير بابن الإمام المحلي، والشيخ محيي الدين بن محمد الطوخي، وبهاء الدين محمد بن أبي بكر المشهدي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أسد المقرئ ونور الدين علي بن أحمد المنوفي، والشيخ

شهاب الدين أحمد الرشي، والسيد الإمام العالم بدر الدين حسن النسابة، والشيخ العلامة جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي، والشريف العلامة صلاح الدين محمد الأسيوطي، والإمام شهاب الدين أحمد بن موسى المنوفي الإمام بجامع أصلم، والشريف عبد اللطيف بن علي الحسني، والشهاب أحمد بن الجمال عبد الباقي الشهير بابن أبي غالب، وأبو الفضل بن أبي المكارم بن أبي البركات بن ظهيرة القرشي المكي، وأبو الفتح محمد بن محمد الطيبي القادري، والسراج عمر بن عبد الله بن علي الأقفهسي، والإمام شهاب الدين أحمد بن أبي السعود المنوفي ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم أنشدها عبد القادر الواعظ بمجلس الختم، والشريف يونس القادري، والشيخ شرف الدين عيسى الطنوبي ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم، والشيخ تقي الدين ابن القطب القرقشندي، وشمس الدين محمد بن علي الفالاتي، وعز الدين البغوي، وشمس الدين محمد بن تاج الدين عبد الله بن صلاح الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن إسماعيل بن قريش، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الشطنوبي، وولي الدين أحمد بن أحمد الأسيوطي، والعالم برهان الدين إبراهيم الكركي القاضي، والشيخ شهاب الدين بن علي بن زكريا الجديدي وولده شهاب الدين أحمد، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الجديدي، وشمس الدين محمد ابن الشيخ يوسف بن أحمد الصفي، و نور الدين علي بن خليل بن البصال، ونور الدين المقري الشهير بابن الركاب، والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف المنوفي الشهير بابن الخطيب، وناصر الدين محمد بن إبراهيم الطويلي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن أبي بكر بن تمريه الخطيب وابنه عبد القادر والشيخ محب الدين محمد بن محمد القطان المصري، وعبد الرحيم بن الشهاب أحمد بن يعقوب الأزهري، والإمام المحدث برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، والشيخ الدين محمد أبو الخير بن عمر بن عبد الرحمن الزفتاوي، ونور الدين علي بن سليمان التلواني، وبدر الدين محمد بن إبراهيم المليجي الخطيب والده بجامع الأقمر، والشيخ شمس الدين محمد بن حسين بن محمد الشهير بابن سعيرات التاجر بالجملون، والشهاب أحمد بن محمد السخاوي المالكي، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الدجوي، ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم قرأها من لفظه بالمجلس المذكور، وشمس الدين محمد ابن الشيخ يونس الواحي، وأبو بكر محمد الواحي التاجر بسوق الحاجب، والتاج محمد بن أبي بكر بن محمد الدميري، وأبو الميامن محمد بن قاسم الصوفي بالمدرسة الأشرفية، والإمام أبو الجود داود بن سليمان البني المالكي وعمه نور الدين علي البني المالكي، والشهاب أحمد بن محمد الأنصاري وخلق كثيرون لا يستطاع حصرهم ولا يقدر قدرهم، وممن حضر المجلس لكن لم يسمع القراءة لعبده عن القارئ المشايخ الأئمة شمس الدين محمد القاياتي، وشمس الدين محمد الونائي وأمين الدين الأقصرائي الحنفي شيخ الأشرفية، ومحب الدين محمد الاقصرائي الحنفي في جماعة كثيرين، من رام حصرهم فقد رام شططاً، وكان يوماً مشهوداً لم بعهد مثله فيما تقدم، وكان الختم المذكور بالتاج والسبع وجوه بين كوم الريش ومنية الشيرج خارج القاهرة، في يوم السبت ثامن شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.

والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم الذي بنعمته تتم الصالحات وتثمر.

وقد نظم شعراء العصر في مدح الشرح ومؤلفه قصائد، منها ما أنشد في مجلس الختم ومنها ما أنشد بعد ذلك، فكتب العلامة الشريف صلاح الدين الأسيوطي رقعة وقدمها للمؤلف، ونصها ما يقول شيخ المحدثين الأقدمين والمحدثين فائق الكمال والأكمال بتهذيبه وتقريبه غنية الطلب كفاية الطلبة نهاية الأرب في فنون الأدب علامة ذوي الألمعية قاضي الشافعية، أدام الله مسراته في قول القائل وإن لم يكن بطائل:

لك الهناء بفضل منك يشملنا … معنى وحساً بموجود ومعدوم

كم للبخاري من شرح وليس كما … قد جاء شرحك في فضل وتتميم

شروحه الذهب الإبريز ما حكيت … بمثل ذا الختم في جمع وتكريم

وشرحك الرائج المصري بهجتها … وهل يوازن إبريز بمختوم

وفي هذا الثاني العاني بما اشتمل عليه من المعاني:

أقاضي قضاة الدين حقاً بليغهم … ومن هو في أوج المعاني كلامه

شروح البخاري مذ سقينا رحيقها … أتى شرحها الوافي ومسك ختامه

هل بينهما تواخي أم لأحدهما عن الآخر تراخي، وهل صاحب هذه البيوت في قصور أم حام حول حمى من عليه الحسن مقصور؟ وهل له في مجازي الأدب أدنى ينبوع وما يحكم به الذوق السليم المطبوع، فإن تفضلتم الآن بجواب فغير بدع أنه يوم الإجابة، وإن عدلتم بالاسترواح إلى غد فذاك عين الإصابة، ورأيكم العالي أعلى، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فكتب المؤلف ما نصه أسأل الله حسن الخاتمة، ذقت حلاوة هذا الممالحة، وشرحت صدري بلطافة هذه المطارحة، وتبين أن ناظمهما واحد حساً ومعنى، بل أوحد في حسن التلطف وزيادة الحسنى وهنا يتجاذبان الجودة من هنا وهنا: كالفرقدين إذا تأمل ناظر إلى آخر ما قال.

وكتب الشيخ زيد الدين عبد الرحمن ابن قاضي شمس الدين الديري الحنفي بعد أن رأى الرقعة المذكورة في المجلس ما نصه:

أيا سيداً حاز العلوم بأسرها … وأبدع في شرح البخاري نظامه

لئن راج إبريز البيوت بختمها … فقال غداً حقاً ومسكاً ختامه

وأنشد لصاحبنا الشيخ الفاضل شهاب الدين احمد بن أبي السعود المنوفي بالمجلس المذكور:

تمنعت بدموع الصب في حجب … فانظر لشمس في حلة السحب

حلت بقلبي المعنى وهي جنته … يا من يرى جنة الرضوان في لهب

أشكو سهادي ودمعي وهي لاهية … فالثغر يضحك والأصداغ في لعب

يا من رنت وانثنت طوع الصبا هيفاً … تفديك روح قتيل القضب والقضب

الله في مهجة لولاك ما رهبت … سود الجفون وحد السيف لم تهب

فيا رعى الله أعطافاً بنا فتكت … وهن من نسمات الروض في رهب

والله يعفو عن الألحاظ كم قتلت … بسحرها من كليم القلب مكتئب

فمن يبلغ ذات الحسن أن دمي … حل لها ولقتلي فيه واطربي

يا رب لا تجز عينيها بما فعلت … في مهجتي من فظيع الفتك والعطب

واحفظ على حسنها خداً أضاع دمي … وراح يومي بكف غير مختضب

واجعل سويداء قلبي في صحيفته … يرب من حسنات القرب والقرب

وحالل الجفن من روح به قتلت … فليس عند الهوى قتل بمحتسب

وفي سبيل البكا ليل أكابده … يا فجر قلبي وفجري غير مقترب

لم أدر أن كؤوس الدمع تسهرني … حتى رأيت محيا النجم كالحبب

يا من أطال علي يوم اللقا أسفي … هلا جعلت لهذا الهجر من سبب

لا تسألن عن دموع فيك سائلة … وقلب صب لصبر غير منقلب

في ذمة البين ليل بات يجمعنا … والنجم يلحظنا شزراً كمرتقب

والثغر يرفع أذيال الدجى عبثاً … والشعر يخفي محيا الصبح في نقب

وبعد رشف الثنايا رحت ملتثماً … خالاً وكان ختام المسك مطلبي

فجاء حسن ختام منه يسند عن … قاضي القضاة ختام العلم والأدب

حبر الهدى حافظ الإسلام أحمد من له من الفتح ذكرى فتح خير نبي

يا عالماً شرح الله الصدور به … وباسط العلم والآمال للطلب

شرحت صدر البخاري مثل جامعه فراح ينشد هذا منتهى الطلب

هذا المنار الذي للعلم مرتفع … الله أكبر كل الفضل في العرب

فجذا جامع بالشرح صار له … وقفاً كبحر جرى باق مدى الحقب

أضاء فيه مصابيح مسلسلة … من الأحاديث أو من لفظك الضرب

شرح حكى الشمس فالدنيا به امتلأت … تغيب زهر الداري وهو لم يغب

فلا تحرك لساناً يا سراج فقد … لاح النهار وهذي الشمس فاحتجب

نسيج وحد يقول ابن المنير وما … حاكت يداي له مثلاً فيا بأبي

والزركشي البدر لما أن تكلف لم … يصل إلى ذلك النوال بالذهب

وقد غدا لابن بطال به شغل … لما رأى منه ما أربى على الأرب

وبات في روضة ابن التين مرتشفاً … كأساً من الذوق يزري بابنة العنب

فلم يجز مسلم ما حزت من شرف … يا أحمد الناس في علم وفي نسب

هذا وحقك عام الفتح حج به … لبيت فضلك وفد العلم عن رغب

فيه بدا الظاهر السلطان واستترت … أعداؤه بذيول الأرض في حجب

فيا لهم والقنا تهتز في يدهم … رعباً وإن نسلت ردت على العقب

فجاءه الفتح بالسيوف وقد … تبت يدا خصمه حمالة الحطب

فالدهر في دعة والزهر مبتسم … والقضب ترقص بالأكمام والعذب

والجو قهقه والأعداء تحسبه … رعداً لما نابها من قبضة النوب

أفديه عاماً كأن الدهر أسنده … عن حافظ العصر عن آبائه النجب

لله حبر أبي ماجد شهم … علي أصل على الحالين خير أب

يغنيك عن طلب الأسفار مقوله … والسيف أصدق أنباء من الكتب

وإن رقى شرف الإملاء تحسبه … مع التواضع بحراً سح من حبب

وكم له من تصانيف حلت وعلت … كالنجم يكثر من قطر الحيا السرب

يا من يقول لقيت الناس في رجل … دع من أردت ويمم نعته تصب

ذو همة في الندى والعلم إن رفلت … في برده سبحت ذيلاً على السحب

وسيف حلم بأيدي الصفح تجذبه … دقت لديه رقاب الحقد والغضب

ترنحت قضب الأقلام في يده … فأثمرت زهرات العلم والنشب

تنشي فتنسي شفاه الكاس باسمة … يا حسن جمع خلال الراح والقضب

من كل أسمر خمري الرضاب فما … يفوته حيث يحكي الكاس من سبب

وأعجب لمحبرة كم شيبت غسقاً … سهداً ومفرقها المسود لم يشب

نعم وأعجب من ذا دمع مرملة … بوجنة الطرس ألفت حسن منقلب

وأوقدت رملها في نهره وشدت … جل المؤلف بين الماء واللهب

وانظر إلى طود علم شامخ نسباً … يهتز جوداً وبالآمال منجذب

طلق المحيا إلى الدينار مبتذلاً … مجعد الوجه يبدي رنة الصخب

فيبذل التبر من مال ومن كلم … ما بين منسبك منه ومنسكب

عم البرية بالجدوى فما لخبا … أمواله غير أيدي الناس من طنب

فلو أريحت معاذ الله راحته … شكت لداعي الندى من وحشة التعب

فيها الدنانير عشاق العفاة فإن … تفقدوا الرفد ترأمهم على حدب

فضائل علمت شعري مدائحه … وأنجم الليل تهدي كل مرتقب

يا مهجة الفضل يا عين العلوم ويا … روح العلا وحياة المجد والحسب

عذراً فإنسان شعري جاء ذا عجل … ووسع قولي وضيق الوقت في حرب

وهذه بنت فكر حثها شغف … تجرجر الذيل من صحف على كتب

ويا ولي اليتامى قد خطبت لها … بكراً إن افتخرت للعرب تنتسب

نسيبها جاء في أبياته نسباً … يا عز ذاك اليتيم الشامخ النسب

تزفها الشهب في الأفلاك منشدة … يا أخت خير أخ يا بنت خير أب

مدت لعلياك باآت الروى خطاً … فقد طوت مهمة الأوراق عن كثب

ترنو بعين قوافيها التي نشطت … وزانها الكسر يا للخرد العرب

كأنها الراح في كاسات أسطرها … تحلو بتكرار حرف الباء في الحبب

لحسنها شخص الحساد فاستترت … عن عينهم برداء الحظ والأدب

فإن تعارض مع مدحي مديحهم … فيكم فهل ترتقي الحصباء للشهب

وإن تساوى كلانا في المقال فيا … بعد المسافة بين الصدق والكذب

أما وأوصافك المنظوم جوهرها … لولاك ما امتد لي في الشعر من سبب

بقيت يا سيد الدنيا صحيح علا … وعشيت يا بحر علم غير مضطرب

ولا برحت مدى الأيام تكسبها … حسن الختام وترقى أشرف الرتب

وقال الشيخ برهان الدين البقاعي، وأنشدت في المجلس أيضاً:

إن كنت لا تصبو لوصف عذاري … دع عنك تهيامي وخلع عذاري

إن الغرام له رجال دينهم … تلف النفوس على هوى الأقمار

خاضوا بحار العشق وقت هياجها … إذ موجها كالجحفل الجرار

فاستوسقوا درراً تجل نعوتها … صاروا بها في العاشقين دراري

لله أيام الوصال وطيبها … لو لم تكن ككواكب الأسحار

ليلات أرتشف الرحيق من الثغو … رفأنتشي من دون شرب عقار

وأدير في روض الوجوه محاجري … عجباً فتعييني عن الأنوار

بأبي الخدود نواضراً حسناتها … كنواظر الغزلان في الدينار

قصدت يكون المسك حسن ختامها … فتعلمت من ختم فتح الباري

شرح البخاري الذي في ضمنه … نظمت علوم الشرع مثل بحار

في كل طرس منه روض مزهر … وبكل سطر منه نهر جاري

وبه زوائد من فوائد جمة … وفرائد أعيت على النظار

شرح الحديث به فكم من مشكل … فيه انجلى للعين بالآثار

يأتي إلى طرق الحديث يضمها … إن العيان مصدق الأخبار

وتزاحمت أفديه في تحصيله … زمر الملوك فسل من السفار

من فيض أحمد نبعه وله منا … سبة به اشتهرت لدى الأفكار

إن قلت نهر فهو للحجر انتمى … ومن الحجارة منبع الأنهار

أو قلت بحر عسقلان أصله … فالناس عالة بحرها الزخار

كم قد رحلت وكم جمعت مصنفاً … فالدين قد أحييت بالأسفار

وسكنت في العليا تقى وفضائلاً … أنت الشهاب بك اهتداء الساري

رحلت إليك الطالبون ليقتدوا … وتتابعوا سبقاً من الأقطار

وتراكضوا خيل الشبيبة حين لم … تركس بوهن أو بوصف عذارى

فارقت في أرض البقاع عشائري … أطوى إليك فيافياً وصحاري

فارقت منهم كل أروع ماجد … حامي الذمار بسيفه والجار

فمصنفاتك سهلت وتنزهت … من طاعن يرجو قذى أو عار

تربو على مائة ونصف أودعت … درراً تضيء والليل وقت سرار

وتضوع بالمسك الذكي لناشق … حسناً فيخجل أن يضوع الداري

ماذا أقول ولو أطلت مدائحي … وجعلت أهل الأرض من أنصاري

لم تبلغ المقصود من أوصافكم … كلا ولم تقرب من المعشار

فاسلم على كر الليالي واقياً … رتب العلا تهنأ بفتح الباري

وأنشد الشيخ شمس الدين الدجوي من لفظه لنفسه بالمجلس المذكور:

بحمد الله نبدأ مادحينا … حديث المصطفى والشارحينا

فإن المصطفى صلوا عليه … بطيب حديثه يتمسكونا

وأعلام النبوة خافقات … بها في الخافقين محدثونا

وشمس علومه منحتك نوراً … تبعت به سبيل المؤمنينا

به تسمو على درج المعالي … سيادتك الليالي والسنينا

أدره على المسامع فهو ينشي … قلوب الأولياء السامعينا

وحضرته الغنيمة فاغنموها … وعنها لا تكونوا غائبينا

به العلماء جلوا واستدلوا … على طرق الهدى مستبصرينا

بمعترك الدروس لنصر فقه … به فرسانه يستنجدونا

على الخصما سطوا بالرد منه … على غيظ الخلاف مؤيدينا

يذبون الليالي عن حماه … وفيه على اللآلي يسهرونا

تجافوا عن مضاجعهم وقاموا … إليه بما دروه يخدمونا

فمن أدب إذا تليت عليهم … أحاديث النبوة يسمعونا

وهم قوم تراهم في علو … على تحصيله يتنافسونا

وفي سربال فضلهم تساموا … على الأيام فخراً يرفلونا

علوا شرفاً وقدراً واتضاعاً … وأضحوا بالوقار متوجينا

سماعاً يا لبيب فهم رجال … بخدمته الشريفة يشرفونا

فهم في الحشر لا خوف عليهم … ولا هم في القيامة يحزنونا

وهم بالشكر أولى والتهاني … وهم لله أولى يحمدونا

فخذ في حفظه واصرف عليه … زمانك يا رفيق الصالحينا

فتقوى حجة وتجل قدراً … وتعظم في عيون الناظرينا

ويكفي مسلماً علم البخاري … يرد به اعتقاد الكافرينا

إذا ما جئته تلقاه بحراً … جواهره تفوق الحاصرينا

وفيه من العوالم فاتحات … على طلابه نوراً مبيناً

فكم فرض علمت به ونفل … وكم حكم أعز الحاكمينا

وذروة فقهه يرقون فيها … على حسب الأدلة ينظرونا

مصابيح الهدى انبثت عليه … فأصبح وهو كهف المهتدينا

فحصل ما قدرت عليه منه … يكون ذخيرة دنيا ودينا

وكيف لا وخادمه إمام … شهاب الدين قاضي المسلمينا

بفتح الباري اتضحت وبانت … مناهل علمه للواردينا

صحيح سد باب الطعن فيه … وفتح من مسائله العيونا

جلا صور المسائل فاستبانت … بألفاظ عرائس يمهرونا

فكم قول يقول به فلان … تراه عنده للقائلينا

وفيه الواضحات وغامضات … فلا يبعد به متفقهونا

وأحكام بسعدك قد أضاءت … شوارعها طريق السالكينا

سعدت بما ظفرت الدهر منه … فإن به كنوز الطالبينا

معانيه يحررها احترازاً … بميزان البيان لتستبينا

فأصبح روضة تسبيك علماً … وآثار رياض الصالحينا

وتصبح إن عرفت السر منه … كما قد قيل تاج العارفينا

وحسبك عالماً قطب الأماني … وحسبك قدوة للمقتدينا

تسائله الصحيح وعنه ينبي … فتلقى عنده الخبر اليقينا

فكم داع أتى وله سؤال … أجاب سؤاله في السائلينا

وعند لقيه تلقى مليئاً … مفيد المبتدئ والمنتهينا

يفهمك الذي قد تهت فيه … ببرهان الذين يرجعونا

وكم قطر بعيد منه جاؤا … إلى أسماعه متوجهينا

وكم شيء يكون عليك صعباً … فيجعله عليك أشد لينا

إذا السند اكتسى ثوب اضطراب … أتوا عن حاله يتنسمونا

وكم من سنة أنباك عنها … بإسناد علا في المسندينا

ومن أرمازوحي حيث يرمي … بها أحلامهم يتنبهونا

ومن يدري الحديث ومسنديه … ويمليه الكرام الكاتبينا

سما بسماعه سطح الثريا … إليه بوصله يتوصلونا

وكم صاد الشريد من المعاني … وذلله على من يألفونا

وكم مجد علا فيه مناراً … وله بالفاضلات يؤذنونا

وحسبك والمحابر حين تملي … ترى أقلامها في الساجدينا

ومهد في الحديث مصنفات … شريفات فنعم الماهدونا

علا سنداً ترى الأشياخ فيه … إلى عليائه يترجلونا

وما في العسقلاني من كلام … كفاه الله شر الحاسدينا

سوى حفظ فشا شرقاً وغرباً … وأعلى ذكره في الحافظينا

ومجلسه المهابة فيه يزهو … بأخبار الثقات المصلحينا

على ما لا سؤال لهم عليه … ينبئهم وعما يسألونا

وكم علامة يقرأ عليه … وأستاذ ومثل البارعينا

له في محضر الفصحا فنون … بتمليك البلاغة يشهدونا

بدوحة مدحه ثمرات نظم … بها أحبابه يتفكهونا

نشدت له القوافي بادرتني … بوافرها وفيما ينشدونا

نراك الشافعي تكون علماً … وأحمد في الرواية أن تكون

وتقصير امتداحي فيه يرجو … يزاحم في غمار المادحينا

ونختم بالصلاة على نبي … ختام الأنبيا والمرسلينا

وعترته الكرام وصاحبيه … وأرضاهم وأرضى التابعينا

إلى يوم يقوم الناس فيه … على ساق لرب العالمينا

وكتب الدجوي المذكور بعد ذلك حين فرق المؤلف على كتاب الشرح صرر فضة ومجامع حلوى ما نصه:

بفتح الباري انشرح البخاري … وأحمد ختمه بالفضل جامع

أدار دراهماً صرراً فأنشى … وحلوى فيه تأخذ بالمجامع

وأنشد الخطيب برهان الدين المليجي من لفظه لنفسه بحضرة مؤلفه بالمدرسة المنكوتمرية:

كم نعمة قاضي القضاة أنالها … ويقول إذ دنت الخطوب أنا لها

وهو الإمام وشيخ الإسلام الذي … لما تقاصرت العلوم أطالها

شرح البخاري آية وفي بها … فتح من الباري أطاب مقالها

وشهابها فضح الدراري جهرة … فينا وأخفى بدرها وهلالها

هو حافظ العصر الذي في مصره … أهل النهى ضربت به أمثالها

شهدت له أن لا سواه معلناً … إيضاحها ومبيناً إشكالها

وحلالها كلماته اللاتي هي الس … بب المبين حرامها وحلالها

وسعت إليه لاكتساب فضيلة … أفضي لها فتحققوا أفضالها

من رام يحصر فضل ما أوتيه من … غرر الهبات مفصلاً إجمالها

أعياه حصر هباته وبحقه … آلى وأقسم لا يرى أمثالها

كم عبرة هملت بمجلس ذكره … ونفوس قوم تشتكي إهمالها

فأنالهم حسن الرجاء مقاله … ونفوسهم حمدت لديه مآلها

خفضت مناقب أحنف أخلاقه … كم عثرة رفعت إليه أقالها

وعن الجفاة الحلم منه عادة … دهراً يرى أفعالها أفعى لها

أعيان مملكة المليك ومن به … رفع الإله عن الورى أثقالها

الظاهر الحسن الذي من عدله … عنهم أكف المعتدين أزالها

منحته صدق محبة ومودة … ونفوسها وقفت عليه ومالها

تالله ما هذا سدى لكنها … منن أراد الله فيه كمالها

يا سيداً منح العفاة نواله … ومحا بهدى المكرمات ضلالها

أنت الوفي بهمة في أمة … ركناً عظيماً ما حيا ما اغتالها

أبداً لها بسطت أكف دعائها … لله تشكر فضل ما أبدى لها

من سيرة أتممتها بسريرة … لما رفعت عن الورى أقفالها

يا حاوياً مقدار فضل قد وفى … بكفاية جمعت لديه خصالها

يا واحداً يملي ارتجالاً ديمة … منه أحاديث الورى ورجالها

أهنأ بيوم حاز أسباب الهنا … وتحققت بقدومه إقبالها

فتح من الباري فمسك ختامه … بلغت به كل الورى آمالها

يوم هو المشهود في الأيام قد … بسطت يدا جدواك فيه نوالها

أبداً فيالك من كريم محسن … صدقاته تحكي السحاب وبالها

كمل السرور بسادة منحوا الورى … بالحل والعقد السديد ظلالها

هم زينة الدنيا وزهرة أهلها … قد أذهبت آراؤهم أهوالها

لما رأوا ختم الكتاب تمسكوا … بمقالة أوسعت فيه مجالها

شرح به كتب الحديث تألفت … فهو الجديد وغيره مانالها

خذها عروساً قد زهت في ليلة … وافتك تسحب في الهنا أذيالها

شهدت بأنك كفء كل كريمة … فاجعل قبول المدح منك وصالها

فالملتجي بك لا يخيب جنابه ال … مغطى إذا دهت الهموم وهالها

لا زلت في دعة بأوفى نعمة … الله يحفظها وينعم بالها

وقال الشيخ محب الدين البكري، وأنشدت بالخانقاه البيبرسية:

