الإسلام > فتاوى > عقيدة > هَل تُكَفَّرُ الْكَبَائِر بغير توبة
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
جاء في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٤٨٧ - ٥٠١) : دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: عَلَى أَنَ غقُوبَةَ الذُّنُوبِ تَزُولُ عَن الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ،
وذكر منها:
الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}
[هود: ١١٤] ،
وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّوَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" .
وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ،
فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛
كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" .
فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه:
أَحَدُهَما: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛
كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛
وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ:
{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}
[النساء: ٣١] ؛
فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَة لِتَكْفِيرِ السَّيئّاَتِ،
وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛
فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }
[الزلزلة: ٧،
٨] .
الثَّانِي: أَنَّهُ قَد جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِن الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَد تَكُونُ مَعَ الْكَبَائِرِ؛
كَمَا فِي قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِن الزحْفِ" .
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَد غَفَرْت لَكُمْ" : إنْ حُمِلَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَو عَلَى الْمَغْفِرَةِ مَعَ التَّوْبَةِ لَمْ يَكُن فَرْقٌ بَيْنَهُم وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ.
فَكَمَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْكفْرِ؛
لِمَا قَد عُلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الصَّغَائِرِ الْمُكَفَّرَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
الرَّابعُ: أَنَّهُ قَد جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: "أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِن عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ،
فَإنْ أكمَلَها وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَل لَهُ مِن تَطَوُّعٍ،
فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَت بِهِ الْفَرِيضَةُ،
ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ" .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ الْمُكَمَّلَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ؛
فَإِنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى جبران،
وَلأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ الْمَتْرُوكِ وَالْمَفْعُولِ،
فَعُلِمَ أَنَّهُ يَكْمُلُ نَقْصُ الْفَرَائِضِ مِن التَّطَوُّعَاتِ.
اه.
وجاء في "الآداب الشرعية" (١/ ١٤٧،
١٤٨) : ذكر الشيخ تقي الدين -رضي الله عنه-: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب،
وذكر حديث: "فثقلت البطاقة وطاشت السجلات" ،
وحديث: "البغي التي سقت الكلب فشكر الله لها ذلك فغفر لها" ،
وحديث: "الذي نحى غصن شوك عن الطريق فشكر الله له ذلك فغفر له" رواه
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.