سيرة حاطب بن أبي بلتعة
قيس (١) القُرَشِيَّةِ العَامِرِيَّةِ، ووَلَدَتْ له هناك ابنَيْهِ مُحَمَّدَ بنَ حاطبٍ، والحارثَ بنَ حاطبٍ، فأتَى بهما مِن هناك غُلَامَيْنِ.
[٥٢٩] حاطبُ بنُ أبي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيُّ (٢)، مِن ولدِ لخمِ بنِ عَدِيٍّ في قولِ بعضِهم، يُكنَى أبا عبدِ اللهِ، وقيل: يُكنَى أبا محمدٍ، واسمُ أبي بَلْتَعَةَ عمرٌو، [قيل: حاطبُ بنُ عمرِو] (٣) بنِ راشدِ بنِ مُعاذٍ اللَّخْمِيُّ، حليفُ قريشٍ، ويُقالُ: إنَّه مِن مَذْحِجٍ، وقيل: هو حليفٌ للزبيرِ بنِ العَوَّام، وقيل: بل كان عبدًا لعبيدِ اللهِ بنِ حُميدِ (٤) بنِ زُهَيرِ بنِ الحارثِ بنِ أسدِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، فكاتَبه فأدَّى كتابتَه يومَ الفتحِ، وهو مِن أهلِ اليمنِ، والأكثرُ أنَّه حَلِيفٌ لبني أسدِ بنِ عبدِ العُزَّى.
شهِد بدرًا والحديبيةَ، وماتَ سنةَ ثلاثينَ بالمدينةِ، وهو ابنُ خمسٍ وستينَ سَنَةً، وصَلَّى عليه عثمانُ رضي الله عنهما.
وقد شهِد اللهُ ﷿ لحاطبِ بنِ أبي بلتعةَ بالإيمانِ في قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وذلك أن حاطبًا كتَب إلى أهلِ مكةَ قبلَ حركةِ رسولِ اللهِ ﷺ إليها عامَ الفتحِ يُخبرُهم ببعضِ ما يُريدُ رسولُ اللهِ ﷺ بهم مِن الغزوِ إليهم، وبعَث كتابَه مع امرأةٍ، فنزَل جبريلُ عليه السلام بذلك على النَّبِيِّ ﷺ، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ في طلبِ المرأةِ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه وآخرَ معه (١)، قيل: المقدادُ بنُ الأسودِ، وقيل: الزبيرُ بنُ العَوَّامِ، فأدرَكا المرأةَ بِرَوْضَةِ خَاخٍ (٢)، فأخذَا الكتابَ، ووقَف رسولُ اللهِ ﷺ حاطِبًا، فاعتَذَرَ، وقال: ما فَعَلتُه رغبةً عن دِينِي، فنَزَلَتْ فيه آياتٌ مِن صدرِ سورةِ "الممتحنة"، وأراد عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه قتلَه، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّه قد شهِد بدرًا" الحديث (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال حدَّثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ ويُونُسُ بنُ محمدٍ، قالا: أخبَرنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّ عبدًا لِحَاطِبٍ (٤) جاء إلى النَّبِيِّ ﷺ يَشْتَكِي حاطِبًا، فقال: يا رسولَ اللهِ، ليَدخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "كَذَبتَ، لا يَدخُلُ النَّارَ أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيبِيةَ" (١).
وروَى الأعمشُ، عن أبي سُفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثلَه (٢).
وروَى يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء غلامٌ لحاطبِ بنِ أبي بلتعةَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: لا يَدْخُلُ حاطبٌ الجَنَّةَ، وكان شديدًا على الرقيقِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَدْخُلُ النارَ أَحَدٌ شهِد بدرًا والحديبيةَ" (٣).
قال أبو عمرَ رضي الله عنه: ما ذكَر يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ في حديثِه هذا مِن أنَّ حاطِبًا كان شديدًا على الرَّقِيقِ، يَشْهَدُ لِما في "الموطأ" (٤) مِن قولِ عمرَ رضي الله عنه لحاطبٍ حينَ انتَحَرَ رقيقُه ناقةً لرجلٍ مِن مُزَينةَ: أَرَاكَ تُجِيعُهم، وأضعَف عليه القيمةَ على جهةِ الأدبِ والرَّدْعِ له.
