٤٩٠٩ - خَبَرُ مَن قَالَ لَهُ جِنِّيٌّ بِأَنَّ فُلَانًا سَرَقَ كَذَا: كَخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ فَيُفِيدُ تُهْمَةً. [إقامة الدليل على إبطال التحليل ٤٣٦] * * * (أَصْنَافُ النَّاس فِي التُّهَمِ، وهل يجوز حبس المتهم دون قيام البيِّنة على ذلك

الإسلام > فتاوى > سياسه > ٤٩٠٩ - خَبَرُ مَن قَالَ لَهُ جِنِّيٌّ بِأَنَّ فُلَانًا سَرَقَ كَذَا:…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «٤٩٠٩ - خَبَرُ مَن قَالَ لَهُ جِنِّيٌّ بِأَنَّ فُلَ…»

)

٤٩١٠ - أَمَّا التُّهَمُ فِي السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ [أي: الوالي] أَنْ يُفَوِّضَهَا إلَى مَن يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْلِمُ فِيهَا،
مَعَ إمْكانِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا مِن الْعُدُولِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

وَذَلِكَ أَنَ النَّاسَ فِي التُّهَمِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:

أ- صِنْفٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ بِالدّينِ وَالْوَرَعِ،
وَأَنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِ التُّهَمِ،
فَهَذَا لَا يُحْبَسُ وَلَا يُضْرَبُ؛
بَل وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ؛
بَل يُؤَدَّبُ مَن يَتَّهِمُهُ فِيمَا ذَكَرَهُ كَثيرٌ مِنْهُمْ.

ب- والثانِي: مَن يَكُونُ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ،
فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يُكْشَفَ عَن حَالِهِ.

وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْر أَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ .

وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأئِمَّةُ؛
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَو ادَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعٍ،
فَإِنَّهُ يَحْضُرُ مَجْلِسَ وَليِّ الْأَمْرِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا،
وَإِن كَانَ فِي ذَلِكَ تَعْوِيقُهُ عَن أَشْغَالِهِ فَكَذَلِكَ تَعْوِيقُ هَذَا إلَى أَنْ يُعْلَمَ أَمْرُهُ،
ثُمَّ إذَا سَأَلَ عَنْهُ وَوُجِدَ بَارًّا أُطْلِقَ،
وَإِن وُجِدَ فَاجِرًا كَانَ مِن:

ج- الصِّنْفِ الثالِثِ،
وَهُوَ الْفَاجِرُ الَّذِي قَد عُرِفَ مِنْهُ السَّرِقَةُ قَبْلَ ذَلِكَ،

أَو عُرِفَ بِأسْبَابِ السَّرِقَةِ؛
مِثْل أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِمَارِ وَالْفَوَاحِشِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى إلَّا بالْمَالِ،
وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ،
فَهَذَا لَوْثٌ فِي التُّهْمَةِ ؛
وَلهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ إنَّ مِثْل هَذَا يُمْتَحَنُ بِالضَّرْبِ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي .. حَتَّى يُقِرَّ بِالْمَالِ .

ثُمَّ الْمُتَوَلِّي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِضَرْبِهِ مَعَ تَقْرِيرِهِ: عُقُوبَتَهُ عَلَى فُجُورِهِ الْمَعْرُوفِ فَيَكُونُ تَعْزِيرًا وَتَقْرِيرًا.

وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَوَلِّي أَنْ يُرْسِلَ جَمِيعَ المتهومين حَتَّى يَأْتِيَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَن سَرَقَ ؛
بَل قَد أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ فِي قِصَّةٍ كَانَت تُهْمَةً فِي سَرِقَةٍ قَوْله تَعَالَى:

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }

[النساء: ١٠٥] .. إلَى آخِرِ الْآيَاتِ،
وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا يُقَالُ لَهُم بَنُو أبيرق سَرَقُوا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ طَعَامًا وَدِرْعَيْنِ،
فَجَاءَ

صَاحِبُ الْمَالِ يَشْتَكِي إلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
فَجَاءَ قَوْمٌ يُزَكُّونَ الْمُتَّهَمِينَ بِالْبَاطِلِ،
فَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- ظَنَّ صِدْقَ الْمُزَكِّينَ،
فَلَامَ صَاحِبَ الْمَالِ،
فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ،
وَلَمْ يَقُل النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِصَاحِبِ الْمَالِ: أَقِم الْبَينةَ،
وَلَا حَلَّفَ الْمُتَّهَمِينَ؛
لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمُتَّهَمِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالشَّرِّ،
وَظَهَرَت الرِّيبَةُ عَلَيْهِمْ.

