الإسلام > القرآن > تفسير > ابن عاشور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءة﴿ قَدِيرٌ * إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فى ءاياتنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ استئناف ابتدائي قصد به تهديد الذين أهملوا الاستدلال بآيات الله على توحيده.
وقوله: ﴿ لا يخفون علينا ﴾ مراد به الكناية عن الوعيد تذكيراً لهم بإحاطة علم الله بكل كائن، وهو متصل المعنى بقوله آنفاً: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ﴾ [فصلت: 22] الآية.
والإِلحاد حقيقته: الميل عن الاستقامة، والآيات تشمل الدلائل الكونية المتقدمة في قوله: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [فصلت: 9] وقوله: ﴿ ومن آياته الليل والنهار ﴾ [فصلت: 37] الخ.
وتشمل الآيات القولية المتقدمة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ [فصلت: 26].
فالإِلحاد في الآيات مستعار للعدول والانصراف عن دلالة الآيات الكونية على ما دلت عليه.
والإلحاد في الآيات القولية مستعار للعدول عن سَماعها وللطعن في صحتها وصرف الناس عن سماعها.
وحرف ﴿ في ﴾ مِن قوله: ﴿ فِي ءاياتنا ﴾ للظرفية المجازية لإِفادة تمكن إلحادهم حتى كأنه مظروف في آيات الله حيثما كانت أو كلما سمعوها.
ومعنى نفي خفائهم: نفي خفاء إلحادهم لا خفاء ذواتهم إذ لا غرض في العلم بذواتهم.
﴿ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ ﴾ .
تفريع على الوعيد في قوله: ﴿ لا يَخْفُونَ عَلَيْنَا ﴾ لبيان أن الوعيد بنار جهنم تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى النار، وبالمؤمنين بأنهم آمنون من ذلك.
والاستفهام تقريع مستعمل في التنبيه على تفاوت المرتبتين.
وكنّي بقوله: ﴿ يَأتِي ءَامِناً ﴾ أن ذلك الفريق مصيره الجنة إذ لا غاية للأمن إلا أنه في نعيم.
وهذه كناية تعريضية بالذين يُلحدون في آيات الله.
وفي الآية محسن الاحتباك، إذ حذف مقابل: (من يُلقَى في النار) وهو: من يدخل الجنة، وحذف مقابل: ﴿ مَن يأتي ءامناً ﴾ وهو: من يأتي خائفاً، وهم أهل النار.
﴿ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ الجملة تذييل لجملة ﴿ إنَّ الذين يُلْحِدون في ءاياتنا ﴾ الخ، كما دل عليه قوله عقبه: ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ [فصلت: 41] الآية، أي لا يخفى علينا إلحادهم ولا غيره من سيِّئ أعمالهم.
وإنما خص الإِلحاد بالذكر ابتداء لأنه أشنع أعمالهم ومصدر أسوائها.
والأمر في قوله: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُم ﴾ مستعمل في التهديد، أو في الإِغراء المكنّى به عن التهديد.
وجملة: ﴿ إنَّه بِمَا تعمَلونُ بَصِيرٌ ﴾ وعيد بالعقاب على أعمالهم على وجه الكناية.
وتوكيده ب (إنَّ) لتحقيق معنييه الكنائي والصريح، وهو تحقيق إحاطة علم الله بأعمالهم لأنهم كانوا شاكين في ذلك كما تقدم في قصة الثلاثة الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ﴾ [فصلت: 22] الآية.
والبصير: العليم بالمبصرات.
<div class="verse-tafsir"