طلبت منا وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ فى ٩ مارس سنة ١٩٤٨ بيان الحكم الشرعى فيما تضمنه المنشور الذى وضعته إحدى الهيئات بالمملكة المصرية بعنوان مشاكلنا الداخلية فى ضوء النظام الإسلامى من أن الإسلام يرفض أن توجد طبقة تحتكر الثروة وفى مقدمة ما عنى به من الناحية الاقتصادية توزيع الملكيات الزراعية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع العلاج الناجع لما تعانيه مصر الآن من التباين الشاسع فى توزيع هذه الملكيات. فقال من كان له أرض واسعة فيزرعها أو يمنحها أخاه ولا يؤاجرها إياه ولا يكريها وأن مؤدى ذلك أن الملكية الفردية يجب أن تكون محدودة بطاقة الإنسان على زرع أرضه، وما زاد عن ذلك يجب أن يوزع على المعدمين، فلا استغلال بالايجار بل لا تأجير مطلقا، وكذلك عمر بن الخطاب حينما فتح المسلمون أرض سواد العراق وأرادوا قسمة أربعة أخماسها بين الفاتحين أبى عليهم ذلك وقال ما يفتح بلد فيكون فيه كبير نيل حتى يأتى المسلمون من بعدهم فيجدوا الأرض قد قسمت وحيزت وورثت عن الآباء وتضيع الذرية والأرامل. وانتهى المنشور إلى القول بأن الإسلام يحارب الإقطاعات الشائعة اليوم فى النظام الرأسمالى الذى يبيح الملكية المطلقة، كما يحارب الشيوعية اللادينية التى تنادى بأن تكون الأرض ملكا للدولة فينهار بذلك ركن من أركان الاقتصاد السليم فضلا عن تجاهل المبدأ الغريزى فى الإنسان وهو حب التملك، وأن الحل الوسط بين الرأسمالية والشيوعية هو أن يتملك الإنسان بقدر طاقته الزراعية وما زاد عن ذلك يجب أن يعطيه ليغيره من المعدمين مجانا. ذلك ما زعموا أنه حل لهذه المعضلة فى ضوء النظام الإسلامى

الإسلام > فتاوى > اداب > طلبت منا وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ فى ٩ مارس سنة ١٩٤٨ بيان الحكم…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «طلبت منا وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ فى ٩ مارس س…»

والحق الذى لا مرية فيه أن فى الشريعة الإسلامية ما يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية بأوسع معانيها بالنسبة للأفراد والجماعات،
فقد اعتبرت الفرد قواما للجماعة وسنت له النظم الصالحة لحياته فى نفسه وباعتباره عضوا فى أسرته وفى عشيرته وفى أمته وفى المجتمع الإنسانى عامة ليكون لبنة متينة فى بنائه وعضوا قويا فى كيانه.

كما اعتبرت الجماعة عضدا للفرد وظهيرا له فى أداء رسالته والتمتع بحقوقه والقيام بواجباته.

ووثقت الصلة بين الفرد والجماعة بالتكافل فى كثير من الحقوق والواجبات،
ولم تدع شأنا من شئون الفرد والجماعة إلا أنارت فيه السبيل وأوضحت النهج وكشفت عما فيه من صلاح وفساد وخير وشر،
فكانت لذلك خاتمة الشرائع وأبقاها على الدهر وأصلحها لكل أمة وزمان،
قررت أسمى المبادئ وأعدل النظم فى الاجتماع والسياسة الثقافة والاقتصاد وما إلى ذلك مما يكفل للأمة إذا هى استمسكت بها واعتصمت بهديها القوة والسلطان والحياة المشرقة الرافهة التى يسودها التعاون على البر والخير ويظلها الأمن والسلام.

وهذا كتاب الله الذى أنزله على صفوة خلقه بين أيدينا نطالع فيه ما يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم فى كل ما يمس شئون الحياة.

ونجد فيه العلاج الشافى لكل نازلة والحل الموفق لكل معضلة مما فيه كل الغنى عما سواه من مذاهب وآراء استحدثها الغرباء عنه وأولع بها بعض الدخلاء فيه أو الجهلاء بمقاصده ومراميه.

وهل يستوى تشريع إلهى حكيم أنزل الله على رسوله لمصالح عباده وهو العليم الخبير بما يصلح لهم ويسعد حالهم ومذاهب وآراء يصنعها آحاد الناس كتشريع ونظام عام على مايظنون ويتخيلون.

