لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه

الإسلام > فتاوى > معاملات > لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التج…»

فَأَجَابَ: إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْجَارِ؛
مِثْل أَنْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَا يَمْنَعُ مُشَارَفَتَهُ الْأسْفَلَ،
فَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ بِأَنْ يَبْنِيَ مَا يَمْنَعُ الْإِشْرَافَ عَلَيْهِ أَو لَا يَكُونُ فِيهِ إشْرَافٌ عَلَيْهِ: لَمْ يُمْنَعْ مِن الْبِنَاءِ.

وجاء خلاف ذلك في "الاختيارات" : له تعلية بنائه ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره،
وفيه على قاعدة أبي العباس نظر.
اه .

قلت: لعل البعلي فهم ذلك من فتوى الشيخ هذه،
فإنْ كانت عبارة البعلي مأخوذةً من هذه الفتوى فلا يظهر لي وجه تنظيره،
ولعل شيخ الإسلام يقصد بقاعدته: أنه لا يجوز أن يُضر بجاره،
وحينئذ يظهر وجه التنظير،
ولكن شيخ الإسلام اشترط ألا يكون في ذلك ضرر على الجار،
وحينئذ لا يكون تنظيره له وجه،
والله أعلم.

[ لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه؟]

جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٠/ ١٢٧ - ١٣١،
٣٧٨) : إِنَّ الْإِقْطَاعَ نَوْعَانِ:

أ- إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ كَمَا يقْطَعُ الْمَوَاتُ لِمَن يُحْيِيهِ بِتَمَلُّكِهِ.

ب- وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ،
وَهُوَ إقْطَاعُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِمَن يَسْتَغِلُّهَا إنْ شَاءَ أَنْ يَزْرَعَهَا،
وَإِن شَاءَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا،
وَإِن شَاءَ أَنْ يُزَارعَ عَلَيْهَا.

وَإِذَا عُرفَ هَذَا: فَإِذَا انْفَسَخَ الْإقْطَاعُ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ؛
إمَّا لِمَوْتِ الْمُقْطَعِ وَإِمَّا لِغَيْرِهِ وَأُقْطِعَ لِغَيْرِهِ: كَانَت الْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ لِلْمُقْطَعِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛
بِحَيْثُ لَو كَانَ الْمُقْطَعُ الْأَوَّلُ قَد أَجَّرَ الْأَرْضَ الْمُقْطَعَةَ ثُمَّ انْفَسَخَ إقْطَاعُهُ انْفَسَخَتْ تِلْكَ الْإِجَارَةُ،
كَمَا تَنْفَسِخُ إجَارَةُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إذَا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.

ثُمَّ إنَّ الْمُقْطَعَ الْأَوَّلَ لَمَّا ازْدَرَعَهُ بِعَمَلِهِ وَبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ،
وَصَارَ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ صَارَ مُزْدَرِعًا فِي أَرْضِ الْغَيْرِ،
لَكِنْ لَيْسَ هُوَ غَاصِبًا يَجُوزُ إتْلَافُ زَرْعِهِ؛
بَل زَرْعُة زَرْعٌ مُحْتَرَمٌ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَأَوْلَى،
فَهُنَا لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْمُزْدَرعِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَنْفَعَةِ الثَّانِي.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَة الْأوَّلُ عَلَى زَرْعِهِ.

وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ.

وَفِيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ ثَالِثٌ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ،
وَهُوَ الَّذِي قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛
فَإِنَّهُ كَانَ قَد اجْتَمَعَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ ابْنَا عُمَرَ،
فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكمَا شَيْئًا،
وَلَكِنْ عِنْدِي مَالٌ أُرِيدُ حَمْلَهُ إلَيْهِ،
فَخُذَاهُ اتَّجِرَا بِهِ وَأَعْطُوهُ مِثْل الْمَالِ،
فَتَكُونَانِ قَد انْتَفَعْتُمَا،
وَالْمَالُ حَصَلَ عِنْدَهُ مَعَ ضَمَانِكمَا لَهُ،
فَاشْتَرَيَا بِهِ بِضَاعَةً،
فَلَمَّا قَدِمَا إلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلَّ الْعُشْرِ أَقَرَّهُم مِثْل مَا أَقَرَّكمَا؟
فَقَالَا: لَا،
فَقَالَ: ضَعَا الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ،
فَسَكَتَ عَبْدُ اللهِ،
وَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللهِ: أَرَأَيْت لَو ذَهَبَ هَذَا الْمَالُ أَمَا كَانَ عَلَيْنَا ضَمَانُهُ؟
فَقَالَ: بَلَى،
قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالضمَانُ عَلَيْنَا؟

فَوَقَفَ عُمَرُ،
فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: اجْعَلْهُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ،
لَهُمَا نِصْفُ الرِّبْحِ وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ،
فَعَمِلَ عُمَرَ بِذَلِكَ.

وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَنَازَعَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَسْألَةِ التِّجَارَةِ بِالْوَدِيعَةِ

وَغَيْرِهَا مِن مَالِ الْغَيْرِ؛
فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ هَل الرّبْحُ لِبَيْتِ الْمَالِ؟
أَو الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ؟
أو يَقْتَسِمَاه بَيْنَهُمَا كَالْمُضَارَبَةِ؟

وَهَذَا الرابعُ الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرَ،
وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ مَن اعْتَمَدَ مِن الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمُضَارَبَةِ.
اه.

وقال عن هذا القول في "المجموع" (٣٠/ ٣٢٣) : وَهُوَ الْعَدْلُ؛
فَإِنَّ النَّمَاءَ حَصَلَ بِمَالِ هَذَا وَعَمَلِ هَذَا،
فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرّبْحِ،
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِم الصَّدَقَةُ بِالنَّمَاءِ؛
فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛
بَل يُجْعَلُ الرّبْحُ بَيْنَهُمَا،
كَمَا لَو كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ شَرِكَةَ مُضَارِبَةٍ.
اه.

وجاء فيه كذلك (٣٠/ ٨٧) : تَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ بِمَوْتِ الْمَالِكِ،
ثُمَّ إذَا عَلِمَ الْعَامِلُ بِمَوْتِهِ وَتَصَرَّفَ بِلَا إذْن الْمَالِكِ لَفْظًا أَو عُرْفًا وَلَا وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ: فَهُوَ غَاضِبٌ.

وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرِّبْح الْحَاصِلِ فِي هَذَا: هَل هُوَ لِلْمَالِكِ فَقَطْ كَنَمَاءِ الْأَعْيَانِ؟
أَو لِلْعَامِلِ فَقَطْ لِأَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ؟
أَو يَتَصَدَّقَانِ بِهِ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ؟
أَو يَكُونُ بَيْنَهُمَا؟

عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا الرَّابعُ،
وَهُوَ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا،
كَمَا يَجْرِي بِهِ الْعُرْفُ فِي مِثْل ذَلِكَ،
وَبِهَذَا حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- فِيمَا أَخَذَهُ بَنُوهُ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَاتَّجَرُوا فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَجَعَلَهُ مُضَارَبَةً،
وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ فِي "بَابِ الْمُضَارَبَةِ" ؛
لِأَنَّ الرّبْحَ نَمَاءٌ حَاصِلٌ مِن مَنْفَعَةِ بَدَنِ هَذَا وَمَالِ هَذَا،
فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ مِن أَصْلَيْنِ.
اه.

وجاء فيه كذلك (٣٠/ ١٣٩) : وَسُئِلَ-رحمة الله-: عَن رَجُلٍ مَعَهُ دَرَاهِمُ حَرَامٌ،
فَدَفَعَهَا إلَى وَالِدِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ عِوَضَهَا مِن دَرَاهِمِهِ الْحَلَالِ،
وَاشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا يَعُودُ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ: إمَّا نَتَاجُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ،
وَإِمَّا زَرْعُ أَرْضٍ،
وَاسْتَعْمَلَهَا،
هَل هِيَ حَرَامٌ؟

فَأَجَابَ: مَتَى اعْتَاضَ عَن الْحَرَامِ عِوَضًا بِقَدْرِهِ فَحُكْم الْبَدَلِ حُكْم الْمُبْدَلِ مِنْهُ.

فَإِنْ كَانَ قَد نَمَّى بِفِعْلِهِ نَمَاء مِن رِبْحٍ أَو كَسْب أَو غَيْر ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ،
وَأَعْدَل الْأَقْوَالِ أَنْ يُقْسَمَ النَّمَاء بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْمَالِ وَبَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ؛
كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- فِي الْمَالِ الَّذِي اتَّجَرَ مِنْهُ أَوْلَاده مِن بَيْتِ الْمَالِ.

وَهَكَذَا كُلُّ نَمَاءٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ إذَا بِيعَ الْأَصْلُ.

وجاء خلاف ذلك في "الإنصاف" (٥/ ٤٢٧) ،
و "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٤٠٣) : الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه: فقيل: هو للمالك فقط؛
كنماء الأعيان.

وقيل: للعامل فقط؛
لأن عليه الضمان.

وقيل: يتصدقان به؛
لأنه ربح خبيث.

وقيل: يكون بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة،
وهو أصحهما،
وبه حكم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛
إلا أن يتجر به في غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين أنه مال غيره فهنا يقتسمان الربح بلا ريب.

وذكر أبو العباس في موضع آخر: أنه إذا كان عالمًا بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئًا؛
لأنه حصل بفعل محرم فلا يكون سببًا للإباحة.

فإذا تاب: سقط حق الله بالتوبة وأبيح له حينئذ بالقسمة.

فأما إذا لم يتب: ففي حله نظر.

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 464 · المواضع التي خالف فيها البعلي وغيره ما في "مجموع الفتاوى" > (١٧) لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه؟

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التج…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل