سيرة سهيل بن عمرو القرشي
(ب د ع) سهيل بن عَمْرو بن عبد شَمْسِ بن عَبْدِ ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤيّ بن غالب بن فِهْر القرشي العامري، أُمه (١) حُبى بنت قيس بن ضبِيس بن ثعلبة بن حيّان بن غَنْم بن مُلَيح بن عَمْرو الخُزَاعِيَّة. يكنى أبا يزيد.
أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم. أسر يوم بدر كافراً، وكان أعلم (٢) الشَّفَة، فقال عمر: يا رسول اللَّه، أنْزِعُ ثَنِيَّتيه، فلا يقوم عليك خطيباً أبداً؟ فقال: دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقاماً تَحْمدُه عليه، فكان ذلك المقام أنَّ رسول اللَّه ﷺ لما توفي ارتجت مكة، لما رأت قريش من ارتداد العرب، واختفى عتّاب بن أسيد الأُموي أمير مكة للنبي ﷺ، فقام سهيل بن عمرو خطيباً، فقال: يا معشر قريش، لا تكونوا آخر من أسلم وأوَّل من ارتد، واللَّه إنّ هذا الدين ليمتدَّنَّ امتداد الشمس والقمر من طلوعهما إلى غروبهما … في كلام طويل، مثل كلام أبي بكر في ذكر وفاة النبي ﷺ، وأُحضِر عتّاب أسيد، وثبتت قريش على الإسلام.
وكان الذي أسره يوم بدر مالك بن الدُّخْشُم. وأسلم سهيل يوم الفتح.
روى جَرير بن حازم، عن الحسن، قال: حضر الناس باب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وفيهم سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وأُولئك الشيوخ من مُسْلِمة الفتح، فخرج آذِنهُ، فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب، وبلال، وعَمّار، وأهل بدر، وكان يحبهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قَطٌّ، إنه ليْؤذَن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل بن عمرو - قال الحسن: ويا له من رجل، ما كان أعقله! - فقال: أيها القوم، إني واللَّه قد أرى ما في وجوهكم، فإن كنتم غِضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما واللَّه لما سبقوكم به من الفضل أشَدّ عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه. ثم قال: أيها الناس إن هؤلاء سبقوكم بما ترون، فلا سبيل، واللَّه، إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى اللَّه أن يرزقكم الشهادة، ثم نفض ثوبه، فقام، فلحق بالشام.
قال الحسن: صدق واللَّه، لا يَجْعل اللَّه عبداً أسرع [إليه (٣)] كعبد أبطأ عنه.
وخرج سهيل بأهل بيته إلا ابنته هنداً إلى الشام مجاهداً، فماتوا هناك، ولم يبق إلا ابنته هند، وفاختة بنت عتبة بن سهيل، فقُدِم بهما على عمر، وكان الحارث بن هشام قد خرج إلى الشام، فلم يرجع من أهله إلا عبد الرحمن بن الحارث، فلما رجعت فاخته وعبد الرحمن قال عمر: زَوّجوا الشَّرِيدَ الشريدة، ففعلوا، فنشر اللَّه منهما عدداً كثيراً، فقيل مات سهيل في طاعون عَمَواس، في خلافة عمر، سنة ثمان عشرة.
وهذا سهيل هو صاحب القضية يوم الحديبية مع رسول اللَّه ﷺ، حين اصطلحوا، ذكر محمد بن سعد عن الواقدي، عن سعيد بن مسلم، قال: لم يكن أحد من كبراءِ قريش الذين تأخر إسلامهم فأسلموا يوم الفتح، أكثر صلاة ولا صوماً ولا صدقة، ولا أقبل على ما يَعْنِيه من أمر الآخرة، من سهيل بن عمرو، حتى إنه كان قد شحب وتغيّر لونه، وكان كثير البكاء، رقيقا عند قراءة القرآن، لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل يُقْرِئه القرآن وهو يبكي، حتى خرج معاذ من مكة، فقال له ضرار بن الأزور: يا أبا يزيد، تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك القرآن! ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك؟ فقال: يا ضرار، هذا الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا كلَّ السبق، لعمري أخْتَلفُ، لقد وضع الإسلام أمر الجاهلية، ورفع اللَّه أقواماً بالإسلام كانوا في الجاهلية لا يذكرون، فليتنا كنا مع أولئك فتقدّمنا، وإني لأذكر ما قسم اللَّه لي في تَقَدُّم أهل بيتي الرجال والنساء، ومولاي عُمَير بن عوف فأسرّ به، وأحمد اللَّه عليه، وأرجو أن يكون اللَّه نفَعَني (١) بدعائهم ألا أكون هلكت على ما مات عليه نظرائي وقتلوا، فقد شهدت مواطن كلها أنا فيها مُعانِد للحق، يوم بدر، ويوم أُحد، ويوم الخندق، وأنا وُلِّيت أمْر الكتاب يوم الحديبية يا ضِرار، إني لأذكر مراجعتي رسول اللَّه يومئذ، وما كنت أُلِظُّ (٢) به من الباطل، فأستحيى من رسول اللَّه وأنا بمكة، وهو يومئذ بالمدينة، ثم قتل ابني عبد اللَّه يوم اليمامة شهيداً، فعزاني به أبو بكر،
وقال: قال رسول اللَّه ﷺ: إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهل بيته، فأنا أرجو أن أكون أول من يَشْفَع له.
قيل: استُشهد باليرموك وهو على كُرْدُوس (٣)، وقيل: بل استشهد يوم الصفّر (٤)، وقيل:
مات في طاعون عَمَوَاس، واللَّه أعلم.
أخرجه الثلاثة (ابن منده، أبو نعيم، ابن عبد البر).