وَهَكَذَا حَكَمَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- بِالْقَسَامَةِ فِي الدّمَاءِ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِينَ؛
فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِن الْحُدُودِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ،
لَيْسَتْ مِن الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ.

فَلَوْلَا الْقَسَامَةُ فِي الدِّمَاءِ لَأَفْضَى إلَى سَفْكِ الدّمَاءِ فَيَقْتُلُ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ خُفْيَةً،
وَلَا يُمْكِنُ أَوْليَاءُ الْمَقْتُولِ إقَامَة الْبَيِّنةِ.

وَالْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالسَّارِقِ وَالْقَاطِعِ: سَهْلَةٌ؛
فَإِنَّ مَن يَسْتَحِلُّ هَذِهِ الْأمُورَ لَا يَكْتَرِثُ بِالْيَمِينِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ،
وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" : هَذَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ مِن الْمُدَّعِي حُجَّةٌ غَيْرَ الدَّعْوَى،
فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى بِهَا شَيْئًا،
وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

فَأمَّا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا بِالْمَالِ: فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَد حَكَمَ فِي الْمَالِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ،
وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَأهْلِ الْحَدِيثِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.

وَإِذَا كَانَ فِي دَعْوَى الذَمِ لَوْثٌ: فَقَد قَالَ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُدَّعِينَ: "أتحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟
" .

كَذَلِكَ أَمْرُ قُطَّاع الطَّرِيقِ وأَمْرُ اللُّصُوصِ،
وَهُوَ مِن الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ؛
فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَأَمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي

الْمَسَاكِنِ وَالطُّرُقَاتِ إلَّا بِمَا يَزْجُرُهُم فِي قَطْعِ هَؤُلَاءِ،
وَلَا يَزْجُرُهُم أَنْ يَحْلِفَ كُلٌّ مِنْهُم؛
وَلهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ لِأَخْذِ الْمَالِ يُقْتَل حَتْمًا وَقَتْلُهُ حَدٌّ للهِ،
وَلَيْسَ قَتْلُهُ مُفَوَّضًا إلَى أَوْليَاءِ الْمَقْتُولِ.

قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ لِغَرَضٍ خَاصٍّ مَعَهُ ،
إنَّمَا قَتَلَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ،
فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذَا الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ،
فَقَتْلُهُ مَصلَحَةٌ عَامَّةٌ،
فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ السَّارِقُ لَيْسَ غَرَضُهُ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ،
وَإِنَّمَا غَرَضُة أَخْذُ مَالِ هَذَا وَمَالِ هَذَا،
كَذَلِكَ كَانَ قَطْعُة حَقًّا وَاجِبًا للهِ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ؛
بَل رَبُّ الْمَالِ يَأُخُذُ مَالَهُ وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ،
حَتَّى لَو قَالَ صَاحِب الْمَالِ: أَنَا أُعْطِيهِ مَالِي لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ،
كَمَا قَالَ صَفْوَانُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أَنَا أَهَبُهُ رِدَائِي،
فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "فَهَلَّا فَعَلْت قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ" .

وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا: مَن ظَهَرَ عِنْدَهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ؛
كَالْمَدِينِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ وَأَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ،
وَكَمَنَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ظَهَرَ كَذِبُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ،
لَكِنْ يُضْرَبُ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ الَّذِي يَجِبُ إحْضَارُهُ،
أَو يُعَرِّفُ مَكَانَهُ،
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَامَ خَيْبَرٍ فِي عَمِّ حيي بْنِ أَخْطَبَ،
وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَالَحَهُم عَلَى أَنَّ لَهُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ،
فَقَالَ لِهَذَا الرَّجُلِ: "أَيْنَ كنْزُ حيي بْنِ أَخْطَبَ؟
" ،
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ،
فَقَالَ: "الْمَالُ كثِيرٌ وَالْعَهْدُ أَحْدَثُ مِن هَذَا" ،
ثُمَّ قَالَ: "دُونَك هَذَا" ،
فَمَسَّهُ بِشَيْء مِن الْعَذَابِ فَدَلَّهُم عَلَيْهِ فِي خَرِبَةٍ هُنَاكَ .

فَهَذَا لَمَّا قَالَ أذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ،
وَالْعَادَةُ تكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ: لَمْ

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 214 · كتاب الحدود > أصناف الناس في التهم، وهل يجوز حبس المتهم دون قيام البينة على ذلك؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«٤٩٠٩ - خَبَرُ مَن قَالَ لَهُ جِنِّيٌّ بِأَنَّ فُلَ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.3 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله