سيرة هشام
ابن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سهم، وأمّه أمّ حَرْمَلة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان قديم الإسلام بمكّة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ثمّ قدم مكّة حين (١) بلغه مهاجَرُ النبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى المدينة يُريد اللّحاقَ به فحبسه أبوه وقومه بمكّة حتى قدم بعد الخندق على النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المدينةَ فشهد ما بعد ذلك من المشاهد، وكان أصغر سنًّا من أخيه عمرو بن العاص وليس له عَقِب (٢).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابى قالا: حدّثنا حمّاد بن سَلَمة قال: أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هُريرة أنّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: ابنا العاص مؤمنان، هشام وعمرو.
قال: أخبرنا عمرو بن حكّام بن أبي الوضّاح قال: حدّثنا شُعْبة عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم عن عمّه عن النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: ابنا العاص مؤمنان.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن ابنى العاص أنّهما قالا: ما جلسنا مجلسًا في عهد رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كنّا به أشدّ اغتباطًا من مجلس جلسناه يومًا جئنا فإذا أناس عند حُجَر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يتراجعون في القرآن، فلمّا رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خلف الحجر يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مُغْضَبًا يُعْرَفُ الغَضَبُ في وجهه حتى وقف عليهم فقال: أىْ قَوْم! بهذا ضَلّت الأمَمُ قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضَرْبهم الكتاب بَعْضَه ببَعْضٍ، إنّ القُرآن لم يُنْزَلْ لتضربوا بعضَه ببعضٍ ولكن يُصَدّق بعضُه بعضًا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تَشابَهَ عليكم فآمِنوا به. ثمّ التفت إلىّ وإلى أخى فغبطنا أنفسنا أن لا يكونَ رآنا معهم (١).
قال: أخبرنا علىّ بن عبد الله بن جعفر قال: قال سفيان بن عُيينة: قالوا لعمرو بن العاص أنت خير أم أخوك هشام بن العاص؟ قال: أُخْبِركم عنى وعنه، عرضنا أنفسَنا على الله فقَبِلَه وتركنى. قال سفيان: وقُتل في بعض تلك المشاهد، اليرموك أو غيره.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووَهْب بن جرير بن حازم وسليمان بن حرب قالوا: حدّثنا جرير بن حازم قال: سمعتُ عبد الله بن عبيد الله بن عُمير قال: بينما حلقة من قريش جُلُوس في هذا المكان من المسجد، في دُبُر الكعبة، إذ مرّ عمرو بن العاص يطوف فقال القوم: هشام بن العاص أفضل في أنفسكم أم أخوه عمرو بن العاص؟ فلمّا قضى عمرو طوافَه جاء إلى الحلقة فقام عليهم فقال:
ما قلتم حين رأيتمونى؟ فقد علمتُ أنّكم قلتم شيئًا، فقال القوم: ذكرناك وأخاك هشامًا فقلنا هشام أفضل أو عمرو. فقال: على الخبير سقطتم، سأحَدّثُكم عن ذاك، إنى شهدتُ أنا وهشام اليرموك فباتَ وبتّ نَدعو الله أن يرزقنا الشهادةَ فلمّا أصبحنا رُزِقَها وحُرِمتُها فهل في ذلك ما يبيّن لكم فَضْلَه علىّ؟ ثمّ قال: ما لى أراكم قد نحّيتم هؤلاء الفتيان عن مجلسكم؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم وأدْنوهم وحَدّثوهم وأفْهِموهم الحديثَ فإنّهم اليومَ صِغارُ قومٍ ويوشكون أن يكونوا كبارَ قومٍ، وإنّا قد كنّا صِغَار قومٍ ثمّ أصبحنا اليومَ كبارَ قومٍ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى ثَوْر بن يزيد عن زياد قال: قال هشام بن العاص يومَ أجنادين: يا معشر المسلمين إنّ هؤلاء القُلْفان (١) لا صَبْرَ لهم على السيف فاصنعوا كما أصْنَعُ. قال فجعل يدخل وَسَطَهم فيقتل النّفَرَ منهم حتى قُتل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى مَخْرَمة بن بُكير عن أمّ بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمة قالت: كان هشام بن العاص بن وائل رجلًا صالحًا، لما كان يوم أجنادين رأى من المسلمين بعض النكوصِ عن عدوّهم فألقى المِغْفَر عن وجهه وجعل يتقدّم في نَحْرِ العدوّ وهو يصيح، يا معشر المسلمين إلىّ إلىّ، أنا هشام بن العاص، أمِن الجنّة تفرّون؟ حتى قُتِلَ.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى عبد الملك بن وهب عن جعفر بن يعيش عن الزّهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة قال: حدّثنى مَن حضر هشام ابن العاص: ضرب رجلًا من غسّان فأبْدى سَحْرَه فكرّتْ غَسّانُ على هشام فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه، فلقد وَطِئَتْه الخيل حتى كرّ عليه عمرو فجمع لحمه فدفنه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى ثَوْر بن يزيد عن خَلَف بن مَعْدان قال: لما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلّا إنسانٌ وجعلت الروم تقاتل عليه وقد تقدّموه وعبروه وتقدّم هشام بن العاص بن وائل فقاتل عليه حتى قُتل، ووقع على تلك الثّلْمة فسدّها، فلمّا انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطِئوه الخيلَ فقال عمرو بن العاص: أيّها الناس إنّ الله قد استشهده ورفع روحه وإنّما هو جُثّة فأوْطِئوه الخيلَ، ثمّ أوْطأه هو وتبعه الناس حتى قطعوه، فلمّا انتهت الهزيمة ورجع المسلمون إلى العسكر كرّ إليه عمرو بن العاص فجعل يجمع لحمه وأعضاءَه وعِظامه ثمّ حمله في نَطْعٍ فواراه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن عمر عن زيد بن أسلم قال: لما بلغ عُمَرَ بن الخطّاب قتلُه قال: رحمه الله فنِعْمَ العَوْنُ كان للإسلام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن يزيد بن أبي مالك عن أبي عبيد الله الأودىّ، قال محمد بن عمر وحدّثنى نجيح أبو معشر عن محمد بن قيس، قال محمد بن عمر وحدّثنى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قالوا: كانت أوّلُ وقعة بين المسلمين والروم أجنادينَ وكانت في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصدّيق، وكان على الناس يومئذٍ عمرو بن العاص.
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد: ٣/ ١/ ٥٩.
(٢) أخرجه الإمام أحمد: ٦/ ٣٦٨، وابن ماجة، كتاب الأضاحي، باب «ما تجزئ من الأضاحي»، الحديث ٣١٣٩: ٢/ ١٠٤٩.
(٣) تقدمت ترجمته برقم ٤٤٨٨: ٤/ ٤٩٥.