وهل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
وما هذه الثورات الفكرية والاضطرابات الدولية والدماء المراقة والأموال المستنزفة والمدن المهدمة والمدنيات المنهارة والحضارات المحتضرة والوشائج المقطعة إلا نتائج لتلك المذاهب والآراء المستحدثة التى لا يقرها الإسلام فى سياسة الشعوب ونظام الاجتماع والعمران ويقرر فى ضوء الحق والواقع ما فيها من هدم وإفساد ولسنا نطمع فى أن يكون الناس أمة واحدة ولكنا ندعو أم الأرض على اختلاف العقائد والنحل وفيهم الفلاسفة والعباقرة ودعاة الأمن والإصلاح أن يدرسوا مبادئ الإسلام وتعاليمه فى القرآن الكريم والسنة الصحيحة دراسة العالم المدقق والمفكر الحر ليعلموا أنها وحدها هى النظام المثالى للاجتماع والحضارة والعدل والسلام وأنه لا منجى للعالم مما حاق به إلا بالأخذ بها العيش فى ظلالها.

اندفعت أمم من الغرب بدافع الجشع والطمع وعبادة المال إلى استعمار البلاد الشاسعة واستعباد الأمم الضعيفة واستغلال مواردها واحتكار مرافقها ولبست لذلك مسوح الرهبان خداعا للشعوب وتغريرا بالعقول،
فمرة تزعم أنها إنما أقدمت على ذلك لترقيها وترفع مستواها وتسعد أهلها اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا،
ومرة تزعم أنها إنما تبسط يدها عليها وتتحكم فى مواردها وخيراتها لتنقذ الطبقة الدنيا من مخالب الرأسمالية وهى فى كل هذه المظاهر الكاذبة مخادعة مرائية لا تبغى إلا السيادة والغلب واحتكار الأمم الضعيفة والشعوب المفككة كما تحتكر الأمتعة والسلع.

وأى فرق بين ما تنعاه على الأثرياء من احتكار الثروات العقارية وبين ما تهالكت عليه وبذلك فى سبيله المهج والأموال من إخضاع الشعوب لسلطانها وبسط يدها فى جميع مرافقها قهرا عنها وإرغاما لها.

أليس ذلك احتكارا لملكية الشعوب بأسرها نفوسا وأموالا بل هو أبشع صور الاحتكار وأفحش أساليبه.

ليس لنا وراية الإسلام تظلنا وتعاليمه ترشدنا أن ننخدع بهذه البروق الخالية ونذعن لتلك الدعايات الهادمة وندع ماشرعه الله لنا من النظم الحكمية المالية والاجتماعية بل ذلك حقيق أن يوقظ دول الإسلام وينبه منها الشعور لما يراد بها ويدبر لها من كيد وإذلال،
وأن يحفزها لجمع الكلمة والتئام الصفوف وتضافر القوى للدفع فى صدور هذه الدول الطامعة التى لا تبغى من وراء دعايتها إلا الهدم والتدمير.

ومما احتالوا به لاذكاء نار الفتنة فى نفوس طبقات العمال وأشباههم من الشعوب وهم الكثرة الغالبة إظهار التحنن لهم والحدب عليهم بدعوى وجوب محو الملكيات العقارية بتاتا أو وجوب تقصير مداها إلى حد الكفاف (على النحو الذى عالج به المنشور توزيع الثروة العقارية بين الأفراد) بزعم أنه علاج إسلامى.

أما الإسلام الحنيف فقد ساير سنن الوجود وطبيعة العمران وقرر أسمى المبادئ فى نظام الملكية فأباح الملكية المطلقة للأفراد وأوجب بجانب ذلك على الأغنياء فى أموالهم حقوقا يؤدونها للفقراء والمساكين وذوى الحاجة سدا لخلتهم وينفقون منها فى المصالح العامة التى تعود بالخير على المجتمع وفى آيات القرآن والأحاديث النبوية من الحث على أداء هذه الحقوق والترهيب من الإخلال بها،
والترغيب فى التصدق والإنفاق والبر والمواساة ما لو ابتعه المسلمون كانوا أسعد الأمم حالا وأهناها بالا وأبعدها عما نراه من المآثم والشرور أوجب الزكاة فى الأموال تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وهى الركن المالى فى دعائم الإسلام،
وأمر بالبر والاحسان لذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.

وقال تعالى

{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}

آل عمران ٩٢،
وضاعف مثوبة الصدقات فقال تعالى

{مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}

البقرة ٢٦١،
وحث على صدقة السر فقال تعالى

{إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير}

البقرة ٢٧١،
إلى غير ذلك من الآيات التى عدلت الأغنياء بالفقراء وأسعدت الفقير بحظ من ثمرات ملكية الغنى يسد خلته ويكفى حاجته،
وبجانب ذلك حث القرآن فى كثير من الآيات على العمل والكسب،
ونهت السنة عن البطالة وإراقة ماء الوجه ب

👤
مصدر الفتوى دار الإفتاء المصرية
من «فتاوى دار الإفتاء المصرية» · ص 370 · الشريعة الإسلامية بها ما يحقق العدالة الاجتماعية

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«طلبت منا وزارة الداخلية بكتابها المؤرخ فى ٩ مارس س…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله