تفسير سورة يس الآية ٣٦ عند الألوسي

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 36 يس > الآية ٣٦

سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ - تَعالى - عَمّا فَعَلُوهُ مِن تَرْكِ شُكْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِعْظامِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ وأسْرارِ حِكْمَتِهِ ورَوائِعِ نَعْمائِهِ المُوجِبَةِ لِشُكْرِهِ - تَعالى - وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - والتَّعْجِيبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ والحالُ هَذِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) .

وفي الإرْشادِ هُنا أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا أيِ اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمِ بِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا بَعُدَ فِيهِما وأمْعَنَ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ أيْ أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ وجِهَةِ العُدُولِ إلى التَّفْعِيلِ وجِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ وجِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّنَزُّهُ التّامُّ والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ عَنِ السُّوءِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ إسْنادِ التَّنَزُّهِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسِ فالمَعْنى تَنَزَّهَ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ - تَعالى - تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ سُبْحانَهُ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا إخْبارٌ مِنهُ - تَعالى - بِتَنَزُّهِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمّا فَعَلُوهُ وما تَرَكُوهُ؛ وعَلى الأوَّلِ حُكْمٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوهُ ويَعْتَقِدُوا مَضْمُونَهُ ولا يُخِلُّوا بِهِ ولا يَغْفُلُوا عَنْهُ.

وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ النّاصِبَ أمْرًا أيْ سَبِّحُوا سُبْحانَ، والمُرادُ بِالأزْواجِ الأنْواعُ والأصْنافُ، وقالَ الرّاغِبُ: الأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ ويُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ ولِكُلِّ ما يَقْتَرِنُ بِآخَرَ مُماثِلًا لَهُ أوْ مُضادًّا، وكُلُّ ما في العالَمِ زَوْجٌ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُ ضِدًّا ما أوْ مَثَلًا ما أوْ تَرْكِيبًا ما، بَلْ لا يَنْفَكُّ بِوَجْهٍ مِن تَرْكِيبِ صُورَةٍ ومادَّةٍ وجَوْهَرٍ وعَرَضٍ.

﴿ مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ﴾ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها.

﴿ ومِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ وخَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، أيِ الذَّكَرَ والأُنْثى.

﴿ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ والأزْواجَ مِمّا لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - ولَمْ يَجْعَلْ لَهم طَرِيقًا إلى مَعْرِفَتِهِ بِخُصُوصِيّاتِهِ، وإنَّما أطْلَعَهم - سُبْحانَهُ - عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ عَلى مِنهاجِ ﴿ ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ لِما نِيطَ بِهِ وُقُوفُهم عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وجَلالَةِ سُلْطانِهِ - عَزَّ وجَلَّ.

ولَعَلَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ مِن أخَصِّ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُثْبَتْ عَلى وجْهِ الكَمالِ والإحاطَةِ لِأحَدٍ سِواهُ - سُبْحانَهُ، ولَوْ كانَ بِطَرِيقِ الفَيْضِ مِنهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَلى أنَّ ظَرْفَ المُمْكِنِ يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ، فَما يَجْهَلُهُ كُلُّ أحَدٍ أكْثَرُ مِمّا يَعْلَمُهُ بِكَثِيرٍ، وقَدْ يُقالُ عَلى بَعْضِ الِاعْتِباراتِ: إنَّ ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مُتَناهٍ وما يَجْهَلُهُ غَيْرُ مُتَناهٍ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ المُتَناهِي وغَيْرِ المُتَناهِي أصْلًا، فَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَعْلُومِ كُلِّ أحَدٍ ومَجْهُولِهِ، وتَأمَّلْ في هَذا مَعَ دَعْوى بَعْضِ الأكابِرِ الوُقُوفَ عَلى الأعْيانِ الثّابِتَةِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله