سيرة عمرو بن الأهتم
اللَّهِ، إِنَّ لي مالا كثيرًا، ويَرِثُني كَلالةً، أَفاتَصَدَّقُ بمالي كلِّه؟ قال: "لا"، قال: فَبِثُلُثَيْهِ؟ قال: "لا"، قال: فبشطره؟ قال: "لا"] (١)، قال: فَبثُلثِه؟ قال: "نعم، وذلك كثيرٌ" (٢).
[١٩٢٨] عمرُو بنُ الأهتم التَّمِيمِيُّ المِنْقريُّ (٣) أبو رِبْعِيٍّ (٤)، والأهتمُ أبوه اسمُه سِنَانُ بنُ خَالِدِ بن سُمَيٍّ، ويُقالُ: سِنَانُ بنُ سُمَيِّ بن سَنَانِ بن خالد بن مِنْقَرِ بن عُبَيدِ بن الحارث - وهو مُقاعِسٌ بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيدِ مَنَاةَ بن تميمٍ، ويُقالُ: إِنَّ قيس بنَ عاصمٍ ضربه بقوسٍ فَهَتَمَ فمه (٥)، فَسُمِّي الأهتمُ، وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ بعدَ أن نسبه النَّسَب الذي ذَكَرْناه (١): كان أبوه الأهتمُ، وهو سِنَانُ بنُ خالدٍ، من بني مِنْقَرٍ، مهتومًا مِن سِنَّيْه، قال: وقال أبو اليَقظان: أمُّ عمرو بن الأهتمِ (٢) بنتُ فَدَكِيِّ بن أَعْبُدَ (٣)، ويُكنَى عمرُو بنُ الأهتم أبا رِبْعِيٍّ، قدم على النبيِّ ﷺ وافدًا في وُجُوهِ قومِه مِن بني تميمٍ فأسلَم، وذلك في سنة تسعٍ من الهجرة، وكان فيمَن قدِم معه الزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ وقيسُ بنُ عاصمٍ، فَفَخَرَ الزِّبرقانُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أنا سَيِّدُ تميمٍ والمُطَاعُ فيهم، والمُجَابُ (٤) منهم، آخُذُ لهم بحقوقهم، وأمنعُهم من الظُّلم، وهذا يعلمُ ذاك، يعني عمرَو بن الأهتم، فقال عمرٌو: إنَّه لشَدِيدُ العارضة (٥)، مانعٌ لجانبه (٦)، مُطَاعٌ في أَدَانِيهِ، فقال الزِّبْرِقانُ: [والله] (٧) لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يَتَكَلَّمَ إلا الحَسَدُ، فقال عمرٌو: أنا أحسُدُك! فوالله [إِنَّكَ لَبَئيسُ (٨) الخال] (٩)، حديثُ المال، أحمقُ الوالد (١٠)، مُبَغَّضٌ في العَشيرة،
واللهِ ما كَذَبْتُ في الأُولَى، ولقد صَدَقْتُ في الثانيةِ، فقال النبيُّ ﷺ: "إنَّ مِن البيانِ لَسِحْرًا" (١).
ورُوي أنَّ قُدُومَه على النبيِّ ﷺ كان في وفد تميمٍ سبعون أو ثمانون رجلًا، فيهم الأقرعُ بنُ حابسٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بدرٍ، وعُطاردُ بنُ حاجبٍ، وقيسُ بن عاصمٍ، وعمرُو بنُ الأهتم، وهمُ الذين نادَوْا رسول الله ﷺ من وراء الحُجُرَاتِ، وخبرُهم طويلٌ، ثمَّ أسلم القومُ، وبَقُوا بالمدينةِ مُدَّةً يَتَعَلَّمون القرآنَ والدِّينَ، ثُمَّ أَرادوا الخُرُوجَ إلى قومِهم، فأعطاهم النبيُّ ﷺ، وكَسَاهم، وقال: "أما بَقِيَ منكم أحدٌ؟ ". وكان عمرُو بنُ الأهتم في ركابِهم، فقال قيسُ بنُ عاصمٍ وهو مِن رهطِ عمرٍو، وقد كان مُشاحِنًا له: لم يَبْقَ مِنَّا أحدٌ إلا غلامٌ حَدَثٌ في ركابنا (٢)، وأَزْرَى به، فأَعْطاه رسولُ اللهِ ﷺ مثل ما أَعْطَاهم، فبلَغ عمرًا ما قال قيسٌ، فقال له عمرٌو:
ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهُلباءِ (٣) تَشْتُمُني … عند النبيِّ فلم تَصْدُقْ ولم تُصِبِ إن تُبْغِضُونَا فَإِنَّ الرُّومَ أَصْلُكُمُ … والرُّومُ لا تَملِكُ البَغْضاء للعَرَبِ فإنَّ سُؤدَدَنا عُودٌ وسُؤدَدَكُمْ … مُؤَخَّرٌ عندَ أصلِ العَجْبِ والذَّنَبِ (١)
وكان خطيبًا جميلًا، يُدْعَى المُكَحَّلَ لجماله، بليغًا شاعرًا مُحسِنًا، يُقالُ: إِنَّ شَعَرَه كان حُلَلًا مُنشَّرةً، وكان شريفًا في قومه، وهو القائلُ:
ذَرِيني فَإِنَّ البُخْلَ يا أمَّ هيثمٍ … لصالحِ أخلاقِ الرِّجالِ سَرُوقُ وفيها يقولُ:
لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بلادٌ بأهلها … ولكنَّ أخلاقَ الرجالِ تَضِيقُ وقد ذكرْنا الأبيات بتمامها في كتاب "بهجة المجالس" (٢)، وذكَرْنا خبره مع الزِّبْرِقانِ بألفاظٍ مختلفةٍ عند رسولِ اللهِ ﷺ في كتابِ "التمهيد" (٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(١) ما بين القوسين زيادة يستقيم بها النص، ليست في المطبوعة ولا في مخطوطة الدار.