و كان رسولُ اللهِ ﷺ قد بعَث حاطبَ بنَ أبي بلتعةَ في سنةِ سِتٍّ مِن الهجرةِ إلى المقوقسِ صاحبِ مصرَ والإسكندريةِ، فَأَتَاه مِن عندِه بِهَدِيَّةٍ؛ منها ماريةَ القِبْطيَّةُ، وسِيرينُ أختُها، فَاتَّخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ ماريةَ لنفسِه، فَوَلَدَتْ له إبراهيمَ ابنَه على ما ذكَرْنا مِن ذلك في صدرِ هذا الكتابِ (١)، ووهَب سيرينَ لحَسَّانَ، فَوَلَدَتْ له عبدَ الرحمنِ.
وبعَث أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حاطبَ بنَ أبي بَلْتعةَ أيضًا إلى المُقَوقِسِ بمصْرَ، فَصَالَحَهم، فلم يَزالوا كذلك حتى دخَلها عمرُو ابنُ العاصَي فنقَض الصلحَ وقاتَلهم وافتَتَحَ مصرَ، وذلك سنةَ عشرينَ في خلافةِ عمرَ رضي الله عنه.
روَى حاطبُ بنُ أبي بلتعةَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قال: "مَن رَآني بعدَ مَوْتِى فَكَأَنَّما رَآني في حياتي، ومَن ماتَ في أحدِ الحرمَيْنِ بُعِثَ في الآمِنِينَ يومَ القيامةِ" (٢)، لا أعلمُ له غير هذا الحديثِ (٣).
روَى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ (٤) بنِ أسلمَ، عن أبيه، قال: حدَّثني يحيى بنُ عبد الرحمنِ بنِ حاطبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ حاطبِ بنِ أبي بَلتَعَةَ، قال: بعَثني رسولُ اللهِ ﷺ إلى المُقَوقِسِ مَلِكِ الإسكندريَّةِ، فجِئْتُه بكتابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَلَني في منزلِه، وأقمتُ عندَه لياليَ، ثمَّ بعَث إليَّ وقد جمَع بَطارِقتَه، فقال (٥): إنِّي سَأُ كَلَّمُكَ (١) بكلامٍ أُحِبُّ أن تَفهَمَه مِنِّي، قال: قلتُ: هَلُمَّ، قال: أخبِرْني (٢) عن صاحبِك، أليس هو نبيًّا (٣)؟ قال: قلتُ: بلى، هو رسولُ اللهِ، قال: فما له حيثُ كان هكذا لم يَدْعُ على قومِه حيثُ أخرَجوه مِن بَلدَيه إلى غيرِها؟ فقلتُ له: فعِيسى ابنُ مريمَ، أَتَشهَدُ أنَّه رسولُ اللهِ؟ فما له حيثُ أخَذه قومُه فأرَادُوا صَلْبَه أَلَّا يكونَ دَعا عليهم بأن يُهلِكَهُمُ اللهُ حتَّى رفَعه اللهُ إليه في سماءِ الدُّنيا؟ قال: أحسَنتَ، أنتَ حكيمٌ جاء مِن عندِ حكيمٍ، هذه هدايا أبعَثُ بها معك إلى محمدٍ، وأُرسِلُ (٤) معك مَن يُبْلِغُك إلى مَأْمَنِك، قال: فأَهدَى لرسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَ جَوَارٍ، مِنهُنَّ أمُّ إبراهيمَ ابنِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأُخرَى وهَبها رسولُ اللهِ ﷺ لأبي جَهْمِ ابنِ حُذَيفةَ العَدَوِيِّ، وأُخرَى وهَبها لِحَسَّانَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، وأرسَل إليه بِثِيابٍ مع طُرَفٍ مِن طُرَفِهم (٥).
٣٣ الإصابة (١/ ٣٠٠)، والمغازي (١٠٥)، (١٠٤)، (١٥٤)، (٢٤٣)، (٤٢٥)، (٦٠٣)، (٧٩٧)، (٧٩٨)، (٩٠٩)، وتاريخ الطبري (٢/ ٦٤٤، ٦٤٥)، (٣/ ٢١، ٤٨، ٤٩)، وحذف من نسب قريش (٥٩)، والمعارف (٣١٧)، (٣١٨)، وابن هشام (١/ ٧، ٥٠٦، ٦٨٠).