حديثك لي أحلى من المن والسلوى … إذا حل سمعي حرم اللوم والسلوى

أيسلو محب حسن أوصاف مالك … غدا شافعي نعمان أحمد ذا تقوى

فمن لي ومثوى حبه بين أضلعي … يهيمني والعين تشتاق من تهوى

ترنحني ورق الدياجي بشجوها … تذكرني عهداً وتشفعني شجوا

تهيج أشواقي بفيضي لعبرتي … أموت وأحيا لا قرار ولا مثوى

سقام بجسمي قد براه نحوله … تراه على فرط المحبة لا يقوى

أيقوى على جمر الغضى قلب عاشق … يقل كما العصفور بين يدي شوا

تملكني رقا وألبسني ضنى … شكوت له وجدي فلم يضع للشكوى

فيا مالكاً رقي وقلبي ومهجتي … تعطف وجد فضلاً على قلب من يهوى

وجودك لي راح وجودك راحة … وقربك أنس والبعاد هو البلوى

أصور معنى حسنه فيلذ لي … تعلل قلبي بالخيال وبالنجوى

وتالله لا يشفي الخيال لعاشق … ولم يغنه طب الدواء عن الأدوا

لأني ظمآن على البحر وارد … ألا اعجب لظمآن ببحر ولا يروى

يعفني العذال عنك لأرعوي … وبغية قلبي أنت لامى لا علوى

لأنك فرد حافظ العصر جامع … معاني أولي العرفان بالفهم والفحوى

أبو الفضل بل قاضي القضاة وخيرهم … ترى السنة الغراء من حفظه تروى

أماليه تأني عسجداً وجواهراً … علت وغلت خذها بإسناده الأقوى

يرى درجات الخلد فيها مع الرضا … فيسري برضوان يبلغنا عفوا

أيا شيخ إسلام عليه مهابة … ومجد له يعلو على الغاية القصوى

تصانيفه لا حصر في ذكر عدها … ففي كل فن في العلوم له الجدوى

فكم سهرت عيناه والناس نوم … وكم كتبت يمناه من خبر يروى

وكم من شروح للبخاري عدة … طواها بفتح البارئ اعجب لما يطوى

كساه جمالاً من عذوبة لفظه … ففازت به الدنيا وسلمت الدعوى

وتوجه الأسماء من كل مبهم … خفي على النقاد يا ويح من سوى

شهاباً على أفق السماء بدوره … تبارك من أنشا وسبحان من سوى

وأبدع خلقاً ذاك للوزن لا يفي … وهذا صحيح الوزن ليس به أقوى

ولا غرو أن الشافعي إمامنا … يباهي بك الأصحاب بالنقل والفتوى

إذا فاح نشر المسك كنت ختامه … فكم حكم أظهرت فاحت لها الشذوى

لأصحابك الطلاب فضلاً أنلته بلا … منة فالله يصحبك التقوى

ويبقى لك البدر المنير ونسله … ويوسف حسن سالمين من الأسوا

ويحفظ إخواني وأهل مودتي … مشايخ علم من برؤيتهم أروى

ويجعل مثوانا حظيرة قدسه … وأحمده دنيا إلى جنة المأوى

محب وبكري ومنشأ بابكم … وناشر فضل ذلك النشر لا يطوى

وكتب أيضاً:

يا جابراً بالمكرمات كسيرا … وصنيعه جعل العسير يسيرا

يا شيخ الإسلام الذي أضحى بما … أوتيه من فضل الإله جديرا

لي حق سبق قد مننت بنيله … وفككت من قيد الهموم أسيرا

والأمر أمرك لم تزل متفضلاً … تولى الجميل وهادياً ونصيراً

إن قل عندك أن جعلت بديهة … مدحي صفاتك في الأنام كثيرا

فاجعل لوجه الله ما يغدو به … راجي علاك لأهله مسرورا

واسلم وعش فلقد حباك الله من … إحسانه فضلاً عليك كبيرا

وكتب أيضاً:

يا عالم العصر يا ذا الحكم والحكم … والعلم والحلم والتقوى مع الكرم

يا سالكاً سبل الخير التي وردت … عن سيد العرب والعرباء والعجم

شرحت صدر البخاري مذ شرحت له … جمعاً هو النعمة العظمى لمغتنم

حللت منه رموزاً وانفردت به … عن الذين مضوا في سالف الأمم

فجاء شرحاً عظيماً رائقاً بهجاً … ختامه المسك منشوراً على الخدم

وفاح من فتح هذا الختم رائحة … طارت بها الريح في البلدان والأطم

ماذا أقول وما أثنى عليه وقد … كل اللسان عن الإحصا مع القلم

والعبد يسأل بسط العذر منك لما … أتى به من قليل المدح والخدم

لأنه لم يجد مدحاً يقوم بما … حويتموه من الأفضال والشيم

ونسأل الله خيراً دائماً لكم … قاضي القضاة بعون الله لا تضم

وقال الشيخ شرف الدين عيسى الطنوبي، وأنشدت بالبيبرسية أيضاً:

سمحتم بشرح جاء أعلى من العين … فحصنتكم بالله وهو من العين

تحلى بتاج العلم فخراً وعندما … تجلى أبان الجهل عنا من البين

وأضحت سطور العلم فيه جواهراً … تعد على الطلاب سمطين سمطين

وماس بقرط من وجوه نقولكم … فمن تاجها فزنا بعلوين علوين

فنقح شرحاً للبخاري بلا مين … به فتح الباري عن الكاف والنون

وأجزل جيم الجواد إذ جاء بالمنى … وأظهر عين العدل من سر ياسين

غدا جنة للعلم فيه حدائق … تنزه فيها ناظر العين في العين

فطبت بلميا حوره متمسكاً … وأقلع غين كان في الفكر يلهيني

فأعظم به شرحاً مفيداً منقحاً … إذا صد جهل عنه بالعلم يغريني

وإن صرت منه في ضلال أضاء لي … شهاب سناً منه إلى الحق يهديني

فدونك تأليفاً أتى عن مؤلف … تحرى صحيح النقل لم يرض بالدون

أقول وما زال التفاتي لمدحه … وتنزيهه فرضي وتعظيمه ديني

إليك انتهت يا حافظ العصر رحلة ال … حديث مع الاملاء حقاً بلا مين

وأنت الذي أحييت سنة أحمد … وأبرزت من أسرارها كل مكنون

وأنت الذي صنفت كهلاً ويافعاً … وأفتيت في فرض علينا ومسنون

وأنت الذي في الشعر مالك رقه … رقيت على حسانه وابن زيدون

وأنت الذي دونت شرحاً سما به … إمام بخارى فانثنى خير ميمون

وألبسته تاج العلوم مكللاً … فها هو في قرط يميس ببردين

ولم يأت شرح للبخاري مثله … وهيهات ما البشنين فضلاً كنسرين

فذق علمه واهجر مقالة غيره … ففي الشهد معنى ليس يوجد في التين

يزيدك علماً أن تزده تأملاً … ويشكل تارات ويأتي بتبيين

حوى كل ما قال الأولى في مؤلف … بأبدع تقرير وأبرع تدوين

وزاد من التنقيح ما فضله به … تأكد عند الخصم بالنفس والعين

له فضلاء العصر صلوا وسلموا … لما قلت طوعاً ليس بالكره والهون

ولو كان في عصر البخاري مؤلفاً … لكان له ألفاً وقيل ألفين

وخر إلى الأذقان لله ساجداً … قال نعم هذا الذي كان يرضيني

أو ابن معين قال في الحفظ زادني … وزال به عني الذي كان ينسيني

له الله من شرح أزال شهابه … عن السنة الغرا جموع الشياطين

قررت به عيناً وصرت به زيناً … وأحيا به حيناً إلى منتهى حين

ولم لا به أحيا وفيه فوائد … من العلم تكفيني إلى يوم تكفيني

وحجة دعوى الخصم مخصومة بما … يسجله القاضي بنص وتعيين

عن ابن علي صرت أروي العلا فإن … عطشت فمن علم همي منه يرويني

ويملي على سمعي فأكتب جوهراً … وأمدحه من بعض ما هو يمليني

هو الحبر بحر العلم عين زمانه … فما جعفر في فضله وابن هارون

على شرحه أثنوا وآلوا بأنه … هو الفرد في التحقيق لا ثاني اثنين

ففقت به الأصلين والفخر شاهد … له وابن برهان بتلك البراهين

وبينت في التفسير حكم مسائل ال … خلاف بما أظهرت من كنز مدفون

كرأي ابن عباس ورأي مجاهد … ورأي عطاء ثم رأي ابن سيرين

وقررت للقراء ما كان نافعاً … أتى عن أبي عمرو وورش وقالون

وحققت حكم الروم فيه وغنة … ومدّ مع الاشمام والوصل واللين

وأعربته عن سيبويه وشيخه … وأبديت فرقاً بين نون وتنوين

وأسندت فيه عن شيوخ كثيرة … لهم طرق تعلو ففزت بأجرين

نتيجة علم النقل والعقل فاعجبوا … له وهو طفل حار فيه ابن سبعين

وما مسلم إلا وقال كجوهر … فمن ليس يحويه غداً بئس مغبون

ولا عجب فاليم من حجر بدا … عيوناً لموسى حين قر على الطين

فعشر عيون منه عشر أصابع … تفيض ومنشأ جودها الدهر يغنيني

سما بتآليف علت في حياته … نعم وعلت فوق السماك وتنين

تناهز عشر الألف عداً وكم سعى … لباب علاها وافد من سلاطين

وزادوا اشتياقاً بالسماع وربما … تعشق قبل العين سمعك في الحين

فجهزها سلطان مصر هدية … إليهم فأغنت عن خيول ونقدين

إلى الغرب سارت ثم للنبك سافرت … وفي يمن حلت وصارت إلى الصين

فعش آمناً با حافظ العصر وابتهج … بفتح له ختم على غير ذي رين

وباكر لبكر في حماك تنزهت … بمدحك عن إبطاء مدح وتضمين

ودع أيما أضحت لها قبل ضرة … فالفرق بان الصبح منها لذي عين

فلا زلت ذا جاه وجود وسودد … وحكم وتأليف وعز وتمكين

وأختم مدحي بالصلاة مسلماً … على خير مبعوث من الحوض يسقيني

صلاة تريني بعد جسمي من لظى … ومن جنة الفردوس في الحشر تدنيني

وقال العلامة شمس الدين النواجي، وأنشدت بالمنكوتمرية:

خذوا حديث الغرام مسند … عن مستهام الفوائد مبعد

وسلسلوه بدر دمعي … فابن معين به تفرد

يا خده الواقدي رفقاً … بخاطر منك قد توقد

وثغره الجوهري كم ذا … تمنعني ريقك المبرد

بالله يا راحلاً بقلبي … هل لفؤادي المشوق من رد

الله الله في محب … بنظرة منك ما تزود

يكفكف الدمع من جفون … خوف وشاة له وحسد

لو سمته قبلة ولو في ال … منام بالروح ما تردد

لله ساجي اللحاظ ألمي … أغن لدن القوام أغيد

ألثغ حلو الكلام كادت … حلاوة الثغر منه تعقد

البدر قد لاح من سناه … والغصن من عطفة تأود

لو هفوات النسيم مرت … عليه من لطفه تجعد

جامع حسن إذا تبدى … خرت عيون الأنام سجد

وقبلة العشق ان بعيني … أبصرت في الحالتين معبد

صيرت دمعي عليه وقفاً … مسبلاً جارياً مؤبد

وعاذل بات قبل هذا … يطعن في حسنه ويجحد

ومذ بدا وجهه هلالاً … يفوق بدر السما تشهد

وفوق خديه حسن خال … بكعبة الحسن قد تعبد

حماه ربي فكيف أضحى … في وسط نيرانه مخلد

لم أنس أن زارني بليل … كأنه كوكب توقد

وابتسم الثغر عن لآل … فهمت في عقدها المنضد

واستعبر الجفن من دموع … لما رأى صدره تنهد

أرشفني من رحيق ثغر … كأساً وحيا بوردة الخد

شممت منه عبير خال … يعبق من نشره شذا الند

فيا له عنبر ذكي … وعاذلي فيه قد تبلد

يا مالك الحسن جد بنعما … ن وجنتي خدك المورد

وإن تكن شافعي فإني … أشكر رب السما وأحمد

قاضي القضاة الأنام كنز ال … غنى حليف الندى المؤيد

حامي ذرى المجد والعلا من … فاق الورى في حلى وسودد

بنى له الفضل بيت عليا … له بساط النجوم مقعد

وأعربت عن علاه خيم … بالعطف مرفوعها تأكد

مولى به الله في الورى قد … أعز أحكامه وأيد

أعف في الحكم من مشينا … تحت لواعد له وأزهد

له مع الله حسن حال … مظهر غيب له ومشهد

ما مثله في وفا وحلم … إن وعد المرء أو توعد

ولم يقل في ندا وعلم … لمن أتى سائلاً إلى الغد

ذو راحة أتعبت حسوداً … قصر عن مثلها وفند

كم قلت لما سما فحاذى … رأس سماك وفرق فرقد

يا هل ترى غاية لعليا … منفرد في الأنام أوحد

وليت شعري أنال ذا عن … أب علي المقام أمجد

في مصره كم أغاث حياً … أتهم في غوره وأنجد

وكم وكم قد أمات خصماً … عاند في شرعه وألحد

يا عمرك الله أم حبراً … عنه حديث الكرام يسند

وارو ندى راحتيه بحراً … من الطريقين عنه يورد

فبابه للوفود ملجا … وماله للعفات مرصد

واعجب لذي باطل وحق … كلاهما في حماه يعضد

هذاك بالقطع ليس يرفا … وذا بكلتا اليدين يرفد

لا عيب في جوده سوى أن … شمل أمواله مبدد

يسبيك من كفه يراع … أسمر لدن القوام أملد

أحوى غضيض الجفون ألمى … مكحل الطرف لا بمرود

مواظب الخمس ورده في … وقت صلاة الصلاة يشهد

إذا هوى للركوع خرت … له وجوه الطروس سجد

سبحان من قد براه غصناً … ثماره فضة وعسجد

محبراً في العلوم زاكي الأ … صول سامي الذرى مسود

في قصب السبق ما رأينا … مثاله في الجياد جود

تهز أصوات سائليه … أعطافه للندى فيمتد

وينبري للعطا فيزري … بالبحر في جزره وفي المد

يسعى على رأسه لأم … طرافها للخبا ممدد

ترضعه يومها وعند ال … مغيب في بطنها يمهد

واستجل ما شئت من معاني … مرملة طرفها مسهد

يحكي سني وجهها الثريا … حسناً إذا سعدها تجدد

في بيت أفراحها اجتماع … بالرمل من شكلها تولد

تنظم الدر فوق طرس … نثراً فنظمي لها ينضد

وتنثر التبر في لجين … نثراً فتثرى به وتسعد

تذيب قلب النضار لا ما … حصله باخل وجمد

إن أنكرت قتل حاسديها … هادمهم في الطروس يشهد

وشم حلى مدية عليها … خناصر للعلوم تعقد

تقطع وصل الجفا وتبري … قلب عداة بغوا وحسد

وتثبت الجرح في وجوه … تجاوزوا في لقائها الحد

ما طال منها اللسان إلا … قصر من كلمت عن الرد

قوامها اللدن سمهري … وإنما طرفها مهند

تملك الحسن في نصاب … ما مثله في القرون يعهد

قتيلها المحل ليس يودى … شرعاً وإن كان بالمحدد

يا شيخ الإسلام يا إماما … دعا لطرق الهدى وأرشد

يا ذا التصانيف ليس يلفى … نظيرها في الورى ويوجد

لو رام تعدادها حسود … بكى على نفسه وعدد

شرحت صدر الحديث لما … قصدت للشرح أي مقصد

ورحت تمليه في نجوم … شهابها في العلا توقد

أخجل في أفقه الدراري … أما ترى الجو احمر الخد

واستخدم الكنس الجواري … تدأب في بابه وتجهد

أنعم أذواق طالبيه … بمشتهى لفظه المسرهد

وسار في شرقها وغرب … تتلى أحاديثه وتسرد

وكم طوى نشره كتاباً … على ممر الدهور سرمد

ومن يكن علمه عطاء … من فتح باريه كيف ينفد

خذها ابنة الفكر ذات شجو … بلطف معناك قد تجسد

تختال في طرسها ومعنى … علاك في صرحها الممرد

جمالها مطلق وحرف ال … روى في حبكم مقيد

وبحرها من بسيط كفي … نداكم بالوفا معود

ومن رام يقفو سني علاها … لمطلع الشمس كيف يصعد

رقيقة النظم ذات لفظ … حر ومعنى بكم مولد

حررها في علاك مولى … عتاقة بالولا تعبد

أمسك فضل العنان لما … زادت معانيكم على العد

ولو أطال المديح جاءت … وحق علياك في مجلد

طوقته بالندى فقل في … مطوق في الرياض غرد

ورشت منه الجناح حتى … حلق نحو العلا وصعد

وحق رب السما ومولى … يخشى لكل الورى ويعبد

مالي إلى غيرك التفات … كلا ولا عن حماك مقصد

قيدتني بالندى فتمم … واكتب على قيدي المخلد

وكم يد قد أنلت حتى … سلبت مني الفؤاد باليد

هذا هو الفضل بل أبوه … أنت وهذا لعمرك الجد

لا زلت مستعصماً أميناً … مستنصراً هادياً لمهتد

مستظهراً واثقاً رشيداً … موفقاً طاهراً مؤيد

يحفك البدر في كمال … بخير ما طالع وأسعد

هذا آخر ما وقفنا عليه من المدائح، وقد أحببت أن أختم هذه الكتابة بدعاء شريف نقلته من طهارة القلوب لسيدي الولي العارف بالله عبد العزيز الديريني نفعنا الله ببركته وبركة علومه:

إلهي لو أردت إهانتنا لم تهدنا، ولو أردت فضيحتنا لم تسترنا، فتمم اللهم ما به بدأتنا، ولا تسلبنا ما به أكرمتنا، إلهي عرفتنا بربوبيتك وغرقتنا في بحار نعمتك ودعوتنا إلى دار قدسك ونعمتنا بذكر وأنسك، إلهي إن ظلمة لأنفسنا قد عمت وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمت، فالعجز شامل والحصر حاصل والتسليم أسلم وأنت بالحال أعلم، إلهي ما عصيناك جهلاً بعقابك ولا تعراضاً لعذابك ولا استخفافاً بنظرك، ولكن سولت لنا أنفسنا وأعانتنا شقوتنا وغرنا سترك علينا وأطعمنا في عفوك برك بنا، فالآن من عذابك من يستنقذنا؟ وبحبل من نعتصم إن أنت قطعت حبلك عنا وأخجلتنا من الوقوف غداً بين يديك؟ وافضيحتنا إذا عرضت أعمالنا القبيحة عليك! اللهم اغفر ما عملت ولا تهتك ما سترت، إلهي إن كنا قد عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل حيث علمنا أن لنا رباً يغفر ولا يبالي، إلهي أنت أعلم بالحال والشكوى وأنت قادر على كشف البلوى، اللهم يا من سترت الزلات وغفرت السيآت أجرنا من مكرك ووفقنا لشكرك، إلهي أتحرق بالنار وجهاً كان لك مصلياً ولساناً كان لك ذاكراً أو داعياً لا بالذي دلنا عليك ورغبنا فيما لديك وأمرنا بالخضوع بين يديك، وهو محمد خاتم أنبيائك وسيد أصفياتك فإن حقه علينا أعظم الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته أشرف منازل خلقك، وصل وسلم يا رب على سيدنا محمد وآله وصحبه وجميع الأنبياء والمرسلين، وارحم عباداً غرهم طول إمهالك وأطمعهم كثرة أفضالك وذلوا لعزك وجلالك ومدوا أكفهم لطلب نوالك، ولولا هدايتك لم يصلوا إلى ذلك.

خاتمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي الأعظم سيدنا محمد الداعي إلى الحق والخير وعلى آله وصحبه وسلم

أما بعد، فقد أتم الله علينا نعمه، ولله الحمد، بإكمال طباعة هذا السفر العظيم «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» مع مقدمة هدي الساري للإمام الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وكان ذلك في شهر رمضان المبارك سنة ألف وثلاثمائة وتسعين من هجرة المصطفى

وكان والدى السيد المحقق الأستاذ محب الدين الخطيب (١٣٠٣ - ١٣٨٩ هـ) قد بذل جهدا موفوراً لإتمام هذا الفتح فى أصح صورة وعلى أكمل وجه: تحقيقا وتبويبا وتصحيحا لتجاربه، كما استقصى أطراف أحاديثه ونبه على أرقامها في كل حديث الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى

وكان السيد الوالد قد كرس كل وقته وإلى آخر دقيقة من حياته لإخراج هذا المصنف النفيس ليكون أصبح الطبعات وأتقنها وأيسرها في المراجعة والدراسة

ثم من الله على بما كان يتمناه، رحمة الله عليه، بإكمال هذا الفتح الكبير الذي أرجو من الله تعالى أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجعله حسنة من حسنات جهاده المشهود، ومثوبة لمن قاموا على خدمته وساهموا في إعادة طبعة، وفي مقدمتهم فضيلة العالم الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نفعنا الله بعلمه

والله الموفق لما فيه رضاه

روضة الفسطاط: في شهر رمضان المبارك ١٣٩٠ هجرية

قصى محب الدين الخطيب

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

جُبيرٍ قال: ما تقول فيَّ؟ قال: قاسطٌ عادلٌ، فأعجب الحاضرين، فقال لهم الحجَّاج: ويلكم لم تفهموا، جعلني جائرًا كافرًا ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؟!

٧٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بكسر الهمزة وفتحها وسكون الشِّين المعجمة وبعد الألف موحَّدةٌ غير منصرفٍ، وقيل منصرفٌ، الصَّفَّار الكوفيُّ ثمَّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة (١) مُصغَّرًا، الضَّبِّيُّ بالمعجمة والموحَّدة المشدَّدة (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الميم، ابن القعقاع -بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ- الضَّبِّيِّ أيضًا (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ -بفتح الهاء وكسر الرَّاء- البجَليِّ، بالموحَّدة والجيم المفتوحة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ () أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : كَلِمَتَانِ) خبرٌ مقدَّمٌ، وما بعده صفةٌ بعد صفة (٢)، أي: كلامان، فهو من باب إطلاق «الكلمة» على «الكلام» ككلمة الشَّهادة (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) تثنية حبيبةٍ، أي: محبوبةٌ بمعنى المفعول لا الفاعل، و «فعيلٌ» إذا كان بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث إذا ذُكِرَ الموصوف نحو: رجلٌ قتيلٌ وامرأةٌ قتيلٌ، فإن لم يُذْكر الموصوف فرَّق بينهما نحو: قتيلٌ وقتيلةٌ، وحينئذٍ فما وجه لحوق علامة التَّأنيث هنا؟ أُجيب بأنَّ التَّسوية جائزةٌ لا واجبةٌ، وقيل: إنَّما أنَّثها لمناسبة الخفيفة والثَّقيلة؛ لأنَّهما بمعنى الفاعليَّة لا المفعوليَّة (٣)، والمراد محبوبيَّة قائلها، ومحبَّة الله تعالى لعبده إرادته إيصال الخير له والتَّكريم، وخصَّ اسمه (٤)

«الرَّحمن» دون غيره من الأسماء الحسنى لأنَّ كلَّ اسمٍ منها إنمَّا يُذكَر في المكان اللَّائق به، وهذا من محاسن البديع الواقع في الكتاب العزيز وغيره من الفصيح كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وكذلك هنا لمَّا كان (١) جزاء من يسبِّح بحمده تعالى الرَّحمة ذكر في سياقها الاسم المناسب لذلك وهو «الرَّحمن» (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ) لِلِين حروفهما وسهولة خروجهما، فالنُّطق بهما سريعٌ وذلك لأنَّه ليس فيهما من حروف الشِّدَّة المعروفة عند أهل العربيَّة وهي: الهمزة والباء الموحَّدة والتَّاء المثنَّاة الفوقيَّة والجيم والدَّال والطَّاء المهملتان والقاف والكاف، ولا من حروف الاستعلاء أيضًا، وهي: الخاء المعجمة والصَّاد والضَّاد والطَّاء والظَّاء والغين المعجمة والقاف، سوى حرفين الباء الموحَّدة والظَّاء المعجمة، وممَّا يُستثقَل أيضًا من الحروف: الثَّاء المثلَّثة والشِّين المعجمة، وليستا (٢) فيهما، ثمَّ إنَّ الأفعال أثقل من الأسماء، وليس فيهما فعلٌ، وفي الأسماء أيضًا ما يُستثقَل كالذي لا ينصرف، وليس فيهما شيءٌ من ذلك، وقد اجتمعت فيهما حروف اللِّين الثَّلاثة: الألف والواو والياء، وبالجملة فالحروف السَّهلة الخفيفة فيهما أكثر من العكس (ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ) حقيقةً لكثرة الأجور المدَّخَرة لقائلهما، والحسنات المضاعفة للذَّاكر بهما (٣) وقوله: «حبيبتان» و «خفيفتان» و «ثقيلتان» صفةٌ لقوله: «كلمتان» وفي هذه الرِّواية تقديم «حبيبتان» وتأخير «ثقيلتان» وقوله: (سُبْحَانَ اللهِ) اسم مصدرٍ لا مصدرٌ، يقال: سبَّح يسبِّح تسبيحًا؛ لأنَّ قياس «فعَّل» -بالتَّشديد- إذا كان صحيح اللَّام «التَّفعيل» كالتَّسليم والتَّكريم، وقيل: إنَّ «سبحان» (٤) مصدرٌ؛ لأنَّه سُمِع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وقول الشَّاعر:

سبحانه ثمَّ سبحانًا يعود له … وقبلنا سبَّح الجوديُّ والجمد

يساعد من قال: إنَّ «سبحان» مصدرٌ لوروده منصرفًا، قاله في «اللُّباب» وغيره، وقال بعض الكبراء: إنَّ فيه وجوهًا: أحدها: أنَّه مصدرٌ تأكيديٌّ كما في ضربت ضربًا، فهو في قوَّة قولنا: أسبِّح الله تسبيحًا، فلمَّا حُذِف الفعل أضيف المصدر إلى المفعول، ومعنى: «أسبِّح الله» أي:

أنظم نفسي في سلك الموقنين بتقديسه عن جميع ما لا يليق بجنابه سبحانه، وأنَّه (١) مقدَّسٌ أزلًا وأبدًا وإن لم يقدِّسه أحدٌ.

