سيرة سهيل بن عمرو
ابن عَبْد شمْس بن عَبْد وُد بن نَصْر بنِ مَالِك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ ويكنى أبا يزيد، وأمه حُبَّى بنت قيس بن ضَبِيس بن ثعلبة بن حَيَّان بن غَنْم بن مُلَيح بن عَمْرو مِنْ خُزَاعة (١).
فَوَلَد سُهَيْلُ بن عمرو: عبدَ الله وكان من المهاجرين الأولين وقد شهد بَدْرًا، وأبا جَندل لا بقية له، وقد صحب النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعتبةَ، وأُمَّ كلثوم وَلَدَتْ لأبِى سَبْرَة بن أَبِى رُهْم بن عبد العُزّى العامرى.
وأمهم فَاخِتة بنت عامر بن نَوْفل بن عَبْد مَنَاف بن قُصَيّ (٢)، وهندًا وَلَدَتْ لحفص بن عبد بن زَمْعَة، ثم خَلَف عليها عثمان (٣) بن عَتّاب بن أَسِيد بن أَبِى العِيص بن أمية، ثم خَلَف عليها عبد الله بن عامر بن كُرَيز بن ربيعة فولدت له، ثم خلف عليها الحسَن بن علي بن أبي طالب، وأمها الحَنْفَاء بنت أَبِى جهل بن هِشام بن المُغِيرَة.
وَسَهْلَةَ بنت سُهَيل، لَهَا محمد بن أَبِى حُذَيْفَةَ بن عتبة بن ربيعة بن عَبْد شمس، وَلَهَا سَلِيطُ بنُ عبد الله بن الأسود بن عَمرو، مِنْ بنى مَالِك بن حِسْل بن عامر بن لؤى، ثم خَلَف عليها شمّاخ بن سعيد بن قانف بن الأَوْقَص بن مُرَّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور فولدت له ولها أيضًا سلام بن عبد الرحمن بن عَوف. وأمها فاطمة بنت عبد العُزّى بن أَبِى قَيْس بن عَبْد وُد بن نَصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤى (٥).
قال محمد بن عمر: كان سُهيل بن عمرو من أشراف قريش ورؤسائهم والمنظور إليه منهم، وشهد مع المشركين بدرًا فأُسِرَ، أسره مالك بن الدُّخْشُم فقال:
أَسرتُ سُهَيْلًا فلم أَبْتَغِ … به غيره من جميع الأُممْ وخِنْدَفُ تعلمُ أَنَّ الفتى … سُهَيلًا فتاها إذا تَصْطَلم (٦)
ضربتُ بذى الشفر حتى انْحَنَى … وأكرهتُ نَفسى على الأعلم ويروى على ذى العَلَم وهو أجود (١).
قال: وكان سُهيل أعْلَم الشفة، وكان سُهيل مع مالك بن الدُّخْشم، فلما كانوا بشَنوكة -وهي فيما بين السيالة وملل (٢) - قال سُهيل لمالك: خَلِّ سبيلى للغائط. فقام معه مالك، فقال سُهيل: إنى أحتشم، فاستأخِر عنى، فاستأخر عنه، ومَضَى سهيل على وجهه وانتزع يده من القِران (٣)، فلما أبطأ عَلَى مالك أقبل فصاحَ في الناس، فخرجوا في طلبه، وخرج رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في طلبه وقال: مَن وجده فليقتله، فوجده رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، [قَدْ دَفَنَ] نفسه بين سَمُرات (٤)، فأمر به فرُبطت يداه إلى عُنقه، ثم قَرَنه إلى راحلته، فلم يركب خطوة حتى وَرَدَ المدينة (٥).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني إسحاق بن حازم عن عُبَيد الله (٦) بن مِقْسَم عن جابر بن عبد الله قال: لقى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أسامة بن زَيد ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على راحلته القصْواء، فأجلسه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بين يديه وسُهَيل مجنوب [و] يداه إلى عنقه، فلما نظر إليه أسامة قال: يا رسول الله، أبو يَزيد! فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نعم، هذا الذي كان يُطعم بمكة الخبز (٧).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حُنيف، عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزم، عن يحيى [بن عبد الله] بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة (٨) قال: قدم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المدينة وقدم بالأسرى [حين قدم بهم] وسَوْدَة بنت زَمْعَة عند آل عَفراء في مناحتهم عَلَى عَوْف ومُعَوِّذ، وذلك قبل أن يُضرب الحجاب، فقالت سَوْدَة بنت زَمْعة: فأتينا فقيل لنا: هؤلاء الأسرى قد أُتِي بهم. فخرجت إلى بيتى ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيه، وإذا أبو يَزيد مجموعة يداه إلى عنقه في ناحية البيت، فوالله ما ملكت حين رأيته (١) مجموعة يداه إلى عنقه أن قلتُ: أبا يَزيد، أَعطيتم بأيديكم! أَلَا مُتّم كرامًا؟!، فوالله ما راعنى (٢) إلا قول رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من البيت: أيا سَوْدَة، أعلى الله ورسوله؟! قلتُ: يا نبى الله، والذى بعثك بالحق إن ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلتُ ما قلتُ (٣).
قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عَمْرو بن عطاء، قال: لما أُسِرَ سُهَيْل بن عَمْرو قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، انزْع ثنيتيه يُدلَع (٤) لسانُه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا! وكان سهيل أَعْلَم (٥) مِن شَفَتِه السفلى -، فقال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَا أُمثِّلُ [به] فيمثِّل الله بِي وإن كنتُ نَبيًّا (٦).
قال: وزاد محمد بن عمر: ولعله يقوم مقامًا لا تكرهه (٧).
وكان يقال له ذو الأنياب. قال: فقام سهيل بمكة حين جاءته وفاة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بخطبة أبى بكر كأنه كان سمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك (٨) رسول الله، يريد حيث قال النبي، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لعلَّه يقوم يومًا مقامًا لا تكرهه (٩).
قال: وقدم في فداء سهيل بن عَمْرو: مِكْرَز بن حفص بن الأخْيَف، فانتهى إلى رضاهم فيه أرفع الفداء أربعة آلاف، فقالوا: هات مالنا فقال: نعم، اجعلوا رجلًا مكان رجل، وخلوا سبيله -يعني خذونى مكانه رهنًا حتى يرسل إليكم بفدائه- فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرز بن حفص، فبعث سهيل بالمال مكانه من مكة (١).
وسهيل بن عمرو هو الذي خرج إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بالحديبية، فكلمه عن قريش بما كلمه به من إبائهم أن يدخلها رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عليهم عامه ذلك، واصطلح رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وسهيل على القضية التي كتبوها بينهم، على أن يرجع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عامه ذلك ولا يدخل مكة عامه ذلك، ولا يدخل مكة ويرجع قابل فيدخلها معتمرًا بسلاح المسافر، السيوف في القرب، وعلى الهدنة التي كانت بينهم، فرضيت قريش بما صنع سهيل، وأقام سهيل على دين قومه حتى كان فتح مكة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى عن أبيه قال: قال سُهَيل بن عَمْرو: لما دخل رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مكة اقْتَحَمْتُ (٢) بيتي، وغلقت عَلَيَّ بابى، وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سُهَيل أن اطلب لي جِوارًا من محمد فإنى لا آمن أن أُقْتل. فذهب عبد الله إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: يا رسول الله، أَبِى تُؤَمِّنه؟ قال: نعم، هو آمِنٌ بأمان الله فليظهر. ثم قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لمن حوله: من لقى سهيل بن عمرو فَلَا يُشد النَّظَرَ إليه، فلعَمرى إِن سهيلًا له عقل وشرف، وما مثل سُهَيل جَهل الإسلام. فخرج عبد الله بن سهيل إلى أبيه فخبره بمقالة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال سهيل: كان والله بَرًّا، صغيرًا، وكبيرًا! فكان سهيل يُقبل ويُدبر آمنًا، وخرج إلى حُنين مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو على شركه، حتى أسلم بالجِعِرّانة، فأعطاه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومئذ من غنائم حُنَيْن مائة من الإبل.
قال: أخبرنا حُميد بن عبد الرحمن الرّؤَاسِيّ عن عبد الله بن المُؤَمَّل عن عمر بن عبد الرحمن بن مُحَيْصِن (١).
قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي حسين قالا: كتَب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى سُهَيْل بن عمرو أن أهْدِ لنا من ماء زمزم ولا تتركنَّه، قال: فأرسل إليه بمزادتين مَمْلُوءَتَيْن من ماء زمزم. قال ابن أبي حسين: وجعل عليها كُرًّا (٢) غوطيًّا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى فَروة بن زبيد بن طوسا قال: حدّثني سَلَمة بن أَبِى سَلمة بن عبد الرحمن بن عَوف عن أبيه عن أبي عمرو بن عَدِيّ بن الحَمراء الخُزَاعِيّ قال: نظرتُ إلى سُهَيل بن عَمرو يوم جاء نعى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى مكة وقد تقلّد السيف، ثم قال: فَخَطبنا بخطبة أبي بكر التي خطب بالمدينة كأنه سمعها فقال: يا أيها الناس مَن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبدُ الله فإن الله حي لا يموت، وقد نَعى الله نبيكم إليكم وهو بين أظهركم ونَعَاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد. ألم تعلموا أن الله قال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [سورة الزمر: ٣٠]، ثم قال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [سورة آل عمران: ١٤٤]، وقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [سورة الأنبياء: ٣٥]، ثم تلا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: ٨٨] فاتقوا الله واعتصموا بدينكم، وتوكّلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمة الله تامة، وإن الله ناصر مَن نَصَره، ومُعز دينه، وقد جمعكم الله على خيركم. فلما بلَغ عُمر كلام سُهيل بمكة قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأن ما جاء به حق. هذا هو المقام الذي عنى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حين قال لي: يقوم مقامًا لا تكرهه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني ابن قَمَاذِين (١) قال: لم يكن أحد من كُبراء قريش الذين تأخَّر إسلامهم فأسلَموا يوم فتح مكة، أكثر صلاةً ولا صومًا ولا صَدقة، ولا أَقبلَ على ما يَعنيه من أمر الآخرة، من سُهَيل بن عمرو، حتى إن كان لقد شحب وتغيّر لونه، وكان كثير البكاء رقيقًا عند قراءة القرآن.
لقد رُئِي يختلف إلى مُعاذ بن جَبَل يُقْرِئُه القرآن وهو بمكة، حتى خرج مُعاذ من مكة، وحتى قال له ضِرَار بن الخطاب: يا أَبا يزيد: تختلف إلى هذا الخزرجى يقرئك القرآن! ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك من قريش؟ فقال: يا ضرار، هذا الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا كل السبق، إنى لعمرى أَخْتَلِف إليه، فقد وضع الإسلام أمر الجاهلية، ورفع الله أقوامًا بالإسلام كانوا فى الجاهلية لا يذكرون، فليتنا كنا مع أولئك فَتَقَدّمنا، وإنى لأذكر ما قسم الله لي في تَقَدُّم إسلام أهل بيتى، الرجال والنساء ومولاى عُمَيْر بن عوف فأَسرّ به وأحمد الله عليه، وأرجو أن يكون الله نفعنى بدعائهم ألا أكون مت على ما مات عليه نظرائى وقتلوا.
وقد شهدت مواطن كلها أنا فيها مُعَانِد للحق: يوم بدر ويوم أُحد والخندق، وأنا وُلِّيت أَمْر الكتاب يوم الحديبية. يا ضِرار، إنى لأذكر مراجعتى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يومئذ، وما كنتُ ألط (٢) به من الباطل، فأستحيى من رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنا بمكة وهو بالمدينة، ولكن ما كان فينا من الشرك أعظم من ذلك، وانظر إلى ابنى عبد الله ومولاى عُمير بن عوف قد فرّا منى فصارا في حيز محمد، وما عمى عليَّ يومئذ من الحق لما أنا فيه من الجهالة، وما أراد بهما الله من الخير، ثم قتل ابنى عبد الله بن سهيل يوم اليمامة شهيدًا. عزانى به أبو بكر وقال: قال رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهل بيته، فأنا أرجو أن أكون أول من يشفع له (٣).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن زياد بن مينا عن أبى سعيد بن أبي فَضَالة الأنصاري -وكانت له صُحْبة- قال: اصطحبت أنا وسُهَيل بن عمرو إلى الشام ليالى أغزانا أبو بكر الصديق، فسمعتُ سُهيلًا يقول: سمعتُ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة خير من عَمَله عُمْرَه في أهله، فقال سهيل: وأنا أرابط حتى أموت ولا أرجع إلى مكة أبدًا، فلم يزل بالشام حتى مات بها في طاعون عمواس سنة ثمانى عشرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (١).