تفسير ابن كثير سورة الشعراء

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الشعراء

تفسيرُ سورةِ الشعراء كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 111 دقيقة قراءة

تفسير سورة الشعراء كاملةً (الحافظ ابن كثير الدمشقي)

[تفسير سورة الشعراء وهي مكية] (ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة) ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة.

وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح، الذي يفصل [١] بين الحق والباطل، والغيّ والرشاد.

وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: مهلك ﴿نَفْسَكَ﴾، أي: مما تحرص [عليهم] [٢] وتحزن عليهم، ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.

وهذه تسلية من الله لرسوله - صلوات الله وسلامه عليه - في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعطية، والضحاك: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: قاتل نفسك، قال الشاعر: ألا أيّهذا الباخعُ الحزنُ نفسَه … لشيء [٣] نحتْه عن يديه المقادِرُ ثم قال الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ أي: لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإِيمان قهرًا، ولكنّا لا نفعل ذلك، لأنا لا نريد من أحد إلا الإِيمان الاختياري، وقال تعالى: ﴿وَ [١] لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فَنَفَذ قَدَرُه، ومضت [٢] حكمته؛ وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزالِ الكتب عليهم.

ثم قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾، أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس؛ كما قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، [من] [٣] زروع وثمار وحيوان.

قال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: دلالة على قدرة الخالق [٤] للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره وارتكبوا زواجره.

وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، أي: الذي عزّ كلَّ شيء وقهره وغلبه، ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن [٥] إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره.

وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.

﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ ﴿قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران - صلوات الله وسلامه عليه - حيث [١] ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.

وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، أي: بسبب ما كان قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قَال كَلَّا﴾، أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك؛ كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: برهانا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.

﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: [] [٢] معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.

﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾، أي: كل منا رسول الله إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه الخلصون، وهم معك في العذاب المهين.

فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.

[أي: أما أنت الذي ربيناه] [١] فينا، وفي بيتنا، وعلى فراشنا [] (*)، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذاك [٢] الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت نعمتنا عليك.

ولهذا قال: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: الجاحدين.

قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا﴾، أي: في تلك الحال، ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يُوحى إليّ ويُنعم الله عليّ بالرسالة والنبوة.

قال ابن عباس ﵄ ومجاهد، وقتادة، والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: الجاهلين.

قال [٣] ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود، ﵁.

﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد [٤] أرسلني الله إليك، فإن أطعته سَلمت، وإن خالفته عَطبت.

ثم قال موسى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: وما أحسنت إليَّ وربَّيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفَيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟

أي: ليس ما ذكرته شيئًا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.

﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ﴿فَاسْتَخَفَّ [١] قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وكانوا يجحدون الصانع - تعالى - ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون.

فلما قال له [٢] موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟

هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَال [٣] فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.

ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرًّا [٤] بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك [] [٥] قال موسى لما سأله عن رب العالمين: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾، أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلويّ وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفليّ وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون.

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.

أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة.

فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلًا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟!

أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهًا غيري؟

فقال لهم موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.

أي: خالقكم وخالق آبائكم الأوائل، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه.

﴿قَال﴾ أي: فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.

أي: ليس له عقل في دعواه أنّ ثَمّ ربًّا غيري.

﴿قَال﴾ أي: موسى لأولئك الذين أوعز [٦] إليهم فرعون ما أوعز [٧] من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه [٨] الكواكب ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سَخّرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم [٩] أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى من: ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ] [١٠] إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ﵇ فقال ما أخبر الله تعالى عنه: ﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل عدل إلى [١] أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال [٢]، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ﴾.

أي: برهان [٣] قاطع واضح، ﴿قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج.

﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من جيبه، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.

أي: تتلألأ كقطعة من القمر.

فبادر فرعون لشقائه [٤] إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.

أي: فاضل بارع في السحر.

فَرَوَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به، فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.

أي: [أراد أن] [٥] يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا عليّ فيه ماذا أصنع به؟

﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾، [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم] [١] يقابلونه [٢]، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد.

فأجابهم إلى ذلك وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك، ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.

﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ ذكر تعالى هذه المناظره العقلية [٣] بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه"، وفي هذه السورة، وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

وهذا شأن الكفر والإِيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإِيمان، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾.

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ولهذا لما جاء السحرة، و [٤] قد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تحيلًا [٥] في ذلك، وكان السحرة جمعًا كثيرًا، وجما غفيرًا، تل: كانوا اثني عشر ألفًا، وقيل: خمسة عشر ألفًا، وقيل: سبعة عشر ألفًا، [وقيل: تسعة عشر ألفًا، وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا] [٦]، وقيل: ثمانين ألفًا، وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.

قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعًا [٧] إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: ساتور، وعازور، وحطحط، ويصفى.

واجتهد [١] الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.

ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم.

﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾.

أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقًا (*) وجمع حشمه وخدمه وأمراءه [٢] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته.

فقام السحرة بين يدي فرعون، يطبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا.

أي: هذا الذي جمعتنا من أجله فقالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.

أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي.

فعادوا إلى مقام المناظرة، ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا﴾.

وقد اختصر هذا هاهنا.

فقال: ﴿قَال [٣] لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.

وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان.

وقد ذكر الله في "سورة الأعراف": أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.

وقال في "سورة طه": ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾.

وقال هاهنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.

أي: تخطفه [وتجمعه] [٤] من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئًا، قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.

وكان هذا أمرًا عظيمًا جدًّا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين [٥] استنصر بهم وطلب منهم أن يَغلبوا قد [٦] غُلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق والمعجزة الباهرة، فَغُلِب فرعون غَلبًا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحًا جريئًا عليه لعنة الله!

فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا، وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾.

وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، بأنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟!

هذا لا يقوله عاقل.

ثم توعدهم فرعون بقطع [الأيدي و] [١] الأرجل والصلب، فقالوا: ﴿لَا ضَيرَ﴾.

أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.

أي: المرجع [٢] إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا [٣]، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾.

أي: ما قارفناه من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر، ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بسبب أنّا بادرنا قومنا من القبط إلى الإِيمان.

فقتلهم [٤] كلهم.

﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ لما طال مُقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حُجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى ﵇ أن يخرج ببنى إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يُؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه ﷿، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حُليًّا كثيرًا، وكان خروجه بهم - فيما ذكر غير واحد من المفسرين - وقت طلوع القمر.

وذكر مجاهد ﵀ أنه كُسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم.

وأن موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇ فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ﵉، وكان يوسف قد وصى [١] بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم.

وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ﵀ فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر [بن محمد] [٢] بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فُضَيلَ] [٣]، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، [عن أبيه] [٤]، عن أبي موسى؛ قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابيّ فأكرمه، فقال له رسول الله، ﷺ: "تعاهدنا".

فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله، ﷺ: " [حاجتك] [٥]؟

" قال: ناقة برحلها وأعنق [٦] يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟

" فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟

قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟

فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك: إن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟

قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل.

فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف.

قالت [٧]: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي.

فقال لها: وما حكمك؟

قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة.

فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: أعطها حكمها.

قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم [٨]: أنضبوا هذا الماء.

فلما أنضبوه، قالت: احتفروا.

فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار" (١).

هذا حديث غريب جدًّا والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.

فلما أصبحوا وليس في ناديهم [١] داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل، لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين.

أي: من يحشرُ الجندَ ويجمعه، كالنُّقَباء والحُجَّاب، ونادى فيهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ -يعني: بني إسرائيل- ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.

أي: لطائفة قليلة، ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾، أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.

أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خَضْراهم.

فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.

أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، و [٢] تركوا تلك المنازل العالية، والبساتين والأنهار، والأموال، والأرزاق، والملك، والجاه الوافر في الدنيا.

﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.

﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ ذكر ذلك غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإِسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دُهْم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم - ففي ذلك نظر.

والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله ﷾ أعلم، والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم.

﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.

أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف (*) البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعرن قد أدركهم بجنوده؛ فلهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد.

وكان هارون ﵇ في المقدمة، ومعه يوشع بن نُون، [ومؤمن آل فرعون، وموسى ﵇ في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] [١]، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى ﵇: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟

فيقرل: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل.

فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن [٢] عبد الله بن سلام: أن موسى ﵇ لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجًا، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.

وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة [وله اضطراب] [٣]، ولا يدري من أي جانب [٤] يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله؛ أين أمرك ربك؟

قال: أمرني أن أضرب البحر.

قال: فاضربه [٥].

وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له.

قال: فبات البحر يضرب [٦] بعضه بعضًا، فرقًا من الله تعالى، وانتظارًا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.

فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق.

وذكر غير واحد أنه كنّاه فقال: انفلق عليّ [أبا خالد] [١]؛ بحول الله.

قال الله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.

أي: كالجبل الكبير.

قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم.

وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين.

وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سبط طريق - وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح على قعر البحر فلفحته، فسار يَبَسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.

وقال في هذه القصة: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ أي: هنالك ﴿الْآخَرِينَ﴾ قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾، أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر، وأدنيناهم إليه.

﴿وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أن موسى ﵇ حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك [٢]، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا، والله لا يُفرَغ من سلخها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط.

فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق [٣].

فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى؛ وهل فرقت [٤] لأحد من ولد آدم فأفرق [٥] لك؟

قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرِجل: أين أمرتَ يا نبي الله؟

قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه -[يعني البحر - فأقحم فرسه فسَبَح به فخرج.

فقال: أين أمرت يا نبي الله؟

قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] [٦].

قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت.

ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟

قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه.

قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت.

قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه، فانفلق [٧]، فكان فيه اثنا عشر طريقًا [١] لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتَتَام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم.

وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خَرَج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطمّ عليهم البحر، فما رُئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾.

أي: في [٢] هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

تقدم تفسيره.

﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإِخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل.

أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشَبّ، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله ﷿ فقال ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟

﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.

أي: مقيمين على عبادتها ودعائها، ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يُهرعون.

فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ﴾.

أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فَلْتَخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه السلام: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.

وقال هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: ﴿وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا﴾.

وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني: لا إله إلا الله.

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾.

أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على قَدَر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضل من يشاء، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.

أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.

وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخَلْقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا؛ كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

فأسند الإِنعام إلى الله ﷾، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.

ولهذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.

أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصولة إليه.

﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.

أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.

أي: هو الذي لا يقدر على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ وهذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه [١] حكمًا.

قال ابن عباس: وهو العلم.

وقال عكرمة: هو اللب.

وقال مجاهد: هو القرآن.

وقال السدي: هو النبوة.

وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.

أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: ["اللهُمَّ، في الرفيق الأعلى" (٢).

قالها ثلاثًا.

وفي الحديث في الدعاء] [٢]: "اللهم، أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" (٣).

وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.

أي: واجعل لي [١] ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.

قال مجاهد وقتادة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، يعني: الثناء الحسن.

قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

وكقوله: ﴿وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.

قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه.

وكذا قال عكرمة.

وقوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.

أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.

وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وهذا مما رَجَع عنه إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.

وقد قطع تعالى الإِلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ [٢] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾.

وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.

أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم [٣] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم.

قال البخاري في قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، [عن أبيه] [٤]، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ" (٤).

حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يارب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرمت الجنة [على الكافرين] [١] ".

هكذا رواه عند هذه الآية (٥).

وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: "يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟

فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك.

فيقول إبراهيم: يارب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي [٢] الأبعد؟

فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين.

ثم يُقَال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟

فينظر فإذا هو بِذِيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار" (٦).

وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير (٧) قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَة والقَتَرَة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني.

قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة.

قال: يارب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد.

قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين.

فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟

قال: أنت أخذته مني.

قال: انظر أسفل منك.

فنظر فإذا ذِيخ يتمرغ في نَتنِهِ، فأخذ بقوائمه فألقيَ في النار".

هذا إسناد غريب، وفيه نكارة.

والذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرَته، فيلقى في النار كذلك.

وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ.

وفيه غرابة.

ورواه أيضًا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بنحوه.

وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.

أي: لا يقي المرءَ من عذاب الله مالُه، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا، ﴿ولا بنون﴾ ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفعُ يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص [١] الدين له، والتبري من الشىرك؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

أي: سالم من الدنس والشرك.

قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: حيي يشهد أن لا إله إلا الله.

وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: ﴿بقلب سليم﴾، يعني: من الشرك.

وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله: ﴿في قلوبهم مرض﴾.

وقال أبو عثمان النيسابوري [٢]: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السُّنة.

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إلا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها في الدنيا، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي: أظهرت وكُشف عنها، وبدت منها عُنُق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب إلى الحناجر، وقيل لأهلها تقريعًا وتويبخًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني [٣] عنكم اليوم شيئًا ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حَصبُ جهنم أنتم لها واردون.

وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.

قال مجاهد: يعني: فَدُهْورُوا فيها.

وقال غيره: كببوا فيها، والكاف مكررة؛ كما يقال: صرصر.

والمراد: أنه أُلقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: ألقوا فيها عن آخرهم.

﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا: ﴿إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصبيًا من النار﴾.

ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.

قال بعضهم: يعني: من الملائكة، كما يقولون: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾.

وكذا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.

أي: قريب.

قال قتادة: يعلمون -والله- أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو ﷾ يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.

وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

أي: أن في محاجّة إبراهيم لقومه وإقامته الحجة [١] عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله.

﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ هذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله نوح ﵇ وهو أول رسول بُعث إلى الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد بعثه الله ناهيًا عن ذلك، ومحذرًا من وبيل عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل تكذبيهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.

أي: ألا تخافون اللَّه في عبادتكم غيره؟

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.

أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالة الله لا أزيد فيها ولا أنقص منها، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.

أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله، ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾.

فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني به وائتمنني عليه.

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ يقولون: أنؤمن لك ونتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك وصدقوك، وهم أراذلنا؟

ولهذا ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه لا يلزمني التنقيب [١] عنه والفحص والبحث، إنما عليّ أن أقبل منهم تصديقهم [٢] إياي، [وأكِلُ] [٣] سرائرهم إلى الله ﷿، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ليتابعوه، فأبى عليهم ذلك، وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

أي: إنما [٤] بعثت نذيرًا؛ فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وكنت هنه، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلًا أو حقيرًا.

﴿إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾ لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وجهرًا وإسرارًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ، والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾.

أي: عن دعوتك إيانا إلى دينك يا نوح ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.

أي: لنرجمنك.

فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.

وقال هاهنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾.

والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيه [١] من كل زوجين اثنين، أي: نجيناه ومن معه كلهم وأغرقنا من كذبه وخالف أمره كلهم.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ وهذا إخبار من [الله تعالى عن] [٢] عبده ورسوله هود ﵇: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبًا من بلاد حضرموت بلاد [٣] متاخمة لبلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، [كما قال في "سورة الأعراف": ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح] [٤] وزادكم في الخلق بسطة﴾.

وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال، والجنات والعيون، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله [وحده [٥]]، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.

اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، تبنون هناك بناء محكمًا باهرًا هائلا؛ ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾.

أي: معلمًا بناء مشهورًا، ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ وبهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك، لأنّه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة.

ثم قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.

قال مجاهد: المصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد.

وفي رواية عنه: يروج الحمام.

وقال قتادة: هي مآخذ الماء.

قال قتادة: وقرأ بعض القراء: (وتتخذون مصانع كأنكم خالدون) وفي القراءة المشهورة: ﴿لعلكم تخلدون﴾.

أي: لكي تقيموا فيها أبدًا [١]، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.

و [٢] قال ابن أبي حاتم ﵀:- حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البينان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون!

ألا تستحيون!

تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه كانت قبلكم قرون، يجمعون فيوعُرن وكانون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إنّ عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن [٣] يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.

وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.

وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم.

ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم [٤].

﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إلا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن جواب قوم هود له، بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق ووضحه ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أي: لا نرجع عما نحن فيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهكذا الأمر فإن الله تعالى قال: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.

قرأ بعضهم: (إن هذا إلا خَلْق) -بفتح الخاء وتسكين اللام (*).

قال ابن مسعود، والعوفي عن عبد الله بن عباس، وعلقمة، ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين؛ كما قال المشركون من قريش: ﴿وقالوا أساطير الأولين [اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا﴾، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾] [١].

وقرأ آخرون (*): (إن هذا إلا خُلُق الأولين) -بضم الخاء واللام- يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.

قال [٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: دين الأولين.

وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (٨).

قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾.

أي: فاستمرواه على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله.

وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، أي: ريحًا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدا، فكان إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبرَه، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة كما قال: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم﴾.

وهم عاد الأولى؛ كما قال: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ وهم من [نسل] [١] إرم بن سام بني نوح ﴿ذات العماد﴾ أي: الذين كانوا يسكنون العَمَد.

ومن زعم أن "إرم" مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك [٢] أصل أصيل؛ ولهذا قال: ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد.

وقال: ﴿فَأَمَّا [٣] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.

وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا بمقدار أنف الثور، عتت على الخزنة بأذن [٤] الله لها في ذلك، وسلكت وحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الآية [٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كاملة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.

أي: بقوا أبدانًا بلا رءوس؛ وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر.

وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفررا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن [ذلك عن] [٦] أمر الله شيئًا، ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾.

ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٤٥)﴾ وهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله صالح ﵇: أنه بعثه إلى قومه ثمود- وكانوا عربًا يسكنون مدينة الحجْر، التي بين وادي القُرَى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة.

[وقد] [١] قدمنا في سورة "الأعراف" الأحاديث المروية في مُرور رسول الله ﷺ بهم حين أراد غَزْو الشام، فوصل إلى تَبُوك، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك.

وقد كانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇ فدعاهم نبيهم صالح إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، فأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرًا منهم، [وإنما] [٢] يطب ثواب ذلك من الله ﷿ ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ يقول لهم واعظًا لهم ومحذرًا إياهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة، وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وأنبع لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات؛ ولهذا قال: و ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبَلَغ فهو هضيم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، قوله: مُعْشبة.

[وقال] [٣] إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن أبي عمرو -وقد أدرك الصحابة- عن ابن عباس، في قوله ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطُب واسترخى.

رواه ابن أبي حاتم.

قال: ورُوي عن أبي صالح نحو هذا.

وقال أبو إسحاق، عن أبي العلاء: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: هو المذنب من الرطب.

وقال مجاهد: هو الذي إذا كُبس تهشم وتفتت وتناثر.

وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم أبا أمية، سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.

قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه.

وقال عكرمة وقتادة: الهضيم: الرطب اللين.

وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة، [وركب] [١] بعضه بعضًا، فهو هضيم.

وقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر.

وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له.

وقال أبو صخر: ما رأيت الطع حين يشق عنه الكم؛ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم.

وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.

قال ابن عباس، وغير واحد: يعني حاذقين.

وفي رواية عنه: شرهين أشرين.

وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي: أقبلوا على عَمَل ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتوحدوه وتعبدوه وتسبحوه بكرة وأصيلًا، ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحق.

﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعني: من [١] المخلوقين.

واستشهد بعضهم على هذا القول بما قال الشاعر: فإن تسألينا فيمَ [٢] نحن فإننا … عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّر يعني: الذين لهم سُحور.

والسَّحر هو الرئة، والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحورًا لا عقل لك.

ثم قالوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.

يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟

كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.

ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم- أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم- ناقةَ عُشَراء من صفتها كذا وكذا.

فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنُن به وليتبعنه، فأنعموا بذلك (٥).

فقام [نبي الله] [٣] صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني: ترد ماءكم يومًا، ويوما ترِدونه أنتم، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وجمل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًّا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالئوا على قتلها وعقرها، ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾.

وهو أن أرضهم زُلزلت زلزالًا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٤)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله لوط ﵇ وهو: لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم، وكانوا يسكنون "سدُوم" وأعمالها التي أهلكها [الله بها] [١]، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور، متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرَك والشَّوبَك.

فدعاهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، كما لم يسبقهم الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكران دون الإِناث؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَال إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾ لما نهاهم نبي الله عن إتيانهم الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم، ما كان جواب قومه له إلا أن قالوا: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾، يعنون عما جئنتا به، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فلما رأى أنَّهم لا يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالهم [٢]، تبرأ منهم فقال: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.

أي: المُبغضين [٣]، لا أحبه ولا أرضى به، وأنا [٤] بريء منكم.

ثم دعا الله عليهم؛ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾.

قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.

أي: كلهم، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾، وهي امرأته، وكانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في "سورة الأعراف" و"هود"، وكذا في "الحجر" حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذابَ الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠)﴾ هؤلاء -أعني: أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح.

وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم [شعيب] [١]، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغَيضة [٢]، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب".

وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾.

فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا.

ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدكان، فزعم أن شعيبًا ﵇ بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم.

وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو ضعيف- حدثني ابن السدي، عن أبيه وزكريا بن عمر [٣]، عن خصيف، عن عكرمة، قال [٤]: ما بعث الله نبيًّا مرتين إلا شعيبًا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.

وروى أبو القاسم البغوي، عن هُدبة، عن همام، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾: قوم شعيب، وقوله: ﴿وأصحاب الأيكة﴾: قوم شعيب.

قال إسحاق بن بشر.

وقال غير جوبير: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد.

والله أعلم.

وقد روى الحافظ ابن عساكر (٩) في ترجمة "شعيب" من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد [٥]، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، فبعث [١] الله إليهم [٢] شعيبًا النبي ﵇".

وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا [٣].

والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء.

ولهذا وعظ لهؤلاء [٤] وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة.

﴿أَوْفُوا الْكَيلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ يأمرهم تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: إذا دفعتم إلى الناس فأكملوا الكيل لهم، ولا تخسروا الكيل فتعطوه ناقصًا، وتأخذوه -إذا كان لكم- تامًّا وافيًا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.

﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ والقسطاس هو: الميزان، وقيل: القبان.

قال بعضهم: هو معرب من الرومية.

وقال مجاهد: القسطاس: المستقيم العدل بالرومية.

وقال قتادة: القسطاس: العدل.

وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، أي: لا تنقصُوهُم أموالهم، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، يعني: قطع الطريق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾.

وقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾، يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى ﵇: ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن زيد بني أسلم: ﴿والجبلة الأولين﴾، يقول: خلق الأولين.

وقرأ ابن زيد: ﴿ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا﴾.

﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾ يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها -تشابهت قلوبهم- حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، يعنون: من المسحورين، كما تقدم.

﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا، ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال الضحاك: جانبًا من السماء.

وقال قتادة: قطعًا من السماء، وقال السدي: عذابًا من السماء.

وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم.

وكذلك وقع بهم كما سألوا جزاء وفاقًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكسَف عليهم؛ فإن الله ﷾ جعل عقوبتهم أن أصابهم حر شديد جدَّا مدة سبعة أيام لا يَكُنهم (*) منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار ولهبًا ووهجًا عطيمًا، وَرَجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنه [١] أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة.

وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ [٢] الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.

قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿[وأخذت الذين ظلموا] [١] الصيحة﴾.

وها هنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق [٢] عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

قال قتادة: قال عبد الله بن [عمرو] [٣]﵁: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم واستظل بها، فأصاب تحتها بردًا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعًا فاستظلوا تحتها، فأجّجَتْ عليهم نارًا.

وهكذا روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلَى.

وقال محمد بن كعب القُرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، فَفَرَقُوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا [٤] أطيب ولا أبرد [من هذا] [٥]، هلموا أيها الناس.

فدخلوا جميعًا تحت الظلة، فصاح فيهم [٦] صيحة واحدة، فماتوا جميعًا.

ثم تلا محمد بن كعب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

وقال ابن جرير (١٠): حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد- حدثني حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرابًا السنن البرية؛ فبعث الله سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسلها الله [٧] عليهم نارًا.

قال ابن عباس: فذاك [٨] عذاب يوم الظلة، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿وإنه﴾، أي: القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة في قوله: ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن [١] محدث﴾، ﴿لتنزيل رب العالمين﴾ أي: أنزله الله عليك وأوحاه إليك، ﴿نزل به الروح الأمين﴾، وهو جبريل ﵇، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعية العوفي، والسدي، والضحاك، والزهري، وابن جريج، وهذا ما لا نزاع فيه.

قال الزهريّ: وهذه كقوله: ﴿قل من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ الآية.

وقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله الأرض.

[﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، أي: نزل به ملك كريم أمين، ذو مكانة عند الله، مطاع في الملأ الأعلى، ﴿على قلبك﴾ يا محمد، سالمًا من الدنس والزيادة والنقص] [٢]؛ ﴿لتكون من المنذرين﴾، أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.

وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك [أنزلناه] [٣] بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطعًا للعذر، مقيمًا للحجة، دليلًا إلى المحجة.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العَتَكِي، حدثنا عباد بن عباد المُهلبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه؛ قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه في يوم دجن (*) إذ قال لهم: "كيف ترون بواسقها (**)؟

".

قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها!

قال: "فكيف ترون قواعدها (*)؟

".

قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها قال: "فكيف ترون جَونها (**)؟

" [١]؟

قالوا: ما أحسنه وأشد سواده!

قال: "فكيف ترون رحاها استدارت؟

" قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها!

قال: "فكيف ترون برقها؟

أوميض، أم خَفْو [٢]، أم يَشق شَقًّا؟

".

قالوا: بل يشق شقًّا.

قال: "الحياء الحياء إن شاء الله".

قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأمي ما أفصحك [٣]!

ما رأيت الذي هو أعرب منك.

قال: فقال: "حُق لي، وإنما نزل [٤] القرآن بلساني، والله يقول: ﴿بلسان عربيّ مبين﴾ " (١١).

وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم تَرجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية.

رواه ابن أبي حاتم.

﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ يقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لَموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ والزُبُر هاهنا هي الكتب وهي جمع زبُور [٥]، وكذلك الزبور، وهو كتاب داود، وقال تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾، أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة.

ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أَوَ ليس يكفيهم [٦] من الشاهد الصادق على ذلك: أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟

والمراد العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد ﷺ ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك مَن آمن منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم.

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية.

ثم قال تعالى مخبرًا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن إنه لو أنزله على رجل من الأعاجم، ممن لا يدري من العربية كلمة، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، كما أخبر عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾ يقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والعناد والجحود، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين، ﴿لا يؤمنون به﴾ أي: بالحق، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

﴿فيأتيهم بغتة﴾ أي: عذاب الله بغتة، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلًا ليعملوا [١] بطاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد [٢]، عقوبته ندم ندمًا شديدًا؛ هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.

وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، إنكار عليهم، وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبًا واستبعادًا: ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ] [١]﴾، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾، أي: [ولو] [٢] أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الزمان وحينًا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.

وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.

ولهذا قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.

وفي الحديث الصحيح (١٢): ﴿يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟

هل رأيت نعيمًا قط؟

فيقول: لا [والله يارب] [٣].

ويؤتى بأشد الناس بؤسًا -كان في الدنيا- فيصبغ في الجنة صبغة، لم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟

فيقول: لا [والله يا رب] [٤]، " أي: ما كأن شيئًا [٥] كان؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل بهذا البيت: كأنك لَم تُوتِرْ مِنَ الدهر ليلةً … إذا أنت أدركتَ الذي كنتَ تطلب ثم قال تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه: إنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإِعذار إليهم والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم [٦] وقيام الحجج عليهم.

ولهذا قال: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.

﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: إنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله، ﴿وما تنزلت به الشياطين﴾.

ثم ذكر أنه يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه لا [١] ينبغي لهم [٢]، أي: ليس هو [٣] من بُغْيتهم ولا من طلَبتهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما ينبغي لهم﴾.

وقوله: ﴿وما يستطيعون﴾، أقوله: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا في مُدّة إنزال القرآن على رسوله فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر.

وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له ومخبرًا أن من أشرك به عذبه.

ثم قال تعالى آمرًا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه، وأنه لا يُخلّص أحدًا منهم إلا إيمانه بربه ﷿.

وأمَرَه به [١] أن يُليّن جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنًا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

وهذه النّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ كما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.

وفي صحيح مسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".

وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها: الحديث الأول: قال الإمام أحمد (١٣) ﵀: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه".

فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي [٢]، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟

".

قالوا: نعم.

قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم!

أما دعوتنا إلا لهذا؟

وأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.

ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به.

الحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ فقال: "يا فاطمة بنة محمد، يا صفية بنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم".

انفرد بإخراجه مسلم (١٤).

الحديث الثالث: قال أحمد (١٥): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، دعا رسول الله ﷺ قريشًا [١]، فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار.

يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم، من النار، [يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار] [٢]، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، [يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار] [٣] فإني والله - ما أملك لكم من الله شيئًا إلا أن لكم رحمًا سأبُلُّها [٤] ببلالها (٥) ".

ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به، وقال الترمذي: غَريب من هذا الوجه.

ورواه النسائي (١٦) من حديث موسى بن طلحة مرسلًا، لم يذكر فيه [٥] أبا هريرة.

والموصول هو الصحيح.

وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (١٧).

وقال الإمام أحمد (١٨): حدثنا يزيد، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما [من الله] [٦] شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما".

تفرد به من هذا الوجه، وتفرد به أيضًا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (١٩).

ورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لهيعة، عن الأعرج: سمعت [١] أبا هريرة … مرفوعًا (٢٠).

وقال أبو يعلى: حدثنا سُويد بن سَعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "يا بني قصيّ، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير والموت المغير، والساعة الموعد" (٢١).

الحديث الرابع: قال أحمد (٢٢): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبيصة بن مُخَارق وزهير بن عمرو؛ قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صَعد رسول الله، ﷺ رَضْمَة (*) من جبل علا أعلاها حجرًا، فجعل ينادي [٢]: "يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ (**) [٣] أهله - يخشى أن يسبقوه - فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه".

ورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُلّ النّهْدي [٤]، عن قَبيصة وزُهير بن عَمرو الهلالي، به.

الحديث الخامس: قال الإمام أحمد (٢٣): حدثنا أسود بن عامر [٥]، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: وقال لهم: "من يَضمنْ عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟

".

فقال رجل - لم يسمه شريك -: يا رسول الله، [أنت كنت بحرًا] [١] من يقوم بهذا؟

قال: ثم قال لآخر (* * *) قال: فعرض ذلك على أهل بيته.

فقال عليّ: أنا.

طريق أخرى بأبسط من هذا السياق، قال أحمد (٢٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي ﵁ قال [٢]: جمع رسول الله، ﷺ أو دعا رسول الله، ﷺ بني عبد المطلب، وهم رهطٌ كلهم يأكل الجَذَعَة ويشرب الفَرَق.

قال: وصنع لهم مُدًّا من طعام فأكلوا حتى شبعوا.

قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رَوُوا، وبقي الشراب كأنه لم يمس -أو لم يشرب- وقال: "يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبى؟

" قال: فلم يقم إليه أحد.

قال: فقمتُ إليه - وكنت أصغر القوم - قال: فقال: "اجلس".

ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: "اجلس".

حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.

طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر، قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (٢٥): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونس [٣] بن بكير، عن محمد بن إسحاق؛ قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال رسول الله ﷺ: "عرفت أني إن بادأتُ بها قومي، رأيت منهم ما أكره فصَمَتُّ، فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك".

قال عليّ ﵁: فدعاني فقال: "يا عليّ، إن الله قد أمرني: أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره.

فَصَمَتُّ عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد؛ إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك.

فاصنع لنا يا عليّ شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبنٍ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب" ففعلت.

فاجتمعوا له وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصون رجلًا [١]، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَة، فأخذ رسول الله، ﷺ، منها حِذْيَة (*) فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال: "كلوا باسم الله".

فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها.

ثم قال رسول الله، ﷺ: "اسقهم يا عليّ".

فجئت بذلك القَعْب (**) فشربوا منه حتى نَهلُوا جميعًا، وايم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله.

فلما أراد [٢] رسول الله ﷺ أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهَدّما (*) سحركم صاحبكم.

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله، ﷺ، فلما كان الغدُ قال رسول الله، ﷺ: "يا عليّ، عُد لنا بمثل [٣] الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بَدَرَني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم".

ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها.

ثم قال رسول الله ﷺ.

"اسقهم يا عليّ".

فجئت بذلك القَعب فشربوا منه [٤] حتى نهلوا جميعًا.

وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله.

فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بَدَرَه أبو لهب بالكلام فقال: لَهَدّما سحركم صاحبكم!

فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله.

فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ: "يا عليّ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم".

ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله ﷺ [كما صنع] [٥] بالأمس، فأكلوا [حتى نهلوا] [٦] عنه ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا بني عبد المطلب، إني - والله - ما أعلم شابًّا من العرب جاء قومه بأفضل مما [٧] جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة".

قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم [١] أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث.

وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب - فذكر مثله.

وزاد بعد قوله: "إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة" -: "وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني [٢] على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا؟

" قال: فأحجم القوم عنها جميعًا، وقلت - وإني [٣] لأحدثهم سنًّا وأرمصهم (٥) عينًا، وأعظمهم بطنًا [٤]، وأحمشهم (*) [٥] ساقًا -: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه.

فأخذ يرقُبني، ثم قال: "إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا".

قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!

(٢٦) تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم [أبو] [٦] مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة ﵏.

(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال: قال عليّ ﵁: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال لي رسول الله ﷺ: "اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنًا".

قال: ففعلت، ثم قال: "ادع بني هاشم".

قال: فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل -أو: أربعون ورجل- قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعَة بإدامها.

قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله ﷺ من ذروَتها ثم قال: "كلوا".

فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يرزءوا منها إلا يسيرًا، قال: ثم أتيتهم بالإِناء فشربوا حتى رَوُوا.

قال: وفَضَل فضْلٌ، فلما فرغوا أراد رسول الله ﷺ أن يتكلم فبدرُوه الكلام، فقالوا: ما رأينا كاليوم في السحر.

فسكت رسول الله، ﷺ.

ثم قال [لي] [١]: "اصنع رجل شاة بصاع من طعام".

[فصنعت، قال] [٢]: فدعاهم، فلما أكلوا وشربوا [قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله ﷺ ثم قال لي: "اصنع رجل شاة بصاع من طعام".

فصنعت، قال: فجمعتهم، فلما أكلوا وشربوا] [٣] بَدَرهم رسول الله ﷺ الكلام فقال: "أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟

".

قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكتّ أنا لسنّ العباس.

ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله.

قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حَمش الساقين.

فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن عليّ ﵁.

ومعنى سؤاله ﵊ لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله، يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، ولما أنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.

فعند ذلك أمِن، وكان أولًا يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشدّ إيمانًا وإيقانًا وتصديقًا لرسول الله، ﷺ، من عليّ ﵁، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله، ﷺ، ثم كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جَهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عمومًا وخصوصًا، حتى سمَّى من سمَّى من أعمامه وعماته وبناته؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، أي: إنما أنا نذير، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وقد روى الحافظ ابن عساكر (٢٧) في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق عمرو بن سمُرة.

عن محمد بن سوقة، عن عبد الواحد الدمشقي؛ قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟

فقال: لأني سمعت رسول الله، ﷺ يقول: "أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم [٤] الأقربون".

وذلك فيما أنزل الله ﷿: [﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، ثم قال: إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم؛ ولهذا قال] [٥]: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.

أي: في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وناصرك وحافظك ومظفرك ومُعْلٍ كلمتك.

وقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.

أي: هو مُعْتنٍ بك، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.

يعني: إلى الصلاة.

وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده.

وقال الحسن: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت وحدك.

وقال الضحاك: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.

أي: من فراشك أو مجلسك.

وقال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ قائمًا وجالسًا وعلى حالاتك.

وقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ - قال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.

قال: في الصلاة، يراك وحدك ويراك في الجَميع [١].

وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري.

وقال مجاهد: كان رسول الله، ﷺ، يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويشهد لهذا ما صح في الحديث: "سوّوا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري" (٢٨).

وروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجه نبيًّا.

وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية.

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ يقول تعالى مخاطبًا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس حقًّا، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رَبِّي من الجن فنزه الله - سبحانه - جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قبيل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم، وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم﴾ أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك الأثيم، أي: الفاجر في أفعاله.

فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين كالكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضًا كذبة فسقة.

﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾.

أي: يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث؛ كما رواه البخاري، من حديث الزهري، أخبرني يحيى بن عُروة بن الزبير، أنه سمع عُروة بن الزبير يقول: قالت عائشة ﵂: سأل ناسٌ النبي ﷺ عن الكهان، فقال: "إنهم ليسوا بشيء".

قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًّا؟

فقال النبي ﷺ: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فَيُقَرْقِرُهَا في أذن وليّه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون معها أكثر من [١] مائة كذبة" (٢٩).

وقال البخاري أيضًا (٣٠): حدثنا الحميدي [٢]، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال [٣]: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن [نبي الله] [٤]ﷺ قال [٥]: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه [٦] سلسلة على صَفْوان، حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟

[قالوا للذي] [١] قال: الحق وهو العليّ الكبير.

فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بيده فَحَرَفها، وبَدّد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخرُ إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر -أو: الكاهن- فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة.

فيقال: أليس قد [٢] قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟

فيُصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".

انفرد به البخاري.

وروى مسلم من حديث الزهري، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبًا من هذا، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.

وقال البخاري (٣١): وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الملائكة تحدث في العنان -والعنان: الغَمَام- بالأمر يكون [٣] في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فَتَقَرّها في أذُن الكاهن كما تُقرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة".

وروى [٤] البخاري في موضع آخر من كتاب "بدء الخلق" عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، بنحوه (٣٢).

وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن.

وكذا قال مجاهد ﵀ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما.

وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فِئام من الناس، ولهذا فِئام من الناس، فأنزل الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.

[وقال] [٥] الإمام أحمد (٣٣): حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن الهاد، عن يُحنَّس - مولى مصعب بن الزبير - عن أبي سعيد؛ قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعَرْج، إذ عَرَض شاعر يُنشد، فقال النبي ﷺ: "خذوا الشيطان -أو: أمسكوا الشيطان- لأنْ يمتليء جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتليء شعرًا".

وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ - قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في [١] كل لغو يخوضون.

وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فنٍّ من الكلام.

وكذا قال مجاهد وغيره.

وقال الحسن البصري: قد - والله - رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة فلان، ومرة في مدحة فلان.

وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.

وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ - قال العوفي، عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار والآخر من قيم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غُواةٌ من قومه - هم السفهاء - فقال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه.

وهذا الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يَتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم؛ ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم [٢].

ولهذا اختلف العلماء ﵏ فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حَدًّا: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا - لأنهم يقولون ما لا يفعلون - على قولين.

وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في "الطبقات"، والزبير بن بكار في "كتاب الفكاهة": أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان بن عديّ بن نضلة على "مَيْسَان" - من أرض البصرة - وكان يقول الشعر، فقال: ألَا هلْ أتى الحسناءَ أن حليلَها [٣] … بِمَيْسَانَ، يُسقَى في [٤] زُجاج وحَنْتَم إذا شئتُ غنَّتْني دهاقينُ قريةٍ … ورقّاصةٌ تحدو على كلِ مَنْسم فإنْ كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تَسْقني بالأصْغَر المُتَثلّم لَعَلّ أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤُه [١] … تَنَادُمُنا بالجَوْسَقِ المُتهَدّم فلما بلغ أمير المؤمنين قال: إي والله، إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم.

﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

أما بعد، فقد بلغني قولك: لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمُنا بالجوسَقِ المتهدِّمِ وايمُ الله، إنه ليسوؤني وقد عزلتك.

فلما قدم على عمر بكَّتَهُ (*) بهذا الشعر فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما شربتُها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طَفَح على لساني.

فقال عمر: أظنّ ذلك، ولكن - والله - لا تعمل لي على عمل أبدًا وقد قلت ما قلت.

فلم يُذكر أنه حدَّهُ على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ﵁ ولامه على ذلك وعزله به؛ ولهذا جاء في الحديث: "لأن يمتليء جوف أحدكم قيحًا، يَرِيه خيرٌ له من أن يمتليء شِعرًا" (٣٤)، والمراد من هذا أن الرسول ﷺ الذي أنزل عليه [هذا] [٢] القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛ لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وهكذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ … إلى أن قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.

إلى أن قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.

وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

قال محمد بن إسحاق، عن يَزيد [٣] ابن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي الحسن سالم البَرّاد مولى تميم الداريّ؛ قال: لما نزَلتْ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك، إلى رسول الله، ﷺ، وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء.

فتلا النبي ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: "أنتم"، ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، قال: "أنتم"، ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، قال: "أنتم".

رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من رواية ابن إسحاق (٣٥).

وقد روى ابن أبي حاتم أيضًا، عن أبي سعيد الأشجّ، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني [١] نوفل: أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله، ﷺ، حين نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ يبكيان، فقال رسول الله، ﷺ، وهو يقرؤها عليهما: " ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: أنتم" (٣٦).

وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله؛ قد علم الله أني منهم.

فأنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ينقلبون﴾.

وهكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وغير واحد: إن هذا استثناء مما تقدم.

ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟

في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم.

ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه من كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّييء، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإِسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه، كما قال عبد الله بن الزِّبَعْرَى حين أسلم.

يَا رَسُول الملَيك، إنّ لسَاني … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أنَا بُورُ إذْ أجَارِي الشيطانَ في سنَن الغَـ … ـيِّ ومَن مَال مَيلَه مَثْبُورُ وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وهو ابن عمه، وأكثرهم له هجوًّا، فلما أسلم لم يكن أحد أحبّ إليه من رسول الله، ﷺ، وكان يمدح رسول الله ﷺ بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه.

وهكذا روى مسلم في صحيحه (٣٧)، عن ابن عباس: أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله؛ ثلاث أعْطنِيِهنّ [١].

قال: "نعم".

قال [٢]: معاوية تجعله كاتبًا بين يديك.

قال: "نعم".

قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين.

قال: "نعم"، وذكر الثالثة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: معناه ذكروا الله كثيرًا في كلامهم.

وقيل: في شعرهم، وكلاهما صحيح مُكفّر لما سبق.

وقوله: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس: يردون [٣] على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين.

وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد.

وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله، ﷺ، قال لحسان: "اهجهم -أو قال: هاجهم- وجبريل معك" (٣٨).

وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه قال للنبي ﷺ: إن الله عزَّ جلَّ قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده [٤]، لكأن ما ترمونهم به نَضْح النَبْل" (٣٩).

وقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (٤٠).

وقال قتادة بن دِعَامَة في قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ يعني من الشعراء وغيرهم.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تَميمة، قال: حضرت الحسن ومُرَّ عليه بجنازة نصراني، فقال الحسن: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

وقال عبد الله بن رَبَاح، عن صفوان بن مُحرِز: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى حتى أقول: قد اندق قَضِيب زَوره: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

وقال ابن وهب: أخبرني ابن سُرَيج الإِسكندراني، عن بعض المشيخة: أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها -أو يصطلون- إذا بركاب قد أقبلوا، فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عُبيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم - قال: وصاحب لنا قائم يصلي - قال: حتى مرّ بهذه الآية: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت.

وقيل: المراد بهم أهل مكة.

وقيل: الذين ظلموا من المشركين.

والصحيح أن هذه الآية [١] عامة في كل ظالم، كما قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كتب أبي وصيته سطرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قُحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويَصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم عُمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويُبدل فلا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ".

آخر تفسير سورة الشعراء، و [٢] الحمد لله ربِّ العالمين * * *

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
التربيع الأول اليوم 7.4 / 29.5
الإضاءة 51%
البدر بعد 7 يوم
أستغفر الله