الثَّاني: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ على مثال ما يُقال: عظَّمِ السُّلطان تعظيمَ السُّلطان، أي: تعظيمًا يليق بجنابه، ويناسب من يتَّصف بالسَّلطنة، والمعنى: أسبِّحه تسبيحًا يختصُّ به، وذلك إذا كان بما (٢) يليق بجنابه ولا يستحقُّه غيره، فالإضافة لا إلى الفاعل ولا إلى المفعول، بل للاختصاص، فتأمَّله.

الثَّالث: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ، ولكنه على مثال ما يُقال: اذكر الله مثل ذكر الله، فالمعنى: أسبِّح الله تسبيحًا مثل تسبيح الله لنفسه، أي: مثل ما سبَّح الله به نفسه، فهو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ بحذف المضاف إلى «سبحان» وهو لفظ المثل، فالإضافة في «سبحان الله» إلى الفاعل.

الرَّابع: أنَّه مصدرٌ أُرِيد به الفعل مجازًا كما أنَّ الفعل يُذكَر ويُراد به المصدر مجازًا كقوله: «تسمع بالمعيديِّ» وذلك لأنَّ (٣) المصدر جزء مفهوم الفعل، وذكرُ البعضِ وإرادة الكلِّ مجازٌ كعكسه، ولمَّا كان المراد منه (٤) الفعل الذي أُريد به إنشاء التَّسبيح بُنِي هذا المصدر على الفتح، فلا محلَّ له من الإعراب وذلك لأنَّ الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا وذلك لأنَّ الشَّبه الذي به أُعرِب المضارع منعدمٌ في الإنشاء، فمثله كمثل أسماء الأفعال، وهذا وجهٌ نحويٌّ يمكن أن يُقال به فافهم، قال: وما ذكرناه لا يبطل كون هذا اللَّفظ مُعرَبًا في الأصل، فلا يضرُّنا ما جاء في شعر أميَّة منوَّنًا، وأمَّا ما يتعلَّق بمعناه ومغزاه فهو أنَّه قد فُهِم من هذا أيضًا تقدُّس الأسماء والصَّفات؛ لأنَّ الذَّات مع الأسماء والصِّفات متلازمان في الوجود والعدم بالتَّحقيق، ولأنَّ انتفاء تقديس الأسماء والصِّفات يستلزم انتفاء تقديس الذَّات؛ لأنَّها قائمةٌ بالذَّات ومقتضياتها، لكنَّ انتفاء تقديس الذَّات منتفٍ، وإذا حصل الاعتراف والاعتقاد بأنَّه مُنزَّهٌ عن جميع النَّقائص وما لا ينبغي أن يُنسَب إليه ثبتت الكمالات ضرورةً التزامًا، وحصل توحيد الرُّبوبيَّة، وثبت التَّقديس في كلِّ كمالٍ عن المشابهة والمماثلة والشَّركة وكلِّ ما لا يليق، فثبت

أنَّه الرَّبُّ على الإطلاق، للأنفس والآفاق، فهو المستحقُّ لأن يُشكَر ويُعبَد بكلِّ ما يمكن على الانفراد بالحقِّ والحقيقة، وتوحيد الرُّبوبيَّة حجَّةٌ ملزمةٌ وبرهانٌ موجبٌ توحيد الألوهيَّة، فتتضمَّن هذه الكلمة إثبات التَّوحيدين كما تتضمَّن إثبات الكمالين، وهذان الإثباتان في ضمنهما كلُّ مدحٍ ممكنٍ فيما يرجع إلى الله تعالى، ولمَّا كان الاتِّصاف بالكمال الوجوديِّ مشروطًا بخلوِّه عمَّا ينافيه قُدِّم التَّسبيح على التَّحميد في الذِّكر كما تُقدَّمُ التَّخليةُ على (١) التَّحلية، ومن هذا القبيل تقدُّم النَّفي على الإثبات في «لا إله إلَّا الله». انتهى.

والواو في قوله: (وَبِحَمْدِهِ) للحال، أي: أسبِّحه متلبِّسًا بحمدي له، من أجل توفيقه لي للتَّسبيح ونحوه، وقيل: عاطفةٌ، أي: أسبِّح وأتلبَّس (٢) بحمده، وأمَّا الباء فيحتمل أن تكون سببيَّةً، أي: أسبِّح الله وأُثني عليه بحمده، وقال ابن هشامٍ في «مغنيه»: اختُلِف في الباء من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] فقيل: إنَّها للمصاحبة، والحمد مضافٌ للمفعول، أي: سبِّحه حامدًا له، أي: نزِّهه عمَّا لا يليق به، وأثبِتْ له ما يليق به، قال البدر الدَّمامينيُّ في شرحه لـ «المغني»: قصد -أي: ابن هشامٍ- تفسير التَّسبيح والحمد بما ذكره إذ هو الثَّناء بالصِّفات الجميلة، فإن قلت: من أين يلزم الأمر بالحمد، وهو إنَّما وقع حالًا مقيِّدةً للتَّسبيح، ولا يلزم من الأمر بشيءٍ الأمر بحاله المقيِّدة له بدليل: اضرب هندًا جالسةً؟ وأجاب: بأنَّه إنَّما يلزم ذلك إذا لم يكن الحال من نوع الفعل المأمور به، ولا من فعل الشَّخص المأمور كالمثال المذكور، أمَّا إذا كانت بعض أنواع الفعل المأمور به نحو: حُجَّ مفردًا (٣) أو قارنًا (٤)، أو كانت من فعل المأمور به (٥) نحو: ادخل مكَّة محرمًا، فهي مأمورٌ بها، وما تكلَّم فيه (٦) في «المغني» من هذا القبيل. انتهى. قال في «المغني»: وقيل: الباء للاستعانة، والحمد مضافٌ للفاعل، أي: سبِّحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كلُّ تنزيهٍ محمودًا، ألا ترى أنَّ تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثيرٍ من الصِّفات؟ وقال الخطَّابيُّ: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمةٌ توجب عليَّ حمدك سبَّحتك، لا بحولي وقوَّتي

يريد أنَّه ممَّا أُقيم فيه المسبَّب مقام السَّبب، ثمَّ إنَّ جنس الحمد -كما قاله بعض العلماء- لمَّا وقع ذكره بعد التَّقديس عن كلِّ ما لا يليق به تعالى بغير تخصيص بعض المحامد تضمَّن الكلام واستلزم (١) إثبات جميع الكمالات الوجوديَّة الجائزة له مطابقةً، ولزم منه التَّقديس عن كلِّ ما لا يليق به تعالى وهو كلُّ ما ينافيها ولا يجامعها، هذا مع أنَّ كلمة الجلالة تدلُّ على الذَّات المقدَّسة المستجمعة للكمالات أجمع، وكذا (٢) الضَّمير في «وبحمده» إلى الهويَّة (٣) الخاصَّة السَّبُّوحيَّة القدُّوسيَّة (٤) الجامعة لجميع خاصيَّات الذَّات الواجبة وخواصِّها، فهذه الكلمة اشتملت على اسمَي الذَّات اللَّذَين لا أجمع منهما أحدهما: فيه اعتبارٌ غلبة أحكام الشَّهادة والغيب، والآخر: فيه غلبة أحكام الغيب وغيب الغيب، وأيضًا تشتمل (٥) على جميع التَّقديسات والتَّنزيهات، وعلى جميع الأسماء والصِّفات، وعلى كلِّ توحيدٍ.

وختم بقوله: (سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ) ليجمع بين مقامَي (٦) الرَّجاء والخوف؛ إذ معنى «الرَّحمن» يرجع إلى الإنعام والإحسان، ومعنى «العظيم» يرجع إلى الخوف من هيبته تعالى، وقوله «سبحان الله … » إلى آخره مبتدأٌ، وما بينه وبين الخبر صفةٌ له بعد صفةٍ، وقد أورد صاحب «المصابيح» سؤالين فقال: فإن قلت: المبتدأ مرفوعٌ و «سبحان الله» في المحلَّين معربٌ (٧) منصوبٌ؛ فكيف وقع مبتدأ مع ذلك؟ وأجاب: بأنَّ لفظهما محكيٌّ، وقال في الثَّاني: فإن قلت: الخبر مثنًّى، والمخبر عنه غير متعدِّدٍ ضرورةَ أنَّه ليس ثَمَّ حرف عطفٍ يجمعهما (٨)، ألا ترى أنَّه لا يصحُّ قولك: زيدٌ عمرٌو قائمان؟ وأجاب: بأنَّه على حذف العاطف، أي: «سبحان الله وبحمده» و «سبحان الله العظيم» كلمتان خفيفتان على اللِّسان … إلى آخره، وقد نصَّ أهل المعاني (٩) على

أنَّ من جملة الأسباب المقتضية لتقديم المسند تشويقَ السَّامع إلى المبتدأ بأن يكون في المسند المقدَّم طولٌ يشوِّق النَّفس إلى ذكر المسنَد إليه، فيكون أوقعَ في النَّفس، وأدخلَ في القبول؛ لأنَّ الحاصل بعد الطَّلب أعزُّ من المساق (١) بلا تعبٍ، ولا يخفى أنَّ ما ذكره القوم متحقِّقٌ في هذا الحديث، بل هو أحسن من المثال الذي أوردوه بكثير (٢)، وهو قول الشَّاعر:

ثَلاثةٌ تشرقُ الدُّنيا ببهجَتِها … شمسُ الضُّحى وأبو إسحاق والقمر

ومراعاة مثل هذه النُّكتة البلاغيَّة هو الظَّاهر من تقديم الخبر على المبتدأ، لكن رجَّح المحقِّق الكمال ابن الهمام أنَّ «سبحان الله» هو الخبر، قال: لأنَّه مُؤخَّرٌ لفظًا، والأصل عدم مخالفة اللَّفظ محلَّه إلَّا لموجبٍ يوجبه، قال: وهو من قبيل الخبر المفرد بلا تعدُّدٍ؛ لأنَّ كلًّا من «سبحان الله» مع عامله المحذوف الأوَّل، والثَّاني مع عامله الثَّاني إنَّما أُريد (٣) لفظه، والجمل المتعدِّدة إذا أُريد لفظها فهي من قبيل المفرد الجامد، ولذا لا تتحمَّل ضميرًا، ولأنَّه محطُّ الفائدة بنفسه، بخلاف «كلمتان» فإنَّه إنَّما يكون محطًّا للفائدة باعتبار وصفه بالخفَّة على اللِّسان، والثِّقل في الميزان، والمحبَّة للرَّحمن، ألا ترى أنَّ جعلَ «كلمتان» الخبرَ غيرُ بيِّنٍ؛ لأنَّه ليس متعلِّق الغرض الإخبار منه عن «سبحان الله … » إلى آخره أنَّهما كلمتان، بل بملاحظة وصف الخبر بما (٤) تقدَّم (٥)، أعني: «خفيفتان، ثقيلتان، حبيبتان» فكان اعتبار «سبحان الله … » إلى آخره خبرًا أَولى، وقد ذهب بعضهم إلى تعيين خبريَّة «سبحان الله … » إلى آخره، ووجَّهه بوجهين:

أحدهما: أنَّ «سبحان الله» لزمَ الإضافةَ إلى مفردٍ، فجرى مجرى الظُّروف، والظُّروف لا تقع إلَّا خبرًا. ثانيهما: أنَّ «سبحان الله … » إلى آخره كلمةٌ؛ إذ المرادُ بالكلمة في الحديث اللُّغويَّةُ كما تقدَّم، فلو جُعِل مبتدأً لزم الإخبار عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان، وأُجيب بأنَّه لا يخفى على سامعٍ

أنَّ المراد اعتبار «سبحان الله وبحمده» كلمةً، و «سبحان الله العظيم» كلمةً، فهذا كما يصحُّ أن يُعبَّر عنه بكلمةٍ كذلك يصحُّ أن يعبَّر عن كلِّ جملةٍ منه بكلمةٍ، غير أنَّه لمَّا كان كلٌّ من الجملتين -أعني: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» - ممَّا يستقلّ ذكرًا تامًّا ويُفرَد بالقصد اعتُبِر كلمةً وعُبِّر عنهما بكلمتين، على أنَّ ما ذكره لازمٌ على تقدير جعل «سبحان الله» الخبرَ كما هو لازمٌ على تقدير جعله مبتدأً؛ لأنَّه كما لا يصحُّ أن يُخبَر عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان كذلك لا يُخبَر عمَّا هو كلمتان بما هو كلمةٌ. انتهى.

وفي هذا الحديث من علم البديع: المقابلةُ والمناسبة والموازنة في السَّجع، أمَّا المقابلة فقد قابل الخفَّة على اللِّسان بالثِّقل في الميزان، وأمَّا الموازنة في السَّجع؛ ففي قوله: «حبيبتان إلى الرَّحمن» ولم يقل: للرَّحمن؛ لأجل موازنته على اللِّسان، وفيه نوعٌ من الاستعارة في قوله: «خفيفتان» فإنَّه كنايةٌ عن قلَّة حروفهما ورشاقتهما، قال الطِّيبيُّ: فيه استعارةٌ؛ لأنَّ الخفَّة مستعارةٌ للسُّهولة. انتهى. والظَّاهر أنَّها من قبيل الاستعارة بالكناية، فإنَّه شبَّه سهولة جريانهما على اللِّسان بما يخفُّ على الحامل من بعض الأمتعة، فلا تتعبه كالشَّيء الثقيل، فحذف ذكر المشبَّه به وأبقى شيئًا من لوازمه وهو الخفَّة، وأمَّا الثِّقل فعلى الحقيقة عند أهل السُّنَّة؛ إذ الأعمال تتجسَّم كما مرَّ، وفيه حثٌّ على المواظبة عليها، وتحريضٌ على ملازمتها، وتعريضٌ بأنَّ سائر التَّكاليف صعبةٌ شاقَّةٌ على النُّفوس ثقيلةٌ، وهذه خفيفةٌ سهلةٌ عليها مع أنَّها تثقل في الميزان، وقد رُوِي في الآثار أنَّ عيسى سُئِل: ما بال الحسنة تثقل والسَّيِّئة تخفُّ؟ فقال: لأنَّ الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنَّك ثقلها على تركها، والسَّيِّئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفَّت عليكم، فلا يحملنَّك على فعلها خفَّتها، فإنَّ بذلك تخفُّ الموازين يوم القيامة.

ويستفاد من هذا الحديث أنَّ مثل هذا السَّجع جائزٌ، وأنَّ المنهيَّ عنه في قوله : «سجعٌ كسجع الكهَّان» ما كان متكلَّفًا أو متضمِّنًا لباطلٍ، لا ما جاء عن غير قصدٍ، أو تضمَّن حقًّا.

وفيه من علم العروض إفادة: أنَّ الكلام المسجَّع ليس بشعرٍ فلا يُوزَن وإن جاء على وفق البحور في الجملة هذا مع ضميمة قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقد جاء في

الكتاب والسُّنَّة أشياء على وفق البحور؛ فمنها ما جاء على وفق الرَّجز؛ نحو (١): ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ومن السُّنَّة قوله [خ¦٢٨٠٢]: «هل أنت إلَّا أصبعٌ دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» وسبق مزيدٌ لذلك في هذا الشَّرح، فليُراجَع.

وفي سنده من اللَّطائف: القول في موضعين، والتَّحديث في موضعين، والعنعنة وهي في البخاريِّ محمولةٌ على السَّماع، فهي مثل أخبرنا؛ إذ العنعنة من غير المدلِّس محمولةٌ على السَّماع كما تقرَّر في المقدِّمة أوَّل هذا الشَّرح.

وفي الحديث أيضًا: الاعتناء بشأن التَّسبيح أكثر من التَّحميد؛ لكثرة المخالفين فيه، وذلك من جهة تكريره بقوله: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» وقد جاءت السُّنَّة به على أنواعٍ شتَّى، ففي «مسلمٍ» عن سَمُرة مرفوعًا: «أفضل الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر» أي: أفضل الذِّكر بعد كتاب الله، والموجب لفضلها (٢) اشتمالها على جملة أنواع الذِّكر من التَّنزيه والتَّحميد والتَّمجيد، ودلالتها على جميع المطالب الإلهيَّة إجمالًا؛ لأنَّ النَّاظر المتدرِّج في المعارف يعرفه سبحانه أوَّلًا بنعوت الجلال التي تنزِّه ذاته عمَّا يوجب حاجةً أو نقصًا، ثمَّ بصفات الإكرام وهي الصِّفات الثُّبوتيَّة التي يستحقُّ بها الحمد، ثمَّ يعلم أنَّ مَنْ هذا شأنه لا يماثله غيره ولا يستحقُّ الألوهيَّة سواه، فيُكشَف له من ذلك أنَّه أكبر؛ إذ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي «التِّرمذيِّ» -وقال: حديثٌ غريبٌ- عن ابن عمر أنَّ رسول الله قال: «التَّسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه (٣)، ولا إله إلَّا الله ليس لها حجابٌ دون الله حتَّى تخلص إليه» وفيه وجهان:

أحدهما: أن يُراد التَّسوية بين التَّسبيح والتَّحميد بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يأخذ نصف الميزان، فيملآن الميزان (٤) معًا وذلك لأنَّ الأذكار التي هي أمُّ العبادات البدنيَّة الغرض الأصليُّ من شرعها ينحصر في نوعين: أحدهما: التَّنزيه، والآخر التَّحميد، والتَّسبيح يستوعب القسم الأوَّل، والتَّحميد يتضمَّن القسم الثَّاني.

وثانيهما: أن يُراد تفضيل الحمد على التَّسبيح، وأنَّ ثوابه ضِعف ثواب التَّسبيح؛ لأنَّ التَّسبيح نصف الميزان، والتَّحميد وحده يملؤه؛ وذلك لأنَّ الحمد المطلق إنَّما يستحقُّه من كان مُبرّأً عن النَّقائص، منعوتًا بنعت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملًا للأمرين وأعلى القسمين، وإلى الوجه الأوَّل أشار بقوله: «كلمتان خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان» وقوله: «لا إله إلَّا الله ليس لها حجابٌ» لأنَّها اشتملت على التَّنزيه والتَّحميد، ونفى ما سواه تعالى صريحًا، ومن ثمَّ جعله من جنسٍ آخر؛ لأنَّ الأوَّلين دخلا في معنى الوزن والمقدار في الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلى الله تعالى من غير حاجزٍ ولا مانعٍ (١) ففي «مسلمٍ» من حديث جويرية: أنَّه خرج من عندها بكرةً حين صلَّى الصُّبح وهي في مسجدها، ثمَّ رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، قال: ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النَّبيُّ : «لقد قلت بعدك أربع كلماتٍ ثلاث مرَّاتٍ، لو وُزِنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» صرَّح في القرينة الأولى بالعدد، وفي الثَّالثة (٢) بالزِّنة، وترك الثَّانية والرَّابعة منهما (٣) ليؤذن بأنَّهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون، ولا يحصرهما المقدار لا حقيقةً ولا مجازًا، فيحصل التَّرقِّي حينئذٍ من عدد الخلق إلى رضا الحقِّ، ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ : أنَّه دخل مع النَّبيِّ على امرأةٍ وبين يديها نوًى أو حصَى تسبِّح به؛ فقال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السَّماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلَّا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله مثل ذلك» وفي قوله: «عدد ما هو خالقٌ» إجمالٌ بعد تفصيلٍ؛ لأنَّ اسم الفاعل إذا أُسنِد إلى الله يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلى الأبد، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله [خ¦٦٤٠٥]: «من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مئة مرَّةٍ

حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه الشَّيخان، وهذا وأمثاله نحو: «ما طلعت عليه الشَّمس» كناياتٌ عبَّر بها عن الكثرة عرفًا، وظاهر الإطلاق يشعر بأنَّه يحصل هذا الأجر (١) المذكور لمن قال ذلك مئة مرَّةٍ، سواءٌ قالها متواليةً أو متفرِّقةً في مجالس، أو بعضها أوَّل النَّهار وبعضها آخره، لكنَّ الأفضل أن يأتي بها متواليةً في أوَّل النَّهار.

وهذه الفضائل الواردة في التَّسبيح ونحوه -كما قاله ابن بطَّالٍ وغيره- إنَّما هي لأهل الشَّرف في الدِّين والكمال؛ كالطَّهارة من الحرام والمعاصي العظام، فلا يظنُّ ظانٌّ أنَّ من أدمن الذِّكر، وأصرَّ على ما شاء من شهواته، وانتهك دين الله وحرماته أنَّه يلتحق بالمطهَّرين المقدَّسين، ويبلغ منازلهم بكلامٍ أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عملٌ صالحٌ (٢)، وفي «التِّرمذيِّ» -وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ- عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله : «لقيت إبراهيم ليلة أُسرِي بي فقال: يا محمَّد أقرئ أمَّتك منِّي السَّلام وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيِّبة التربة، عذبة الماء، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر» والقيعان جمع قاعٍ، وهو المستوي من الأرض، والغراس: جمع غرسٍ وهو ما يُغرَس، والغرس إنَّما يصلح في التُّربة الطَّيِّبة، وينمو بالماء العذب، أي: أَعْلِمهم أنَّ هذه الكلمات تورِّث قائلها الجنَّة، وأنَّ السَّاعي في اكتسابها لا يضيع سعيه؛ لأنَّها المغرس الذي لا يتلف ما استُودِع فيه، قاله التُّوربشتيُّ، وقال الطِّيبيُّ: وههنا إشكالٌ لأنَّ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ أرض الجنَّة خاليةٌ عن الأشجار والقصور، ويدلُّ قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ (٣) تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] على أنَّها غير خاليةٍ عنها؛ لأنَّها إنَّما سمِّيت جنَّةً؛ لأشجارها المتكاثفة المظلَّة بالتفاف أغصانها، وتركيب الجنَّة دائرٌ على معنى السَّتر، وأنَّها مخلوقةٌ معدَّةٌ.

والجواب أنَّها كانت قيعانًا، ثمَّ إنَّ الله تعالى أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجارًا وقصورًا على حسب أعمال العاملين لكلِّ عاملٍ ما يختصُّ به بحسب عمله، ثمَّ إنَّ الله تعالى لمَّا يسَّره لِمَا خُلِق له من العمل لينال به ذلك الثَّواب جعله كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز؛ إطلاقًا للسَّبب على المسبَّب، ولمَّا كان سبب إيجاد الله الأشجار عملُ العامل أسنَد الغراس إليه، والله أعلم بالصَّواب.

ولمَّا كان التَّسبيح مشروعًا في الختام ختم البخاريُّ رحمه الله تعالى كتابه بكتاب «التَّوحيد» والحمدُ بعد التَّسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] قال القاضي: لعلَّ المعنى: أنَّهم إذا دخلوا الجنَّة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجَّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثمَّ حيَّاهم الملائكة بالسَّلامة من الآفات، والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، قال في «فتوح الغيب»: ولعلَّ الظَّاهر أن يضاف السَّلام إلى الله ﷿ إكرامًا لأهل الجنَّة، وينصره قوله تعالى في سورة يس: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] أي: يسلِّم عليهم بغير واسطةٍ؛ مبالغةً في تعظيمهم وإكرامهم وذلك متمنَّاهم، وهذا يدلُّ على أنَّه يحصل للمؤمنين بعد نعيمهم في الجنَّة ثلاثة أنواعٍ من الكرامات (١): أوَّلها: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ وثانيها: ما يقولون عند مشاهدتها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] وهي (٢) سطوع نور الجمال من (٣) وراء حجاب الجلال، وما أفخم شأن اقتران ﴿اللَّهُمَّ﴾ بـ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في هذا المقام؛ كأنَّهم لمَّا رأوا أشعَّة تلك الأنوار لم يتمالكوا ألَّا يرفعوا أصواتهم، وآخرها أجلّ منهما ولذلك ختموا الدُّعاء عند رؤيتها بـ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وما هي إلَّا نعمة الرُّؤية التي كلُّ نعمةٍ دونها، فكأنَّ الكرامة الأولى (٤) كالتَّمهيد للثَّالثة، وما أشدَّ طباق هذا التَّأويل بما رويناه عن ابن ماجه عن جابرٍ عن النَّبيِّ : «بينا أهل الجنَّة في نعيمهم إذ سطع لهم نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرَّبُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السَّلام عليكم يا أهل الجنَّة» قال: وذلك

قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النَّعيم ما داموا ينظرون إليه حتَّى يحتجب عنهم ويبقى نوره ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].

وقد أخبرني الحافظ الشَّيخ شمس الدِّين أبو الخير محمَّد بن زين الدِّين السَّخاويُّ، وأبو عمرٍو عثمان الدِّيميُّ، ونجم الدِّين عمر بن تقيِّ الدِّين، وقاضي القضاة أبو المعالي محمَّد بن الرَّضيِّ محمَّدٍ الطَّبريِّ المكِّيّان الشَّافعيُّون، وقاضي القضاة أبو الحسن عليُّ ابن قاضي القضاة أبي اليمن النُّويريُّ المالكيُّ، والعلَّامة المقرئ أبو العبَّاس أحمد بن أسدٍ الأسيوطيُّ إذنًا مشافهةً، قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام والحفَّاظ (١) أبو الفضل بن أبي الحسن العسقلانيُّ، قال: قرأت على إمام الأئمَّة عزِّ الدِّين محمَّد ابن المسنِد الأصيل شرف الدِّين أبي بكرٍ بسماعه على جدِّه أبي عمر عبد العزيز قاضي القضاة بدر الدِّين محمَّد بن جماعة.

«ح»: وأباح لي أيضًا مسند وقته أبو العبَّاس أحمد بن محيي الدِّين بن طريفٍ الحنفيُّ، أنبأنا الحافظ زين الدِّين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ: أخبرنا القاضي أبو عمر عبد العزيز عزُّ الدِّين ابن القاضي بدر الدِّين بن جماعةٍ سماعًا عليه: أخبرنا القاضي أبو العباس أحمد بن محمَّدٍ الحلبيُّ إجازةً: أخبرنا يوسف بن خليلٍ الحافظ بحلب: أخبرنا محمَّد بن أحمد بن نصرٍ السِّلفيُّ بأصبهان: أخبرنا الحسن بن أحمد الحدَّاد: أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله السُّفيانيُّ: حدَّثنا عبد الله بن جعفرٍ الفارسيُّ: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله العبديُّ: حدَّثنا سعيد بن الحكم: حدَّثنا خلَّاد بن سليمان الحضرميُّ أبو سليمان: حدَّثني خالد بن أبي عمران، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: ما جلس رسول الله مجلسًا، ولا تلا قرآنًا، ولا صلَّى إلَّا ختم ذلك بكلماتٍ، فقلت: يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسًا، ولا تتلو قرآنًا، ولا تصلِّي صلاةً إلَّا ختمت بهؤلاء الكلمات، قال: «نعم من قال خيرًا كُنَّ طابعًا له على ذلك الخير، ومن قال شرًّا كانت كفَّارةً له: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» هذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم والليلة» عن محمَّد بن سهل بن عسكر، عن سعيد بن الحكم بن أبي

مريم به (١)، فوقع لنا به عاليًا.

وأنبأني الشَّيخ شهاب الدِّين بن عبد القادر الشَّاوي، وأمُّ حبيبة زينب ابنة الشَّيخ شهاب الدِّين الشَّوبكيُّ، وأمُّ كمالٍ كماليَّة ابنة الإمام نجم الدِّين المرجانيُّ المكِّيَّتان بها قالوا: أنبأنا الحافظ الزَّين بن (٢) الحسين العراقيُّ قال: أخبرنا القاضي أبو عمر عزُّ الدِّين سماعًا عليه بجامع الأقمر في القاهرة سنة إحدى وستِّين وسبع مئةٍ قال: قرأت على موسى بن أبي الحسن المقرئ بالقاهرة، أخبرك أبو الفرج بن عبد المنعم بن عليٍّ قراءةً عليه وأنت تسمع عن أحمد ابن محمَّد بن محمَّدٍ التَّيميِّ، فأقرَّ به، أخبرنا (٣) الحسن بن أحمد الحدَّاد: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ: حدَّثنا أبو بكرٍ الطَّلحيُّ: حدَّثنا أحمد بن عبد الرَّحيم بن دُحَيمٍ: حدَّثنا عمرٌو الأوديُّ (٤)، حدَّثني أبو بكرٍ أبيٌّ، عن سليمان عن أبي حمزة الثُّماليِّ ثابت بن أبي صفيَّة، عن الأصبغ وهو ابن نباتة، عن عليٍّ قال: من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه أو حين يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

وقد آن أن أثني (٥) عنان القلم، وأستغفر الله ممَّا زلَّت به القدم، ووقع لي في هذا الشَّرح من الزَّلل والخطل (٦)، ملتمسًا ممَّن وقف (٧) عليه من الفضلاء أن يسدَّ بسداد فضله ما عثر عليه من الخلل، فالمتصدِّي للتَّصنيف (٨)، والمعتني بالتَّأليف (٩)، ولو بلغ السُّها في النُّهى إذا صنَّف فقد استهدف، ومن أنصف أسعف، ولله درُّ بعض الأكياس حيث قال: من صنَّف فقد وضع عقله في طبقٍ وعَرَضَهُ على النَّاس، لا سيَّما من كان مثلي قليل البضاعة، في كلِّ علمٍ وصناعة،

على أنِّي -والله ﷿ يعلم (١) - في أكثر مدَّة جمعي له في كربٍ ووجلٍ مع قلَّة المعين والنَّاصر، والمنبِّه والمذاكر، فإنْ (٢) تصفَّح النَّاظرُ فيه الغلطَ فليصفح، ولا يكن من أناسٍ بالأغاليط يفرحون، وليصلح ما يجده فاسدًا، فإنَّ الله تعالى ذمَّ رهطًا قال فيهم: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] واللهَ أسالُ أن يجعلَ هذا الشرح وسيلةً إلى رضاه والجنَّة، ويَحُولَ بيننا وبين النَّار بأوثق جِنَّة، وكما مَنَّ به يتمُّ بالقبول حسنة تلك المِنَّة.

قال مؤلِّفه (٣): وقد فرغت من تأليفه وكتابته في يوم السَّبت سابع عشري ربيع الثَّاني سنة ستَّ عشرة وتسع مئةٍ، حامدًا مصلِّيًا مسلِّمًا ومحوقلًا ومحسبلًا (٤) (٥).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنُ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَنَاجِرَهُمْ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ عَلَامَتُهُمْ، وَالسَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ.

قَوْلُهُ: (التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى التَّحْلِيقِ، وَقِيلَ: أَبْلَغُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَالِ وَقِيلَ: إِنْ نَبَتَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ دَهْنِ الشَّعْرِ وَغَسْلُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَلَامَةِ وُجُودُ ذِي الْعَلَامَةِ فَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَةِ، وَالْخَوَارِجُ اتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجَمِيعُ شُعُورِهِمْ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الدِّيَانَةِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالثَّانِي مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ الْمُتَكَاثِرَةِ كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَالثَّالِثُ كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ خَبْطٌ أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْمٍ عَرَفَهُمُ النَّبِيُّ بِالْوَحْيِ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ قَالُوا: إِنَّكَ رَبُّنَا، فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً وَقَالُوا: الْآنَ تَيَقَّنَّا أَنَّكَ رَبُّنَا؛ إِذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَنِ وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ قَالَ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ انْتَهَى. وَلَيْسَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ وَصْفَ الْخَوَارِجِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ النَّوَاصِبِ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيمُ بِصِفِّينَ فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَكَفَّرُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

٥٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقُسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ

٧٥٦٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِأَكْثَرِهِمْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْمَوَازِينُ جَمْعُ مِيزَانٍ وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكِسْرَةِ مَا قَبْلَهَا، وَاخْتُلِفَ فِي ذِكْرِهِ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، هَلِ الْمُرَادُ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِيزَانًا أَوْ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزَانٌ؟ فَيَكُونُ الْجَمْعُ حَقِيقَةً، أَوْ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا مِيزَانٌ وَاحِدٌ؟ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ أَوِ الْأَشْخَاصِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ

لِلتَّفْخِيمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ إِلَّا وَاحِدٌ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ وَلَا يُشْكِلُ بِكَثْرَةِ مَنْ يُوزَنُ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْقِيَامَةِ لَا تُكَيَّفُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ نَعْتُ الْمَوَازِينِ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا وَهِيَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْقِسْطُ الْعَدْلُ، وَجُعِلَ وَهُوَ مُفْرَدٌ مِنْ نَعْتِ الْمَوَازِينِ وَهِيَ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِكَ عَدْلٌ وَرِضًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ ذَوَاتَ الْقِسْطِ، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، يُقَالُ مِيزَانُ قِسْطٍ وَمِيزَانَانِ قِسْطٍ وَمَوَازِينُ قِسْطٍ، وَقِيلَ هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ الْقِسْطِ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِحِسَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى فِي كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَقِيلَ لِلتَّوْقِيتِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ:

تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا … لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعٌ

وَحَكَى حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَانَ مَا مَعْنَاهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَذَكَرَ النَّبِيُّ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ ﷿.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْقَابِسِيِّ وَطَائِفَةٍ، وَأَقْوَالَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَعْمَالِ وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ لَكِنْ خَصَّ مِنْهُ طَائِفَتَانِ فَمِنَ الْكُفَّارِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَّا الْكُفْرَ، وَلَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا مِيزَانٍ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا سَيِّئَةَ لَهُ وَلَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ فَهَذَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا فِي قِصَّةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ يُحَاسَبُونَ وَتُعْرَضُ أَعْمَالُهُمْ عَلَى الْمَوَازِينِ، وَيَدُلُّ عَلَى مُحَاسَبَةِ الْكُفَّارِ وَوَزْنِ أَعْمَالِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْكَافِرُ لَا ثَوَابَ لَهُ وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالْعَذَابِ فَلَا حَسَنَةَ لَهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي الْكَافِرِ: لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَتُعُقِّبَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوَزْنِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الْكَافِرِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ

كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ وَلَا يَجِدُ لَهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الْأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا، قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمِيزَانَ بِالْخِفَّةِ لَا الْمَوْزُونَ. ثَانِيهُمَا: قَدْ يَقَعُ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ لَكَانَتْ حَسَنَاتٍ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ، غَيْرَ أَنَّ الْكُفْرَ إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ مَثَلًا، فَإِنِ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ مَثَلًا فَقَطْ، وَإِلَّا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمِيزَانِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالْأَعْمَالِ، وَأَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ وَقَالُوا: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْلِ فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَضَعُ الْمَوَازِينَ لِوَزْنِ الْأَعْمَالِ لِيَرَى الْعِبَادُ أَعْمَالَهُمْ مُمَثَّلَةً لِيَكُونُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَاهِدِينَ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا، قَالَ: وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا انْتَهَى.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمِيزَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ

وَالْقَضَاءِ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ كَمَا يَجُوزُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْحَطُّ، وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَوَازِينُ الْعَدْلُ، وَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: يُوضَعُ الْمِيزَانُ وَلَهُ كِفَتَّانِ، لَوْ وُضِعَ فِي إِحْدَاهُمَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ذُكِرَ الْمِيزَانُ عِنْدَ الْحَسَنِ فَقَالَ: لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِنَّمَا تُوزَنُ الصُّحُفُ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَإِنَّهَا أَعْرَاضٌ فَلَا تُوصَفُ بِثِقَلٍ وَلَا خِفَّةٍ، وَالْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَعْمَالَ حِينَئِذٍ تُجَسَّدُ أَوْ تُجْعَلُ فِي أَجْسَامٍ فَتَصِيرُ أَعْمَالُ الطَّائِعِينَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَأَعْمَالُ الْمُسِيئِينَ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ثُمَّ تُوزَنُ، ورَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الَّذِي يُوزَنُ الصَّحَائِفُ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الْأَعْمَالُ، وَنَقَلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، قَالَ: فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالصُّحُفُ أَجْسَامٌ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ انْتَهَى.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ النَّارَ، قِيلَ: فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ. أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ، وَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ .

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ قَالَ: هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾ بِالْمِيزَانِ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَهُوَ رُومِيٌّ عُرِّبَ، وَيُقَالُ: قِسْطَارٌ بِالرَّاءِ آخِرَهُ بَدَلَ السِّينِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: الْقِسْطَاسُ أَعْدَلُ الْمَوَازِينِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِضَمِّهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ) قَالَ الْفَرَّاءُ: الْقَاسِطُونَ الْجَائِرُونَ، وَالْمُقْسِطُونَ الْعَادِلُونَ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقِسْطُ النَّصِيبُ بِالْعَدْلِ كَالنِّصْفِ وَالنَّصَفَةِ وَالْقَسْطُ بِفَتْحِ الْقَافِ أَنْ يَأْخُذَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ جَوْرٌ، وَالْإِقْسَاطُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ قِسْطَهُ وَذَلِكَ إِنْصَافٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ قَسَطَ إِذَا جَارَ وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْقِسْطُ النَّصِيبُ إِذَا تَقَاسَمُوهُ بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُتَعَقِّبًا عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ مَا نَصُّهُ: الْقِسْطُ الْعَدْلُ وَمَصْدَرُ الْمُقْسِطِ الْإِقْسَاطُ، يُقَالُ: أَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ وَقَسَطَ إِذَا جَارَ وَيَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى مُتَقَارِبٍ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: عَدَلَ عَنْ كَذَا إِذَا مَالَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَسَطَ إِذْا عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ، وَأَقْسَطَ كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ : الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، انْتَهَى.

وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ لِلْمَعْنَى بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ وَفِي الْحُجُرَاتِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَنْزِلُ حَكَمًا مُقْسِطًا وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْسِطُ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ هُوَ الْمُعْطِي عِبَادَهُ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُعْطِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ قِسْطًا مِنْ خَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَطَّاعِ أَنَّ قَسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ

عَنِ اعْتِرَاضِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ فَقَالَ: أَرَادَ بِالْمَصْدَرِ مَا حُذِفَتْ زَوَائِدُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَإِنْ أَهْلِكْ فَذَلِكَ حِينَ قَدْرِي أَيْ تَقْدِيرِي فَرَدَّهُ إِلَى أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا تَحْذِفُ الْعَرَبُ الزَّوَائِدَ لِتَرُدَّ الْكَلِمَةَ إِلَى أَصْلِهَا، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ الْمُقْسِطُ الْجَارِي عَلَى فِعْلِهِ فَهُوَ الْإِقْسَاطُ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفُ الزَّوَائِدِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِهِ، فَهُوَ مَصْدَرُ مَصْدَرِهِ إِذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْجَارِيَ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ الْإِقْسَاطُ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَزِيدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقِسْطِ بِالْكَسْرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَسْطِ بِالْفَتْحِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَوْرِ وَالْهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ وَالْإِزَالَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَقِيلَ: بَلْ عَرَبِيٌّ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ مَجْمَعٌ، وَقِيلَ مَعْمَرٌ، وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الصَّفَّارُ الْحَضْرَمِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: آخِرُ مَا لَقِيتُهُ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرَّخَ ابْنُ حِبَّانَ وَفَاتَهُ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ إِشْكَابٍ وَلَا مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابٍ قَرَابَةٌ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) أَيِ ابْنِ غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: وَجْهُ الْغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَشَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ وَصَاحِبَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُمَارَةَ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ.

قَوْلُهُ: (كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِتَقْدِيمِ حَبِيبَتَانِ وَتَأْخِيرِ ثَقِيلَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِتَقْدِيمِ خَفِيفَتَانِ وَتَأْخِيرِ حَبِيبَتَانِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ طَرِيفٍ وَكَذَا عِنْدَ الْبَاقِينَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَنْ سَيَأْتِي عَنْ شُيُوخِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ إِطْلَاقُ كَلِمَةٍ عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ مِثْلُ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَوْلُهُ كَلِمَتَانِ هُوَ الْخَبَرُ وَحَبِيبَتَانِ وَمَا بَعْدَهَا صِفَةٌ وَالْمُبْتَدَأُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ، وَالنُّكْتَةُ فِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ تَشْوِيقُ السَّامِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَكُلَّمَا طَالَ الْكَلَامُ فِي وَصْفِ الْخَبَرِ حَسُنَ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ تَزِيدُ السَّامِعَ شَوْقًا، وَقَوْلُهُ حَبِيبَتَانِ أَيْ مَحْبُوبَتَانِ، وَالْمَعْنَى: مَحْبُوبٌ قَائِلُهُمَا، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَوْلُهُ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ: وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُوزَنُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَوْصُوفُهُ مَعَهُ، فَلِمَ عَدَلَ عَنِ التَّذْكِيرِ إِلَى التَّأْنِيثِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَأَيْضًا فَهُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا الْمُثَنَّى سَلَّمْنَا لَكِنْ أَنَّثَ لِمُنَاسَبَةِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَالْخَفِيفَتَيْنِ، أَوْ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظَةِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لَكِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ كَمَنْ يَقُولُ: خُذْ ذَبِيحَتَكَ لِلشَّاةِ الَّتِي لَمْ تُذْبَحْ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْفِعْلُ فَهِيَ ذَبِيحٌ حَقِيقَةً، وَخَصَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ بَيَانُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ بِالثَّوَابِ الْكَثِيرِ.

قَوْلُهُ: (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ) وَصَفَهُمَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ لِبَيَانِ قِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ سَجْعٌ مُسْتَعْذَبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بَيَانُ الْجَائِزِ مِنْهُ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَكَذَا فِي الْحُدُودِ فِي حَدِيثِ سَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَكَلَّفًا أَوْ مُتَضَمِّنًا لِبَاطِلٍ لَا مَا جَاءَ عَفْوًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ خَفِيفَتَانِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ كَلَامِهِمَا وَأَحْرُفِهِمَا وَرَشَاقَتِهِمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلسُّهُولَةِ وَشَبَّهَ سُهُولَةَ جَرَيَانِهَا عَلَى اللِّسَانِ بِمَا خَفَّ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ

بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ فَلَا تُتْعِبُهُ كَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَائِرَ التَّكَالِيفِ صَعْبَةٌ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ثَقِيلَةٌ وَهَذِهِ سَهْلَةٌ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا تُثْقِلُ الْمِيزَانَ كَثِقَلِ الشَّاقِّ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ سَبَبِ ثِقَلِ الْحَسَنَةِ وَخِفَّةِ السَّيِّئَةِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا، وَالسَّيِّئَةُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ خِفَّتُهَا عَلَى ارْتِكَابِهَا.

قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

قَوْلُهُ: (وَبِحَمْدِهِ) قِيلَ: الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: أُسَبِّحُ اللَّهَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِي لَهُ مِنْ أَجْلِ تَوْفِيقِهِ، وَقِيلَ: عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَتَلَبَّسُ بِحَمْدِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْدُ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَمْدِ لَازِمُهُ أَوْ مَا يُوجِبُ الْحَمْدَ مِنَ التَّوْفِيقِ وَنَحْوِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ فَيَكُونُ سُبْحَانَ اللَّهِ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً وَبِحَمْدِهِ جُمْلَةً أُخْرَى، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، أَيْ بِقُوَّتِكَ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ تُوجِبُ عَلَيَّ حَمْدَكَ سَبَّحْتُكَ لَا بِحَوْلِي وَبِقُوَّتِي، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَلَى ثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ، إِلَّا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْهُ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرُهُمْ وَبِحَمْدِهِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ بَقِيَّةِ مَنْ سَمَّيْتُ مِنْ شُيُوخِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ آدَمَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ كَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ وَالْحُسَيْنِ.

قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ) هَكَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَتَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَكَذَا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْتُهُ قَبْلُ، وَقَدْ وَقَعَ لِي بِعُلُوٍّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْهُ بِثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ وَتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَفِ فِي الدِّينِ وَالْكَمَالِ كَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَرَامِ وَالْمَعَاصِي الْعِظَامِ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّ مَنْ أَدْمَنَ الذِّكْرَ وَأَصَرَّ عَلَى مَا شَاءَهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَانْتَهَكَ دِينَ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِالْمُطَهَّرِينَ الْمُقَدَّسِينَ وَيَبْلُغُ مَنَازِلَهُمْ بِكَلَامٍ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ لَيْسَ مَعَهُ تَقْوَى وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: صِفَاتُ اللَّهِ وُجُودِيَّةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَهِيَ صِفَاتُ الْإِكْرَامِ، وَعَدَمِيَّةٌ كَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ وَهِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ، فَالتَّسْبِيحُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْجَلَالِ، وَالتَّحْمِيدُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْإِكْرَامِ، وَتَرْكُ التَّقْيِيدِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، وَالْمَعْنَى أُنَزِّهُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَأَحْمَدُهُ بِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، قَالَ: وَالنَّظْمُ الطَّبِيعِيُّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ التَّحْلِيَةِ عَلَى التَّخْلِيَةِ، فَقَدَّمَ التَّسْبِيحَ الدَّالَّ عَلَى التَّخَلِّي عَلَى التَّحْمِيدِ الدَّالِّ عَلَى التَّحَلِّي، وَقَدَّمَ لَفْظَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَوَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ الشَّامِلُ لِسَلْبِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَإِثْبَاتِ مَا يَلِيقُ بِهِ إِذِ الْعَظَمَةُ الْكَامِلَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ النَّظِيرِ وَالْمَثِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ التَّسْبِيحَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ لَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَلِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِشَأْنِ التَّنْزِيهِ أَكْثَرُ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوِ سُبْحَانَ، وسَبِّحْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وسَبَّحَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، ويُسَبِّحُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ، وَلِأَنَّ التَّنْزِيهَاتِ تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ الْكَمَالَاتِ فَإِنَّهَا تَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْحَقَائِقُ الْإِلَهِيَّةُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقِ

السَّلْبِ كَمَا فِي الْعِلْمِ لَا يُدْرَكُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَاهِلٍ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ عِلْمِهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُنَاسَبَةِ أَبْوَابِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي نَقَلْتُهُ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْمُقَدَّمَةِ: لَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعِصْمَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ فَخَتَمَ بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَكَانَ آخِرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الْمُفْلِحُ مِنَ الْخَاسِرِ ثِقَلَ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتَهَا فَجَعَلَهُ آخِرَ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ، فَبَدَأَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَخَتَمَ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْقُلُ مِنْهَا مَا كَانَ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَرْغِيبٌ وَتَخْفِيفٌ وَحَثٌّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ لَهُ وَالْخِفَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ وَالثِّقَلِ بِالنِّسْبَةِ لِإِظْهَارِ الثَّوَابِ، وَجَاءَ تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أُسْلُوبٍ عَظِيمٍ وَهُوَ أَنَّ حُبَّ الرَّبِّ سَابِقٌ وَذِكْرَ الْعَبْدِ وَخِفَّةَ الذِّكْرِ عَلَى لِسَانِهِ تَالٍ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ النَّافِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بَيَانُ تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْكِتَابِ وَأَنَّ الْخَتْمَ بِمَبَاحِثِ كَلَامِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مَدَارُ الْوَحْيِ، وَبِهِ تَثْبُتُ الشَّرَائِعُ وَلِهَذَا افْتَتَحَ بِبَدْءِ الْوَحْيِ وَالِانْتِهَاءُ إِلَى مَا مِنْهُ الِابْتِدَاءُ وَنِعْمَ الْخَتْمُ بِهَا، وَلَكِنَّ ذِكْرَ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ هُوَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لِإِرَادَةِ بَيَانِ إِخْلَاصِهِ فِيهِ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ خَتْمَ كِتَابِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى وَزْنِ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ آثَارِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْوَزْنِ إِلَّا الِاسْتِقْرَارُ فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ إِلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إِخْرَاجَ مَنْ قَضَى بِتَعْذِيبِهِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَيَخْرُجُونَ مِن النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ وَضَعَ كِتَابَهُ قِسْطَاسًا وَمِيزَانًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ سَهْلٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي حَالَتَيْهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ.

قُلْتُ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: الْحَثُّ عَلَى إِدَامَةِ هَذَا الذِّكْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ لَفْظُهُ: مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَحْدَهَا فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا الْكَلِمَةُ الْأُخْرَى فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُفِيدُ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الْمُنَاسِبِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ الْكَلِمَةَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَهُ خَطَايَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يُوَازِنُ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِيرَادُ الْحُكْمِ الْمُرَغَّبِ فِي فِعْلِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا مَضَى فِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ وَفِيهِ مِنَ الْبَدِيعِ: الْمُقَابَلَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَالْمُوَازَنَةُ فِي السَّجْعِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ: لِلرَّحْمَنِ؛ لِمُوَازَنَةِ قَوْلِهِ: عَلَى اللِّسَانِ وَعَدَّى كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةُ امْتِثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ.

خاتمة:

اشتمل كتاب التوحيد من الأحاديث المرفوعة على مائتي حديث وخمسة وأربعين حديثا، المعلق منها وما في معناه من المتابعة خمسة وخمسون طريقا والباقي موصول، المكرر منها فيه وفيما مضى معظمها، والخالص منها أحد عشر حديثا انفرد عن مسلم بأكثرها، وأخرج مسلم منها حديث عائشة: في أمر السرية في ذكر قل هو الله أحد، وحديث أبي هريرة: أذنب عبد من عبادي ذنبا، وحديثه إذا تقرب العبد مني شبرا، وحديثه يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة وثلاثون أثرا، فجميع

ما في الجامع من الأحاديث بالمكرر موصولا ومعلقا وما في معناه من المتابعة تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا، وجميع ما فيه موصولا ومعلقا بغير تكرار ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثا، فمن ذلك المعلق وما في معناه من المتابعة مائة وستون حديثا، والباقي موصول، وافقه مسلم على تخريجها سوى ثمانمائة وعشرين حديثا، وقد بينت ذلك مفصلا في آخر كل كتاب من كتب هذا الجامع، وجمعت ذلك هنا تنبيها على وهم من زعم أن عدده بالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، وأن عدده بغير المكرر أربعة آلاف أو نحو أربعة آلاف، وقد أوضحت ذلك مفصلا في أواخر المقدمة وذلك كله خارج عما أودعه في تراجم الأبواب من ألفاظ الحديث من غير تصريح بما يدل على أنه حديث مرفوع كما نبهت على كل موضع من ذلك في بابه كقوله: باب اثنان فما فوقهما جماعة، فإنه لفظ حديث أخرجه ابن ماجه، وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم ألف وستمائة وثمانية آثار، وقد ذكرت تفاصيلها أيضا عقب كل كتاب ولله الحمد، وفي الكتاب آثار كثيرة لم يصرح بنسبتها لقائل مسمى ولا مبهم خصوصا في التفسير وفي التراجم فلم يدخل في هذه العدة، وقد نبهت عليها أيضا في أماكنها.

ومما اتفق له من المناسبات التي لم أر من نبه عليها أنه يعتني غالبا بأن يكون في الحديث الأخير من كل كتاب من كتب هذا الجامع مناسبة لختمه ولو كانت الكلمة في أثناء الحديث الأخير أو من الكلام عليه، كقوله في آخر حديث بدء الوحي: فكان ذلك آخر شأن هرقل، وقوله في آخر كتاب الإيمان: ثم استغفر ونزل، وفي آخر كتاب العلم وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين، وفي آخر كتاب الوضوء واجعلهن آخر ما تكلم به، وفي آخر كتاب الغسل وذلك الأخير إنما بيناه لاختلافهم، وفي آخر كتاب التيمم عليك بالصعيد فإنه يكفيك، وفي آخر كتاب الصلاة استئذان المرأة زوجها في الخروج، وفي آخر كتاب الجمعة ثم تكون القائلة، وفي آخر كتاب العيدين لم يصل قبلها ولا بعدها، وفي آخر الاستسقاء بأي أرض تموت، وفي آخر تقصير الصلاة وإن كنت نائمة اضطجعي، وفي آخر التهجد والتطوع وبعد العصر حتى تغرب، وفي آخر العمل في الصلاة فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف، وفي آخر كتاب الجنائز فنزلت: تبت يدا أبي لهب وتب، وهو من التباب ومعناه الهلاك، وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى، وفي آخر الحج واجعل موتي في بلد رسولك، وفي آخر الصيام ومن لم يكن أكل فليصم، وفي آخر الاعتكاف ما أنا بمعتكف فرجع، وفي آخر البيع والإجارة حتى أجلاهم عمر، وفي آخر الحوالة فصلى عليه، وفي آخر الكفالة من ترك مالا فلورثته، وفي آخر المزارعة ما نسيت من مقالتي تلك إلى يومي هذا شيئا، وفي آخر الملازمة حتى أموت ثم أبعث، وفي آخر الشرب فشرب حتى رضيت، وفي آخر المظالم فكسروا صومعته وأنزلوه، وفي آخر الشركة أفنذبح بالقصب، وفي آخر الرهن أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، وفي آخر العتق الولاء لمن أعتق، وفي آخر الهبة ولا تعد في صدقتك، وفي آخر الشهادات لأتوهما ولو حبوا، وفي آخر الصلح قم فاقضه، وفي آخر الشروط لا تباع ولا توهب ولا تورث، وفي آخر الجهاد قدمت فقال: صل ركعتين، وفي آخر فرض الخمس حرمها البتة، وفي آخر الجزية والموادعة فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وفي آخر بدء الخلق وأحاديث الأنبياء قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، وفي آخر المناقب توفيت

خديجة قبل مخرج النبي ، وفي آخر الهجرة فترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفي آخر

المغازي الوفاة النبوية وما يتعلق بها، وفي آخر التفسير تفسير المعوذتين، وفي آخر فضائل القرآن اختلفوا فأهلكوا، وفي آخر النكاح فلا يمنعني من التحرك، وفي آخر الطلاق وتعفو أثره، وفي آخر اللعان أبعد لك منها، وفي آخر النفقات أعتقها أبو لهب، وفي آخر الأطعمة وأنزل الحجاب، وفي آخر الذبائح والأضاحي حتى تنفر من منى، وفي آخر الأشربة وتابعه سعيد بن المسيب عن جابر، وفي آخر المرضى وانقل حماها، وفي آخر الطب ثم ليطرحه، وفي آخر اللباس إحدى رجليه على الأخرى، وفي آخر الأدب فليرده ما استطاع، وفي آخر الاستئذان منذ قبض النبي ، وفي آخر الدعوات كراهية السآمة علينا، وفي آخر الرقاق أن نرجع على أعقابنا، وفي آخر القدر إذا أرادوا فتنة أبينا، وفي آخر الأيمان والنذور إذا سهم غابر فقتله، وفي آخر الكفارة وكفر عن يمينك، وفي آخر الحدود إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وفي آخر المحاربين اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، وفي آخر الإكراه يحجزه عن الظلم، وفي آخر تعبير الرؤيا تجاوز الله عنهم، وفي آخر الفتن أنهلك وفينا الصالحون، وفي آخر الأحكام فاعتمرت بعد أيام الحج، وفي آخر الاعتصام سبحانك هذا بهتان عظيم، والتسبيح مشروع في الختام، فلذلك ختم به كتاب التوحيد والحمد لله بعد التسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وقد ورد في حديث أبي هريرة في ختم المجلس ما أخرجه الترمذي في الجامع والنسائي في اليوم والليلة وابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء والحاكم في المستدرك كلهم من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله من جلس في مجلس وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك، هذا لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا

نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي برزة وعائشة، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري أعله برواية وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار كذا قال في المستدرك ووهم في ذلك، فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب، والصواب عن سهيل عن عون وكذا ذكره على الصواب في علوم الحديث فإنه ساقه فيه من طريق البخاري عن محمد بن سلام عن مخلد بن يزيد عن ابن جريج بسنده، ثم قال: قال البخاري: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قوله: قال البخاري هذا أولى فإنا لا نذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل انتهى، وأخرجه البيهقي في المدخل عن الحاكم بسنده المذكور في علوم الحديث عن البخاري، فقال عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن حجاج بن محمد وساق كلام البخاري لكن قال: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث إلا أنه معلول، وقوله: لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا هو المنقول عن البخاري لا قوله لا أعلم في الدنيا في هذا الباب، فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري، وقد ساق الخليل في الإرشاد هذه القصة عن غير الحاكم وذكر فيها أن مسلما قال للبخاري: أتعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا، فقال: لا إلا أنه معلول، ثم ذكره عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قوله: وهو موافق لما في علوم الحديث في سند التعليل لا في قوله في هذا الباب فهو موافق لرواية البيهقي في قوله بهذا الإسناد، وكأن الحاكم وهم في هذه اللفظة، وهي قوله في هذا الباب: وإنما هي بهذا الإسناد

وهو كما قال لأن هذا الإسناد وهو: ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل لا يوجد إلا في هذا المتن، ولهذا قال البخاري: لا أعلم لموسى سماعا من سهيل يعني أنه إذا لم يكن معروفا بالأخذ عنه وجاءت عنه رواية خالف راويها وهو ابن جريج من هو أكثر ملازمة لموسى بن عقبة منه رجحت رواية الملازم فهذا يوجبه تعليل البخاري، وأما من صححه فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة بل يجوز أنه عند موسى

بن عقبة على الوجهين، وقد سبق البخاري إلى تعليل هذه الرواية أحمد بن حنبل فذكر الدارقطني في العلل عنه أنه قال: حديث ابن جريج وهم، والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قال الدارقطني والقول قول أحمد، وعلى ذلك جرى أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان قال ابن أبي حاتم في العلل سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: هذا خطأ، رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفا وهذا أصح، قال أبو حاتم يحتمل أن يكون الوهم من ابن جريج ويحتمل أن يكون من سهيل انتهى، وقد وجدناه من رواية أربعة عن سهيل غير موسى بن عقبة ففي الأفراد للدارقطني من طريق عاصم بن عمرو وسليمان بن بلال، وفي الذكر لجعفر الفريابي من طريق إسماعيل بن عياش، وفي الدعاء للطبراني من طريق محمد بن أبي حميد أربعتهم عن سهيل والراوي عن عاصم وسليمان هو الواقدي وهو ضعيف وكذا محمد بن أبي حميد، وأما إسماعيل فإن روايته عن غير الشاميين ضعيفة وهذا منها، وقد قال أبو حاتم: هذه الرواية ما أدري ما هي ولا أعلم روى عن النبي في شيء من طريق أبي هريرة إلا من رواية موسى عن سهيل، انتهى. وقد أخرجه أبو داود في السنن وابن حبان في صحيحه والطبراني في الدعاء من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا، وعن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري عن عبد الله بن عمرو موقوفا، وذكر شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي الحافظ في النكت التي جمعها على علوم الحديث لابن الصلاح أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة من الصحابة عدتهم سبعة زائدة على من ذكر الترمذي، وأحال ببيان ذلك على تخريجه لأحاديث الإحياء، وقد تتبعت طرقه فوجدته من رواية خمسة آخرين فكملوا خمسة عشر نفسا ومعهم صحابي لم يسم فلم أضفه إلى العدد لاحتمال أن يكون أحدهم، وقد خرجت طرقه فيما كتبته على علوم الحديث وأذكره هنا ملخصا، وهم عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير أخرجه موقوفا، وعند أبي داود أخرجه موقوفا كما تقدم التنبيه عليه.

وأبو برزة الأسلمي وحديثه عند أبي داود والنسائي والدارمي وسنده قوي. وجبير بن مطعم، وحديثه عند النسائي. وابن أبي عاصم ورجاله ثقات. والزبير بن العوام، وحديثه عند الطبراني في المعجم الصغير وسنده ضعيف. وعبد الله بن مسعود، وحديثه عند ابن عدي في الكامل وسنده ضعيف، والسائب بن يزيد وحديثه عند الطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في الكبير وسنده صحيح، وأنس بن مالك وحديثه عند الطحاوي والطبراني وسنده ضعيف، وعائشة وحديثها عند النسائي وسنده قوي، وأبو سعيد الخدري وحديثه في كتاب الذكر لجعفر الفريابي وسنده صحيح إلا أنه لم يصرح برفعه، وأبو أمامة وحديثه عند أبي يعلى وابن السني وسنده ضعيف، ورافع بن خديج وحديثه عند الحاكم والطبراني في الصغير ورجاله موثقون إلا أنه اختلف على راويه في سنده، وأبي بن كعب ذكره أبو موسى المديني ولم أقف على سنده، ومعاوية ذكره أبو موسى أيضا وأشار إلى أنه وقع في بعض رواته تصحيف، وأبو أيوب الأنصاري وحديثه في الذكر للفريابي أيضا وفي سنده ضعف يسير، وعلي بن أبي طالب وحديثه عند أبي علي بن الأشعث في السنن المروية عن أهل البيت وسنده

واه، وعبد الله بن عمر وحديثه في الدعوات من مستدرك الحاكم، وحديث رجل من الصحابة لم يسم أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي معشر زياد بن كليب قال: حدثنا رجل من أصحاب رسول الله عنه ورجاله ثقات، ووقع لي مع ذلك من مراسيل جماعة من التابعين منهم الشعبي وروايته عند جعفر الفريابي في الذكر، ويزيد الفقير وروايته في الكنى لأبي بشر الدولابي، وجعفر أبو سلمة وروايته في الكنى للنسائي، ومجاهد وعطاء ويحيى بن جعدة ورواياتهم في زيادات البر والصلة للحسين بن الحسن المروزي، وحسان بن عطية وحديثه في ترجمته في الحلية لأبي نعيم وأسانيد هذه المراسيل جياد، وفي بعض هذا ما يدل على أن للحديث أصلا، وقد استوعبت طرقها وبينت اختلاف أسانيدها وألفاظ متونها فيما علقته على علوم الحديث لابن الصلاح في الكلام على الحديث المعلول، ورأيت ختم هذا الفتح بطريق من طرق هذا الحديث مناسبة للختم أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والإجازة إلى منتهاه، قرأت على الشيخ الإمام العدل المسند المكثر الفقيه شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد بن زكريا القدسي الزينبي بمنزله ظاهر القاهرة، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر الأيوبي، أنبأنا إسماعيل بن عبد المنعم بن الخيمي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا، أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد، ح، وقرأته عاليا على الشيخ الإمام المقرئ المفتي العلامة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن كامل عن أيوب بن نعمة النابلسي سماعا عليه، أنبأنا إسماعيل بن أحمد العراقي عن عبد الرزاق بن إسماعيل القومسي، أنبأنا عبد الرحمن بن حمد الدوني، أنبأنا أبو نصر أحمد بن الحسين الكسار، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ المعروف بابن السني، أنبأنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، أنبأنا محمد بن إسحاق هو الصغاني، حدثنا أبو مسلم منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا خلاد بن سليمان هو الحضرمي عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات فسألته عن ذلك فقال: إن تكلم بكلام خير كان طابعا عليه - يعني خاتما عليه - إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كانت كفارة له سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والله أعلم.

والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسلميا كثيرا

قال مؤلفه حافظ العصر إمام السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فرغ منه جامعه أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر الكناني النسب العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ نزيل القاهرة، في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحقه في هذا الكراس في ثاني عشر رجب منها، وكان جمعه للمقدمة في سنة ثلاث عشرة، وشروعه في الشرح في أوائل سنة سبع عشرة، ولله الحمد باطناً وظاهراً أولاً وآخراً.

صورة ما كتبه المؤلف على نسخة الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين إبراهيم بن زين الدين الخضر ورضي عنهم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.

أما بعد.

فقد قرأ علي هذا الكتاب المسمى فتح الباري إلا يسيراً منه فسمعه وفاته القليل منه، وذلك ظاهر في التبليغ في الهوامش بخط صاحبه وكاتبه الإمام العالم العلامة الفاضل الماهر الباهر المعين برهان الدين مفيد الطالبين جمال المدرسين ابن زين الدين الخضر حفظ الله عليه ما وهبه، وختم له بالخيرات حتى يفوز بالمرغبة ويأمن المرهبة، وأجزت له أن يرويه عني كله وأن يفيده لمن أراد وأن يروي عني جميع ما تجوز عني روايته.

قاله وكتبه أحمد بن علي بن حجر حامداً مصلياً مسلماً وذلك في الثامن عشر من شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.

وعلى نسخته أيضاً ما ملخصه: بلغ السماع لجميع المجلس الأخير من هذا الشرح، وأوله خاتمة على مؤلفه حافظ العصر أستاذ أهل الدهر شيخ الإسلام والمسلمين بقية المجتهدين بن قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية أبي الفضل أحمد العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ أدام الله بهجته وحرس للأنام مهجته، بقراءة كاتبه إبراهيم بن خضر الأئمة الأعلام قاضي القضاة سعد الدين القدسي الحنفي الشهير بابن الديري، وأخوه الإمام برهان الدين إبرهيم، وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وقاضي القضاة الشافعية بالبلاد الشامية وكاتب الأسرار الشريفة بالديار المصرية كمال الدين محمد الحموي الشهير بابن البارزي، والمقر الناصري محمد بن السلطان الظاهر جمقمق بفوت يسير، والمقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، والعلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، والصاحب كريم الدين عبد الكريم الشهير بابن كاتب المناخات، والجمال يوسف بن كريم الدين ناظر الخواص الشريفة، والمقر محب الدين بن الأشقر كاتب السركان، والشيخ ولي الدين محمد السفطي، والعلامة القاضي بدر الدين التنيسي المالكي، والقاضي غرس الدين السخاوي، والشيخ محب الدين محمد بن أبي بكر القمني، والشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الوهاب السديسي، وكتب جميع الشرح إلا مواضع يسيرة معلمة في نسخته، والشيخ رضوان العقبي وكتب منه وسمع كثيراً، والشيخ شمس الدين محمد بن علي بن جعفر الشهير بابن قمر وكتب غالبه وسمع منه الكثير، والشيخ بهاء الدين أحمد بن العماد عبد الرحمن بن حرمي، والشيخ زين الدين عبد الغني بن محمد القمني، والشريف سعيد بن علي بن عبد الجليل المغربي التونسي، وكتبه كل من الثلاثة وسمع منه كثيراً، والإمام شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن حسان المقدسي، والشيخ زين الدين قاسم بن محمد الزبيري، والشيخ تقي الدين المنوفي القاضي، والشيخ شمس الدين محمد بن نور الدين على المحبري الخطيب والده بالصلاحية، والشيخ عز الدين عبد العزيز السنباطي، والشيخ محب الدين محمد بن عز الدين محمد البكري إمام المؤيدية، والشيخ محب الدين عبد الله بن بهاء الدين عبد اللطيف الشهير بابن الإمام المحلي، والشيخ محيي الدين بن محمد الطوخي، وبهاء الدين محمد بن أبي بكر المشهدي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أسد المقرئ ونور الدين علي بن أحمد المنوفي، والشيخ

شهاب الدين أحمد الرشي، والسيد الإمام العالم بدر الدين حسن النسابة، والشيخ العلامة جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي، والشريف العلامة صلاح الدين محمد الأسيوطي، والإمام شهاب الدين أحمد بن موسى المنوفي الإمام بجامع أصلم، والشريف عبد اللطيف بن علي الحسني، والشهاب أحمد بن الجمال عبد الباقي الشهير بابن أبي غالب، وأبو الفضل بن أبي المكارم بن أبي البركات بن ظهيرة القرشي المكي، وأبو الفتح محمد بن محمد الطيبي القادري، والسراج عمر بن عبد الله بن علي الأقفهسي، والإمام شهاب الدين أحمد بن أبي السعود المنوفي ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم أنشدها عبد القادر الواعظ بمجلس الختم، والشريف يونس القادري، والشيخ شرف الدين عيسى الطنوبي ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم، والشيخ تقي الدين ابن القطب القرقشندي، وشمس الدين محمد بن علي الفالاتي، وعز الدين البغوي، وشمس الدين محمد بن تاج الدين عبد الله بن صلاح الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن إسماعيل بن قريش، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الشطنوبي، وولي الدين أحمد بن أحمد الأسيوطي، والعالم برهان الدين إبراهيم الكركي القاضي، والشيخ شهاب الدين بن علي بن زكريا الجديدي وولده شهاب الدين أحمد، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الجديدي، وشمس الدين محمد ابن الشيخ يوسف بن أحمد الصفي، و نور الدين علي بن خليل بن البصال، ونور الدين المقري الشهير بابن الركاب، والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف المنوفي الشهير بابن الخطيب، وناصر الدين محمد بن إبراهيم الطويلي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن أبي بكر بن تمريه الخطيب وابنه عبد القادر والشيخ محب الدين محمد بن محمد القطان المصري، وعبد الرحيم بن الشهاب أحمد بن يعقوب الأزهري، والإمام المحدث برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، والشيخ الدين محمد أبو الخير بن عمر بن عبد الرحمن الزفتاوي، ونور الدين علي بن سليمان التلواني، وبدر الدين محمد بن إبراهيم المليجي الخطيب والده بجامع الأقمر، والشيخ شمس الدين محمد بن حسين بن محمد الشهير بابن سعيرات التاجر بالجملون، والشهاب أحمد بن محمد السخاوي المالكي، والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الدجوي، ومدح الشارح بقصيدة تتعلق بالختم قرأها من لفظه بالمجلس المذكور، وشمس الدين محمد ابن الشيخ يونس الواحي، وأبو بكر محمد الواحي التاجر بسوق الحاجب، والتاج محمد بن أبي بكر بن محمد الدميري، وأبو الميامن محمد بن قاسم الصوفي بالمدرسة الأشرفية، والإمام أبو الجود داود بن سليمان البني المالكي وعمه نور الدين علي البني المالكي، والشهاب أحمد بن محمد الأنصاري وخلق كثيرون لا يستطاع حصرهم ولا يقدر قدرهم، وممن حضر المجلس لكن لم يسمع القراءة لعبده عن القارئ المشايخ الأئمة شمس الدين محمد القاياتي، وشمس الدين محمد الونائي وأمين الدين الأقصرائي الحنفي شيخ الأشرفية، ومحب الدين محمد الاقصرائي الحنفي في جماعة كثيرين، من رام حصرهم فقد رام شططاً، وكان يوماً مشهوداً لم بعهد مثله فيما تقدم، وكان الختم المذكور بالتاج والسبع وجوه بين كوم الريش ومنية الشيرج خارج القاهرة، في يوم السبت ثامن شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.

والحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم الذي بنعمته تتم الصالحات وتثمر.

وقد نظم شعراء العصر في مدح الشرح ومؤلفه قصائد، منها ما أنشد في مجلس الختم ومنها ما أنشد بعد ذلك، فكتب العلامة الشريف صلاح الدين الأسيوطي رقعة وقدمها للمؤلف، ونصها ما يقول شيخ المحدثين الأقدمين والمحدثين فائق الكمال والأكمال بتهذيبه وتقريبه غنية الطلب كفاية الطلبة نهاية الأرب في فنون الأدب علامة ذوي الألمعية قاضي الشافعية، أدام الله مسراته في قول القائل وإن لم يكن بطائل:

لك الهناء بفضل منك يشملنا … معنى وحساً بموجود ومعدوم

كم للبخاري من شرح وليس كما … قد جاء شرحك في فضل وتتميم

شروحه الذهب الإبريز ما حكيت … بمثل ذا الختم في جمع وتكريم

وشرحك الرائج المصري بهجتها … وهل يوازن إبريز بمختوم

وفي هذا الثاني العاني بما اشتمل عليه من المعاني:

أقاضي قضاة الدين حقاً بليغهم … ومن هو في أوج المعاني كلامه

شروح البخاري مذ سقينا رحيقها … أتى شرحها الوافي ومسك ختامه

هل بينهما تواخي أم لأحدهما عن الآخر تراخي، وهل صاحب هذه البيوت في قصور أم حام حول حمى من عليه الحسن مقصور؟ وهل له في مجازي الأدب أدنى ينبوع وما يحكم به الذوق السليم المطبوع، فإن تفضلتم الآن بجواب فغير بدع أنه يوم الإجابة، وإن عدلتم بالاسترواح إلى غد فذاك عين الإصابة، ورأيكم العالي أعلى، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فكتب المؤلف ما نصه أسأل الله حسن الخاتمة، ذقت حلاوة هذا الممالحة، وشرحت صدري بلطافة هذه المطارحة، وتبين أن ناظمهما واحد حساً ومعنى، بل أوحد في حسن التلطف وزيادة الحسنى وهنا يتجاذبان الجودة من هنا وهنا: كالفرقدين إذا تأمل ناظر إلى آخر ما قال.

وكتب الشيخ زيد الدين عبد الرحمن ابن قاضي شمس الدين الديري الحنفي بعد أن رأى الرقعة المذكورة في المجلس ما نصه:

أيا سيداً حاز العلوم بأسرها … وأبدع في شرح البخاري نظامه

لئن راج إبريز البيوت بختمها … فقال غداً حقاً ومسكاً ختامه

وأنشد لصاحبنا الشيخ الفاضل شهاب الدين احمد بن أبي السعود المنوفي بالمجلس المذكور:

تمنعت بدموع الصب في حجب … فانظر لشمس في حلة السحب

حلت بقلبي المعنى وهي جنته … يا من يرى جنة الرضوان في لهب

أشكو سهادي ودمعي وهي لاهية … فالثغر يضحك والأصداغ في لعب

يا من رنت وانثنت طوع الصبا هيفاً … تفديك روح قتيل القضب والقضب

الله في مهجة لولاك ما رهبت … سود الجفون وحد السيف لم تهب

فيا رعى الله أعطافاً بنا فتكت … وهن من نسمات الروض في رهب

والله يعفو عن الألحاظ كم قتلت … بسحرها من كليم القلب مكتئب

فمن يبلغ ذات الحسن أن دمي … حل لها ولقتلي فيه واطربي

يا رب لا تجز عينيها بما فعلت … في مهجتي من فظيع الفتك والعطب

واحفظ على حسنها خداً أضاع دمي … وراح يومي بكف غير مختضب

واجعل سويداء قلبي في صحيفته … يرب من حسنات القرب والقرب

وحالل الجفن من روح به قتلت … فليس عند الهوى قتل بمحتسب

وفي سبيل البكا ليل أكابده … يا فجر قلبي وفجري غير مقترب

لم أدر أن كؤوس الدمع تسهرني … حتى رأيت محيا النجم كالحبب

يا من أطال علي يوم اللقا أسفي … هلا جعلت لهذا الهجر من سبب

لا تسألن عن دموع فيك سائلة … وقلب صب لصبر غير منقلب

في ذمة البين ليل بات يجمعنا … والنجم يلحظنا شزراً كمرتقب

والثغر يرفع أذيال الدجى عبثاً … والشعر يخفي محيا الصبح في نقب

وبعد رشف الثنايا رحت ملتثماً … خالاً وكان ختام المسك مطلبي

فجاء حسن ختام منه يسند عن … قاضي القضاة ختام العلم والأدب

حبر الهدى حافظ الإسلام أحمد من له من الفتح ذكرى فتح خير نبي

يا عالماً شرح الله الصدور به … وباسط العلم والآمال للطلب

شرحت صدر البخاري مثل جامعه فراح ينشد هذا منتهى الطلب

هذا المنار الذي للعلم مرتفع … الله أكبر كل الفضل في العرب

فجذا جامع بالشرح صار له … وقفاً كبحر جرى باق مدى الحقب

أضاء فيه مصابيح مسلسلة … من الأحاديث أو من لفظك الضرب

شرح حكى الشمس فالدنيا به امتلأت … تغيب زهر الداري وهو لم يغب

فلا تحرك لساناً يا سراج فقد … لاح النهار وهذي الشمس فاحتجب

نسيج وحد يقول ابن المنير وما … حاكت يداي له مثلاً فيا بأبي

والزركشي البدر لما أن تكلف لم … يصل إلى ذلك النوال بالذهب

وقد غدا لابن بطال به شغل … لما رأى منه ما أربى على الأرب

وبات في روضة ابن التين مرتشفاً … كأساً من الذوق يزري بابنة العنب

فلم يجز مسلم ما حزت من شرف … يا أحمد الناس في علم وفي نسب

هذا وحقك عام الفتح حج به … لبيت فضلك وفد العلم عن رغب

فيه بدا الظاهر السلطان واستترت … أعداؤه بذيول الأرض في حجب

فيا لهم والقنا تهتز في يدهم … رعباً وإن نسلت ردت على العقب

فجاءه الفتح بالسيوف وقد … تبت يدا خصمه حمالة الحطب

فالدهر في دعة والزهر مبتسم … والقضب ترقص بالأكمام والعذب

والجو قهقه والأعداء تحسبه … رعداً لما نابها من قبضة النوب

أفديه عاماً كأن الدهر أسنده … عن حافظ العصر عن آبائه النجب

لله حبر أبي ماجد شهم … علي أصل على الحالين خير أب

يغنيك عن طلب الأسفار مقوله … والسيف أصدق أنباء من الكتب

وإن رقى شرف الإملاء تحسبه … مع التواضع بحراً سح من حبب

وكم له من تصانيف حلت وعلت … كالنجم يكثر من قطر الحيا السرب

يا من يقول لقيت الناس في رجل … دع من أردت ويمم نعته تصب

ذو همة في الندى والعلم إن رفلت … في برده سبحت ذيلاً على السحب

وسيف حلم بأيدي الصفح تجذبه … دقت لديه رقاب الحقد والغضب

ترنحت قضب الأقلام في يده … فأثمرت زهرات العلم والنشب

تنشي فتنسي شفاه الكاس باسمة … يا حسن جمع خلال الراح والقضب

من كل أسمر خمري الرضاب فما … يفوته حيث يحكي الكاس من سبب

وأعجب لمحبرة كم شيبت غسقاً … سهداً ومفرقها المسود لم يشب

نعم وأعجب من ذا دمع مرملة … بوجنة الطرس ألفت حسن منقلب

وأوقدت رملها في نهره وشدت … جل المؤلف بين الماء واللهب

وانظر إلى طود علم شامخ نسباً … يهتز جوداً وبالآمال منجذب

طلق المحيا إلى الدينار مبتذلاً … مجعد الوجه يبدي رنة الصخب

فيبذل التبر من مال ومن كلم … ما بين منسبك منه ومنسكب

عم البرية بالجدوى فما لخبا … أمواله غير أيدي الناس من طنب

فلو أريحت معاذ الله راحته … شكت لداعي الندى من وحشة التعب

فيها الدنانير عشاق العفاة فإن … تفقدوا الرفد ترأمهم على حدب

فضائل علمت شعري مدائحه … وأنجم الليل تهدي كل مرتقب

يا مهجة الفضل يا عين العلوم ويا … روح العلا وحياة المجد والحسب

عذراً فإنسان شعري جاء ذا عجل … ووسع قولي وضيق الوقت في حرب

وهذه بنت فكر حثها شغف … تجرجر الذيل من صحف على كتب

ويا ولي اليتامى قد خطبت لها … بكراً إن افتخرت للعرب تنتسب

نسيبها جاء في أبياته نسباً … يا عز ذاك اليتيم الشامخ النسب

تزفها الشهب في الأفلاك منشدة … يا أخت خير أخ يا بنت خير أب

مدت لعلياك باآت الروى خطاً … فقد طوت مهمة الأوراق عن كثب

ترنو بعين قوافيها التي نشطت … وزانها الكسر يا للخرد العرب

كأنها الراح في كاسات أسطرها … تحلو بتكرار حرف الباء في الحبب

لحسنها شخص الحساد فاستترت … عن عينهم برداء الحظ والأدب

فإن تعارض مع مدحي مديحهم … فيكم فهل ترتقي الحصباء للشهب

وإن تساوى كلانا في المقال فيا … بعد المسافة بين الصدق والكذب

أما وأوصافك المنظوم جوهرها … لولاك ما امتد لي في الشعر من سبب

بقيت يا سيد الدنيا صحيح علا … وعشيت يا بحر علم غير مضطرب

ولا برحت مدى الأيام تكسبها … حسن الختام وترقى أشرف الرتب

وقال الشيخ برهان الدين البقاعي، وأنشدت في المجلس أيضاً:

إن كنت لا تصبو لوصف عذاري … دع عنك تهيامي وخلع عذاري

إن الغرام له رجال دينهم … تلف النفوس على هوى الأقمار

خاضوا بحار العشق وقت هياجها … إذ موجها كالجحفل الجرار

فاستوسقوا درراً تجل نعوتها … صاروا بها في العاشقين دراري

لله أيام الوصال وطيبها … لو لم تكن ككواكب الأسحار

ليلات أرتشف الرحيق من الثغو … رفأنتشي من دون شرب عقار

وأدير في روض الوجوه محاجري … عجباً فتعييني عن الأنوار

بأبي الخدود نواضراً حسناتها … كنواظر الغزلان في الدينار

قصدت يكون المسك حسن ختامها … فتعلمت من ختم فتح الباري

شرح البخاري الذي في ضمنه … نظمت علوم الشرع مثل بحار

في كل طرس منه روض مزهر … وبكل سطر منه نهر جاري

وبه زوائد من فوائد جمة … وفرائد أعيت على النظار

شرح الحديث به فكم من مشكل … فيه انجلى للعين بالآثار

يأتي إلى طرق الحديث يضمها … إن العيان مصدق الأخبار

وتزاحمت أفديه في تحصيله … زمر الملوك فسل من السفار

من فيض أحمد نبعه وله منا … سبة به اشتهرت لدى الأفكار

إن قلت نهر فهو للحجر انتمى … ومن الحجارة منبع الأنهار

أو قلت بحر عسقلان أصله … فالناس عالة بحرها الزخار

كم قد رحلت وكم جمعت مصنفاً … فالدين قد أحييت بالأسفار

وسكنت في العليا تقى وفضائلاً … أنت الشهاب بك اهتداء الساري

رحلت إليك الطالبون ليقتدوا … وتتابعوا سبقاً من الأقطار

وتراكضوا خيل الشبيبة حين لم … تركس بوهن أو بوصف عذارى

فارقت في أرض البقاع عشائري … أطوى إليك فيافياً وصحاري

فارقت منهم كل أروع ماجد … حامي الذمار بسيفه والجار

فمصنفاتك سهلت وتنزهت … من طاعن يرجو قذى أو عار

تربو على مائة ونصف أودعت … درراً تضيء والليل وقت سرار

وتضوع بالمسك الذكي لناشق … حسناً فيخجل أن يضوع الداري

ماذا أقول ولو أطلت مدائحي … وجعلت أهل الأرض من أنصاري

لم تبلغ المقصود من أوصافكم … كلا ولم تقرب من المعشار

فاسلم على كر الليالي واقياً … رتب العلا تهنأ بفتح الباري

وأنشد الشيخ شمس الدين الدجوي من لفظه لنفسه بالمجلس المذكور:

بحمد الله نبدأ مادحينا … حديث المصطفى والشارحينا

فإن المصطفى صلوا عليه … بطيب حديثه يتمسكونا

وأعلام النبوة خافقات … بها في الخافقين محدثونا

وشمس علومه منحتك نوراً … تبعت به سبيل المؤمنينا

به تسمو على درج المعالي … سيادتك الليالي والسنينا

أدره على المسامع فهو ينشي … قلوب الأولياء السامعينا

وحضرته الغنيمة فاغنموها … وعنها لا تكونوا غائبينا

به العلماء جلوا واستدلوا … على طرق الهدى مستبصرينا

بمعترك الدروس لنصر فقه … به فرسانه يستنجدونا

على الخصما سطوا بالرد منه … على غيظ الخلاف مؤيدينا

يذبون الليالي عن حماه … وفيه على اللآلي يسهرونا

تجافوا عن مضاجعهم وقاموا … إليه بما دروه يخدمونا

فمن أدب إذا تليت عليهم … أحاديث النبوة يسمعونا

وهم قوم تراهم في علو … على تحصيله يتنافسونا

وفي سربال فضلهم تساموا … على الأيام فخراً يرفلونا

علوا شرفاً وقدراً واتضاعاً … وأضحوا بالوقار متوجينا

سماعاً يا لبيب فهم رجال … بخدمته الشريفة يشرفونا

فهم في الحشر لا خوف عليهم … ولا هم في القيامة يحزنونا

وهم بالشكر أولى والتهاني … وهم لله أولى يحمدونا

فخذ في حفظه واصرف عليه … زمانك يا رفيق الصالحينا

فتقوى حجة وتجل قدراً … وتعظم في عيون الناظرينا

ويكفي مسلماً علم البخاري … يرد به اعتقاد الكافرينا

إذا ما جئته تلقاه بحراً … جواهره تفوق الحاصرينا

وفيه من العوالم فاتحات … على طلابه نوراً مبيناً

فكم فرض علمت به ونفل … وكم حكم أعز الحاكمينا

وذروة فقهه يرقون فيها … على حسب الأدلة ينظرونا

مصابيح الهدى انبثت عليه … فأصبح وهو كهف المهتدينا

فحصل ما قدرت عليه منه … يكون ذخيرة دنيا ودينا

وكيف لا وخادمه إمام … شهاب الدين قاضي المسلمينا

بفتح الباري اتضحت وبانت … مناهل علمه للواردينا

صحيح سد باب الطعن فيه … وفتح من مسائله العيونا

جلا صور المسائل فاستبانت … بألفاظ عرائس يمهرونا

فكم قول يقول به فلان … تراه عنده للقائلينا

وفيه الواضحات وغامضات … فلا يبعد به متفقهونا

وأحكام بسعدك قد أضاءت … شوارعها طريق السالكينا

سعدت بما ظفرت الدهر منه … فإن به كنوز الطالبينا

معانيه يحررها احترازاً … بميزان البيان لتستبينا

فأصبح روضة تسبيك علماً … وآثار رياض الصالحينا

وتصبح إن عرفت السر منه … كما قد قيل تاج العارفينا

وحسبك عالماً قطب الأماني … وحسبك قدوة للمقتدينا

تسائله الصحيح وعنه ينبي … فتلقى عنده الخبر اليقينا

فكم داع أتى وله سؤال … أجاب سؤاله في السائلينا

وعند لقيه تلقى مليئاً … مفيد المبتدئ والمنتهينا

يفهمك الذي قد تهت فيه … ببرهان الذين يرجعونا

وكم قطر بعيد منه جاؤا … إلى أسماعه متوجهينا

وكم شيء يكون عليك صعباً … فيجعله عليك أشد لينا

إذا السند اكتسى ثوب اضطراب … أتوا عن حاله يتنسمونا

وكم من سنة أنباك عنها … بإسناد علا في المسندينا

ومن أرمازوحي حيث يرمي … بها أحلامهم يتنبهونا

ومن يدري الحديث ومسنديه … ويمليه الكرام الكاتبينا

سما بسماعه سطح الثريا … إليه بوصله يتوصلونا

وكم صاد الشريد من المعاني … وذلله على من يألفونا

وكم مجد علا فيه مناراً … وله بالفاضلات يؤذنونا

وحسبك والمحابر حين تملي … ترى أقلامها في الساجدينا

ومهد في الحديث مصنفات … شريفات فنعم الماهدونا

علا سنداً ترى الأشياخ فيه … إلى عليائه يترجلونا

وما في العسقلاني من كلام … كفاه الله شر الحاسدينا

سوى حفظ فشا شرقاً وغرباً … وأعلى ذكره في الحافظينا

ومجلسه المهابة فيه يزهو … بأخبار الثقات المصلحينا

على ما لا سؤال لهم عليه … ينبئهم وعما يسألونا

وكم علامة يقرأ عليه … وأستاذ ومثل البارعينا

له في محضر الفصحا فنون … بتمليك البلاغة يشهدونا

بدوحة مدحه ثمرات نظم … بها أحبابه يتفكهونا

نشدت له القوافي بادرتني … بوافرها وفيما ينشدونا

نراك الشافعي تكون علماً … وأحمد في الرواية أن تكون

وتقصير امتداحي فيه يرجو … يزاحم في غمار المادحينا

ونختم بالصلاة على نبي … ختام الأنبيا والمرسلينا

وعترته الكرام وصاحبيه … وأرضاهم وأرضى التابعينا

إلى يوم يقوم الناس فيه … على ساق لرب العالمينا

وكتب الدجوي المذكور بعد ذلك حين فرق المؤلف على كتاب الشرح صرر فضة ومجامع حلوى ما نصه:

بفتح الباري انشرح البخاري … وأحمد ختمه بالفضل جامع

أدار دراهماً صرراً فأنشى … وحلوى فيه تأخذ بالمجامع

وأنشد الخطيب برهان الدين المليجي من لفظه لنفسه بحضرة مؤلفه بالمدرسة المنكوتمرية:

كم نعمة قاضي القضاة أنالها … ويقول إذ دنت الخطوب أنا لها

وهو الإمام وشيخ الإسلام الذي … لما تقاصرت العلوم أطالها

شرح البخاري آية وفي بها … فتح من الباري أطاب مقالها

وشهابها فضح الدراري جهرة … فينا وأخفى بدرها وهلالها

هو حافظ العصر الذي في مصره … أهل النهى ضربت به أمثالها

شهدت له أن لا سواه معلناً … إيضاحها ومبيناً إشكالها

وحلالها كلماته اللاتي هي الس … بب المبين حرامها وحلالها

وسعت إليه لاكتساب فضيلة … أفضي لها فتحققوا أفضالها

من رام يحصر فضل ما أوتيه من … غرر الهبات مفصلاً إجمالها

أعياه حصر هباته وبحقه … آلى وأقسم لا يرى أمثالها

كم عبرة هملت بمجلس ذكره … ونفوس قوم تشتكي إهمالها

فأنالهم حسن الرجاء مقاله … ونفوسهم حمدت لديه مآلها

خفضت مناقب أحنف أخلاقه … كم عثرة رفعت إليه أقالها

وعن الجفاة الحلم منه عادة … دهراً يرى أفعالها أفعى لها

أعيان مملكة المليك ومن به … رفع الإله عن الورى أثقالها

الظاهر الحسن الذي من عدله … عنهم أكف المعتدين أزالها

منحته صدق محبة ومودة … ونفوسها وقفت عليه ومالها

تالله ما هذا سدى لكنها … منن أراد الله فيه كمالها

يا سيداً منح العفاة نواله … ومحا بهدى المكرمات ضلالها

أنت الوفي بهمة في أمة … ركناً عظيماً ما حيا ما اغتالها

أبداً لها بسطت أكف دعائها … لله تشكر فضل ما أبدى لها

من سيرة أتممتها بسريرة … لما رفعت عن الورى أقفالها

يا حاوياً مقدار فضل قد وفى … بكفاية جمعت لديه خصالها

يا واحداً يملي ارتجالاً ديمة … منه أحاديث الورى ورجالها

أهنأ بيوم حاز أسباب الهنا … وتحققت بقدومه إقبالها

فتح من الباري فمسك ختامه … بلغت به كل الورى آمالها

يوم هو المشهود في الأيام قد … بسطت يدا جدواك فيه نوالها

أبداً فيالك من كريم محسن … صدقاته تحكي السحاب وبالها

كمل السرور بسادة منحوا الورى … بالحل والعقد السديد ظلالها

هم زينة الدنيا وزهرة أهلها … قد أذهبت آراؤهم أهوالها

لما رأوا ختم الكتاب تمسكوا … بمقالة أوسعت فيه مجالها

شرح به كتب الحديث تألفت … فهو الجديد وغيره مانالها

خذها عروساً قد زهت في ليلة … وافتك تسحب في الهنا أذيالها

شهدت بأنك كفء كل كريمة … فاجعل قبول المدح منك وصالها

فالملتجي بك لا يخيب جنابه ال … مغطى إذا دهت الهموم وهالها

لا زلت في دعة بأوفى نعمة … الله يحفظها وينعم بالها

وقال الشيخ محب الدين البكري، وأنشدت بالخانقاه البيبرسية:

حديثك لي أحلى من المن والسلوى … إذا حل سمعي حرم اللوم والسلوى

أيسلو محب حسن أوصاف مالك … غدا شافعي نعمان أحمد ذا تقوى

فمن لي ومثوى حبه بين أضلعي … يهيمني والعين تشتاق من تهوى

ترنحني ورق الدياجي بشجوها … تذكرني عهداً وتشفعني شجوا

تهيج أشواقي بفيضي لعبرتي … أموت وأحيا لا قرار ولا مثوى

سقام بجسمي قد براه نحوله … تراه على فرط المحبة لا يقوى

أيقوى على جمر الغضى قلب عاشق … يقل كما العصفور بين يدي شوا

تملكني رقا وألبسني ضنى … شكوت له وجدي فلم يضع للشكوى

فيا مالكاً رقي وقلبي ومهجتي … تعطف وجد فضلاً على قلب من يهوى

وجودك لي راح وجودك راحة … وقربك أنس والبعاد هو البلوى

أصور معنى حسنه فيلذ لي … تعلل قلبي بالخيال وبالنجوى

وتالله لا يشفي الخيال لعاشق … ولم يغنه طب الدواء عن الأدوا

لأني ظمآن على البحر وارد … ألا اعجب لظمآن ببحر ولا يروى

يعفني العذال عنك لأرعوي … وبغية قلبي أنت لامى لا علوى

لأنك فرد حافظ العصر جامع … معاني أولي العرفان بالفهم والفحوى

أبو الفضل بل قاضي القضاة وخيرهم … ترى السنة الغراء من حفظه تروى

أماليه تأني عسجداً وجواهراً … علت وغلت خذها بإسناده الأقوى

يرى درجات الخلد فيها مع الرضا … فيسري برضوان يبلغنا عفوا

أيا شيخ إسلام عليه مهابة … ومجد له يعلو على الغاية القصوى

تصانيفه لا حصر في ذكر عدها … ففي كل فن في العلوم له الجدوى

فكم سهرت عيناه والناس نوم … وكم كتبت يمناه من خبر يروى

وكم من شروح للبخاري عدة … طواها بفتح البارئ اعجب لما يطوى

كساه جمالاً من عذوبة لفظه … ففازت به الدنيا وسلمت الدعوى

وتوجه الأسماء من كل مبهم … خفي على النقاد يا ويح من سوى

شهاباً على أفق السماء بدوره … تبارك من أنشا وسبحان من سوى

وأبدع خلقاً ذاك للوزن لا يفي … وهذا صحيح الوزن ليس به أقوى

ولا غرو أن الشافعي إمامنا … يباهي بك الأصحاب بالنقل والفتوى

إذا فاح نشر المسك كنت ختامه … فكم حكم أظهرت فاحت لها الشذوى

لأصحابك الطلاب فضلاً أنلته بلا … منة فالله يصحبك التقوى

ويبقى لك البدر المنير ونسله … ويوسف حسن سالمين من الأسوا

ويحفظ إخواني وأهل مودتي … مشايخ علم من برؤيتهم أروى

ويجعل مثوانا حظيرة قدسه … وأحمده دنيا إلى جنة المأوى

محب وبكري ومنشأ بابكم … وناشر فضل ذلك النشر لا يطوى

وكتب أيضاً:

يا جابراً بالمكرمات كسيرا … وصنيعه جعل العسير يسيرا

يا شيخ الإسلام الذي أضحى بما … أوتيه من فضل الإله جديرا

لي حق سبق قد مننت بنيله … وفككت من قيد الهموم أسيرا

والأمر أمرك لم تزل متفضلاً … تولى الجميل وهادياً ونصيراً

إن قل عندك أن جعلت بديهة … مدحي صفاتك في الأنام كثيرا

فاجعل لوجه الله ما يغدو به … راجي علاك لأهله مسرورا

واسلم وعش فلقد حباك الله من … إحسانه فضلاً عليك كبيرا

وكتب أيضاً:

يا عالم العصر يا ذا الحكم والحكم … والعلم والحلم والتقوى مع الكرم

يا سالكاً سبل الخير التي وردت … عن سيد العرب والعرباء والعجم

شرحت صدر البخاري مذ شرحت له … جمعاً هو النعمة العظمى لمغتنم

حللت منه رموزاً وانفردت به … عن الذين مضوا في سالف الأمم

فجاء شرحاً عظيماً رائقاً بهجاً … ختامه المسك منشوراً على الخدم

وفاح من فتح هذا الختم رائحة … طارت بها الريح في البلدان والأطم

ماذا أقول وما أثنى عليه وقد … كل اللسان عن الإحصا مع القلم

والعبد يسأل بسط العذر منك لما … أتى به من قليل المدح والخدم

لأنه لم يجد مدحاً يقوم بما … حويتموه من الأفضال والشيم

ونسأل الله خيراً دائماً لكم … قاضي القضاة بعون الله لا تضم

وقال الشيخ شرف الدين عيسى الطنوبي، وأنشدت بالبيبرسية أيضاً:

سمحتم بشرح جاء أعلى من العين … فحصنتكم بالله وهو من العين

تحلى بتاج العلم فخراً وعندما … تجلى أبان الجهل عنا من البين

وأضحت سطور العلم فيه جواهراً … تعد على الطلاب سمطين سمطين

وماس بقرط من وجوه نقولكم … فمن تاجها فزنا بعلوين علوين

فنقح شرحاً للبخاري بلا مين … به فتح الباري عن الكاف والنون

وأجزل جيم الجواد إذ جاء بالمنى … وأظهر عين العدل من سر ياسين

غدا جنة للعلم فيه حدائق … تنزه فيها ناظر العين في العين

فطبت بلميا حوره متمسكاً … وأقلع غين كان في الفكر يلهيني

فأعظم به شرحاً مفيداً منقحاً … إذا صد جهل عنه بالعلم يغريني

وإن صرت منه في ضلال أضاء لي … شهاب سناً منه إلى الحق يهديني

فدونك تأليفاً أتى عن مؤلف … تحرى صحيح النقل لم يرض بالدون

أقول وما زال التفاتي لمدحه … وتنزيهه فرضي وتعظيمه ديني

إليك انتهت يا حافظ العصر رحلة ال … حديث مع الاملاء حقاً بلا مين

وأنت الذي أحييت سنة أحمد … وأبرزت من أسرارها كل مكنون

وأنت الذي صنفت كهلاً ويافعاً … وأفتيت في فرض علينا ومسنون

وأنت الذي في الشعر مالك رقه … رقيت على حسانه وابن زيدون

وأنت الذي دونت شرحاً سما به … إمام بخارى فانثنى خير ميمون

وألبسته تاج العلوم مكللاً … فها هو في قرط يميس ببردين

ولم يأت شرح للبخاري مثله … وهيهات ما البشنين فضلاً كنسرين

فذق علمه واهجر مقالة غيره … ففي الشهد معنى ليس يوجد في التين

يزيدك علماً أن تزده تأملاً … ويشكل تارات ويأتي بتبيين

حوى كل ما قال الأولى في مؤلف … بأبدع تقرير وأبرع تدوين

وزاد من التنقيح ما فضله به … تأكد عند الخصم بالنفس والعين

له فضلاء العصر صلوا وسلموا … لما قلت طوعاً ليس بالكره والهون

ولو كان في عصر البخاري مؤلفاً … لكان له ألفاً وقيل ألفين

وخر إلى الأذقان لله ساجداً … قال نعم هذا الذي كان يرضيني

أو ابن معين قال في الحفظ زادني … وزال به عني الذي كان ينسيني

له الله من شرح أزال شهابه … عن السنة الغرا جموع الشياطين

قررت به عيناً وصرت به زيناً … وأحيا به حيناً إلى منتهى حين

ولم لا به أحيا وفيه فوائد … من العلم تكفيني إلى يوم تكفيني

وحجة دعوى الخصم مخصومة بما … يسجله القاضي بنص وتعيين

عن ابن علي صرت أروي العلا فإن … عطشت فمن علم همي منه يرويني

ويملي على سمعي فأكتب جوهراً … وأمدحه من بعض ما هو يمليني

هو الحبر بحر العلم عين زمانه … فما جعفر في فضله وابن هارون

على شرحه أثنوا وآلوا بأنه … هو الفرد في التحقيق لا ثاني اثنين

ففقت به الأصلين والفخر شاهد … له وابن برهان بتلك البراهين

وبينت في التفسير حكم مسائل ال … خلاف بما أظهرت من كنز مدفون

كرأي ابن عباس ورأي مجاهد … ورأي عطاء ثم رأي ابن سيرين

وقررت للقراء ما كان نافعاً … أتى عن أبي عمرو وورش وقالون

وحققت حكم الروم فيه وغنة … ومدّ مع الاشمام والوصل واللين

وأعربته عن سيبويه وشيخه … وأبديت فرقاً بين نون وتنوين

وأسندت فيه عن شيوخ كثيرة … لهم طرق تعلو ففزت بأجرين

نتيجة علم النقل والعقل فاعجبوا … له وهو طفل حار فيه ابن سبعين

وما مسلم إلا وقال كجوهر … فمن ليس يحويه غداً بئس مغبون

ولا عجب فاليم من حجر بدا … عيوناً لموسى حين قر على الطين

فعشر عيون منه عشر أصابع … تفيض ومنشأ جودها الدهر يغنيني

سما بتآليف علت في حياته … نعم وعلت فوق السماك وتنين

تناهز عشر الألف عداً وكم سعى … لباب علاها وافد من سلاطين

وزادوا اشتياقاً بالسماع وربما … تعشق قبل العين سمعك في الحين

فجهزها سلطان مصر هدية … إليهم فأغنت عن خيول ونقدين

إلى الغرب سارت ثم للنبك سافرت … وفي يمن حلت وصارت إلى الصين

فعش آمناً با حافظ العصر وابتهج … بفتح له ختم على غير ذي رين

وباكر لبكر في حماك تنزهت … بمدحك عن إبطاء مدح وتضمين

ودع أيما أضحت لها قبل ضرة … فالفرق بان الصبح منها لذي عين

فلا زلت ذا جاه وجود وسودد … وحكم وتأليف وعز وتمكين

وأختم مدحي بالصلاة مسلماً … على خير مبعوث من الحوض يسقيني

صلاة تريني بعد جسمي من لظى … ومن جنة الفردوس في الحشر تدنيني

وقال العلامة شمس الدين النواجي، وأنشدت بالمنكوتمرية:

خذوا حديث الغرام مسند … عن مستهام الفوائد مبعد

وسلسلوه بدر دمعي … فابن معين به تفرد

يا خده الواقدي رفقاً … بخاطر منك قد توقد

وثغره الجوهري كم ذا … تمنعني ريقك المبرد

بالله يا راحلاً بقلبي … هل لفؤادي المشوق من رد

الله الله في محب … بنظرة منك ما تزود

يكفكف الدمع من جفون … خوف وشاة له وحسد

لو سمته قبلة ولو في ال … منام بالروح ما تردد

لله ساجي اللحاظ ألمي … أغن لدن القوام أغيد

ألثغ حلو الكلام كادت … حلاوة الثغر منه تعقد

البدر قد لاح من سناه … والغصن من عطفة تأود

لو هفوات النسيم مرت … عليه من لطفه تجعد

جامع حسن إذا تبدى … خرت عيون الأنام سجد

وقبلة العشق ان بعيني … أبصرت في الحالتين معبد

صيرت دمعي عليه وقفاً … مسبلاً جارياً مؤبد

وعاذل بات قبل هذا … يطعن في حسنه ويجحد

ومذ بدا وجهه هلالاً … يفوق بدر السما تشهد

وفوق خديه حسن خال … بكعبة الحسن قد تعبد

حماه ربي فكيف أضحى … في وسط نيرانه مخلد

لم أنس أن زارني بليل … كأنه كوكب توقد

وابتسم الثغر عن لآل … فهمت في عقدها المنضد

واستعبر الجفن من دموع … لما رأى صدره تنهد

أرشفني من رحيق ثغر … كأساً وحيا بوردة الخد

شممت منه عبير خال … يعبق من نشره شذا الند

فيا له عنبر ذكي … وعاذلي فيه قد تبلد

يا مالك الحسن جد بنعما … ن وجنتي خدك المورد

وإن تكن شافعي فإني … أشكر رب السما وأحمد

قاضي القضاة الأنام كنز ال … غنى حليف الندى المؤيد

حامي ذرى المجد والعلا من … فاق الورى في حلى وسودد

بنى له الفضل بيت عليا … له بساط النجوم مقعد

وأعربت عن علاه خيم … بالعطف مرفوعها تأكد

مولى به الله في الورى قد … أعز أحكامه وأيد

أعف في الحكم من مشينا … تحت لواعد له وأزهد

له مع الله حسن حال … مظهر غيب له ومشهد

ما مثله في وفا وحلم … إن وعد المرء أو توعد

ولم يقل في ندا وعلم … لمن أتى سائلاً إلى الغد

ذو راحة أتعبت حسوداً … قصر عن مثلها وفند

كم قلت لما سما فحاذى … رأس سماك وفرق فرقد

يا هل ترى غاية لعليا … منفرد في الأنام أوحد

وليت شعري أنال ذا عن … أب علي المقام أمجد

في مصره كم أغاث حياً … أتهم في غوره وأنجد

وكم وكم قد أمات خصماً … عاند في شرعه وألحد

يا عمرك الله أم حبراً … عنه حديث الكرام يسند

وارو ندى راحتيه بحراً … من الطريقين عنه يورد

فبابه للوفود ملجا … وماله للعفات مرصد

واعجب لذي باطل وحق … كلاهما في حماه يعضد

هذاك بالقطع ليس يرفا … وذا بكلتا اليدين يرفد

لا عيب في جوده سوى أن … شمل أمواله مبدد

يسبيك من كفه يراع … أسمر لدن القوام أملد

أحوى غضيض الجفون ألمى … مكحل الطرف لا بمرود

مواظب الخمس ورده في … وقت صلاة الصلاة يشهد

إذا هوى للركوع خرت … له وجوه الطروس سجد

سبحان من قد براه غصناً … ثماره فضة وعسجد

محبراً في العلوم زاكي الأ … صول سامي الذرى مسود

في قصب السبق ما رأينا … مثاله في الجياد جود

تهز أصوات سائليه … أعطافه للندى فيمتد

وينبري للعطا فيزري … بالبحر في جزره وفي المد

يسعى على رأسه لأم … طرافها للخبا ممدد

ترضعه يومها وعند ال … مغيب في بطنها يمهد

واستجل ما شئت من معاني … مرملة طرفها مسهد

يحكي سني وجهها الثريا … حسناً إذا سعدها تجدد

في بيت أفراحها اجتماع … بالرمل من شكلها تولد

تنظم الدر فوق طرس … نثراً فنظمي لها ينضد

وتنثر التبر في لجين … نثراً فتثرى به وتسعد

تذيب قلب النضار لا ما … حصله باخل وجمد

إن أنكرت قتل حاسديها … هادمهم في الطروس يشهد

وشم حلى مدية عليها … خناصر للعلوم تعقد

تقطع وصل الجفا وتبري … قلب عداة بغوا وحسد

وتثبت الجرح في وجوه … تجاوزوا في لقائها الحد

ما طال منها اللسان إلا … قصر من كلمت عن الرد

قوامها اللدن سمهري … وإنما طرفها مهند

تملك الحسن في نصاب … ما مثله في القرون يعهد

قتيلها المحل ليس يودى … شرعاً وإن كان بالمحدد

يا شيخ الإسلام يا إماما … دعا لطرق الهدى وأرشد

يا ذا التصانيف ليس يلفى … نظيرها في الورى ويوجد

لو رام تعدادها حسود … بكى على نفسه وعدد

شرحت صدر الحديث لما … قصدت للشرح أي مقصد

ورحت تمليه في نجوم … شهابها في العلا توقد

أخجل في أفقه الدراري … أما ترى الجو احمر الخد

واستخدم الكنس الجواري … تدأب في بابه وتجهد

أنعم أذواق طالبيه … بمشتهى لفظه المسرهد

وسار في شرقها وغرب … تتلى أحاديثه وتسرد

وكم طوى نشره كتاباً … على ممر الدهور سرمد

ومن يكن علمه عطاء … من فتح باريه كيف ينفد

خذها ابنة الفكر ذات شجو … بلطف معناك قد تجسد

تختال في طرسها ومعنى … علاك في صرحها الممرد

جمالها مطلق وحرف ال … روى في حبكم مقيد

وبحرها من بسيط كفي … نداكم بالوفا معود

ومن رام يقفو سني علاها … لمطلع الشمس كيف يصعد

رقيقة النظم ذات لفظ … حر ومعنى بكم مولد

حررها في علاك مولى … عتاقة بالولا تعبد

أمسك فضل العنان لما … زادت معانيكم على العد

ولو أطال المديح جاءت … وحق علياك في مجلد

طوقته بالندى فقل في … مطوق في الرياض غرد

ورشت منه الجناح حتى … حلق نحو العلا وصعد

وحق رب السما ومولى … يخشى لكل الورى ويعبد

مالي إلى غيرك التفات … كلا ولا عن حماك مقصد

قيدتني بالندى فتمم … واكتب على قيدي المخلد

وكم يد قد أنلت حتى … سلبت مني الفؤاد باليد

هذا هو الفضل بل أبوه … أنت وهذا لعمرك الجد

لا زلت مستعصماً أميناً … مستنصراً هادياً لمهتد

مستظهراً واثقاً رشيداً … موفقاً طاهراً مؤيد

يحفك البدر في كمال … بخير ما طالع وأسعد

هذا آخر ما وقفنا عليه من المدائح، وقد أحببت أن أختم هذه الكتابة بدعاء شريف نقلته من طهارة القلوب لسيدي الولي العارف بالله عبد العزيز الديريني نفعنا الله ببركته وبركة علومه:

إلهي لو أردت إهانتنا لم تهدنا، ولو أردت فضيحتنا لم تسترنا، فتمم اللهم ما به بدأتنا، ولا تسلبنا ما به أكرمتنا، إلهي عرفتنا بربوبيتك وغرقتنا في بحار نعمتك ودعوتنا إلى دار قدسك ونعمتنا بذكر وأنسك، إلهي إن ظلمة لأنفسنا قد عمت وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمت، فالعجز شامل والحصر حاصل والتسليم أسلم وأنت بالحال أعلم، إلهي ما عصيناك جهلاً بعقابك ولا تعراضاً لعذابك ولا استخفافاً بنظرك، ولكن سولت لنا أنفسنا وأعانتنا شقوتنا وغرنا سترك علينا وأطعمنا في عفوك برك بنا، فالآن من عذابك من يستنقذنا؟ وبحبل من نعتصم إن أنت قطعت حبلك عنا وأخجلتنا من الوقوف غداً بين يديك؟ وافضيحتنا إذا عرضت أعمالنا القبيحة عليك! اللهم اغفر ما عملت ولا تهتك ما سترت، إلهي إن كنا قد عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل حيث علمنا أن لنا رباً يغفر ولا يبالي، إلهي أنت أعلم بالحال والشكوى وأنت قادر على كشف البلوى، اللهم يا من سترت الزلات وغفرت السيآت أجرنا من مكرك ووفقنا لشكرك، إلهي أتحرق بالنار وجهاً كان لك مصلياً ولساناً كان لك ذاكراً أو داعياً لا بالذي دلنا عليك ورغبنا فيما لديك وأمرنا بالخضوع بين يديك، وهو محمد خاتم أنبيائك وسيد أصفياتك فإن حقه علينا أعظم الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته أشرف منازل خلقك، وصل وسلم يا رب على سيدنا محمد وآله وصحبه وجميع الأنبياء والمرسلين، وارحم عباداً غرهم طول إمهالك وأطمعهم كثرة أفضالك وذلوا لعزك وجلالك ومدوا أكفهم لطلب نوالك، ولولا هدايتك لم يصلوا إلى ذلك.

خاتمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي الأعظم سيدنا محمد الداعي إلى الحق والخير وعلى آله وصحبه وسلم

أما بعد، فقد أتم الله علينا نعمه، ولله الحمد، بإكمال طباعة هذا السفر العظيم «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» مع مقدمة هدي الساري للإمام الحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) وكان ذلك في شهر رمضان المبارك سنة ألف وثلاثمائة وتسعين من هجرة المصطفى

وكان والدى السيد المحقق الأستاذ محب الدين الخطيب (١٣٠٣ - ١٣٨٩ هـ) قد بذل جهدا موفوراً لإتمام هذا الفتح فى أصح صورة وعلى أكمل وجه: تحقيقا وتبويبا وتصحيحا لتجاربه، كما استقصى أطراف أحاديثه ونبه على أرقامها في كل حديث الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى

وكان السيد الوالد قد كرس كل وقته وإلى آخر دقيقة من حياته لإخراج هذا المصنف النفيس ليكون أصبح الطبعات وأتقنها وأيسرها في المراجعة والدراسة

ثم من الله على بما كان يتمناه، رحمة الله عليه، بإكمال هذا الفتح الكبير الذي أرجو من الله تعالى أن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يجعله حسنة من حسنات جهاده المشهود، ومثوبة لمن قاموا على خدمته وساهموا في إعادة طبعة، وفي مقدمتهم فضيلة العالم الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نفعنا الله بعلمه

والله الموفق لما فيه رضاه

روضة الفسطاط: في شهر رمضان المبارك ١٣٩٠ هجرية

قصى محب الدين الخطيب

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

جُبيرٍ قال: ما تقول فيَّ؟ قال: قاسطٌ عادلٌ، فأعجب الحاضرين، فقال لهم الحجَّاج: ويلكم لم تفهموا، جعلني جائرًا كافرًا ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؟!

٧٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بكسر الهمزة وفتحها وسكون الشِّين المعجمة وبعد الألف موحَّدةٌ غير منصرفٍ، وقيل منصرفٌ، الصَّفَّار الكوفيُّ ثمَّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة (١) مُصغَّرًا، الضَّبِّيُّ بالمعجمة والموحَّدة المشدَّدة (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الميم، ابن القعقاع -بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ- الضَّبِّيِّ أيضًا (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ -بفتح الهاء وكسر الرَّاء- البجَليِّ، بالموحَّدة والجيم المفتوحة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ () أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : كَلِمَتَانِ) خبرٌ مقدَّمٌ، وما بعده صفةٌ بعد صفة (٢)، أي: كلامان، فهو من باب إطلاق «الكلمة» على «الكلام» ككلمة الشَّهادة (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) تثنية حبيبةٍ، أي: محبوبةٌ بمعنى المفعول لا الفاعل، و «فعيلٌ» إذا كان بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث إذا ذُكِرَ الموصوف نحو: رجلٌ قتيلٌ وامرأةٌ قتيلٌ، فإن لم يُذْكر الموصوف فرَّق بينهما نحو: قتيلٌ وقتيلةٌ، وحينئذٍ فما وجه لحوق علامة التَّأنيث هنا؟ أُجيب بأنَّ التَّسوية جائزةٌ لا واجبةٌ، وقيل: إنَّما أنَّثها لمناسبة الخفيفة والثَّقيلة؛ لأنَّهما بمعنى الفاعليَّة لا المفعوليَّة (٣)، والمراد محبوبيَّة قائلها، ومحبَّة الله تعالى لعبده إرادته إيصال الخير له والتَّكريم، وخصَّ اسمه (٤)

«الرَّحمن» دون غيره من الأسماء الحسنى لأنَّ كلَّ اسمٍ منها إنمَّا يُذكَر في المكان اللَّائق به، وهذا من محاسن البديع الواقع في الكتاب العزيز وغيره من الفصيح كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وكذلك هنا لمَّا كان (١) جزاء من يسبِّح بحمده تعالى الرَّحمة ذكر في سياقها الاسم المناسب لذلك وهو «الرَّحمن» (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ) لِلِين حروفهما وسهولة خروجهما، فالنُّطق بهما سريعٌ وذلك لأنَّه ليس فيهما من حروف الشِّدَّة المعروفة عند أهل العربيَّة وهي: الهمزة والباء الموحَّدة والتَّاء المثنَّاة الفوقيَّة والجيم والدَّال والطَّاء المهملتان والقاف والكاف، ولا من حروف الاستعلاء أيضًا، وهي: الخاء المعجمة والصَّاد والضَّاد والطَّاء والظَّاء والغين المعجمة والقاف، سوى حرفين الباء الموحَّدة والظَّاء المعجمة، وممَّا يُستثقَل أيضًا من الحروف: الثَّاء المثلَّثة والشِّين المعجمة، وليستا (٢) فيهما، ثمَّ إنَّ الأفعال أثقل من الأسماء، وليس فيهما فعلٌ، وفي الأسماء أيضًا ما يُستثقَل كالذي لا ينصرف، وليس فيهما شيءٌ من ذلك، وقد اجتمعت فيهما حروف اللِّين الثَّلاثة: الألف والواو والياء، وبالجملة فالحروف السَّهلة الخفيفة فيهما أكثر من العكس (ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ) حقيقةً لكثرة الأجور المدَّخَرة لقائلهما، والحسنات المضاعفة للذَّاكر بهما (٣) وقوله: «حبيبتان» و «خفيفتان» و «ثقيلتان» صفةٌ لقوله: «كلمتان» وفي هذه الرِّواية تقديم «حبيبتان» وتأخير «ثقيلتان» وقوله: (سُبْحَانَ اللهِ) اسم مصدرٍ لا مصدرٌ، يقال: سبَّح يسبِّح تسبيحًا؛ لأنَّ قياس «فعَّل» -بالتَّشديد- إذا كان صحيح اللَّام «التَّفعيل» كالتَّسليم والتَّكريم، وقيل: إنَّ «سبحان» (٤) مصدرٌ؛ لأنَّه سُمِع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وقول الشَّاعر:

سبحانه ثمَّ سبحانًا يعود له … وقبلنا سبَّح الجوديُّ والجمد

يساعد من قال: إنَّ «سبحان» مصدرٌ لوروده منصرفًا، قاله في «اللُّباب» وغيره، وقال بعض الكبراء: إنَّ فيه وجوهًا: أحدها: أنَّه مصدرٌ تأكيديٌّ كما في ضربت ضربًا، فهو في قوَّة قولنا: أسبِّح الله تسبيحًا، فلمَّا حُذِف الفعل أضيف المصدر إلى المفعول، ومعنى: «أسبِّح الله» أي:

أنظم نفسي في سلك الموقنين بتقديسه عن جميع ما لا يليق بجنابه سبحانه، وأنَّه (١) مقدَّسٌ أزلًا وأبدًا وإن لم يقدِّسه أحدٌ.

الثَّاني: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ على مثال ما يُقال: عظَّمِ السُّلطان تعظيمَ السُّلطان، أي: تعظيمًا يليق بجنابه، ويناسب من يتَّصف بالسَّلطنة، والمعنى: أسبِّحه تسبيحًا يختصُّ به، وذلك إذا كان بما (٢) يليق بجنابه ولا يستحقُّه غيره، فالإضافة لا إلى الفاعل ولا إلى المفعول، بل للاختصاص، فتأمَّله.

الثَّالث: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ، ولكنه على مثال ما يُقال: اذكر الله مثل ذكر الله، فالمعنى: أسبِّح الله تسبيحًا مثل تسبيح الله لنفسه، أي: مثل ما سبَّح الله به نفسه، فهو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ بحذف المضاف إلى «سبحان» وهو لفظ المثل، فالإضافة في «سبحان الله» إلى الفاعل.

الرَّابع: أنَّه مصدرٌ أُرِيد به الفعل مجازًا كما أنَّ الفعل يُذكَر ويُراد به المصدر مجازًا كقوله: «تسمع بالمعيديِّ» وذلك لأنَّ (٣) المصدر جزء مفهوم الفعل، وذكرُ البعضِ وإرادة الكلِّ مجازٌ كعكسه، ولمَّا كان المراد منه (٤) الفعل الذي أُريد به إنشاء التَّسبيح بُنِي هذا المصدر على الفتح، فلا محلَّ له من الإعراب وذلك لأنَّ الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا وذلك لأنَّ الشَّبه الذي به أُعرِب المضارع منعدمٌ في الإنشاء، فمثله كمثل أسماء الأفعال، وهذا وجهٌ نحويٌّ يمكن أن يُقال به فافهم، قال: وما ذكرناه لا يبطل كون هذا اللَّفظ مُعرَبًا في الأصل، فلا يضرُّنا ما جاء في شعر أميَّة منوَّنًا، وأمَّا ما يتعلَّق بمعناه ومغزاه فهو أنَّه قد فُهِم من هذا أيضًا تقدُّس الأسماء والصَّفات؛ لأنَّ الذَّات مع الأسماء والصِّفات متلازمان في الوجود والعدم بالتَّحقيق، ولأنَّ انتفاء تقديس الأسماء والصِّفات يستلزم انتفاء تقديس الذَّات؛ لأنَّها قائمةٌ بالذَّات ومقتضياتها، لكنَّ انتفاء تقديس الذَّات منتفٍ، وإذا حصل الاعتراف والاعتقاد بأنَّه مُنزَّهٌ عن جميع النَّقائص وما لا ينبغي أن يُنسَب إليه ثبتت الكمالات ضرورةً التزامًا، وحصل توحيد الرُّبوبيَّة، وثبت التَّقديس في كلِّ كمالٍ عن المشابهة والمماثلة والشَّركة وكلِّ ما لا يليق، فثبت

أنَّه الرَّبُّ على الإطلاق، للأنفس والآفاق، فهو المستحقُّ لأن يُشكَر ويُعبَد بكلِّ ما يمكن على الانفراد بالحقِّ والحقيقة، وتوحيد الرُّبوبيَّة حجَّةٌ ملزمةٌ وبرهانٌ موجبٌ توحيد الألوهيَّة، فتتضمَّن هذه الكلمة إثبات التَّوحيدين كما تتضمَّن إثبات الكمالين، وهذان الإثباتان في ضمنهما كلُّ مدحٍ ممكنٍ فيما يرجع إلى الله تعالى، ولمَّا كان الاتِّصاف بالكمال الوجوديِّ مشروطًا بخلوِّه عمَّا ينافيه قُدِّم التَّسبيح على التَّحميد في الذِّكر كما تُقدَّمُ التَّخليةُ على (١) التَّحلية، ومن هذا القبيل تقدُّم النَّفي على الإثبات في «لا إله إلَّا الله». انتهى.

والواو في قوله: (وَبِحَمْدِهِ) للحال، أي: أسبِّحه متلبِّسًا بحمدي له، من أجل توفيقه لي للتَّسبيح ونحوه، وقيل: عاطفةٌ، أي: أسبِّح وأتلبَّس (٢) بحمده، وأمَّا الباء فيحتمل أن تكون سببيَّةً، أي: أسبِّح الله وأُثني عليه بحمده، وقال ابن هشامٍ في «مغنيه»: اختُلِف في الباء من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] فقيل: إنَّها للمصاحبة، والحمد مضافٌ للمفعول، أي: سبِّحه حامدًا له، أي: نزِّهه عمَّا لا يليق به، وأثبِتْ له ما يليق به، قال البدر الدَّمامينيُّ في شرحه لـ «المغني»: قصد -أي: ابن هشامٍ- تفسير التَّسبيح والحمد بما ذكره إذ هو الثَّناء بالصِّفات الجميلة، فإن قلت: من أين يلزم الأمر بالحمد، وهو إنَّما وقع حالًا مقيِّدةً للتَّسبيح، ولا يلزم من الأمر بشيءٍ الأمر بحاله المقيِّدة له بدليل: اضرب هندًا جالسةً؟ وأجاب: بأنَّه إنَّما يلزم ذلك إذا لم يكن الحال من نوع الفعل المأمور به، ولا من فعل الشَّخص المأمور كالمثال المذكور، أمَّا إذا كانت بعض أنواع الفعل المأمور به نحو: حُجَّ مفردًا (٣) أو قارنًا (٤)، أو كانت من فعل المأمور به (٥) نحو: ادخل مكَّة محرمًا، فهي مأمورٌ بها، وما تكلَّم فيه (٦) في «المغني» من هذا القبيل. انتهى. قال في «المغني»: وقيل: الباء للاستعانة، والحمد مضافٌ للفاعل، أي: سبِّحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كلُّ تنزيهٍ محمودًا، ألا ترى أنَّ تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثيرٍ من الصِّفات؟ وقال الخطَّابيُّ: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمةٌ توجب عليَّ حمدك سبَّحتك، لا بحولي وقوَّتي

يريد أنَّه ممَّا أُقيم فيه المسبَّب مقام السَّبب، ثمَّ إنَّ جنس الحمد -كما قاله بعض العلماء- لمَّا وقع ذكره بعد التَّقديس عن كلِّ ما لا يليق به تعالى بغير تخصيص بعض المحامد تضمَّن الكلام واستلزم (١) إثبات جميع الكمالات الوجوديَّة الجائزة له مطابقةً، ولزم منه التَّقديس عن كلِّ ما لا يليق به تعالى وهو كلُّ ما ينافيها ولا يجامعها، هذا مع أنَّ كلمة الجلالة تدلُّ على الذَّات المقدَّسة المستجمعة للكمالات أجمع، وكذا (٢) الضَّمير في «وبحمده» إلى الهويَّة (٣) الخاصَّة السَّبُّوحيَّة القدُّوسيَّة (٤) الجامعة لجميع خاصيَّات الذَّات الواجبة وخواصِّها، فهذه الكلمة اشتملت على اسمَي الذَّات اللَّذَين لا أجمع منهما أحدهما: فيه اعتبارٌ غلبة أحكام الشَّهادة والغيب، والآخر: فيه غلبة أحكام الغيب وغيب الغيب، وأيضًا تشتمل (٥) على جميع التَّقديسات والتَّنزيهات، وعلى جميع الأسماء والصِّفات، وعلى كلِّ توحيدٍ.

وختم بقوله: (سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ) ليجمع بين مقامَي (٦) الرَّجاء والخوف؛ إذ معنى «الرَّحمن» يرجع إلى الإنعام والإحسان، ومعنى «العظيم» يرجع إلى الخوف من هيبته تعالى، وقوله «سبحان الله … » إلى آخره مبتدأٌ، وما بينه وبين الخبر صفةٌ له بعد صفةٍ، وقد أورد صاحب «المصابيح» سؤالين فقال: فإن قلت: المبتدأ مرفوعٌ و «سبحان الله» في المحلَّين معربٌ (٧) منصوبٌ؛ فكيف وقع مبتدأ مع ذلك؟ وأجاب: بأنَّ لفظهما محكيٌّ، وقال في الثَّاني: فإن قلت: الخبر مثنًّى، والمخبر عنه غير متعدِّدٍ ضرورةَ أنَّه ليس ثَمَّ حرف عطفٍ يجمعهما (٨)، ألا ترى أنَّه لا يصحُّ قولك: زيدٌ عمرٌو قائمان؟ وأجاب: بأنَّه على حذف العاطف، أي: «سبحان الله وبحمده» و «سبحان الله العظيم» كلمتان خفيفتان على اللِّسان … إلى آخره، وقد نصَّ أهل المعاني (٩) على

أنَّ من جملة الأسباب المقتضية لتقديم المسند تشويقَ السَّامع إلى المبتدأ بأن يكون في المسند المقدَّم طولٌ يشوِّق النَّفس إلى ذكر المسنَد إليه، فيكون أوقعَ في النَّفس، وأدخلَ في القبول؛ لأنَّ الحاصل بعد الطَّلب أعزُّ من المساق (١) بلا تعبٍ، ولا يخفى أنَّ ما ذكره القوم متحقِّقٌ في هذا الحديث، بل هو أحسن من المثال الذي أوردوه بكثير (٢)، وهو قول الشَّاعر:

ثَلاثةٌ تشرقُ الدُّنيا ببهجَتِها … شمسُ الضُّحى وأبو إسحاق والقمر

ومراعاة مثل هذه النُّكتة البلاغيَّة هو الظَّاهر من تقديم الخبر على المبتدأ، لكن رجَّح المحقِّق الكمال ابن الهمام أنَّ «سبحان الله» هو الخبر، قال: لأنَّه مُؤخَّرٌ لفظًا، والأصل عدم مخالفة اللَّفظ محلَّه إلَّا لموجبٍ يوجبه، قال: وهو من قبيل الخبر المفرد بلا تعدُّدٍ؛ لأنَّ كلًّا من «سبحان الله» مع عامله المحذوف الأوَّل، والثَّاني مع عامله الثَّاني إنَّما أُريد (٣) لفظه، والجمل المتعدِّدة إذا أُريد لفظها فهي من قبيل المفرد الجامد، ولذا لا تتحمَّل ضميرًا، ولأنَّه محطُّ الفائدة بنفسه، بخلاف «كلمتان» فإنَّه إنَّما يكون محطًّا للفائدة باعتبار وصفه بالخفَّة على اللِّسان، والثِّقل في الميزان، والمحبَّة للرَّحمن، ألا ترى أنَّ جعلَ «كلمتان» الخبرَ غيرُ بيِّنٍ؛ لأنَّه ليس متعلِّق الغرض الإخبار منه عن «سبحان الله … » إلى آخره أنَّهما كلمتان، بل بملاحظة وصف الخبر بما (٤) تقدَّم (٥)، أعني: «خفيفتان، ثقيلتان، حبيبتان» فكان اعتبار «سبحان الله … » إلى آخره خبرًا أَولى، وقد ذهب بعضهم إلى تعيين خبريَّة «سبحان الله … » إلى آخره، ووجَّهه بوجهين:

أحدهما: أنَّ «سبحان الله» لزمَ الإضافةَ إلى مفردٍ، فجرى مجرى الظُّروف، والظُّروف لا تقع إلَّا خبرًا. ثانيهما: أنَّ «سبحان الله … » إلى آخره كلمةٌ؛ إذ المرادُ بالكلمة في الحديث اللُّغويَّةُ كما تقدَّم، فلو جُعِل مبتدأً لزم الإخبار عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان، وأُجيب بأنَّه لا يخفى على سامعٍ

أنَّ المراد اعتبار «سبحان الله وبحمده» كلمةً، و «سبحان الله العظيم» كلمةً، فهذا كما يصحُّ أن يُعبَّر عنه بكلمةٍ كذلك يصحُّ أن يعبَّر عن كلِّ جملةٍ منه بكلمةٍ، غير أنَّه لمَّا كان كلٌّ من الجملتين -أعني: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» - ممَّا يستقلّ ذكرًا تامًّا ويُفرَد بالقصد اعتُبِر كلمةً وعُبِّر عنهما بكلمتين، على أنَّ ما ذكره لازمٌ على تقدير جعل «سبحان الله» الخبرَ كما هو لازمٌ على تقدير جعله مبتدأً؛ لأنَّه كما لا يصحُّ أن يُخبَر عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان كذلك لا يُخبَر عمَّا هو كلمتان بما هو كلمةٌ. انتهى.

وفي هذا الحديث من علم البديع: المقابلةُ والمناسبة والموازنة في السَّجع، أمَّا المقابلة فقد قابل الخفَّة على اللِّسان بالثِّقل في الميزان، وأمَّا الموازنة في السَّجع؛ ففي قوله: «حبيبتان إلى الرَّحمن» ولم يقل: للرَّحمن؛ لأجل موازنته على اللِّسان، وفيه نوعٌ من الاستعارة في قوله: «خفيفتان» فإنَّه كنايةٌ عن قلَّة حروفهما ورشاقتهما، قال الطِّيبيُّ: فيه استعارةٌ؛ لأنَّ الخفَّة مستعارةٌ للسُّهولة. انتهى. والظَّاهر أنَّها من قبيل الاستعارة بالكناية، فإنَّه شبَّه سهولة جريانهما على اللِّسان بما يخفُّ على الحامل من بعض الأمتعة، فلا تتعبه كالشَّيء الثقيل، فحذف ذكر المشبَّه به وأبقى شيئًا من لوازمه وهو الخفَّة، وأمَّا الثِّقل فعلى الحقيقة عند أهل السُّنَّة؛ إذ الأعمال تتجسَّم كما مرَّ، وفيه حثٌّ على المواظبة عليها، وتحريضٌ على ملازمتها، وتعريضٌ بأنَّ سائر التَّكاليف صعبةٌ شاقَّةٌ على النُّفوس ثقيلةٌ، وهذه خفيفةٌ سهلةٌ عليها مع أنَّها تثقل في الميزان، وقد رُوِي في الآثار أنَّ عيسى سُئِل: ما بال الحسنة تثقل والسَّيِّئة تخفُّ؟ فقال: لأنَّ الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنَّك ثقلها على تركها، والسَّيِّئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفَّت عليكم، فلا يحملنَّك على فعلها خفَّتها، فإنَّ بذلك تخفُّ الموازين يوم القيامة.

ويستفاد من هذا الحديث أنَّ مثل هذا السَّجع جائزٌ، وأنَّ المنهيَّ عنه في قوله : «سجعٌ كسجع الكهَّان» ما كان متكلَّفًا أو متضمِّنًا لباطلٍ، لا ما جاء عن غير قصدٍ، أو تضمَّن حقًّا.

وفيه من علم العروض إفادة: أنَّ الكلام المسجَّع ليس بشعرٍ فلا يُوزَن وإن جاء على وفق البحور في الجملة هذا مع ضميمة قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقد جاء في

الكتاب والسُّنَّة أشياء على وفق البحور؛ فمنها ما جاء على وفق الرَّجز؛ نحو (١): ﴿إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ومن السُّنَّة قوله [خ¦٢٨٠٢]: «هل أنت إلَّا أصبعٌ دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» وسبق مزيدٌ لذلك في هذا الشَّرح، فليُراجَع.

وفي سنده من اللَّطائف: القول في موضعين، والتَّحديث في موضعين، والعنعنة وهي في البخاريِّ محمولةٌ على السَّماع، فهي مثل أخبرنا؛ إذ العنعنة من غير المدلِّس محمولةٌ على السَّماع كما تقرَّر في المقدِّمة أوَّل هذا الشَّرح.

وفي الحديث أيضًا: الاعتناء بشأن التَّسبيح أكثر من التَّحميد؛ لكثرة المخالفين فيه، وذلك من جهة تكريره بقوله: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» وقد جاءت السُّنَّة به على أنواعٍ شتَّى، ففي «مسلمٍ» عن سَمُرة مرفوعًا: «أفضل الكلام سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر» أي: أفضل الذِّكر بعد كتاب الله، والموجب لفضلها (٢) اشتمالها على جملة أنواع الذِّكر من التَّنزيه والتَّحميد والتَّمجيد، ودلالتها على جميع المطالب الإلهيَّة إجمالًا؛ لأنَّ النَّاظر المتدرِّج في المعارف يعرفه سبحانه أوَّلًا بنعوت الجلال التي تنزِّه ذاته عمَّا يوجب حاجةً أو نقصًا، ثمَّ بصفات الإكرام وهي الصِّفات الثُّبوتيَّة التي يستحقُّ بها الحمد، ثمَّ يعلم أنَّ مَنْ هذا شأنه لا يماثله غيره ولا يستحقُّ الألوهيَّة سواه، فيُكشَف له من ذلك أنَّه أكبر؛ إذ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي «التِّرمذيِّ» -وقال: حديثٌ غريبٌ- عن ابن عمر أنَّ رسول الله قال: «التَّسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه (٣)، ولا إله إلَّا الله ليس لها حجابٌ دون الله حتَّى تخلص إليه» وفيه وجهان:

أحدهما: أن يُراد التَّسوية بين التَّسبيح والتَّحميد بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يأخذ نصف الميزان، فيملآن الميزان (٤) معًا وذلك لأنَّ الأذكار التي هي أمُّ العبادات البدنيَّة الغرض الأصليُّ من شرعها ينحصر في نوعين: أحدهما: التَّنزيه، والآخر التَّحميد، والتَّسبيح يستوعب القسم الأوَّل، والتَّحميد يتضمَّن القسم الثَّاني.

وثانيهما: أن يُراد تفضيل الحمد على التَّسبيح، وأنَّ ثوابه ضِعف ثواب التَّسبيح؛ لأنَّ التَّسبيح نصف الميزان، والتَّحميد وحده يملؤه؛ وذلك لأنَّ الحمد المطلق إنَّما يستحقُّه من كان مُبرّأً عن النَّقائص، منعوتًا بنعت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملًا للأمرين وأعلى القسمين، وإلى الوجه الأوَّل أشار بقوله: «كلمتان خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان» وقوله: «لا إله إلَّا الله ليس لها حجابٌ» لأنَّها اشتملت على التَّنزيه والتَّحميد، ونفى ما سواه تعالى صريحًا، ومن ثمَّ جعله من جنسٍ آخر؛ لأنَّ الأوَّلين دخلا في معنى الوزن والمقدار في الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلى الله تعالى من غير حاجزٍ ولا مانعٍ (١) ففي «مسلمٍ» من حديث جويرية: أنَّه خرج من عندها بكرةً حين صلَّى الصُّبح وهي في مسجدها، ثمَّ رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ، قال: ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النَّبيُّ : «لقد قلت بعدك أربع كلماتٍ ثلاث مرَّاتٍ، لو وُزِنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» صرَّح في القرينة الأولى بالعدد، وفي الثَّالثة (٢) بالزِّنة، وترك الثَّانية والرَّابعة منهما (٣) ليؤذن بأنَّهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون، ولا يحصرهما المقدار لا حقيقةً ولا مجازًا، فيحصل التَّرقِّي حينئذٍ من عدد الخلق إلى رضا الحقِّ، ومن زنة العرش إلى مداد الكلمات، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ : أنَّه دخل مع النَّبيِّ على امرأةٍ وبين يديها نوًى أو حصَى تسبِّح به؛ فقال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السَّماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالقٌ، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلَّا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله مثل ذلك» وفي قوله: «عدد ما هو خالقٌ» إجمالٌ بعد تفصيلٍ؛ لأنَّ اسم الفاعل إذا أُسنِد إلى الله يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلى الأبد، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله [خ¦٦٤٠٥]: «من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مئة مرَّةٍ

حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه الشَّيخان، وهذا وأمثاله نحو: «ما طلعت عليه الشَّمس» كناياتٌ عبَّر بها عن الكثرة عرفًا، وظاهر الإطلاق يشعر بأنَّه يحصل هذا الأجر (١) المذكور لمن قال ذلك مئة مرَّةٍ، سواءٌ قالها متواليةً أو متفرِّقةً في مجالس، أو بعضها أوَّل النَّهار وبعضها آخره، لكنَّ الأفضل أن يأتي بها متواليةً في أوَّل النَّهار.

وهذه الفضائل الواردة في التَّسبيح ونحوه -كما قاله ابن بطَّالٍ وغيره- إنَّما هي لأهل الشَّرف في الدِّين والكمال؛ كالطَّهارة من الحرام والمعاصي العظام، فلا يظنُّ ظانٌّ أنَّ من أدمن الذِّكر، وأصرَّ على ما شاء من شهواته، وانتهك دين الله وحرماته أنَّه يلتحق بالمطهَّرين المقدَّسين، ويبلغ منازلهم بكلامٍ أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عملٌ صالحٌ (٢)، وفي «التِّرمذيِّ» -وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ- عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله : «لقيت إبراهيم ليلة أُسرِي بي فقال: يا محمَّد أقرئ أمَّتك منِّي السَّلام وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيِّبة التربة، عذبة الماء، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر» والقيعان جمع قاعٍ، وهو المستوي من الأرض، والغراس: جمع غرسٍ وهو ما يُغرَس، والغرس إنَّما يصلح في التُّربة الطَّيِّبة، وينمو بالماء العذب، أي: أَعْلِمهم أنَّ هذه الكلمات تورِّث قائلها الجنَّة، وأنَّ السَّاعي في اكتسابها لا يضيع سعيه؛ لأنَّها المغرس الذي لا يتلف ما استُودِع فيه، قاله التُّوربشتيُّ، وقال الطِّيبيُّ: وههنا إشكالٌ لأنَّ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ أرض الجنَّة خاليةٌ عن الأشجار والقصور، ويدلُّ قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ (٣) تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] على أنَّها غير خاليةٍ عنها؛ لأنَّها إنَّما سمِّيت جنَّةً؛ لأشجارها المتكاثفة المظلَّة بالتفاف أغصانها، وتركيب الجنَّة دائرٌ على معنى السَّتر، وأنَّها مخلوقةٌ معدَّةٌ.

والجواب أنَّها كانت قيعانًا، ثمَّ إنَّ الله تعالى أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجارًا وقصورًا على حسب أعمال العاملين لكلِّ عاملٍ ما يختصُّ به بحسب عمله، ثمَّ إنَّ الله تعالى لمَّا يسَّره لِمَا خُلِق له من العمل لينال به ذلك الثَّواب جعله كالغارس لتلك الأشجار على سبيل المجاز؛ إطلاقًا للسَّبب على المسبَّب، ولمَّا كان سبب إيجاد الله الأشجار عملُ العامل أسنَد الغراس إليه، والله أعلم بالصَّواب.

ولمَّا كان التَّسبيح مشروعًا في الختام ختم البخاريُّ رحمه الله تعالى كتابه بكتاب «التَّوحيد» والحمدُ بعد التَّسبيح آخر دعوى أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] قال القاضي: لعلَّ المعنى: أنَّهم إذا دخلوا الجنَّة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجَّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثمَّ حيَّاهم الملائكة بالسَّلامة من الآفات، والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، قال في «فتوح الغيب»: ولعلَّ الظَّاهر أن يضاف السَّلام إلى الله ﷿ إكرامًا لأهل الجنَّة، وينصره قوله تعالى في سورة يس: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] أي: يسلِّم عليهم بغير واسطةٍ؛ مبالغةً في تعظيمهم وإكرامهم وذلك متمنَّاهم، وهذا يدلُّ على أنَّه يحصل للمؤمنين بعد نعيمهم في الجنَّة ثلاثة أنواعٍ من الكرامات (١): أوَّلها: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ وثانيها: ما يقولون عند مشاهدتها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] وهي (٢) سطوع نور الجمال من (٣) وراء حجاب الجلال، وما أفخم شأن اقتران ﴿اللَّهُمَّ﴾ بـ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ في هذا المقام؛ كأنَّهم لمَّا رأوا أشعَّة تلك الأنوار لم يتمالكوا ألَّا يرفعوا أصواتهم، وآخرها أجلّ منهما ولذلك ختموا الدُّعاء عند رؤيتها بـ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وما هي إلَّا نعمة الرُّؤية التي كلُّ نعمةٍ دونها، فكأنَّ الكرامة الأولى (٤) كالتَّمهيد للثَّالثة، وما أشدَّ طباق هذا التَّأويل بما رويناه عن ابن ماجه عن جابرٍ عن النَّبيِّ : «بينا أهل الجنَّة في نعيمهم إذ سطع لهم نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرَّبُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السَّلام عليكم يا أهل الجنَّة» قال: وذلك

قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النَّعيم ما داموا ينظرون إليه حتَّى يحتجب عنهم ويبقى نوره ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].

وقد أخبرني الحافظ الشَّيخ شمس الدِّين أبو الخير محمَّد بن زين الدِّين السَّخاويُّ، وأبو عمرٍو عثمان الدِّيميُّ، ونجم الدِّين عمر بن تقيِّ الدِّين، وقاضي القضاة أبو المعالي محمَّد بن الرَّضيِّ محمَّدٍ الطَّبريِّ المكِّيّان الشَّافعيُّون، وقاضي القضاة أبو الحسن عليُّ ابن قاضي القضاة أبي اليمن النُّويريُّ المالكيُّ، والعلَّامة المقرئ أبو العبَّاس أحمد بن أسدٍ الأسيوطيُّ إذنًا مشافهةً، قالوا: أخبرنا شيخ الإسلام والحفَّاظ (١) أبو الفضل بن أبي الحسن العسقلانيُّ، قال: قرأت على إمام الأئمَّة عزِّ الدِّين محمَّد ابن المسنِد الأصيل شرف الدِّين أبي بكرٍ بسماعه على جدِّه أبي عمر عبد العزيز قاضي القضاة بدر الدِّين محمَّد بن جماعة.

«ح»: وأباح لي أيضًا مسند وقته أبو العبَّاس أحمد بن محيي الدِّين بن طريفٍ الحنفيُّ، أنبأنا الحافظ زين الدِّين عبد الرَّحيم بن الحسين العراقيُّ: أخبرنا القاضي أبو عمر عبد العزيز عزُّ الدِّين ابن القاضي بدر الدِّين بن جماعةٍ سماعًا عليه: أخبرنا القاضي أبو العباس أحمد بن محمَّدٍ الحلبيُّ إجازةً: أخبرنا يوسف بن خليلٍ الحافظ بحلب: أخبرنا محمَّد بن أحمد بن نصرٍ السِّلفيُّ بأصبهان: أخبرنا الحسن بن أحمد الحدَّاد: أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله السُّفيانيُّ: حدَّثنا عبد الله بن جعفرٍ الفارسيُّ: حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله العبديُّ: حدَّثنا سعيد بن الحكم: حدَّثنا خلَّاد بن سليمان الحضرميُّ أبو سليمان: حدَّثني خالد بن أبي عمران، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة قالت: ما جلس رسول الله مجلسًا، ولا تلا قرآنًا، ولا صلَّى إلَّا ختم ذلك بكلماتٍ، فقلت: يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسًا، ولا تتلو قرآنًا، ولا تصلِّي صلاةً إلَّا ختمت بهؤلاء الكلمات، قال: «نعم من قال خيرًا كُنَّ طابعًا له على ذلك الخير، ومن قال شرًّا كانت كفَّارةً له: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» هذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «اليوم والليلة» عن محمَّد بن سهل بن عسكر، عن سعيد بن الحكم بن أبي

مريم به (١)، فوقع لنا به عاليًا.

وأنبأني الشَّيخ شهاب الدِّين بن عبد القادر الشَّاوي، وأمُّ حبيبة زينب ابنة الشَّيخ شهاب الدِّين الشَّوبكيُّ، وأمُّ كمالٍ كماليَّة ابنة الإمام نجم الدِّين المرجانيُّ المكِّيَّتان بها قالوا: أنبأنا الحافظ الزَّين بن (٢) الحسين العراقيُّ قال: أخبرنا القاضي أبو عمر عزُّ الدِّين سماعًا عليه بجامع الأقمر في القاهرة سنة إحدى وستِّين وسبع مئةٍ قال: قرأت على موسى بن أبي الحسن المقرئ بالقاهرة، أخبرك أبو الفرج بن عبد المنعم بن عليٍّ قراءةً عليه وأنت تسمع عن أحمد ابن محمَّد بن محمَّدٍ التَّيميِّ، فأقرَّ به، أخبرنا (٣) الحسن بن أحمد الحدَّاد: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ: حدَّثنا أبو بكرٍ الطَّلحيُّ: حدَّثنا أحمد بن عبد الرَّحيم بن دُحَيمٍ: حدَّثنا عمرٌو الأوديُّ (٤)، حدَّثني أبو بكرٍ أبيٌّ، عن سليمان عن أبي حمزة الثُّماليِّ ثابت بن أبي صفيَّة، عن الأصبغ وهو ابن نباتة، عن عليٍّ قال: من أحبَّ أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل آخر مجلسه أو حين يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

وقد آن أن أثني (٥) عنان القلم، وأستغفر الله ممَّا زلَّت به القدم، ووقع لي في هذا الشَّرح من الزَّلل والخطل (٦)، ملتمسًا ممَّن وقف (٧) عليه من الفضلاء أن يسدَّ بسداد فضله ما عثر عليه من الخلل، فالمتصدِّي للتَّصنيف (٨)، والمعتني بالتَّأليف (٩)، ولو بلغ السُّها في النُّهى إذا صنَّف فقد استهدف، ومن أنصف أسعف، ولله درُّ بعض الأكياس حيث قال: من صنَّف فقد وضع عقله في طبقٍ وعَرَضَهُ على النَّاس، لا سيَّما من كان مثلي قليل البضاعة، في كلِّ علمٍ وصناعة،

على أنِّي -والله ﷿ يعلم (١) - في أكثر مدَّة جمعي له في كربٍ ووجلٍ مع قلَّة المعين والنَّاصر، والمنبِّه والمذاكر، فإنْ (٢) تصفَّح النَّاظرُ فيه الغلطَ فليصفح، ولا يكن من أناسٍ بالأغاليط يفرحون، وليصلح ما يجده فاسدًا، فإنَّ الله تعالى ذمَّ رهطًا قال فيهم: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٢] واللهَ أسالُ أن يجعلَ هذا الشرح وسيلةً إلى رضاه والجنَّة، ويَحُولَ بيننا وبين النَّار بأوثق جِنَّة، وكما مَنَّ به يتمُّ بالقبول حسنة تلك المِنَّة.

قال مؤلِّفه (٣): وقد فرغت من تأليفه وكتابته في يوم السَّبت سابع عشري ربيع الثَّاني سنة ستَّ عشرة وتسع مئةٍ، حامدًا مصلِّيًا مسلِّمًا ومحوقلًا ومحسبلًا (٤) (٥).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله